‏إظهار الرسائل ذات التسميات حقوق الإنسان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حقوق الإنسان. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، ٢ يوليو ٢٠١٠

قانوني أم ناشط سياسي؟


مهنة محامي حقوق الإنسان لا تزال تتردد بين أسلوب المناضلين المتحمسين وأسلوب المهنيين في مؤسسات محددة المهمة.

لم يكن ذلك اليوم استثناء في مركز هشام مبارك للقانون. ولكنه كان أكثر ازدحاما عن باقي الأيام بسبب استضافة المركز ندوة عن قانون النقابات المهنية. يجلس على المنصة متحدثا أحمد سيف الإسلام المحامي الحقوقي المخضرم ومدير المركز، وبين الحضور يتحرك المحامي الشاب أحمد راغب، المدير التنفيذي، يتحاور مع عدد من العمال والناشطين حول توكيلات وتفاصيل قانونية تخص مشاكل.
أحمد سيف الإسلام المولود في أوائل الخمسينات وينتمي إلى جيل السبعينات في السياسة وراغب المولود في نهاية السبعينات وينتمي إلى جيل نهاية التسعينات وبدايات الألفية، يجمعهما أنهما محاميان دخلا إلى مجال العمل في حقوق الإنسان من بوابة السياسة والنشاط مع اليسار المصري. أوجه التشابه بينهما تحمل ملامح ثابتة للمحامي الحقوقي في مصر منذ بداية الحركة الحقوقية في الثمانينات وحتى الآن، وبعض الاختلاف يشير إلى التحولات التي تنتظر مسار هذا التخصص كمجال مهني مرتبط بشكل كبير بحراك اجتماعي وسياسي يشهد لحظات من الفوران.
درس سيف الإسلام، خريج العلوم السياسية، القانون أثناء سجنه بتهمة الانضمام إلى تنظيم سري وفي التسعينات بدأ تطوعه في قضايا حقوق الإنسان مع مركز المساعدة القانونية بجانب عمله في مكتبه الخاص. وفي عام 1996 وأثناء الانتخابات العمالية حدثت زيادة في عدد القضايا التي احتاجت محامين متطوعين. يقول سيف الإسلام:”بجانب عملي الخاص في مكتبي يمكنني أن أتحمل في السنة 5 أو 6 قضايا تطوعية. وعندما شعرت بضرورة العمل على المزيد من القضايا التي لا تخدم الأفراد بل المئات، وتساهم أحيانا في تعديلات قانونية تخدم أجيال لاحقة. فكرت في التحول بشكل كامل للعمل في مركز حقوقي. ذلك النوع من العمل يتطلب قدرا من التفرغ وباحثين وإمكانات مادية مساعدة".
وعبر مركز المساعدة القانونية ثم المشاركة في تأسيس مركز هشام مبارك استمرت مسيرة سيف الإسلام، التي تجاورت فيها روح الالتزام السياسي والخدمة القانونية.
كطالب في الجامعة وناشط بدأت علاقة راغب بالمركز مستفيدا من أنشطته وخدماته ومتدربا فيه. وبعد تخرجه وعمله لفترة في مكاتب محاماة لم يعجبه الحال وشعر أن عمله في مجال حقوق الإنسان يتسق أكثر مع فكرته عن نفسه كناشط أكثر منه موظف.
يقول راغب:"هناك تضحية مادية في المستقبل. فالمحامي الأكبر والأشهر في السوق يتقاضي دخلا أكبر بكثير من محامي حقوق الإنسان بنفس الخبرة. ولكن مقابلها هناك تحقق وإشباع للاهتمام السياسي وروح العمل العام. مؤخرا فقط يمكن أن نقول أن أجور المحامين حديثي التخرج في منظمات حقوق الإنسان توفر دخلا ثابتا أفضل من أقرانهم في مكاتب المحاماة".
