‏إظهار الرسائل ذات التسميات إنترنت. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إنترنت. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، ١٩ مايو ٢٠١٠

رسائل تائهة وسجلات حياة على الحيطان

قدم على الأرض وأخرى في الفيس بوك


ما تكتبه على صفحتك أو صفحة غيرك على الفيس بوك قد توجهه إلى هذا أو ذاك تحديدا ولكن هو رغما عنك رسالة إلى المئات من أصدقائك وأصدقاء أصدقائك متروكة لمن يلتقطها، وسِجِل لبعض حياتك مكشوف للقليل أو الكثير. استمتع بالتواصل والمشاركة وربما الاستعراض، وتحمل ما قد يجره من متاعب على علاقاتك.


ذكرى المشاحنة التي دارت بالأمس بينه وبين خطيبته كانت تعكر ذهنه وهو يشرب النسكافيه في الصباح ويفتح الفيس بوك ليتفقد آخر أخبار وصور أصدقائه. بعدما انتهي فكر قليلا في الجملة التي يمكن تلخص حالته هذا الصباح لكي يجعلها حالته Status. كتب: "دي حاجة بقت تقرف".

قررسامي عبد الرحمن، مهندس الاتصالات الشاب، أن يبعد عن ذهنه ذلك الأمر، لن يهاتفها في الصباح كعادته. سيدخل في المساء ليشاهد ما كتبته في حالتها قبل أن يهاتفها ليعرف أن كانت نادمة أو غاضبة. الآن سحاول أن يفكر في العمل ومشكلته الأخيرة مع المدير. جهز أوراقه للاجتماع الذي سيبدأ بعد ساعة وحاولت أن يرتب في ذهنه بعض الكلام.

في الاجتماع، كان المدير مقطبا جبينه رغم أن الحوارات سارت على ما يرام وبدا أن كل التوتر فيما يخص تفاصيل العمل قد زال. ولكن سامي فهم تلميح المدير الصريح له:”عاوزين نشتغل جد اليومين المهمين دول. واللي حاسس إنه قرفان يبقى يشوف حل أو يمشي".

ساعتها فقط تذكر سامي أنه أضاف مديره إلى قائمة أصدقائه على الفيس بوك قبل أسابيع. يضحك سامي: "عدى الأمر على خير.تجاهلت الأمر وهو تجاهله. مديري لا يكبرني كثيرا. وفريق العمل أقرب للأصدقاء ولكني انتبهت ساعتها لهذه المشكلة، أحسست بتقييد كبير لحريتي، لا أستطيع أن أشكو من العمل على الفيس بوك!”.

المشكلات مع الرؤساء بسبب الفيس بوك والشبكات الاجتماعية بشكل عام، واحدة من أكبر مشكلات إدارة العلاقات الشخصية. في دراسة نشرها الموقع المتخصص Proofpoint.com نهاية العام الماضي أن 17% من عينة من الشركات الكبيرة التي يزيد عدد موظفيها عن 1000 قد اهتمت بما يبثه موظفيها على الشبكات الاجتماعية بشكل أو بآخر. وأن 8% من الشركات قد فصلت موظفا على الأقل بسبب أحد أوجه نشاطه على الشبكات الاجتماعية وفي مقدمتها الفيس بوك.

مشكلات العمل ليست الوحيدة، ولكن ربما كانت هي الجانب الوحيد الذي اهتم بدراسته ورصده مواقع وشركات مهتمة بالمعلومات وعلاقتها بالأعمال. مواقع أخرى كثيرة ذات طابع شبابي واجتماعي تحذر من مشكلات سوء التفاهم التي تدمر العلاقات العاطفية بسبب التدفق المكشوف للمعلومات على الشبكات الاجتماعية، وبعضهم بدأ في وضع نصائح جدية للتعامل مع الأمر تتضمن سؤال شريك العلاقة قبل بث معلومة أو تفصيلة أو صورة تخصهما معا، سؤاله قبل الإعلان عن العلاقة أصلا. بعض المواقع تنصح بتجنب زيارة صفحة الشريك بكثرة ونهم لتجنب رؤية ما يدل على "تجارب الماضي" أو إساءة فهم بعض الرسائل والحوارات، وتنتهي النصائح أحيانا بغلق الصفحة الشخصية تماما إذا استمرت مشكلات العلاقة بسببها.

بعض هذه المشاكل مرت بها أريج حسن، مصممة الجرافيكس مع خطيبها:” كان غاضبا لأنه وجد واحدا اسمه مودي يخاطبني باسم الدلع ويهنئني بعيد ميلادي. وأنا رديت عليه وقلت له: تسلم يا مودي يا حبيبي. لم يكن يعرف أن مودي هو أخي محمد الذي كان يضع ساعتها بدل صورته شعار الأهلي!”.

الحالات والتعليقات والكتابات على الحوائط Walls هي رسائل بين اثنين أو مجموعة ولكنها مفتوحة ومتاحة للكل.

قد تساعد هذه الرسائل الجماعية على تواصل أسهل مع حلقاتك الاجتماعية، أن تجعل كل من يعرفونك على معرفة بآخر أخبارك بأقل جهد ووقت منك، ينشط حلقاتك الاجتماعية الأبعد التي لا وقت لديك لإنعاشها بلقاءات أو تليفونات، وقد يجعل التواصل مع المجموعات الأقرب أكثر متعة من خلال تبادل المقالات والصور والموسيقى والتعليقات. ولكن الأمر لا يخلو من مشاكل سوء التفاهم. في المواقف الطبيعية في الحياة التي نحضر فيها بأجسادنا ونرى ملامح وجه من يتكلم وتعبيرات جسده هناك أيضا مساحة لسوء التفاهم. وهو ما يمكن أن يزيد عندما نفتقد ذلك السياق أو بعضه في الفضاء الإلكتروني.

هناك أيضا مشكلات التأويل. فالكثير من الناس يعبرون عن حالتهم بعبارات مقتضبة أو غائمة، تبدو وكأنها رسالة موجهة إلى واحدا بعينه. يقول سامي:"صحيح، فأنا لا أتحدث عن تفاصيل خاصة بي على الفيس بوك. ولكن أعبر عن حالتي بكلمات وعبارات قصيرة. يفهم تفاصيلها أحيانا المقربون مني أو من شاركوني موقف ما. والبعيدون يفهمون فقط أني في حالة سيئة أو جيدة".

ولكن المشكلة تبدأ عندما تصل الرسالة إلى الطرف الخطأ ويظنها موجهة إليه. أو أن يسيء أحدهم تأويلها. يتذكر سامي: "مرة كتبت حالتي جزء من أغنية لعمرو دياب: وأهو بكره نقول كانت ذكرى وعشنا لنا يومين. كان ذلك جزء من حوار ضاحك بيني وبين مجموعة من زملاء العمل في مكتب سابق. المكتب أغلق فجأة وسافر صاحبه ولم نحصل على مستحقاتنا. سافرنا معا إلى الساحل لعدة أيام وكنا نغني مع عمرو دياب هذه الأغنية ونتذكر أننا لم نتقاضى مرتب آخر شهر ولكن كانت لنا ذكريات لطيفة تخص عملنا معا في المكتب. خطيبتي- قبل أن أخطبها - كانت مستاءة جدا من الحالة. وذهب عقلها إلى أني أعتبر علاقتنا عابرة أو أنني أقمت علاقة سريعة مع أخرى في الساحل!”.

مرت علاقة سامي وخطيبته بمشاكل كثيرة بسبب الفيس بوك، يتذكر سامي أنه كان متعدد العلاقات قبلها وبعد أن أتم خطبته وقرر الاستقرار كان عليه أن يواجه غيرة خطيبته من تعليقات ومشاغبات كان يتركها على صفحات فتيات كانت بعضهن صديقات لخطيبته. بالإضافة لصوره مع بعضهن في رحلات أو حفلات. يضحك سامي: “فوجئت أن تاريخي معظمه مسجل على الفيس بوك. تنتبه لذلك عندما تنتقل لمرحلة أخرى. قبل ذلك كانت هذه التفاصيل فخرا لي ودليلا على أني واد جامد. الآن من المفترض أني واد مستقيم" يضحك سامي ويقول أنه ركز بعض جهوده على مسح بعض التعليقات والصور الأكثر استفزازا، وعندما تعب أغلق حسابه وفتح حسابا جديدا "على مياه بيضا" على حد تعبيره. يضيف سامي :”صحيح الفيس بوك يمكن أن يحرجك بتاريخك ولكنه يتيح لك أيضا أن تبدأ تاريخا جديدا تماما. عاشت التكنولوجيا!”.

الكثير من الفتيات يملن للتحفظ وهن يستخدمن حساباتهن الشخصية على الفيس بوك وبعضهن لا يضعن صورا شخصية نهائيا. ولذا فأن تاريخهن قد لا يكون معقدا مثل تاريخ سامي. أريج ليست متحفظة للغاية، ولكنها تقول أن تدفق المعلومات أحيانا يجر عليك مشاكل غير متوقعة. مؤخرا، خرجت أريج مع صديقات لها في رحلة نيلية للترحيب أسماء صديقتهن التي تزوجت وانتقلت للعيش مع زوجها في الإمارات وتزور مصر في إجازة. الصديقة طلبت رؤية كل المجموعة المرتبطة ببعضها من أيام الثانوية إلا صديقتهن دينا التي كانت مرتبطة عاطفيا بمن أصبح زوجها وتسبب ذلك في توتر علاقتهما قبل زواجها. اتفقت المجموعة على ألا يخبرن دينا بشأن الرحلة. يوم وسيمر. ولكن صور الرحلة التي وضعتها صديقتهن على الفيس بوك ظهرت على صفحاتهن الشخصية على الفيس بوك. واضطررن جميعا للاعتذار لدينا. التي غضبت فترة وقالت أنها لم تكن لتغضب لأن علاقتها بدينا انقطعت ولكنها كانت تفضل أن تعلم.

اضطرت أريج لتعديل إعدادات الخصوصية لكي لا تظهر صور يضيفها آخر في صفحتها إلا بإذنها. خاصة وأن صديقات أخريات لها تصفهن بـ"المتحررات" احيانا يلتقطن الصور من جلساتهن الجماعية الخاصة في البيوت بدون حجاب. وقد يسبب ذلك حرجا.

إعدادات الخصوصية قد تساعد على تقليل ما يظهر من معلومات تخصك بدون إذنك، كما يمكنك بواسطتها التحكم فيمن يرى كل نوع من المعلومات عنك. يمكنك أن تقسم الناس إلى دوائر بحسب قربك منهم وتسمح لكل دائرة بالإطلاع على درجة معينة من المعلومات. تقول أريج أنها صنفت زميلات العمل في مجموعة معا، تخفي عنهن نشاطها أيام الإجازات التي قد تضطر فيها للتظاهر بالمرض بينما هي تود فقط الاسترخاء في المنزل أو الخروج في رحلة. وأي فضفضة أو بوح على الفيس بوك منها أو من رفيقاتها قد يسبب مشاكل ضخمة.

