‏إظهار الرسائل ذات التسميات أوياما. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أوياما. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، ٣ يونيو ٢٠٠٩

القبة تلمع من جديد


تصوير: مروة مرجان

صدى صوت السلطة ملأ دوما فراغ القبة المهيبة لقاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة، باستثناء لحظات قليلة غير محتمل تكرارها أثناء خطاب أوباما .

قد لا تكون إلا أسباب عملية للغاية هي التي كانت وراء ترجيح أوباما وفريق عمله لقاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة كمكان لإلقاء خطابه المنتظر. ببساطة "لأن جامعة القاهرة سهلة التأمين" كما قالت المصادر الرسمية.
ولكن برغم ذلك، فإن سيل التحليلات للمعاني والدلالات الرمزية السياسية والحضارية الكامنة وراء تفاصيل الاختيار سيزيد بريق القبة الشهيرة فوق القاعة المختارة، بعد ان أصبحت محط أنظار جزء لا بأس به من العالم حتى يبدأ أوباما حديثه، وساعتها ستنصرف التحليلات إلى ما وراء كلماته.
بريق القبة، بمعناه الحرفي لا الرمزي، كان محط اهتمام المسئولين. فبدأت اجراءات الصقل والتلميع، لتلفت الانتباه أكثر إلى أن الرمز الشهير لجامعة القاهرة كان بلا عناية كافية بعد أن فقد ما يرمز إليه ومن يرمز إليهم الأهمية الكافية.
الطلبة الذين تمشوا قربها بعد خروجهم من الامتحانات، فاجأهم الاهتمام المبكر بالمكان، فاستجابوا بلا شكوى لرجال بأزياء متنوعة ملأوا الجامعة يلوحون تجاههم بإشارات عصبية خالية من اللياقة "تهشهم"– بالمعنى الحرفي لا الرمزي- ليبتعدوا قليلا في سيرهم عن قاعة الاحتفالات التي كان يجرى تلميعها وتأمينها.
هم فاهمون لما يجري، لكن الأهم أنهم اعتادوا على مثل هذه المعاملة من حرس الجامعة، الذين "لولاهم لاختفت قبة الجامعة في اليوم التالي" كما صرح حسام كامل رئيس الجامعة.
هؤلاء الطلبة لا يذكر معظمهم أنه دخل هذه القاعة، وبعضهم يذكر حضوره ندوة عن وزير أو حفل موسيقى في مناسبة ما. ولكن كل من دخلوا يعلقون بانبهار على مشهد القبة الفخمة من الداخل والمهابة التي تلقيها على المكان الفخم الواسع. هذه المهابة احتكرتها السلطة التي استحوذت على المكان منذ إنشاءه، وشعرت بالذعر في اللحظات القليلة التي دوت فيه أصوات مختلفة مزعجة خارجة عن النظام.
أنشئت قاعة الاحتفالات الكبرى عام 1935، وذلك بعد 27 عاما من تأسيس الجامعة الأهلية التي كانت نواة التعليم العالي المصري في عام 1908 بعد اكتتاب عام دعا إليه رجال الوطنية المصرية المهتمين بتنوير لن يخرج من الأزهر التقليدي - الذي كان الخيار الآخر كمكان لخطاب أوباما.
ولكن الجامعة الأهلية التي طلبت من الأمير فؤاد الأول آنذاك أن يرأسها لكي تضمن الرعاية، لم تستطع استكمال المسيرة في استقلال عن الدولة فاندمجت مع مدارس عليا أخرى لتصبح "الجامعة المصرية" الحكومية التابعة لوزارة المعارف عام 1925. ثم يتغير اسمها في 1940 إلى "جامعة فؤاد الأول" قبل أن تعدل حكومة الثورة اسمها إلى "جامعة القاهرة" في 1952.