يقول أحمد سيف الإسلام أنه شخصيا حسم أمره لأنه لم يعد لديه طموحات مادية ولكنه يريد أن يقوم بعمل يحبه ويتحمس له، ولكن الشباب لديهم التزامات مالية ضرورة في بداية حياتهم ولذلك المحامين الشباب في المركز ومراكز أخرى يعملون أيضا في مكاتب خاصة أو لديهم مكاتب تخصهم.
بعض الشباب يتجهون الآن لطلب التدريب والعمل في منظمات حقوق الإنسان بعد تخرجهم، بدون أن يكونوا من أصحاب النشاط السياسي، ولكن راغب يرى أن الأفق السياسي مهم جدا لمحامي حقوق الإنسان لأن علاقته بالقانون علاقة جدلية يجب أن يكون فيها إبداع، فهو ليس كمحامي السوق مهمته أن يفسر القانون لمصلحة الموكل، بل ينطلق من حق من حقوق الإنسان أو مصالح قطاعات واسعة وربما يسعى لاقتراح قوانين أو تعديل قوانين أو الدفع بعدم دستوريتها.
رغم تبنيهم لقضايا عامة إلا أنه كان على المحامين الحقوقين قبل سنوات الدعوة لمراكزهم بشكل ما أواستغلال شبكات العلاقات السياسية القريبة من أجل تشجيع الناس على التعامل معهم. يحكي سيف الإسلام أن بعض العمال كانوا يحضرون مظروفا به بعض المال ظنا أن المراكز الحقوقية التي لا تتقاضى منهم أتعابا لن تقوم بواجبها جيدا، مثل كل خدمة مجانية يرونها في مصر. ولكنه يرى أن جهد المحامين الحقوقيين وبعض الانتصارات في المحاكم تشجع المزيد على الثقة بهم. أما بعد سنوات الحراك السياسي والدعوة إلى التغيير وازدهار الصحافة الخاصة والتدوين، بدأ المحامون الحقوقيون يحتلون الصفحات الأولى مع الجدل السياسي والدفاع عن الحريات وتبني قضايا التعذيب التي تتحول لقضايا رأي عام. يضيف سيف الإسلام: "أصبح الناس يتصلون بنا ويأتون إلينا، وبينما خطتنا السنوية هي 100 قضية نتولى الآن سنويا ما بين 300 إلى 400 قضية".
يعترف سيف الإسلام أن أهم مشاكل المحامين الحقوقيين هو عدم قدرتهم حتى الان في مواجهة تزايد الاعباء على صياغة برنامج تدريبي لاعداد المحامين الحقوقيين الشباب الأكفاء والأمر يصبح متروكا أمام الاستعداد الشخصي والحماس.
الكفاءة مقابل الحماس، هي أيضا ما يراه راغب تحديا أمام المحامين الحقوقيين. المنظمات القانونية الحقوقية لا تزال تتحمل قضايا أكثر من طاقتها ولا تزال تحاول صياغة شكل مؤسسي منظبط لعملها.
يضيف راغب أيضا أن نظرة المحامين لدورهم يجب أن تتطور، فالروح السياسية الأحادية المعارضة للدولة التي شكلت عمل بعض الأجيال الأكبر في المجال الحقوقي يجب على الأجيال الأحدث أن تتجاوزها لتدرك أكثر أن هناك تنوعات داخل الدولة ويمكن التأثير على قرارها.
في أطروحته التي يعدها لنيل الدكتوراة من جامعة "إسكس" ببريطانيا حول حقوق الإنسان والسياسة في مصر، يتناول عمرو عبد الرحمن مشكلة هوية المحامي الحقوقي، ويرى أن تطور مهنية المحامين الحقوقين في مصر لا تزال في بدابتها وأسيرة النظرة للعمل الحقوقي كبديل وتعويض للفشل أو الركود السياسي، وأن الإحساس بالجانب الأخلاقي في العمل الحقوقي عند الدفاع عن منتهك مثلا لا يزال يعطل كفاءة الجانب المهني في إثبات ذلك، وهو ما تلاحظه بعض الجهات الدولية في العمل الحقوقي المصري. ويضيف أن هناك شخصية منقسمة وعلاقة متوترة بالسياسة بسبب عدم استقرار التقاليد الديمقراطية، بينما في أوروبا مهنية المحامي الحقوقي متشكلة لأن هناك حقوق واضحة مستقرة ومحفوظة ولا جدال عليها يقوم المحامي بتقديم خدمة قانونية مرتبطة بها وليس نضالا من أجلها.