تضحك أريج قائلة:"الموبايل يساعد على الكذب ولكن يبدو أن الفيس بوك سيفضحنا إن لم ننتبه". ويبدو أن البعض منتبه جدا لذلك ويجيد استخدام ثغرات التكنولوجيا لصالحه. سامي هاتف خطيبته في المساء وتصافيا بسرعة وعندما عاتبته وهي تلمح إلى ما كتبه على الفيس بوك قائلة: "ولا إنت قرفت خلاص؟" أجاب بسرعة: "إزاي الكلام ده يا حبيبتي. أنا كان قصدي على الشغل. هو أنا أقدر برضه!".


معلومات أكثر .. غيرة أشد !

"هناك علاقة ما بين استخدام الفيس بوك وزيادة الغيرة بين شريكي علاقة عاطفية”. هذا ما انتهت إليه دراسة نشرت في "CyberPsychology & Behavior Journal" قبل ثمانية أشهر، وعرضها بن بار Ben Parr على موقع Mashable.com الموقع الأهم لأخبار التطبيقات الاجتماعية.

الدراسة التي قالت في خاتمتها أنها مجرد مقدمة لدراسات أعمق، أجريت على عينة من 308 فرد. وانتهت إلى رصد أربع تيمات لزيادة الغيرة مع استخدام الفيس بوك:

16.2 % ربطوا بشكل صريح بين استخدام الفيس بوك وشعورهم بغيرة على الشريك.
19.1 % يشعرون بالغيرة أكثر كلما زادت لديهم المعلومات عن نشاط شركائهم في العلاقة – أو من يريدون أن يكونوا كذلك - على الفيس بوك
10.3 % لديهم مشاكل في الحد من الوقت الذي يقضونه في تصفح صفحة الشريك على الفيس بوك.
7.4 % قالوا أن الغموض وعدم الوضوح على الفيس بوك يجعلهم أكثر عرضة للغيرة بسبب احتمال إساءة فهم نشاط الشريك.



نشر في "الشروق" الأربعاء 19 مايو 2010
PDF



المزيد

الأربعاء، ١٠ مارس ٢٠١٠

أشكو إلى الله واسمع يا جاري

ترانيم المرارة والغضب المكتوم
الإحساس بالغربة في الدنيا والحنين إلى الماضي وإعلان الضعف والاستعانة بالله، كلها تيمات روحية للترانيم القبطية. ولكنها أحيانا تلمح في مرارة أو غضب إلى ما يشكو منه الأقباط في حاضرهم ووسط شركاء الوطن. وعندما يطول الوقت ولا تجدي الشكوى قد تصرخ أحيانا نافذة الصبر.


في ذكرى الأربعين لضحايا جريمة نجع حمادي، التي قتل فيها مسلحون ستة أقباط أمام الكنيسة في يوم عيد الميلاد، كان حنا سيدهم بين الحشود التي احتشدت في ساحة الكاتدرائية المرقسية بالعباسية ووقف يحمل شمعة ويردد الترانيم مع الجموع.
"عمر دمانا ما هاتقول لأ / مهما تسيل ويغيب الحق / هوالظلم إمتى هزمنا / ولا العالم يوم لنا رق"
ردد حنا، المدرس الأربعيني المتدين، هذه الترنيمة التي تحمل اسم "أنا قبطي" خلف المرنمان عماد خيري وسلوى عطية. وعندما عاد إلى منزله في المساء قضى الليلة مع مجموعة من الترانيم الموجودة على موقع يوتبوب Youtube.com للفيديو والتي أهداها من أضافوها إلى شهداء نجع حمادي.
يقول حنا سيدهم: "الترانيم تعزية وتفريج. بعضها مما يردده مرنمون في الكنيسة أوتنتجه فرق متخصصة وبعضها أصبح الشباب يؤلفونه وينشرونه على الإنترنت مباشرة. وفي مثل هذه الأحداث المؤسفة كل الترانيم الحزينة التي تستغيث بالله أو التي تذكر شهداء المسيحية في عصور الاضطهاد تتحول إلى لسان حالنا".
الترانيم هي الأغاني المتعلقة بالدين المسيحي تمييزا لها عن "الألحان" الكنسية التراثية التي تقال بالقبطية بالأساس. بعض هذه الترانيم قديم ويتردد في اجتماعات الكنيسة وبعضها إنتاج حديث لفرق تمارس النشاط من داخل الكنائس أو تتخذ منحى احترافيا، وأيضا بدأ الأفراد ومجموعات الشباب تؤلف وتلحن وتنشر ترانيما على الإنترنت. يغلب على الترانيم بالطبع البعد الروحي وإن كانت لا تخلو من إشارات اجتماعية تتعلق بوضع الأقباط في المجتمع ومزاجهم الاجتماعي. وفي أعقاب حادث بثقل جريمة نجع حمادي فإن عددا من الترانيم تم تأليفه وتلحينه خصيصا والبعض الآخر تم استدعاؤه ليلقي بظلاله على الحاضر.
يرى ماركوس زكريا، الباحث في الفلولكور في المعهد العالي للفنون الشعبية والمهتم بالترانيم القبطية، أن الجانب الاجتماعي فيما يتعلق بالترانيم القبطية، كان أقدم منها فحتى الألحان التي تستخدم في الطقس الديني في الكنيسة المصرية ظلت مقتصرة على استخدام اللغة القبطية كجانب من التشبث بالهوية والحنين إليها، وحتى القرن الثالث عشر الميلادي لم تكن هناك ترانيم بالعربية، ولكن رغبة القبطي المصري في التعبير عن نفسه بلغته اليومية الجديدة أدت إلى ظهور إرهاصات الترانيم وهي ما يعرف بـ"الميمر" وهي سير ومدائح شعبية للقديسين على غرار سير الأبطال الشعبيين. يضيف ماركوس: "إذا جردنا هذه السير سنجد أنها كلها تتخذ تيمة واحدة: وجود ظلم وهناك بطل شعبي مؤمن يقف في وجهه ويتحمل العذاب والألم ويرفض التخلي عن عقيدته ويقاتل ويدافع عن قومه وأهله ثم ينتهي الأمر بالاستشهاد".

هذه التيمة لا تزال ظاهرة في ترنيمة "أنا قبطي" : "ده زمان ماري مرقش استشهد / أرضك يا اسكندرية تشهد / دمه الطاهر سال في شوارعك / لسه عبيره وروحه تتنهد"

التفاعل بين الجانب الشعبي وبين مؤسسة الكنيسة أدخل بعضا من هذه السير إلى الطقس الديني، فيما يرى ماركوس، وأيضا "الخالة الدفاعية" التي اتخذتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تجاه تحدي الكنائس الغربية الوافدة، الكاثوليكية والبروتستانتية، هو ما شكل بداية حقيقية للترانيم بشكلها الحالي بين الأقباط.
يقول ماركوس: "الكنيسة الكاثوليكية قامت بتعريب كلمات الألحان وطبعت في روما كتبا تضم صلوات باللغتين العربية والقبطية لتتقرب من الأقباط المصريين، الذين بدأوا في استخدام هذه الكتب العملية في العبادة وكانت بعض الأزجال الشعبية قد دخلت إليها. ومن جانب أدخلت الكنيسة البروتسانتية تحديا جديدا بألحانها الغربية".

حالة رد الفعل سيطرت على تطور الترانيم في رأي رامي كرم، المدرس الجامعي. قبل سنوات اهتم رامي وزميله ميلاد يعقوب بتكوين مجموعة تكون مهتمتها تطوير الكنيسة واهتما بشكل خاص بحالة الترانيم، التي يرى رامي أن كثيرا منها جاء رد فعل على تحدي العقيدة الإسلامية فتبنى بعض ألفاظها أو كان رد فعل على الترانيم الغربية ولم يستلهم اللغة العربية بشكل جيد فجاء بعضها ركيكا. يضيف رامي ملاحظة أخرى تتعلق برافد آخر تاريخي يشكل التيمة الغالبة على الإشارات الاجتماعية في الترانيم :" مزيج من نسكيات الرهبان، غُلب الفلاحين، فكرة أحفاد الشهداء، مسكنة الأقباط عامةً. كل ذلك مبني على خلفية يهودية قديمة. فالمزامير في (زبور داود) فيها هذه الروح: (خاصم يا ربّ مخاصميّ وقاتل مقاتليّ / أما أنا فمسكين). كلها عن داود المسكين الذي يهرب من اضطهاد شاول أو أعدائه الآخرين ويطلب من الله الانتقام منهم .هناك تراث "يهودي/عبري" طويل بيغذي صلوات الأقباط بهذه الروح".

يرنم فريق كورال "صوت من السماء" قائلا :" يا ملايكة السما احضري / وبسيفك انت تقدري / تدافعي عن كل جريح /سال دمه على أرض المسيح". ويرنم راجي جوزيف في الترنيمة التي تم إنتاجها بعد حادث نجع حمادي : "وخيطي يا أمي القميص اللي اتقطع لما دخل فيه الرصاص / وان كان بدمي عمل بقع/ ابقى اغسليه بحبة بوطاس /ونضفيه يا أما خلاص من كل بقعة دم.... وإزي يا أمي تحزني وانا في هنا وسعيد /طيب تعرفي.. عند المسيح أنا اتحسبت شهيد ...لأ عيّدي يا أمي ابنك شهيد".

يرى ماركوس في ذلك جانبا من كون المصريين بشكل عام لديهم شعور بالتهديد والاستهداف وروح دفاعية ويزيد ذلك عند الأقباط، ويرى رامي كرم أن الروحانية المصرية بشكل عام روحانية انهزامية وفيها إفراط في التوكل. يضيف ماركوس أن المزاج كان أحيانا يتأثر بالمزاج المصري العام. فيذكر الترنيمة القديمة "نحن جند للمسيح" التي تستخدم موسيقى قريبة من المارش العسكري و تشبه النشيد الملكي في مصر وقت إنتاجها - الذي حل محله الآن النشيد الوطني - وكان فيها روح مقاومة يمكن تفسيرها أنها مندمجة في روح مقاومة الاحتلال الانجليزي أو ربما لكنيسته الغربية البروتستانتية التي رأتها الكنيسة القبطية كمنافسة وتهديد لها وللعقيدة القبطية الأرثوكسية.

ولكن في السبعينات لحظة أخرى بسبب التوتر بين الدولة والكنيسة والصعود الكبير للتيار الإسلامي، يقول ماركوس: "يبدو أنه فاض بالكنيسة وظهر ذلك في الترانيم التي هي بالأساس روحية ولكنها تعطي مؤشرا. رنّم الأقباط وقتها: لكن أنا مش من هنا.. أنا ليّ وطن تاني".

يعلن ماركوس اختلافه مع هذه الروح:" في رأيي القيادة الكنسية خاطئة، وهذه الروح سلبية. فبعض هذه الترانيم تجمع الناس حول فكرة أننا مضطهدين ولكننا منعمين في الآخرة وليس لنا إلا الكنيسة. أنا أرفض فكرة الاضطهاد بالحدة التي يطرحها البعض، هناك تمييز ومشكلات. ولكن يجب أن نطالب بحقوقنا ونحاول أن ننالها بالقانون ومن خلال إقرار المواطنة".