لعبت جامعة القاهرة دورا شديد الأهمية في سياسة حكومة الثورة، فهي كانت محضن الآلاف من أبناء الطبقات الشعبية ممن سيدينون بالولاء لنظام مجانية التعليم. وبالتوازي كانت قاعة الاحتفالات الكبرى بالجامعة مكانا مفضلا لاحتفالات نظام الثورة واجتماعاته . فعلى مسرحها غنت أم كلثوم وغنى عبد الحليم حافظ في مناسبات مختلفة بحضور جمال عبد الناصر، الذي استضاف في نفس القاعة مؤتمر دول عدم الانحياز عام 1964. وبعد هزيمة يونيو 1967 التقي عبد الناصر بالمثقفين في إبريل 1968 ليقول إن تحرير سيناء قد يكون سهلا لو تخلت مصر عن انتمائها العربي وقبلت التسويات، وبشر بمعركة فاصلة.
هذه البشارة هي نفسها التي ستكون مطلب الاعتصام الشهير للطلبة المعارضين لخلفه السادات في عام 1972، بعد أن اقتحموا واحتلوا نفس القاعة التي تحول اسمها على يد السادات نفسه إلى قاعة جمال عبد الناصر بعد وفاة الأخير. ولكن الأمن المركزي اقتحم الجامعة القاعة المهيبة ليعتقل المعتصمين. لتخرج مجموعات أخرى من الطلبة في اليوم التالي لتعتصم في ميدان التحرير فيما سمي باعتصام "الكعكة الحجرية" كما خلدها أمل دنقل في قصيدته.
في مطلع 1973 تكرر اعتصام الطلبة واحتلالهم للقاعة ولكن انفض هذه المرة سلميا بعد قرار بإيقاف الدراسة تماما حتى فضه.
من الطبيعي بعدها أن يعود اسم القاعة إلى أصله، بعد أن تحولت الدولة المصرية مع السادات إلى مسار آخر. ولكنها تركت للمعارضين سلم مدخلها.
هذا السلم شهد مؤتمرات المظاهرات الطلابية المعارضة التي صارت قيادتها إلى الإخوان المسلمين. وبدورهم اعتصموا على درجاته مرارا احتجاجا على شطبهم وحرمانهم من خوض الانتخابات الطلابية. ثم شهد تظاهرات ضخمة في مناسبات مختلفة كان أشدها في 2000 دعما للانتفاضة الفلسطينية الثانية.
نفس السلم شهد ولا يزال مظاهرات حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات التي تأسست في 2004، والتي تحاول حشد الأساتذة لاستعادة القبة من عناية الحرس والأمن وتدخل الدولة.
ولكن آخر صوت مزعج دوى داخل القاعة وتحت القبة، كان في إبريل 2008 بعد أيام من الدعوة للإضراب العام في 6 إبريل واعتقال شباب الحركة التي عرفت فيما بعد بـحركة 6 إبريل. وكان صوت الطالب بلال دياب عضو حزب الغد الذي تسلل إلى لقاء الطلبة مع أحمد نظيف رئيس الوزراء وسط مجموعة من طلاب اتحاد كلية التجارة – المرضي عنهم – بعد أن رفض الأمن دخوله في البداية. ورغم تواجده في بلكون الدور الثاني إلا أنه قاطع حديث نظيف صائحا: "أفرج عن مصر يا ريس. مصر حزينة. أفرج عن شباب 6 إبريل".
مهما كان، فالأرجح أن الاستعدادات هذه المرة أكثر إحكاما مع أنباء الاختيارات الدقيقة للأساتذة والطلبة الأبعد عن أي صلة أو اهتمام بـ"التغيير"، والذي سيحظون وحدهم بحضور محاضرة أوباما، وهو الذي وصل إلى هنا بعد معركة كان عنوانها "التغيير". وربما لهذا السبب سيدوي في فضاء القاعة صوته المنفرد، وستتردد سلطته المتجاوزة للحدود في فراغها بلا معقب، لتنتقل إلى هؤلاء الذين اختار أن يسميهم "العالم الإسلامي" فأصبح ذلك اسمهم في كل وسائل الإعلام بلا نقاش.
-
نشر في "الشروق" الثلاثاء 2 يونيو 2009

المزيد