حقوقي إسلامي ؟

الذين عرفوا إسلام لطفي أثناء دراسته الجامعية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة كان رأيهم أنه ناشط سياسي إسلامي مختلف عن أقرانه من النشطاء الإسلاميين بشكل ملحوظ. بعد تخرجه أقدم إسلام على ما يدل على ذلك واختار العمل في المجال الحقوقي واستمر حتى الآن.
الصورة المعتادة لـ"المحامي الإسلامي" في المجال العام إما أنه يدافع عن الإسلاميين فحسب أو أنه المحامي الذي يرفع دعاوى ضد بعض المنشورات أو الأفلام أو الممارسات التي يراها خارجة عن آداب المجتمع وأعرافه وفي العادة يكون في مواجهة محام حقوقي آخر يدافع عن الحريات.
"صحيح أن عددا قليلا جدا من الإسلاميين يعملون في مجال حقوق الإنسان، لكني لا أرى تناقضا بين توجهي السياسي الإسلامي وبين عملي" يشرح إسلام لطفي فكرته :"أرى أن أفكار ومباديء حقوق الإنسان لا يوجد بينها وبين الإسلام تناقض جذري. حتى تلك التي يبدو أنها مخالفة للدين يمكن أن نجد لها تخريجات أو اجتهادات ما تمكّن الإسلاميين من التعامل معها والتواجد على الساحة الحقوقية".
بعد تخرجه عمل إسلام في برنامج للمساعدة القانونية للاجئين، وهناك واجه بعض المواقف الحرجة. يحكي إسلام أنه في نهاية العام كان يحصل على أعلى تقدير للأداء كموظف ولكنه فعليا كان يعاني من التكيف مع سلوكيات زملائه في محيط العمل، الحفلات والعلاقات بين الشباب والفتيات، مشيرا إلى أن الأوساط الحقوقية يغلب عليها تاريخيا الانتماءات اليسارية والقومية، ثم الليبرالية بعد ذلك. وفي الوقت نفسه تعرض للانتقاد لأنه يصلي في مكان العمل، مما جعل بعض رؤسائه يطلبون منه ألا يقوم بذلك لأن بعض اللاجئين السودانيين هاربين من اضطهاد النظام الإسلامي هناك مما قد يجعلهم يتوجسون عند التعامل معه ظنا أنه "إسلامي”. يضحك إسلام : "وهو ما كان صحيحا!”
الموقف الأكثر تعقيدا كان عندما أخذ لاجيء سوداني يحكي له عن تعرضه لانتهاكات بسبب كونه مثليّ الجنس. يقول إسلام أنه كان لا يزال شابا متحمسا وبينه وبين بعض معطيات الواقع حواجز نفسية، فبكى من هول الموقف والمأزق الأخلاقي، بينما ظن اللاجيء أنه يبكي تعاطفا منه. لجأ إسلام إلى رمز إسلامي يثق برأيه فطمأنه أنه لا حرج من مساعدة اللاجيء المظلوم مهما كان الأمر. يعلق إسلام: "موقفي الآن لا يزال معترضا على المثلية الجنسية كحق يجب الدفاع عنه، ولكن يمكنني أن أدافع عن حق المثليّ في الخصوصية إن مارس ذلك في بيته المغلق عليه ولم يخرج إلى العلن، وأدافع عن حقه في محاكمة عادلة بلا انتهاكات أو إهانة ولكني في هذه الحالة لا أدعو لتغيير القانون المصري الذي أعمل في إطاره ويعتبر ذلك فجورا".