فيما يتعلق بما يجب فعله، هنا تتفرق روح الترانيم القبطية على أكثر من مزاج. مزاج يكتفي بالدعم الإلهي واستلهام ماضي الشهداء الذي يلهم الصمود. كما تكمل ترنيمة "أنا قبطي" :"عمر السيف ده ما هايثنينا /عن حبنا ليسوعنا فادينا /مهما يسيل الدمع بحور/ أصلنا كده دايبين في ماضينا /ماضي الشهدا اللي اتحرقوا /اللي انضربوا اللي انجلدوا /اللي احتملوا السيف والنار / لكن ابدا وقفوا وصمدوا".

وهناك أيضا صوت يستلهم الروح المسيحية في التسامح ويمد اليد للآخر، مثل ترنيمة "آه يا وجعي" لإيريني أبو جابر- التي ألفت أيضا خصيصا بعد حادث نجع حمادي - وتقول :"إيه إللى يمنَع نِبقَى واحد رَغم أى فروق فى ديننا / ياللا إيدَك وَيَّا إيدى نحُط للكَراهِيَّه آخر /أنا إيرينى وإنتى فاطمه بس حُب كبير ما بيننا /إفهموا ده الله مَحَبَّه زى ما هُو رحمن وغافِر / قُولوا للظَّالِم كِفايه / ذنبُهُم إيه الضَّحايا؟".

ولكن هناك أيضا مزاج ساخر ساخط يبتعد عن الموسيقى الناعمة كلية ويستخدم الراب. فريق من الشباب أطلق على نفسه "جنود المسيح" Jesus Soldiers يرنّم بطريقة الراب عن حادث نجع حمادي ويسخر يصوت هزلي محاكيا التصريحات الرسمية : "حادث فردي كلامكم يولع لفتنة/ دي فتنة صهيونية غربية أمريكية/ ما تفوقوا يا إخواننا/ تحيا الوحدة الوطنية" يعود الصوت إلى الخشونة وهو يقول: "طظ !". تكمل الترنيمة: "ان الآوان يا قبطي قوم وقول بعلو الصوت / مش هاسكت على حقي وقول بعلو الصوت / مش هانكسر مش هانخرب مش هاندبح بالسكين
/مش هانعدم مش هانقتل ناس غلابة مساكين/ هانتحرك هانقاطع هانعارض الظالمين / ولوبلدنا نايمة تعالى يا غرب احنا موافقين/ حقوق إنسان، يونسكو وكل المنظمات/ يمكن بإيد غريبة يتعوض كل اللي فات" وتنتهي الآغنية قائلة: " كلمة أخيرة اسمعها مني يا وطني الحبيب / أنا حاشا لي أفتحر إلا بس بالصليب / ولو هاعيش في جنة وأنكر راعيا الحبيب/ يبقى نارك يا بلدي جنة ونصر الرب قريب!"


نشر في "الشروق" 10 مارس 2010
PDF

تصوير: أحمد عبد اللطيف
المزيد

السبت، ١٦ يناير ٢٠١٠

المساكن الشعبية على الإنترنت


الاستهلاك السريع للأخبار والكثيف للأغاني والأفلام والصور، التعارف والتواصل عبر النقل والشكر المتبادلين، البحث عن البروز الشخصي وبعض السلطة. هذه هي خلطة وقود الكثير من المنتديات العامة، المساحات الأكثر شعبية على الشبكة.


ٌقبيل منتصف عام 2009 وفي إحدى الكافيهات الحديثة في مدينة طنطا، نظم أحمد مصطفى الطالب بكلية التجارة حفلا لمجموعة كبيرة من أصدقائه. الحفل كان بمناسبة تجاوز عدد أعضاء المنتدى الذي أسسه أحمد المليون عضوا. تورتة كبيرة مرسوم عليها شعار منتدى "أصحاب كول" ومكتوب عليها الاسم المستعار لأحمد ( Mr.Having Fun) ، التف حولها هو وأصدقاؤه والتقطوا الصور ثم أجهزوا عليها.
في عام 2004 عندما أسس أحمد المنتدى كان عمره يتجاوز السادسة عشرة بقليل. بعد سنتين بدأ نجم المنتدى يعلو وتأتيه بعض الإعلانات، والآن تجاوزت عضويته المليون و115 ألف عضوا ليحتل المركز 41 بين المواقع التي يزورها المصريون- وفق إحصاءات موقع ألكسا Alexa.com بداية يناير 2010- والمراكز الأربعون المتفوقة عليه تضم 24 موقعا عالميا مثل جوجل وياهو وفيس بوك وغيرهم.
المنتدى يلي مباشرة موقع جريدة الأهرام العريقة وينافس مواقع الصحف الخاصة الجديدة ويتفوق على معظمها. لا وجود لأي مدونة في المراكز المتقدمة، مدونة "الوعي المصري" ذات الشعبية الكبيرة تحتل المركز 2678. ورغم ذلك منتدى "أصحاب كول" ليس المنتدى الأول في التصنيف، تسبقه ثلاثة منتديات أخرى.

هذه المؤشرات المبدئية تقول أنه إذا شبهنا الإنترنت بمدينة واحدة كبيرة، فإن مواقع الشركات والمؤسسات هي تجمعات نخبة ما لها حضور بين الملايين بواسطة سلطتها وقوتها، وتشكل المدونات وبعض التطبيقات الاجتماعية التي يستخدمها الناشطون تجمعا لنخبة مختلفة وإن كانت أوسع من سابقتها، ولكن المنتديات العامة هي التي تمثل فعلا "المساكن الشعبية" الأكثر ازدحاما ونشاطا.

يتابع الإعلام المتخصص أخبار الشركات والمواقع الكبرى، وتتابع الصحافة الخاصة والمعارضة باهتمام شديد نشاط "النخبة الأخرى" على المدونات وتويتر ومجموعات الفيس بوك التي تناقش الشأن العام. ولكن المنتديات يصعب متابعتها، أولا لأن ما يحدث فيها يتميز بقدر من الكثافة والغزارة يكاد يقارب كثافة الأحداث اليومية في الشارع، وثانيا لأن ما يحدث فيها يعبر عن "العادي" في حياة معظم الناس وما يتداولونه من أخبار وأفكار، بشكل قد يكون محبطا لتصورات كل نخبة عن "الشعب" و"الجماهير"، تماما كما تعبر هذه النخب، كل واحدة بأسلوبها، عن قلقها من "عشوائية" الأحياء الشعبية - في رأيها- مكانا وسلوكا.

التكوين
قبل أن يؤسس أحمد مصطفى المنتدى، قضى فترة تقترب من الثلاثة أعوام كما يقول منجذبا لعالم المنتديات والدردشة، وبدأ في الاهتمام بتصميم المواقع. وما دفعه لتأسيس المنتدى كما يقول هو الرغبة في امتلاك موقع مشهور بغض النظر عن محتواه: "المنتدى مثل أي قناة تليفزيون تريد أن تشتهر وتجذب الإعلانات".
هناك قوالب مجانية متاحة على الإنترنت للمنتديات العربية، يمكن لكل مستخدم أن يعدلها ويغير في تصميمها لتلائم غرضه. معظم الشباب يستخدمون هذه القوالب وينشئون المنتديات بسهولة. تشترك معظم المنتديات العامة على الإنترنت في أنها تحتوي على أقسام نمطية معتادة تمثل الساحات الأساسية والاهتمامات الأكثر شعبية التي يريد مؤسس المنتدى أن يجذب المهتمين بها. أولا قسم عام للحوار أو للتعارف ثم القسم الإسلامي - الذي قد يأتي أولا أحيانا- وهناك أقسام تحميل الأغاني بأنواعها المختلفة ثم أقسام تحميل الأفلام والمسرحيات والمسلسلات ثم أقسام تحميل الصور المختلفة ثم قسم للشكاوى والاقتراحات. هذه الأقسام هي السمات الرئيسية الطراز المعماري الأشهر للمساكن الشعبية على الإنترنت.
مالك المنتدى ومؤسسه يملك بالطبع السلطة المطلقة في إدارته مهما اتسعت العضوية، هو يختار مشرفين على المنتدى وعلى الأقسام ويحدد صلاحياتهم، وهو الذي يضع قوانين المنتدى ولوائحه ومحاذيره ويحدد سقف الحرية ويقرر ما هو مقبول وما هو غير مقبول.
تصميم شكل المنتدى فيه حس شعبي شبابي، بعيد عن الاحترافية في أغلب الأحيان، يميل للألوان الفاتحة وأحيانا الفاقعة ومملوء بالإعلانات ذات الألوان الصارخة أو التي تضم أشكال تتحرك بسرعة تجذب الانتباه.
يعلق أحمد مصطفى على تشابه المنتديات:"شباب كثيرون يفتحون مواقع ومنتديات ويقلدون بعضهم. وبسبب الكثرة أصبح من الصعب أن تجني مكاسب مادية، يجب أن تكون متميزا. ولذلك حرصت على أن يكون تصميم منتداي جاذبا وأن أضيف محتوى جديد وروِّش، أن أتعاون مع مواقع أخرى وأتبادل الخبرات. حرصت على وجود أقسام جديدة تغطي كل المجالات التي تهم كل الناس".
في منتدى أصحاب كول بالفعل قسم لكل اهتمام يحظى بشعبية ما: أخبار الرياضة والمصارعة وصور السيارات وقسم الألعاب وتحميل البرامج مجانا وقسم تعلم مهارات القرصنة الإلكترونية "الهاكينج" وأقسام أخبار الفنانين وفضائحهم وقسم للحوار حول العلاقات العاطفية وأقسام لتبادل أفلام البلوتوث ونشر نصوص قصصية مختلفة.