يستدرك إسلام أن مجال حقوق الإنسان أوسع من تلك النقاط الحساسة: ”ولكن للأسف تلك النقاط تشكل حساسية بين جمهور الإسلاميين ومنهم الإخوان المسلمين، خاصة في الريف، وبين فكرة العمل في مجال حقوق الإنسان التي لا تزال تلقى توجسا".
تنقل إسلام بين عدد من الوظائف، ولكن كان أبرزها في مجاله أنه كان المنسق العام والمؤسس الفعلي لمركز "سواسية" لحقوق الإنسان في 2004، والمعروف أنه المركز الحقوقي التابع للإخوان المسلمين ويرأسه محاميهم عبد المنعم عبد المقصود. ولكن لم يستمر إسلام لطفي فيه طويلا لأنه وجد إدارة الإخوان للمركز تحدد أفقه ولا تطوره: " الإخوان تعاملوا معه كأداة سياسية وتوجسوا من تدريب كوادر جديدة لكيلا يستفز ذلك الأمن. بالإضافة أن تعامل الإسلاميين بشكل عام مع حقوق الإنسان يقتصر على المباديء التي لصالحهم دون وعي أن عليهم أن يتعاملوا مع المنظومة كلها بشكل ما".
يعي إسلام لطفي جيدا أن خيار العمل كمحامي حقوقي رغم انتمائه الإسلامي يضعه دائما بين مطرقة التوجس منه بين أوساط غير الإسلاميين وسندان توجس الإسلاميين التقليديين منه، ولكنه حسم أمره ويعتبر أن عمله يجمع بين تخصصه في القانون وشغفه بالسياسة والعمل العام، متفائلا بأن المستقبل يحمل الأفضل.



نشر في جريدة "الشروق" الخميس 1 يوليو 2010
PDF
المزيد

الثلاثاء، ٢٣ مارس ٢٠١٠

حرامي في مولد

التعذيب الشعبي

من المفترض أن يكون الفرق بين المجتمع الحديث الذي يحكمه القانون وبين "المولد" هو نفسه الفرق بين احترام الفرد وحقوقه ولو كان متهما بارتكاب جريمة وبين "العلقة" التي ينالها الحرامي في المولد ويضرب بها المثل.

لم تتمكن المهندسة المعمارية رشا أسامة من الدخول بسهولة إلي بيتها في منطقة الهرم ذلك المساء. فقد وجدت حشدا كبيرا متحمسا يتفرج على شيء ما في مدخل العمارة، وبصعوبة بالغة تمكنت من مناداة البواب الذي كان من الحشد فأفسح لها طريقا لتمر إلى السلم. وفي طريقها بدأت تدرك سبب ذلك الحشد: شاب في حالة رثة ملقى على الأرض وحوله مجموعة كبيرة من الناس ينهالون عليه بالسباب والضرب، وأحدهم يقوم بدور قيادي ويتولي التحقيق مع الشاب ممسكا بحزام جلدي ينهال به عليه بين الحين والآخر وهو يطالبه بالاعتراف.
علمت فيما بعد أن جريمة سرقت حدثت لأحد سكان العمارة، وأنهم اشتبهوا في علاقة هذا الشباب بالجريمة، فـ"ألقوا القبض عليه" و"تولوا التحقيق معه"، ولكن في النهاية لم يتمكنوا من إجباره على الاعتراف فـ"أطلقوا سراحه".
"الجماهير" التي تقمصت دور الشرطة لم تكتف بذلك، بل تجاوزت إلى استخدام قدرمن "التعذيب" في التعامل مع المتهم المفترض. وهو التجاوز الذي تتهم تقارير حقوقية متعددة ضباط الشرطة بارتكابه، بل واعتماده كسياسة منهجية في الأقسام والسجون. وأدين عدد منهم بالفعل، وأشهرهم الضابط إسلام نبيه المحكوم عليه بالسجن 3 سنوات لتعذيبه عماد الكبير الذي أصبح اسمه عنوان قضية شغلت الرأي العام لفترة. ولكن هل هذا "الرأي العام" يقف بشكل مبدئي ضد التعذيب أم أن الكثيرين منا لن يترددوا عن استخدامه عندما يجدون أنفسهم في مكان ضابط الشرطة ويودون إجبار شخص آخر على الإدلاء بمعلومات أو اعتراف، أو يودون عقابه بعيدا عن القانون؟
لا وجود لإجابة قاطعة بالتأكيد، فمن جهة ما ترويه المهندسة رشا أسامة يرويه آخرون أيضا، ومن جهة أخرى هذه الروايات تعكس اختلافا في الرأي حولها. فرشا أسامة لم يعجبها ما حدث، بينما الحشد المكون من أهل الشارع كان الأمر يعجبه إلى حد المشاركة. ولكن بالتأكيد تكرار مثل هذه الحوادث وعلى نطاق أكبر من هذه الحكاية مؤشر سلبي.
قبل عام، اتهم خفير في فيلا بالشروق، الطيار صاحب الفيلا وزوجته وشقيقته باحتجازه وتعذيبه، بل واستئجار رجل لانتهاكه جنسيا وتصوير ذلك وإجباره على التوقيع على إيصالات أمانة، عقابا له على إعطاء رقم تليفون زوجة الطيار لرجلين مجهولين قاما بمعاكستها تليفونيا. وسجلت التحقيقات اعترافاتهم بذلك، ولكنهم أنكروها في المحاكمة. وفي الشهر الماضي، تم اتهام تاجر من قرية "وردان" التابعة لمركز إمبابة باحتجاز أحد عماله و تعذيبه، لأنه شك في اختلاسه مبلغا ماليا. وقال في التحقيقات أن أمين شرطة هو الذي نصحه بذلك وقال له أن الطريق القانوني لن يعيد إليه أمواله.
يقول مصطفى حسين، الطبيب النفسي الذي يعمل ضمن فريق مركز النديم لإعادة تأهيل ضحايا العنف "عدم ثقة المواطنين في فاعلية القانون والقضاء في إعادة حقوقهم ربما يكون سببا في هذه الحالات. ولكن هذه الحالات لا تصل للمنظمات الحقوقية، ولا يزال التعريف الرسمي للتعذيب الذي تعمل على مناهضته ومعالجة آثاره هو الفعل الذي يأتي من جهة رسمية أو ذات سلطة" ويضيف أن بعض الحالات التي يقوم بالتعذيب فيها مواطنون عاديون يكونون أحيانا أصحاب سلطة بشكل ما على من يتم تعذيبه.
يمكن تقسيم حالات "التعذيب الشعبي" – إن أمكن أن نسميه كذلك- إلى نوعين: نوع يكون فيه المتهم بارتكاب التعذيب في موقع يمكن اعتباره "سلطة ما" أو "وضع اجتماعي أعلى" من الضحية، مثل الطيار مع خفير الفيلا والتاجر مع أحد عماله. والنوع الآخر هوالنوع الذي يتقمص فيه الناس دور أفراد الشرطة تطوعا لـ"تأديب" متهم ما شكوا فيه أو ينفجر غضبهم تجاهه بعد ضبطه متلبسا. والنوع الأخير هو ما يعبر عنه المثل الشعبي واصفا العلقة الساخنة بأنها "ما أخدهاش حرامي في مولد". المثل يمكن أن يكون صورة معبرة عن هذا النوع وما يحيطه من ملابسات. فالمولد عبارة عن حالة استثنائية من الفوضي يغيب فيها النظام وبالتالي القانون بشكل كبير. تنتشر السرقات نتيجة لذلك، وبالتالي فإن رد الفعل على نفس القدر من الفوضى. ينفجرالناس وينتقمون ممن يتم "الحكم عليه" في لحظة ما بأنه لص على كل تلك الجرائم التي حدثت سابقا لهم أو سمعوا عنها. وفي الغالب فإنهم يتركون "اللص" دون تسليمه إلى الشرطة، ويعتقدون أن ما حدث هو عقاب مناسب وكاف.