منقول ومشكور
السمة العامة للنشاط في المنتدى هو نقل المحتوى، سواء كان فيلما أو ألبوما غنائيا أو برنامجا أو خبرا أو صورة، ونشره. الإضافات قليلة ومعظمها في أقسام الحوار حول المشكلات العاطفية أو نشر القصص. ولكن في هذه الأقسام يضا هناك نقل من منتديات ومواقع أخرى. أصبح من تقاليد المنتديات الإشارة إلى ذلك بكلمة "منقول" وربما بغير إشارة إلى المصدر، لأن ذلك ربما يساهم في الدعاية لمنتدي آخر منافس. بعد الانتشارالكبير للقوالب السهلة للمواقع والمدونات أصبحت الأخيرة أكثر جاذبية لمن لديه إنتاج جديد خاص به. ولكن تظل المنتديات سوقا لاستهلاك المواد المنقولة وبناء عالم من العلاقات حول هذا الاستهلاك.
الردود التي تهنيء على الموضوع الجميل وتشكر وتحيي، لا النقاشات والجدل، هو الطابع الأكثر شيوعا في المنتديات. أصبحت كلمة "مشكور" تقليدا آخر نمطيا بفعل التأثير الخليجي، الذي كان نشطا جدا في المنتديات التي تكسر عزلة بعض المجتمعات المغلقة قبل أن تظهر الفضائيات.
بين النقل والشكر يستمر نشاط شباب المنتديات لتخلل ذلك حوارات شخصية بينية تشهدها الساحات العامة أوالرسائل الخاصة. المشاركة النشطة هي طريق أيضا إلى التميز والبروز وبالتالي صورة شخصية أفضل وعلاقات أقوى. وفي معظم المنتديات يكون مكافأة ذلك ألقاب تخص العضو وتصفه بأنه عضو نشط أو ذهبي أو مميز أو يتم ترقيته من قبل مالك المنتدى إلى منصب مشرف ليمارس بعض السلطات على أقسام معينة، يقول أحمد مصطفى: "معظم الشباب يحب السلطة والريادة وأن يقال عنه أنه مشرف في منتدى شهير مثل أصحاب كول. ولذلك أختار المشرفين من موضوعاتهم المميزة ونشاطهم البارز".
ذلك يفسر لماذا يقوم الشباب بتكبد مشقة تسجيل بعض الأفلام من السينما بالموبايل أو نسخها من اسطوانات إلى الإنترنت ونقلها للمنتدى. بعض المنتديات أيضا تتبع سياسة تجعل بعض المواد المميزة حصريا للأعضاء المميزين ممن لهم نشاط وإضافات بقدر معين، وفي بعض المنتديات الخليجية يتم دفع مقابل مادي للاشتراك في المنتدى الجماهيري أو للتمتع بمحتويات أقسامه المميزة، التي تكون في الغالب كلها منقولات من السينما أوالتليفزيون أو مواد إباحية.
ولكن في النهاية هناك دائما حافز للنشاط في النقل والشكر هو ما يجعل المنتديات مستمرة ولو بدون أي إضافات حقيقية من إنتاج أعضائها. كل عضو يريد جذب النظر إليه ويتمنى أن يحصل موضوعه على أكبر عدد من الردود. نادرا ما تكون الجدية هي الطريق إلى ذلك، البحث عن الغريب والطريف أحد أهم الطرق التي تحظى بشعبية كبيرة. يأتي بعد ذلك الفضائح أو الإيهام بها.
يكتب أحمد مصطفى مؤسس المنتدى موضوعا عنوانه: "تقبل حبيبها في الطريق في الشارع بلا خجل" وفي التفاصيل تجد صورة لزوج من الشمبانزي في قبلة طريفة أمام جمهور، موضوع آخر: "فضيحة زوج وزوجته في الحمام بالصور" وفي التفاصيل صورة لقط وقطة بملابس الحمام.
هذا أو أن يكون الموضوع فضائحيا بالفعل. ينقل موضوع صورا ملتقطة من شاشة تليفزيون لفتاة مشاركة في ستار أكاديمي بملابس اعتبرها ناقل الموضوع فاضحة. المشاركات كلها تسجل الشكر والإعجاب مع إدانة وشتم الفتاة صاحبة الصورة والقائمين على البرنامج مع التباكي على الأخلاق والدين في هذا الزمان السيء!
بسبب هذه الروح الفضائحية يظل معظم الأعضاء مستترين تحت أسماء مستعارة وصور رمزية. هذه الروح محافظة بالطبع، وتختلف عن نقل المحتوى "الإباحي" باعتباره ممتعا أو لذيذا، ولكنه ينقل تحت عنوان "فضيحة" وربما يبرر الناقل نقله صارخا ومعترضا على هذه المسخرة التي تحدث في بلاد المسلمين !
العناوين الفضائحية بجانب أسماء أحدث الأفلام والألبومات الغنائية لهم أهمية استراتيجية في المنتديات لأنها ما يجذب القادمين من محركات البحث يتطلعون إلى الفيلم أو الألبوم الجديد أو إلى فضيحة سمع عنها أو يتمناها. ولكن يحرص مؤسسو المنتديات على تطعيمها بهذا المحتوى أوحتى مجرد عناوين وهمية وخادعة. ولذلك من المهم دائما أن يتناثر اسم هيفاء وهبي بكم كبير في كل منتدى عام يطمح في أن يكون جماهيريا!

ما يقال في القسم الإسلامي يظل في القسم الإسلامي
حتى لو كان المنتدى ذو طابع فضائحي فإن وجود المنتدى الإسلامي في أوله أصبح من قبيل البروتوكول المتعارف عليه. طبيعة القسم الإسلامي لا تختلف كثيرا عن غيره، معظمه منقول ومشكور، النقل هذه المرة لكتابات وصوتيات مرئيات أشهر المشايخ من الشعراوي إلى الدعاة الجدد مرورا بالدعاة السلفيين الأكثر تشددا. والباقي محاولات للوعظ المتبادل ورواية قصص مكررة عن الالتزام والتوبة.
في القسم الإسلامي في أصحاب كول، يتغير شكل المنتدى تماما فله تصميم مستقل، لأن التصميم الأساسي المنتدى به صور شباب وبنات كول وهو ما لا يناسب قدسية هذا القسم. ولكن ظلت هناك بعض المشاكل، منها مشكلة التوقيع. يختار كل عضو في المنتدى توقيعا يذيل كل موضوعاته أوتوماتيكيا. وعادة يجب الأعضاء وضع صور لنجومهم في التوقيع مع كلمات أغاني يحبونها. ولذلك فلا يصح أن يضع عضو صورة لإليسا بفستان مكشوف مع كلمات أغنية "عايشالك" توقيعا له. ثم يشارك بمنقول أو مشكور في القسم الإسلامي فيظهر توقيعه هناك.
نجح مشرفو المنتدى في وضع آلية ما توقف ظهور التوقيعات عند المشاركة في هذا القسم.
المشكلة الأخرى المتوقعة هي أن يعترض البعض داخل النقاشات الدينية على محتويات المنتدى الفضائحية الأخرى. ولذلك تحمل قائمة قوانين القسم الإسلامي تحذيرا صارما من أن القسم الإسلامي بالإضافة إلى أنه لا يجوز فيه انتقاد أي عالم ديني أوفتوى أو مناقشة أمر ديني متفق عليه، فإنه لا يجوز أيضا مناقشة سياسات إدارة المنتدى العام !
يقول أحمد مصطفى عن هذا الأمر وهو يستشعر بعض الحرج: "يكون هناك أحيانا بعض المشكلات.ولكن أصحاب كول موقع ترفيهي لجميع المجالات. نحاول أن نرضي الجميع ولكن أيضا في حدود الأدب".

وضع القسم الإسلامي الموازي للمنتدى والمنفصل عنه وغير المتوائم ولا المتجانس معه، يشبه نمط التدين الشعبي الذي يسير بالتوازي مع الحياة وينتج أفكارا تدين معظم جوانبها، بينما ضرورات الحياة أو متعها تقتضي أن نبقى هذه الأفكار داخل إطار التدين ولحظاته الخاصة. وفي هذا الإطار يمكنه أن يتبنى بلا قلق أكثر الأفكار تشددا باعتبارها الأصح والأفضل. وفي النهاية تبقى المساحة الدينية تحت حراسة "قانون طواريء" لأن "السلطة" تراه قابلا للانفجار في وجه باقي المجتمع إن خرج الدين وناقش "السياسات" .. ولو كانت سياسة منتدى شبابي !

سياسة الفتور وعدم الاكتراث
تكتب "منى" مشرفة القسم السياسي موضوعا تقترح مناقشته خلال الأسبوع: تعديل الدستور ليتمكن البرادعي من الترشح لرئاسة الجمهورية، وسألت: "ما رأيكم؟".
بخلاف الأعضاء المبرمجين الذين ردوا كما اعتادوا "جهد مشكور أختي" أو "تسلم إيدك" باحثين عن زيادة في رصيد مشاركاتهم، فإن بعض التعليقات التي انتبهت إلى غرضها ردت منددة بترشيح البرادعي وتراوح منطقها: "ماذا يعرف هذا الرجل عن الحكم ومنصب رئيس الجمهورية؟" أو أنها ترى أنه "مالأ اليهود على حساب المسلمين في وكالة الطاقة الذرية" !
على خلاف الميل العام في المدونات والمجموعات السياسية على الفيس بوك المتعاطف على الأقل مع حقه في الترشيح، الروح العامة الفاترة أولا تجاه هذا الموضوع أو المنددة به قد تسبب الإحباط لمن يعتقد أن هناك تجاوبا "شعبيا" مع الفكرة بينما قد لا يعدو الأمر تحمس النخبة الأخرى الساخطة والمعارضة.
قسم الأخبار السياسية هو القسم الوحيد الذي تجد فيه معظم الموضوعات بدون ردود. من في النهاية الشاب الكول الذي سيدخل إلى منتدى أصحاب كول للنقاش في السياسة؟
الفتور وعدم الاكتراث قد يختفيان ويظهر بعض النشاط في الموضوعات التي تقترب من الدين وتكون فرصة جيدة لإظهار بعض الحماسة تجاه حماس أوضد اليهود، تعاطفا مع شهيدة الحجاب وإدانة لأي تصريح ضد الحجاب والنقاب.
الاختلاف في الرأي وسط الفتور المتراخي لا يسفر غالبا عن جدل محتدم أو نقاش. يسجل الطرفان آرائهم في كلمات قليلة ولا ينفقان الكثير من الكلمات لتوضيح الرأي، يقفزان بسرعة إلى الشكر والتحيات. في النهاية كل شيء منقول يجب أن يكون مشكورا وتستمر العلاقات والتواصل وهذا هو الهدف.
المشاكل التي تحدث أحيانا كما يقول أحمد هي الخلافات الشخصية بين الأعضاء بسبب استخدام ألفاظ مهينة أوقاسية، أوبسبب تذمر البعض من سلطة المشرفين أوطريقتهم في استخدامها. في النهاية مالك المنتدى هو المرجع ومصدر السلطات ومن لا يعجبه ذلك يمكنه أن يصرخ في قسم الشكاوى بلا مجيب أو أن يتلقى ردودا حاسمة من مشرف فإما يرضى أو ينهي نشاطه في المنتدى.
الروح السلطوية التي تحكم إدارة معظم المنتديات لا تترك الخيار لأعضائها: إما أن تنصاع وتتحرك في الحدود أو تخرج من اللعبة. الذين يرفضون هذا الشكل من السلطة في السياسية تركوا المنتديات بكل أنواعها من زمن واتجهوا إلى المدونات أو إلى صفحاتهم على الفيس بوك للتعبير بحرية.
لتظل المنتديات ساحة خالصة للكتلة الكبيرة الغامضة التي ترضى بدفء المجموع ولو كان "شلة افتراضية" وتذعن للقيود وتتحرك داخلها. الكتلة التي يتحدث الجميع عنها، يودون معرفتها ويشكون من سلوكها، يخطبون ودها ويعلقون عليها الأمل.


ليست شبكة واحدة!