عبد الهادي سلامة، صاحب متجر للمحمول في بولاق الدكرور، يعتقد أن هذا الوضع هوالأفضل للناس وللصوص معا:"الحكومة ما عندهاش وقت للتحقيق في سرقة موبايل أو ألف جنيه، والناس بتخلّص حقها بدراعها. وكمان الحرامي ممكن يكون شاب غلط لأول مرة.حرام يتبهدل وتبقى سابقة ويدخل السجن ويبقى مجرم رسمي. كفاية عليه علقة تربيه ويتعلم الأدب". يضيف عبد الهادي أنه تعاطف مع عماد الكبير في قضية تعذيبه ولكنه أيضا يعتقد أن ضابط الشرطة "معذور" لأنه يواجه قضايا كثيرة ويتعامل أحيانا مع"أشكال واطية" لا ينفع معها الأدب أو القانون أوحقوق الإنسان و"كل الكلام الحلو ده" على حد تعبيره.
وجهة نظر عبد الهادي سلامة، هي إحدى زوايا النظر التي تفسر جانبا من الظاهرة التي تجمع معا تبريرالقيام بفعل التعذيب أوقبول وقوعه لآخرين من قبل بعض ضباط الشرطة. وهذ القبول له علاقة أيضا بما تشير إليه تقارير حقوقية من أن بعض حوادث التعذيب المتهم فيها ضباط شرطة تمت كشكل من أشكال "المجاملة" لأصدقاء أوأقارب أو أصحاب نفوذ. من ذلك ما يرويه المهندس محمد عبد القادر، وهو شديد الأسف، من أنه استعان مرة بأحد ضباط الشرطة من معارفه لردع "مسجل خطر" كان يهدد أسرته. وكان رأي الضابط أن التعامل الرسمي لن يفيد، وقام هو بما يظنه أصلح وأمر بتعذيب المواطن المسجل خطر في شارعهم وبأساليب "جنسية" مهينة ليضمن ألا يقترب من هذا الشارع مرة أخرى. يقول محمد عبد القادر: "لم أكن معترضا ساعتها ولكني الآن مستاء جدا من هذه الطريقة العنيفة خارج القانون". ما يرويه يؤكد جانبا من الظاهرة ولكن ندمه وأسفه يؤكدان جانبا آخر وهو أن هناك حالة من عدم الحسم أوالاستقرار في وجهة نظر بعض المصريين تجاه أشكال العنف ومن بينها التعذيب.
يقول مصطفى حسين، الطبيب النفسي: "تصاعد العنف في المجتمع المصري في الفترة الأخيرة في مجالات متعددة منها العنف داخل الأسرة أو في المدراس قد يغري الكثيرين بالتسرع واتهام المجتمع المصري بقبول فكرة التعذيب رغم أنه لا توجد دراسات كافية أو مؤشرات علمية في هذا الشأن".
ولكن مصطفى حسين قام ببنفسه بتجربة مصغرة ومحدودة، فأعد استفتاء صغيرا أجاب عليه أكثر من ثلاثين من أصدقائه، حول قبولهم تصرف ضابط قام بتعذيب متهم في قضية مقتل طفلين، بحرمانه من الطعام لمدة48 ساعة وضربه بعصا على مؤخرته حتى يعترف. ووضع تخيلين لحالة المتهم: الأولى أنه شخص تم إدانته سابقا باغتصاب سيدة والآخر هو شخص يدخل للمرة الأولى قسم شرطة. وكان غرضه من الأساس قياس اختلاف الموقف من التعذيب تبعا لنظرتنا للمتهم. ولكن النتائج لم تحمل فرقا يذكر بين موقف من أجابوا تجاه الحالتين، ولكن المفاجأة أن أكثر من ثلث العينة أيدت استخدام التعذيب في الحالتين، وأبدى مصطفى اندهاشه وهو ينشر نتائج الاستفتاء على موقعه الشخصي من أن يكون ذلك رأي أشخاص مقريبن منه ومعظمهم كما يقول أطباء نفسيين.