اكتب اسم أي فيلم حديث أو ألبوم غنائي في محرك بحث على الإنترنت، ستجد في صدارة النتائج نسخا مقرصنة منها في المنتديات ذات الشعبية الكبيرة. رغم أن ذلك يمثل نقمة كبيرة على المنتجين إلا أنه يمثل خدمة كبرى لمعظم مستخدمي الإنترنت وربما يمثل لهم أهمية الإنترنت بشكل كامل.
استطلاع رأي الشباب حول الإنترنت الذي أعده مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء في 2008 يقول أن 68% من مستخدمي الإنترنت من الشباب يستخدمونه بشكل أساسي في تحميل الأغاني والأفلام، بينما 39% فقط من الشباب سمعوا عن المدونات و23 % ممن سمعوا عنها قرأوا أو علقوا على مدونة.
في تقرير "شبكة اجتماعية واحدة ذات رسالة خالدة" الصادر عن "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان" نهاية 2009، لا ذكر للمنتديات ضمن أدوات النشطاء العرب التي تضم المدونات، تويتر، فيس بوك، يوتيوب وفليكر. ولا ذكر لدورها أوتأثيرها في ساحة النشاط في مصر إلا في سياق اشتراكها في الاحتجاج خلال أغسطس الماضي ردا على قرار وزارة الاتصالات بتطبيق سياسة الاستخدام العادل للإنترنت والذي يحدد حدا أقصى للتحميل.
المنتديات وأصحابها وروداها هم الأكثر تضررا من هذه السياسة بسبب الحجم الكبير للأفلام والأغاني التي تمثل مادة جذبها الرئيسي، بينما يرى خبراء الاتصالات أن التحميل المجاني المقرصن لها وشيوعه وكثافته هو ما يسبب مشكلة تقنية لشبكة الإنترنت في مصر.


نشر في "الشروق" الخميس 14 يناير 2010
PDF

المزيد

الأحد، ١٠ يناير ٢٠١٠

دوائرنا الافتراضية التي تتسع وتتلاقي وتتصادم

ثقافة استخدام الشبكات الاجتماعية على الإنترنت: عالم واحد أم جزر معزولة؟

كيف يشترك تصميم الشبكات الاجتماعية على الإنترنت مع طريقة استخدامنا لها في التأثير على رؤيتنا وتفاعلنا مع قضايا وظواهر وأزمات مجتمعاتنا ؟


لمدة أسبوع ظل يتلقى دعوة إثر أخرى من أصدقائه على الفيس بوك للانضمام إلى إحدى المجموعات. المجموعة تدعو كل عضو فيها للتبرع بمتر قماش لصناعة علم مصري يحطم الرقم القياسي ويصبح الأكبر في العالم. فاروق سلامة، الطالب بالسنة الأولى في كلية الإعلام، لم يكن محبذا للفكرة ولكنه ملّ من استمرار اضطراره للدخول على حسابه ورفض الدعوة التي يبدو أن دائرة أصدقائه على الفيس بوك قد أغرمت بها بسبب فورة الحماسة الوطنية التي أعقبت أحداث "المعركة الكروية" بين مصر والجزائر. لذا فإنه وجد أن الحل الوحيد الذي يمنع أوتوماتيكيا وصول أي دعوة جديدة هو أن يقبل بالفعل الانضمام إلى المجموعة.

يقول فاروق أنه لن يتبرع بمتر قماش وغير مهتم بالفكرة، ولكن عضويته في المجموعة هي جزء من الرقم الذي سينقله الإعلام للدلالة على تحمس الشباب للمشاركة في هذه الحملة. لا أحد يعلم بدقة كم مشارك هو متحمس بالفعل ومهتم، ولكن فاروق مثل كل شاب مستخدم للفيس بوك يعلم أن دوافع ضغط زر الاشتراك تعني أيضا مجرد الفضول، الرغبة في متابعة أخبار الحدث لا المشاركة فعليا، مجاراة الأصدقاء والمعارف في الاهتمام بشيء جديد ومثير، وربما للمشاغبة والاعتراض على الفكرة أو السخرية منها في ساحات حوار المجموعة.
العلم الذي سيدخل موسوعة جينيس ليس الأهم، ولكن هناك الحفاوة الضخمة بحركة 6 إبريل وبدعوتها للإضراب العام وحشدها ما يقرب من 80 ألف عضو على الفيس بوك واعتبار ذلك انتصار مظفر على كل الحركات والأحزاب والجماعات السياسية القديمة، السيل الجارف من الصور والفيديوهات التي تحمل كراهية وعنصرية بين مجموعات من المصريين والجزائريين والتي جعلت - بالتعاون مع الإعلام التقليدي- مباراة في كرة القدم سببا في تراشق شعبي وشبه رسمي أحيانا بين دولتين "شقيقتين"، وأخيرا أعداد أعضاء مجموعات الفيس بوك المؤيدة لترشيح الدكتور محمد البرادعي رئيسا للجمهورية والتي تصدرت معه الصفحات الأولى، كما في عدد "الشروق" الجمعة 4 ديسمبر، بينما يحاول الصحفيون عبثا في تقاريرهم استجواب "النخبة" السياسية والثقافية عن رأيهم في ترشيحه.

من المألوف أن نتحدث عن الفاعلية التي أتاحها انتشار استخدام تطبيقات الشبكات الاجتماعية Social Networks على الإنترنت، مثل الفيس بوك Facebook وتويتر Twitter ويوتيوب Youtube، والصوت الحر الذي منحته للشباب والحركات الجديدة، ولكن قد يكون مفيدا أن نتحدث كان في هذه التقينات وتصميمها وطريقتنا في استخدامها ما يؤدي إلى التضخيم المبالغ فيه
لأحجام مجموعات أو فاعلية رموز أو المساعدة على احتدام أزمات، بشكل قد يكون محبطا فيما بعد لهذه المجموعات أو هؤلاء الرموز أو مسيئا ومؤذيا لأطراف الأزمات.

عالم جديد واتصالات جديدة
التطبيقات الاجتماعية على الإنترنت هي أهم خصائص ثورة الـويب2.0 أو web 2.0، وهو مصطلح ظهر في مؤتمر تقني عام 2004 ويبدو أنه كان يحاول أن يبشر بنمط مختلف للإنترنت، ولكن التطورات التراكمية في طريقة تصميم المواقع خلال عامين تقريبا استولت على المصطلح فأصبح يشير إلى الخصائص التي تتيح فاعلية أكبر للمستخدمين وتفاعلية بينهم، التصميمات خاضعة لاختيارات المستخدمين وتتيح لهم الإرسال لا مجرد الاستقبال، وتكوين شبكات من الأصدقاء والمعارف والتواصل معهم.

التطور التقني لم يكن مجرد ابتكار منفصل عن التطورات الاجتماعية في العالم، مانويل كاستلز عالم الاجتماع الأمريكي، الذي يعد الأشهر الآن في ربط البحث الاجتماعي بعلوم الاتصال والإعلام، يصف التطور الذي حدث بأنه انتقال للمجتمعات من نمط وسائل إعلام الجمهور Mass media (الذي تنتقل فيه المعلومة من مركز أو مراكز إلى الجموع) إلى نمط الاتصال الشخصي الجماهيري Mass self-communication (شخصي لأن كل شخص هو مرسل ومستقبل وجماهيري لأن الرسالة تصل إلى الجمهور الذي يختار بشكل شخصي أيضا استقبال هذه الرسالة أو تلك من بين بدائل لا حصر لها). وبالتالي تتحول المجتمعات من نمط المجتمع الصناعي إلى مجتمع الشبكة بخصائص مميزة لكل منهما في الاجتماع والاقتصاد والسياسة.

ربما يكون مصدر جاذبية الفيس بوك وشعبيته الجارفة هو أنه أكثر التطبيقات قربا لفكرة مجتمع الشبكة، فهو شبكة اجتماعية على الإنترنت تحاكي الشبكات الاجتماعية المنسوجة بين الأفراد في الواقع، فهو يركز بشكل جيد على الذات أو"الفردية" ويتيح لها أن تعبر أو تستعرض نفسها بشكل جيد، كما أنها توفر وسيطا سهلا لـ"الجماعية" من خلال تطبيقات التواصل وتبادل التعبير والتعليق والنشر ضمن شبكة الأصدقاء.

انهيار السياق
ولكن هل يظل فعلا ما نرسله من رسائل وتعليقات أو كتابات أوصور ضمن نطاق الأصدقاء؟ وإذا خرج فماذا يكون معناه خارج سياق علاقاتنا وفهم من يعرفوننا لطريقة تعبيرنا عن الهزل والجد؟ هذه إحدى مشكلات الشبكات الاجتماعية بشكل عام. علاء عبد الفتاح، مطور البرمجيات مفتوحة المصدر وأحد قدامي المدونين المصريين المهتمين بتقنيات الإنترنت وتأثيراتها الاجتماعية، يشير إلى مصطلح "انهيار السياق" الذي أطلقه مايكل وش، الباحث في الأنثروبولوجيا الثقافية بجامعة كانساس الأمريكية، ضمن بحث كان بالأساس على اليوتيوب. يقول علاء: "المصطلح يشير إلى حالة مشهورة وهي الأشخاص الذين ينظرون إلى كاميرا الكمبيوتر ويتحدثون إلى العالم، ليصل ذلك إلى كل العالم بدون معرفة أي معلومات عن المتحدث وهويته ومكانه ومتى قال ذلك تحديدا وبماذا تأثر وعلى من كان يرد.
هناك مشهد فيديو انتشر على الفيس بوك واليوتيوب الأسابيع الماضية، فيه رجل مصري يقف وهو ولديه يرتدون فانلات فرق كرة قدم مصرية ويسبون الجزائر وشعبها وفريقها الكروي. هذا الفيديو صالح للاستخدام قبل كل مبارة مقبلة أو بعدها. وبالمثل فيديو الشاب الجزائري الذي يحاول السيطرة على أعصابه وهو يتهم عمرو أديب بأنه تسبب في شطب مصر من خارطة دماغه. هذا الفيديو قابل للتكرار إن استمر عمرو أديب في الحديث عن مشكلات مباريات كرة القدم بنفس الطريقة. وساعتها سيستقبل أحدهم الفيديو ولا يعلم إن كان ذلك الشاب الجزائري فقد أعصابه هذه السنة أو من سنوات ماضية.
يشير علاء أيضا إلى أن انتقال بعض نواتج هذا الإعلام الشعبي إلى الإعلام المؤسسي سبب مشكلات مصداقية، مثل فيديو المشجعين الجزائرين وهم يلوحون بالأسلحة البيضاء والذي تبين فيما بعد أنه في سياق آخر زماني ومكاني. كما أنه يشير إلى أن افتقاد السياق الثقافي قد يسبب تأزما في استقبال هذه المواد: "المقلب في الشبكات الاجتماعية هو أن السياق ينهار بدون أن تنتبه لذلك، فالتصميم الأصلي افترض أنك لن تتعامل إلا مع معارفك، ولذلك فأنت تظن أنك تتواصل مع عائلتك وأصدقائك بالأساس ولكن رسائلك تصل لمستقبلين آخرين. مثلا الكلام عن أننا سنزعج المنتخب الجزائري في القاهرة أو تلويح جزائري بأنه سيذهب ليشتري سكاكين وسيفعل كذا وكذا، هي أشياء يقولها الشباب المتحمس على المقاهي والنواصي من باب "التهييس" العادي. ولكن استدعاء هذا الكلام بعد فترة أو أن ينقله أحد عبر برنامج تليفزيوني يضعه خارج سياقه ويتسبب في نوع المشكلات الذي حدث بين الشعبين المصري والجزائري".
ربما يكون التوعد بمثل هذه الأحداث قد حدث بالفعل ولكن لا أحد يعلم إن كان المتحدث الجزائري إلى كاميرا كمبيوتره المحمول هو الذي حمل السكين في الخرطوم أم أن رسالته ألهمت آخر حين تناقلتها المواقع والمجموعات، وبالمثل هل من هددوا بإزعاج المنتخب الجزائري من وراء شاشاتهم هم من طاردوا الباص ورشقوه بالحجارة أم لا. ولكن بالتأكيد أن تداعيات الحدث التي عادت لتتناقلها المواقع والمجموعات بمنتهى السرعة قد ألهمت المزيد والمزيد من هنا وهناك للانخراط في معركة التطاول والكراهية والعنصرية.