إن اعتبرنا هذا الاستفتاء المحدود مؤشرا مقلقا، فقلقنا لن يكون على المجتمع المصري وحده. فتجارب أخرى وعلى نطاق أوسع انتهت إلى أن أفراد عاديين من مجتمعات أخرى يمكنهم أن يقبلوا التعذيب بل ويشاركوا فيه إن أمرتهم سلطة بذلك أو تقمصوا هم أنفسهم دور السلطة. ففي ستينات القرن الماضي قام عالم النفس د. ستانلي ملغرام بإجراء تجربة في جامعة ييل في الولايات المتحدة الأمريكية، أجريت التجربة على عدد من المواطنين الذين استجابوا لأوامر المشرفين على التجربة- التي قيل لهم أنها تقيس دور العقاب في التعلم- وقاموا بالضغط على أزرار قيل لهم أنها تسبب صعقات كهربية متفاوتة الشدة لشخص يجلس في غرفة مجاورة إن أخطأ في إجابة أسئلة معينة. ورغم صراخ الممثل الذي يؤدي دور الشخص الذي يتم تعذيبه، وتوسلاته. فإن 65% من المشاركين استمروا في الضغط وطاعة الأوامر حتى أقصى شحنة كهربية متاحة. ورغم أن نسبة قليلة أبدت بعض الاعتراض إلا أن مشاركا واحدا لم ينسحب فعليا!
تجربة أخرى أجريت في العام 1971 تعرف باسم "تجربة سجن ستانفورد"، أجراها عالم النفس فيليب زيمباردو في جامعة ستانفورد، الذي قسم مجموعة من المواطنين العاديين إلى سجانين ومسجونين تم نقلهم إلى مكان يحاكي السجن تماما. التجربة التي خرجت عن السيطرة وجرى إيقافها قبل نهايتها، شهدت تقمص كلا الطرفين لدوره تماما، وقام السجانون بمعاقبة المسجونين بقسوة، فمنعوا عنهم الطعام وأجبروهم على النوم عراة على البلاط في الشتاء وتنظيف المراحيض بأيديهم المجردة. وقال المشرفون أن واحدا من كل ثلاثة سجانين أظهر ميولا سادية حقيقية، ومعظمهم شعر بالحزن لإيقاف التجربة!
هناك خلاف بين اتجاهات علم النفس حول الرغبة في العدوان، هل هي غريزة أصيلة في الإنسان أم انحراف. ولكن بعيدا عن هذا الخلاف، يبدو أن القاسم المشترك في ظاهرة "التعذيب" بوجهيه، هو الشعور بالسلطة من قبل شخص على آخر، سواء كانت سلطة رسمية أو نتيجة لمكانة اجتماعية أقوى أو حتى مجرد سلطة الجموع في "المولد" التي تتيح إدانة وعقاب "الحرامي". وهو مااكتشفه محمد عبد القادر وهو سبب ندمه وأسفه: "عندما قرأت بكثافة عن قضايا التعذيب في السنوات الأخيرة، أدركت أني فعلت نفس الشيء، أسأت استخدام سلطة قريبة مني لحماية نفسي وقضاء مصلحة لي".
ولذلك، فإن تناول ظاهرة "التعذيب الشعبي" ليس سببا لإعفاء أصحاب السلطة من المسئولية أو التقليل من الجهود السياسية والحقوقية والشعبية لمناهضة التعذيب ومطالبة السلطة الرسمية بالعمل في حدود القانون، بدعوى أنها ظاهرة شعبية وعالمية. بل هي على العكس تكشف جذور المشكلة المختفية تحت السطح، في السلطة التي في أيدي بعضنا قد لا نكتشفها إلا وهي تحرك سلوكنا، لنجد أنفسنا مكان الجلاد أو قريبا منه. وفي النهاية كل جلاد هو ابن مجتمعه وليس شيطانا أو وحشا من كوكب آخر.


- نشر في "الشروق" الخميس 11 مارس 2010
_ PDF
- رسم وليد طاهر
المزيد