اللحظة المرهقة
"أنا مرهق يا تويتر! أنا فعلا مرهق!" هكذا اختتم سيمون دومينيكو، الكاتب المتخصص في التكنولوجيا في موقع Advertisingage.com ، مقالته الشهر الماضي التي كان عنوانها"10 أشياء علمني إياها تويتر عن الإعلام.. وعن نفسي!" وكان سبب إرهاق دومينيكو من تويتر- تطبيق تبادل الرسائل القصيرة لحظيا والذي وصفه بأنه تطبيق عام 2009 - هو أن تجربه استخدامه علمته أن رغبتنا التي تقول: "يجب أن نعرف الآن وفورا ماذا يحدث في الخارج من آخرين" وإصرارنا على أن نكون ضمن "أول من يعرف" ليست إلا شيء مرهق، لا يفيدنا حقيقة في معرفة شيء، ما نعرفه أسرع يكون عادة خطأ أو أقل دقة، مسبب لنوع إدمان، ويجعلنا متحفزين أكثر، سماعنا لتعليقات الناس على كل شيء لا يجعلنا أذكى بل ربما أغبي في التعامل مع ما هو حقيقي حولنا. كما يقول أنه تعلم أيضا أيضا أن يخرج بنفسه ليعرف ماذا يحدث كلما كان ذلك ممكنا.
قد يكون ذلك إحدى مشاكل السياق وفق وجهة نظر دومينيكو. ربما يوافقه قول ماكلوهان، رائد علوم الاتصال، أن "المعرفة اللحظية تعني المشاركة والتورط". فالكثير من المعلومات والأخبار عن العالم قد لا تفيدنا كل لحظة، وكذلك الكثير من الآراء والتعليقات. وقد تجعلنا متورطين ذهنيا في أزمة سياسية بعيدة بدون أي قدرة حقيقية على المشاركة. ولكن من ناحية أخرى تكون هذه الوسائل مفيدة إذا كنا ننوي فعلا المشاركة والتورط، تضامنا مع مظلوم قريب أو بعيد بشكل ما، أو اشتراكا في حدث اجتماعي ضمن محيطنا أو تفاعلا مع نصيحة أو ردا على استفسار. يبدو دومينيكو متحاملا بشكل كبير لو لم يتعلم ذلك من تويتر. ولكن يمكن أن نتفهمه في حالة أن هناك العديد من المتعصبين المتوثبين للشغب أو لإهانة الآخر والمستعدين للتورط والمشاركة في استكمال معركة سمعوا خبرا عن أحد فصولها ! والنتيجة أن الخبر يتحول - صحيحا كان أو خاطئا - في لحظة من حدث إلى فصل في معركة بفعل من ينتظرون المشاركة والتورط !
ولكن كل ذلك يتوقف على كيف نحكم على مصداقية ودقة ما يصلنا، وكيف سنقيم ماحدث ونراه، وأي معارك نحن مستعدون أو منتظرون أن نخوضها. وهذه أشياء قد يحسمها كل فرد مع نفسه أو يقوم بها بشكل اجتماعي ضمن شبكته التي يتبادل معها التفكير بصوت عال.

شبكات من الأشباه؟
قد تساعدنا الشبكات الاجتماعية على التفكير بشكل نقدي مع أقراننا، ولكن من جانب آخر قد تؤدي إلى تكريس الأفكار السائدة والمنشترة أكثر عند مجموعات بعينها. في رأي علاء عبد الفتاح أن التصميم الأصلي للفيس بوك افترق أنك لن تتواصل إلى مع معارفك، ولذلك فتصميم الفيس بوك يكرس لشبكتك أكثر فأكثر ويضم المزيد من نفس الطبقة ومن نفس الدائرة التي تنتمي إليها بالفعل. وهو في رأي علاء يسهل انتشار الأفكار بين المتشابهين ويؤدي لتفاقم مشكلة مثل الأزمة مع الجزائر. وكلامه يتفق مع نظريات علم النفس التي تحدث عن الميل للمجاراة الاجتماعية لأن الفرد العادي لا يجب أن يكون معزولا بل يجب أن يكون مقبولا ومشاركا الجماعة الرأي ولو كان شططا.
يبدو وكأن هذه الفكرة تجعلنا نرى الفيس بوك كجزر منعزلة وليس شبكة اجتماعية واحدة وفق الوطن أو وفق اللغة أو حلم المجتمع العالمي المتشابك كله. وفي هذه الجزر نفع تحت تأثير بعض الأوهام عن العالم، يقول علاء: "يحدث على الشبكات الاجتماعية كما في الواقع أن نسارع إلى الاعتقاد بان كل الناس الآن تتكلم عن كذا لأننا سمعنا كل من حولنا يتكلمون عنه، وكأنهم هم كل العالم". هكذا تنمو في كل جزيرة أوهام مختلفة. بعض الناشطين في وسط زخم نشاطهم قد تتصاعد حماستم وكأن "الشعب المصري" كله متحمس للتغيير لأن كل من حولهم من الأقران المشاركين ينبضون حماسة، أو قد يظن البعض أن الشعب لا ينقصه إلى الصندوق لينتخب البرادعي لأن دائرة معارفه من الشباب أعجبتهم الفكرة ويرفعون أكفهم بالدعاء أن يتمكن من الترشح.
ولكن في الفيس بوك أيضا مساحات جماعية مفتوحة مثل المجموعات وصفحات المعجبين برموز أو أفكار ومنتجات قد تؤدي إلى بعض التداخل ورؤية آراء وميول أخرى.
يقول طارق عمرو، مصمم شبكات الاتصالات والمهتم بتقنيات الشبكات الاجتماعية، أن مؤسس خدمة "جايكو"- التي تشبه تويتر- قدم فكرة هي "الموضوع الاجتماعي" الذي يكون واسطة التواصل بين الأفراد. "الموضوع الاجتماعي" هو أي شيء نتحدث عنه ويصلح أن يكون مادة حوار: طبخة، أغنية، مباراة أو خبر سياسي أو مشهد من فيلم. وعلى الشبكة الاجتماعية يكون رأينا وتعليقنا أيضا "موضوعا اجتماعيا" يجمعنا مع آخرين. يرى طارق أن ذلك يكرس أيضا فكرة الجزر المنعزلة بين الثقافات المختلفة والبيئات المختلفة المهتمة بموضوعات مختلفة. بين الجزر الروابط موجودة لأن هناك أحيانا تداخل موضوعات ولكن هذه الروايط عادة تكون ضعيفة.

صدام الأغراب
هناك الملايين ممن يتشاركون استهلاك الجينز والبرجر تحت تأثير العولمة، ولكن هل كلهم يتشاركون نفس الأفكار عن الجنس أو الدين، أومستعدون على الأقل لخوص حوارات هادئة حولها؟ تبدو الروابط بين الجزر قوية على مستوى بعض "الموضوعات الاجتماعية" مثل السلع والنجوم العالميين. ولكن على مستوى الأفكار والثقافة هناك جزر قريبة أو بعيدة وربما بين بعضها قطيعة كبيرة.
ولذلك فبعض "الموضوعات" قد تمثل لقاء غير مرغوب في نتائجه. قد تكون كتابات وصور ومشاهد من مجموعات دينية أوقومية مختلفة الثقافة. وقد تكون موضوعات تم تصميمها سلفا لمهاجمة الآخر. الفيديوهات المتبادلة التي صممها مصريون وجزائريون لإهانة فريق الكرة أو الشعب كله كانت "موضوعا اجتماعيا" للشجار في المجموعات المهتمة بالمباراة أو على حسابات اليوتيوب. وتعرضت بعض الفيويوهات لمشكلة انهيار السياق، فعرض كل فريق مشاهد لفتيات "ساقطات" في رأيهم وكل فريق قال أن هذه مشاهد لمصريات أوجزائريات ! ولا أحد يعلم جنسية الفتاة ولا في أي سياق تم تسجيل هذه المشاهد.
معارك متفرقة هنا وهناك بسبب أن أحدهم وضع صورة البروفايل هو علم الجزائر ومكان الهلال نجمة داوود أو أن أحدهم كتب "مصرائيل" بدلا من "مصر". ولكن هذه الأزمة كلها كانت "موضوعا اجتماعيا" لمبادرات قام بها شباب لتهدئة الأوضاع والحفاظ على العلاقات بين الشعبين. وفي الواقع أن هذه المبادرات أسست لعلاقات جديدة لم تكن موجودة قبلا وسببت تلاق بين عدد لا بأس به من الشباب المصري والجزائري الرافض للتصعيد وحملات الكراهية والعنصرية المتبادلة، ورب ضارة نافعة، فقد كان للفيس بوك فضل التلاقي بين "أشباه"على صعيد آخر هو صعيد المزاج الرافض للتعصب الوطني. وهو ما يعني أن دائرة جديدة من الأشباه تجمع بين دائرتين منفصلتين بحكم اللغة والجغرافيا ولكنها تتشكل في لحظات بعينها أو أزمات تصبح هي الموضوع.
إحدى هذه المبادرات هي حملة "لن نفترق" التي أطلقها مصطفى النجار، طبيب الأسنان، وعمرو مجدي، طبيب الامتياز، عبر مجموعة على الفيس بوك. وسعيا بوسائل عديدة لنشر الحملة على الإنترنت أو بالاتصال برموز من البلدين. يقول عمرو مجدي أنه أثناء النقاشات على المجموعة لاحظ هو ومصطفى أن شباب من الجزائر متحمسون للحملة فتواصلوا معهم وأصبحوا مشاركين ومنسقين للحملة.
جروب الحملة زادت عضويته حتى وصلت 8500، وهذا لا يعني أن كلهم مؤيدون، فعمرو ومصطفى وجدا مشاكل كثيرة في إدارة الشجارات التي نشبت في ساحات حوار المجموعة.

"لن نفترق" ولكن كيف نلتقي ؟
يقول عمرو مجدي: "مجموعات الفيس بوك مفيدة في الانتشار وجمع الناس بشكل سريع، ولكنها غير فعالة في تنظيم عمل جماعي ناجح. لم نجد طريقة للسيطرة على الشجارات إلا بغلق ساحة حوار المجموعة لفترات، لا توجد ساحة داخلية لحوار المديرين. أنا أعتقد أن الإدارة تشكل جمهورها لا العكس. في المنتديات عندما تضع محاذير وضوابط وتطبقها يتلزم بها العضو أويرحل. مجموعات الفيس بوك تفتقر للأدوات اللازمة لذلك أنشأنا منتدى حواري تابع لموقع خاص بالحملة".
ما يتحدث عنه عمرو هو ما يراه علاء عبد الفتاح إحدى المشكلات التي أعاقت حركة 6 إبريل التي بدا أنها حشدت عددا كبيرا بفضل العدد الضخم لعضوية مجموعة الفيس بوك: "الأداة الرئيسية في التنظيم خذلتهم تماما، ضخامة المجموعة على الفيس بوك كانت كارثة لأنه لا يوجد أي آليات لخلق سمعة وثقة وتاريخ بين هذا العدد. على حائط المجموعة كل الرسائل متساوية، مافيش حد متهتم مين قال أيه و قاله إمتى وبالتالي.كل عضو وجد نفسه ينشر رسالة و يا يعرف من رآها ومتى وكيف. لا توجد وسيلة لظهور قيادات أخرى جديدة غير مديرين المجموعة الفعليين. أو من يختاروهم . كما حدث لاحقا سيطر من لديه حزب وتربيط و آليات تنظيم خارج الفيس بوك".
ولكن هذه الضخامة لا تعني أنها تنتهي إلى لاشيء، حتى مع فشل التنظيم، ورغم أن بعضه قد يكون عضوية وهمية مثلما رأينا. إلا أنها تشير إلى ميل عام وجاذبية للفكرة تجعلها أكثر انتشارا بين الدوائر المختلفة للعلاقات. قد نتشكك إذا كان كل أعضاء مجموعات ترشيح البرادعي سينزلون من منازلهم فعلا للتصويت، لو نجح في الترشح، ولكن بالتأكيد الفكرة تعكس ميلا ما لديه شوق لوجه جديد وناجح ويلخص أحلام شباب كثر يرون أن السياسة ما هي إلا إدارة ناجحة رشيدة من شخص مرموق عالميا.
ولكن هذا الانتشار المؤدي إلى الضخامة المفتقرة للتنظيم والفاعلية يحتاج إلى آلية تساعده. وسيط المدونات أثناء "فورة التغيير" في 2005 وما بعدها رغم أنه كان أقل زخما إلا أنه شكل رموزا من شباب المدونين وسمعة لمدونات ومواقع لا تزال تتمتع بقدر من المصداقية والمتابعة مثل الوعي المصري والتعذيب في مصر وغيرهما. وفي رأي علاء أن المدونة تصنع بتاريخها ثقة وسمعة وبروابطها مع المدونات الأخرى سياقا لما هو مكتوب فيها. كما أن الفارق بين وسيط المدونات ووسيط الفيس بوك يؤثر على الخطاب. في المدونة يشعر الفرد أنه ممثل لجماعة ما أو يقدم شيئا ما لجمهور.
ولكن المدوّنات كانت جذابة للأفراد الذين لديهم شيء ما ليكتبوه أو ينشروه، بينما كل مستخدم في الفيس بوك موجود ويعبر عن ذاته ويتفاعل مع شبكته بأشكال مختلفة بدون أن يكون بالضرورة كاتبا أو يريد أن ينشر شيئا أيا كان. في المدونات هناك ظل لا يزال لفكرة "النخبة" و"الجمهور" ولكن بشكل جديد. جزء من الجمهور صار نخبة ومن بين النخبة التي تدون هناك نخبة من المدونين المشهورين. ولا وجود لفكرة التجمع في المدونات إلا في مدونة مشتركة يتبادل أفرادا الكتابة.
في بحثه عن "الاتصال والسلطة والمقاومة في المجتمع الشبكي"، يرى كاستلز أن الإعلام الجديد والاتصال الشخصي الجماهيري هوأداة جيدة في يد الحركات الجديدة المتمردة على السائد سياسيا واجتماعيا، ومن أبحاثه يرفض وصفها بشكل سطحي أنها "حركات إلكترونية"، بل يراها تتخذ التكنولوجيا كأداة للتعبير عن مشروعها وكوسيلة للتعبئة والتواصل في حين أن معظمها له مكان وحضور وجذور في العالم الحقيقي. ولكن لا يجب أن نتورط أيضا في المدح الرومانسي للإعلام الجديد وشبكاته الاجتماعية باعتبارهم سلاح الشباب وأداة التقدم المقدسة بدون نظرة نقدية في التصميمه والتفاصيل. من المفيد أن نستمع إلى كاستلز:"التكنولوجيا ببساطة ليست مجرد أداة، بل هي وسيط وأسلوب في التخطيط الاجتماعي له مضامينه. بالإضافة إلى ذلك هي منتج من منتجات ثقافتنا التي تتضمن كلا من رؤيتنا لفكرة استقلاليتنا الفردية ومشروعاتنا كفاعلين في المجتمع".


نشر في "الشروق" الأحد 10 يناير 2010
PDF
الصورة من الصفحة الرئيسية لـ Facebook.com

المزيد

الخميس، ١٩ مارس ٢٠٠٩

الكثير من الكلام .. القليل من الإنصات

kalam
تصوير: السيد عبد القادر


عندما يتعلق الأمر بالدين، فالمساحات الحرة للتعبير على الإنترنت قليلا ما تكون نوافذ واسعة لرؤية الآخر والتواصل معه، وكثيرا ما تتحول إلى مجرد فتحات ضيقة في جدران متباعدة يختفي خلفها المختلفون في الدين أو المذهب أو حتى الرأي، يتبادلون من خلالها التصويب وإطلاق النار!

" حاربهم بمثل سلاحهم، وهو السخرية. فأنت كلما نشرت كلاماً قيماً سخروا منك، (إذن) كلما وجدت منهم كلاماً يبدو قوياً بليغاً .. اسخر منهم "
هذه واحدة من عديد من النصائح كتبها مشرف مجموعة على موقع "الفيس بوك" Facebook. المجموعة ليست مخصصة للحوارحول موضوع ما، ولكن هدفها يبدو من اسمها "الطريقة الفعالة للتعامل مع الجروبات(المجموعات) العلمانية المتطرفة التي تهاجم الإسلام".
يبدو الأمر كمعسكر تدريبي لأعضاء جبهة ما قبل الدخول إلى ساحة المعركة، ومشرف المجموعة ينصح الأعضاء بالاستعداد جيدا وينبههم إلى ضرورة الإطلاع الكافي على علوم الدين قبل الدخول في جدل مع "هؤلاء"، محذرا من أن خلاصة تجربته ودراسته لفكرهم وأساليبهم تؤكد أنهم "ليسوا مسلمين ولا علمانيين.. إنها حملات تبشيرية".

لقد وصل المتحاربون إلى "الفيس بوك" ! جزء من شبكة التواصل الاجتماعي الشهيرة تحول لخنادق للفصائل المتحاربة التي تحتل أجزاء لا بأس منها من المواقع والمنتديات وغرف الحوار والمدونات. باختصار، تحتل أجزاء كبيرة من المساحات التفاعلية على شبكة الإنترنت.
هذه المساحات تتيح لكل من يستخدم الكمبيوتر الإعلان عن رأيه والدعوة إليه والتعليق على آراء الآخرين والحوار معهم. بينما في الواقع الحقيقي، لا يمكن لفرد عادي أن يقوم بذلك إلى في دائرة معارفه الخاصة، وأما في المساحات العامة مثل الندوات العامة أو وسائل الإعلام، لا يمكن للجمهور الواسع إلا أن يكون مستقبلا، وإن تكلم فهو يسأل ويستفتي أهل العلم والتخصص، وإن أتيح له التعبير عن رأيه يجب أن يكون ذلك ضمن الهامش المتاح وبما لا يتجاوز الخطوط الحمراء، وفي الغالب أيضا سيكون هناك متخصص يرد ويصحح من وجهة نظره.
الموضوعات الدينية وما يتعلق بها هي من أكثر الموضوعات جذبا للاهتمام العام، وفي الإنترنت كما في الواقع تستقطب متحاورين عديدين. ولكن حالة الحوار وأسلوبه وما ينتهي إليه ليست مبشرة بالمرة بالنسبة لكثيرين.

"الأمر يشبه حالة شخص اشترى سيارة حديثة ولكنه لا يستغل من إمكاناتها سوى عجلة القيادة ودواسة البنزين" هكذا يشبه المهندس شريف عبد العزيز، صاحب مدونة "العدالة للجميع"، استخدام معظم المشتركين في حوارات دينية على الإنترنت. ويوضح فكرته أكثر "في كل تجربة جانب عاكس وجانب تفاعلي، في الجانب الأول الإنترنت عكست حالة الحوار الديني في الواقع بكل ما يسودها من توتر ويقين مسبق وكسل معرفي ورغبة كل فرد في تحقيق انتصار لما يؤمن به لكي يطمئن قلبه".
يعتقد عبد العزيز أن هذه خصائص الثقافة الدينية السائدة لدى كثيرين، وفي مدونته يحاول أن ينقد هذه الخصائص بهدف "إعادة تعريف الأصولية" كما يعلن في صدارة المدونة. "هذه الخصائص هي التي تفسد الجانب الآخر التفاعلي وتحرم المتحاورين من إمكاناته، فالإنترنت تتيح بسهولة معلومات عن الاتجاهات والمذاهب المختلفة ونقاط اتفاقها واختلافها، وبالتالي صورة أوضح للآخر. كما يتيح الحوار المكتوب مثلا فرصة أكبر للإنصات للآخر والتفكير في كلامه بل وتفكير الشخص في كلامه هو وتأمله جيدا، وهو ما لا يوفره الحوار السريع المباشر، ولكن هذه الإمكانات لا يستفيد منها معظم المتحاورين ويكتفون بترديد ما يؤمنون به وبتبادل الصراخ".
الصراخ هنا ليس مجازا. محاولة استطلاع الأمر في منتديات ذات شعبية أو غرف حوار صوتية مثل تلك التي تتيجها خدمات مثل IMRC أو Paltalk، إن كان الحوار يدور بين مسلمين ومسيحيين حول "الدين الصحيح" أو بين مسلمين سنة وآخرين شيعة حول "الإسلام الصحيح"، فإن الأمر قد يقودك لأن تسمع صراخا بالفعل، أو أن ترى بعض المتحاروين بالكلمات لا يكتفون بالعنف اللفظي بل ويدعمونه بحجم خط كبير وألوان ساخنة للتعبير عن مدى الغضب أو السخرية أو الازدراء.
ولكن هذا ليس الجانب الوحيد وإن كان طاغيا، فلا يمكن أن ننسى أن مدونة عبد العزيز نفسها تستفيد من حرية طرح الأفكار الدينية من قبل أفراد عاديين لا يتمتعون بشهرة ومكانة علماء الدين المتخصصين، وهو يطرح فيها بحرية أفكارا دينية تخالف الآراء السائدة والتقليدية، ولهذه المدونة وحواراتها الفضل في تعرفه على آخرين مقاربين له في طريقة التفكير وربما لم تكن لتتاح لهم فرصة اللقاء بسبب بعد المكان، فتعرفوا على بعضهم البعض من خلال تفاعل أفكارهم في فضاء الإنترنت. ولكن مدونته لم تعدم أيضا معارضين له يرون فيما يكتبه هو الجانب السيء في حرية "الكلام في الدين" على الإنترنت، من هؤلاء " الصارم الحاسم" .
"الصارم الحاسم" مهندس أيضا، ولكنه يفضل أن يظل خلف اسمه المستعار في مدونته وصفحته على الفيس بوك، ليعطيه ذلك حرية أكبر ويبقيه بعيدا عن طائلة أي قمع يطال أصحاب "الاتجاهات الإسلامية" التي توصف بـ"المتطرفة". أحيانا ما يصف "الصارم" نفسه في حوارات على المدونات بالمتطرف. كاستباق ساخر قبل أن يتهمه آخر بذلك بسبب انتقاده لما يراه تجاوزا لثوابت الدين و"جرأة على الله" على حد تعبيره، وهو ما يعتبره أكبر سلبيات الحوار الديني المفتوح على الإنترنت، ويقول:"الإيمان بالغيب هو أساس الدين، والفهم يأتي لاحقا، فهناك أشياء ربما لا نكتشف حكمتها على الفور، و يحتاج منا الأمر للامتثال والتسليم والرجوع لفهم السلف الصالح والعلماء الثقات لنكتشف الحكمة الإلهية في العديد من الأمور بدلا من التشكيك في ثوابت الدين".
معركة الثوابت
اقتربنا قليلا من ساحة المعركة. فمناقشة أو نقد العقائد وثوابت الدين من جهة، في مقابل التسليم بها ورفض التشكيك فيها من جهة أخرى، هي الصورة المتكررة للحوارات التي تتحول إلى معارك.
ومن بين الثوابت الأكثر إثارة للجدل ثم العراك، يبدو الحجاب في مكانة مميزة. فبرغم الحجج المكررة لأنصار الحجاب والانتقادات المكررة من قبل مهاجميه، لا تنتهي فصول المعركة أبدا. على موقع الفيس بوك تتكاثر المجموعات التي تتناول الحجاب بشكل زوجي،تنشأ المجموعة وفورا تنشأ الأخرى التي ترد عليها. الرد هنا ليس معناه الرد على الكلام فقط، بل أحيانا توجيه الدعوة لعدد كبير من الناس للتكاتف ومطالبة موقع الفيس بوك بحذف المجموعة الأخرى، أو محاولة "الاستيلاء" على المجموعة وإغلاقها بوسائل تقنية. وهو ما يشير إليه محمد ثابت، مشرف مجموعة "الحجاب ليس فريضة" عندما يحكي عن تعرضه لمحاولات قرصنة إلكترونية وتهديدات بسبب إنشائه لهذه المجموعة وإدارته لحوار حول "فرضية الحجاب". هذا غير محاولات إفساد الحوار داخل المجموعة بإغراقها بتعليقات خارج الموضوع أو شتائم. ورغم ذلك يؤكد ثابت "الجانب الإيجابي في مثل هذه الحوارات أنها أحيانا ما تنجح في اجتذاب بعض أصحاب الآراء شبه المتطرفة إليها، كما أنها تظل تذكر الأطراف الرافضة لفكرة التسامح الديني والأفراد من ذوي الثقافة والإطلاع المحدودين بأن هناك دائماً وجهة نظر أخرى أكثر اعتدالاً وتسامحاً وأن الرأي الديني المتطرف ليس هو الرأي الوحيد الموجود والذي لابد بالتالي من تبنيه والتحمس له"
الاعتدال والتسامح والتطرف مفاهيم نسبية خاصة بين من يتبنون أفكارا مختلفة، ولكن يظل، كما قال ثابت، لساحات الحوار الديني على الإنترنت الفضل في إتاحة حق الوجود لك الأصوات من كل الاتجاهات.
هذا الفضل هو ما يؤكده شادي سمير، صاحب مدونة " بهائي مصري" ويشير إلى أنه كان السبب في التحسن النسبي في النظرة لأبناء الديانة البهائية منذ إثارة قضية حقهم في إثبات ديانتهم في البطاقة الشخصية. ويقول "الإنترنت كان عاملا هاما في انفتاح غير مسبوق على البهائيين لم يحدث في باقي وسائل الاعلام. فقد أعطى الفرصة للبهائيين أنفسهم لعرض مشاكلهم وقضاياهم بشكل واضح دون اي مزايدات إعلامية. وأعطى المجال للبهائيين للرد على المعلومات المغلوطة المنتشرة عن الدين البهائي. وأتاح لناشطي حقوق الانسان والمدونين المتضامنين الفرصة لعرض وجهة نظر مخالفة للمألوف عن قضية البهائيين المدنية وأيضا الجانب الديني منها، كما أن ظهور مدونين بهائيين أعطى للأمر بعدا إنسانيا بدلا من صورة القضية المجردة".
ولكن هذا التحسن النسبي لم يكن كبيرا، فالإنصات إلى الآخر وتغيير أحد أطراف حوار ديني على الإنترنت لقناعاته أمر عزيز، وما يحدث غالبا أن ساحات الحوار هذه تساهم في توطيد علاقة القريبين في الفكر والقناعات، وهذا ماحدث بعد الجدل حول حقوق البهائيين.. "الصارم الحاسم" وآخرين معه كانوا صوتا واحدا أثناء الجدل رافضين لهذه الحقوق بدعوى أن "الدين البهائي دين وضعي لاحق للإسلام ولا يمكن الاعتراف به"،. في الوقت الذي كانت هناك "جبهة" أخرى متضامنة مع حقوق البهائيين، ضمت شريف عبد العزيز وآخرين ممن يرون أن الإيمان بأي دين لا يجب أن يمس التعايش بحقوق متساوية بين أبناء الديانات المختلفة. وكان من أبرز الأنشطة التضامنية التي نظمها هؤلاء، وقفة أمام مجلس الدولة أثناء نظر القضية وقف فيها شريف عبد العزيز وهو يرفع لافتة كتب عليها:" أنا مسلم أؤمن ببطلان الديانة البهائية، وأؤيد حق البهائي في إضافة كلمة "بهائي" في خانة الديانة بالبطاقة الشخصية له ولأولاده" مع الآية القرآنية: " إن الله يأمر بالعدل".
من الإنترنت إلى العالم الحقيقي
هكذا انتقل بعضا من نتاج الحوار على الإنترنت إلى أرض الواقع، وهو ما حدث ويحدث ولكن ليس كله مما يسعدنا.
فقبل ذلك في العام 2005، شهد حي محرم بك في الإسكندرية اشتباكات طائفية بسبب اتهام كنيسة محرم بك بعرض مسرحية رآها البعض مسيئة للإسلام، واستدعى ذلك جدلا ونقاشات متعددة على الإنترنت. غرف دردشة على الـ Paltlak ومنتديات إسلامية دعت أعضائها إلى التجمع أمام الكنيسة والتظاهر احتجاجا، ونظم بعضهم بالفعل رحلات من محافظات أخرى إلى هناك. وهو ما سبب في المزيد من تأجيج الاحتقان. ولكن في الوقت نفسه، كان مدونون آخرن يعبرون عن غضبهم ورفضهم لهذا الاحتقان وتداعياته، ووقعوا بيانا جماعيا حمل اسم "معا أمام الله .. نحو للمصارحة والمصالحة"، ودعوا فيه إلى معالجة جذرية لأسباب الاحتقان الديني في مصر.
هذا البيان كان نواة مبادرة شكلها مجموعة من المدونين من المسلمين والمسيحيين تحت نفس الاسم " معا أمام الله – مصارحة ومصالحة" ، وبدأت تتخذ شكلا مؤسسيا، وتخطط لأنشطة أساسها "المصارحة" بأسباب الاحتقان الديني لكي يمكن تحقيق "المصالحة" وتجاوز حالة التوتر الطائفي.
" الإنترنت كان نواة البناء الاساسية للمبادرة "تؤكد ماريان ناجي حنا، المنسق العام للمبادرة "التعارف تم بين عقول الأفراد أولا على الإنترنت، وبالتدريج ومع النقاش المستمر اكتشفنا إمكانية الحركة على الارض. ولكن حتى بعد تكوين المبادرة ظل الإنترنت الوسيلة الأهم والأفضل للتواصل والمناقشة بسبب ضيق الوقت والالتزامات"
الحوار والإنصات إلى الآخر هو أساس المبادرة، وهو ما تؤكد ماريان أنه غير موجود في الواقع الحقيقي لذا كان لابد أن يبدأ من الإنترنت " قبل الإنترنت لم يكن هناك حوار أصلا، ما كان موجودا هو تطييب الخواطر بعد كل أزمة، وإجراءات ومعالجات رسمية غير مجدية تتم بين الأزهر والكنيسة والحكومة". وتضيف ماريان "ولكن في الحقيقة لا الكنيسة تمثل جموع المسيحيين ولا المفترض أن تكون كذلك، ولا الأزهر يمثل المسلمين ولا المفترض أن يكون كذلك، ولا الحكومة تعبر عن جموع المصريين رغم أنها هذه المرة من المفترض أن تعبر عنهم...الإنترنت هو الذي ساهم في وجود حوار حقيقي بين الناس من الأغلبية والأقلية، صحيح أنه أحيانا ما ينتهي إلى معارك وخطاب كراهية ولكن على الأقل أصبح هناك حوار".
لقد قطع الإنترنت هذه المسافة ووضع الناس في مواجهة بعضهم البعض، ولكن ذلك ليس معناه أن هناك حالة حوار يسمع فيها كل طرف ما يقوله الآخر. شريف عبد العزيز، وهو أيضا المنسق المساعد لمبادرة "مصارحة ومصالحة"، لا يخفي تشاؤمه من حجم التأثير الإيجابي لهذا الحوار حتى في وجود مبادرات جدية ومخلصة "الاهتمام بقضية الاحتقان الديني يزيد وقت الأزمات ويقل بعدها ويعود الحال لما هو عليه، هل يجب أن يصل الأمر إلى حدث مروع يمسنا جميعا لندرك فداحة هذه المشكلة ويبدأ الناس فعلا في الإنصات لبعضهم البعض؟". لا أحد يتمني ذلك.

نشر في الشروق الأربعاء 18 مارس 2009

المزيد