‏إظهار الرسائل ذات التسميات سينما. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سينما. إظهار كافة الرسائل

الأحد، ٨ أغسطس ٢٠١٠

الولد العترة وحنفي الفيل

معنى أن تكون "رجلا"


صور الرجولة بوصفها امتيازا ونبلا قد تتحول إلى مجموعة من الأوهام المتفق عليها اجتماعيا عندما يتم اللعب بها ومعها على الشاشة. كتاب ومخرجون شباب صوروا رؤاهم وتساؤلاتهم وانتقاداتهم للملامح السائدة للرجولة في أفلام قصيرة جريئة.

فوق كراسي المقهى المنثورة على الرصيف، فتاة تزيل معجون الحلاقة من على ذقن فتاة أخرى. تقوم الفتاة التي أنهت حلاقة ذقنها لتدخل خلف الستار الذي يستر مبولة المقهى ثم تخرج منه وهي تنهي غلق سوستة البنطلون. فتاة ثالثة تصلي على الرصيف ورابعة، يبدو أنها تعمل في المقهى، تزعق شاكية وهي تحمل حجر الشيشة.
مصدر الغرابة في الصور المتلاحقة التي تضمها مشاهد الفيلم القصير "عناب ساقع" أنها تكسر اللعبة وتضع فتيات في صور يحتكرها الذكر في محاولة لاستكشاف بعض الملامح التي ترسم ما يسمى "الرجولة". في هذا الفيلم تظهر بعض الملامح: الكشف والظهور بلا حرج في المجال العام أثناء أداء ممارسات معينة: التبول والصلاة و العناية بالنظافة العامة، وهي الممارسات التي اعتادت الأنثى أن تستتر وهي تقوم بها، بينما لا يجد الذكر حرجا في إظهارها لأنه "رجل".
الفيلم الذي كتبه أحمد مختار عاشور من فكرة وإخراج هاني مصطفى هو واحد من خمسة أفلام كانوا نتاج ورشة "الرجولة والرجل في المجتمع المصري" التي استضافها مركز "نظرة" للدراسات النسوية في مايو الماضي. وشارك فيها عدد من الشباب المخرجين وكتاب السيناريو، عبروا عن رؤاهم فيما يخص معنى الرجولة وصورها كما يرونها.
بعضهم رصد "لعبة الرجولة"والتناقضات بين جانبها الظاهر المعلن الذي يحب الرجال إظهاره، عندما تبدو "الذكورة بوصفها نبلا" حسب تعبيرات بيير بورديو- عالم الاجتماع الفرنسي- وبين جوانب أخرى مضمرة أو مخفية أو متجاهلة عمدا لأنها تصنف "أنثوية". والبعض الآخر كسر اللعبة من خلال إرباك المشاهد وتحويل بعض الصور المتوقعة للرجولة من واقع إلى وهم.
لعبة وضع فروق واضحة ومتميزة بين أدوار وسلوكيات الجنسين تبدو للبعض ضرورة اجتماعية مرتبطة بالفرق البيولوجي بينهما لدرجة أن السينما تجعل عكسها رعبا. قبل إنتاج الأفلام حاضر الناقد عصام زكريا وناقش المشاركين حول صورة الرجولة في السينما. يقول بسام مرتضى، الذي اشترك مع ميسان حسن في تيسير الورشة والإنتاج الفني للأفلام: "من أهم الأفكار التي نوقشت هي أن صورة (مصاص الدماء) كانت غالبا مقترنة بغموض جنسه والتباسه، هو ليس رجلا أو امرأة بشكل واضح".
ما يقوم به فيلم "عناب ساقع" أيضا هو كسر اللعبة من خلال تعديل ضمير المخاطب من الأنثى إلى الذكر في أغنية "المريلة الكحلي" لمحمد منير، الصوت الأنثوي يلفت الانتباه وهو يغني :"يعجبني أخدَك للكتب بالحضن" أو "ولو ابتديت بشفايفك الحلوين" بفتح الفاء الأخيرة. التغزل في تفاصيل مثل الشفاه أو الإعجاب برقة احتضان الكتب في خجل يبدو غريبا وهو موجه لذكر، ليكشف أن صورته النمطية تستبعد أن يكون امتيازه متعلقا بتفاصيل جميلة دقيقة في مظهره بعكس الأنثى، كما أن الجرأة وبعض الاقتحام هم المتوقعين في مقابل الرقة الخجولة الأنثوية المتوقعة.
حالة الجدية والقيام بواجبات الرعاية الاجتماعية لآخرين وبعض الاستبداد بالرأي تظهر كحالات ملحقة بالرجولة عندما تبدو متباينة مع صورة الأنثى التي تصر على إقراض الأخرى رغم رفضها وتطلب لنا عنابا مثلجا بينما رغبت هي في حجر شيشة!
في كتابه "السيطرة الذكورية" يقول بيير بورديو إن الذكر الذي يتم تربيته ليتخذ دوره في اللعبة الاجتماعية التي تجعله الذكر "رجلا" يتم تعويده وتكريسه وتحفيزه لكي يحتل موقعه في الألعاب الاجتماعية التي عنوانها السيطرة لمجرد كونه رجلا.

تواطؤ اجتماعي
حتى عندما لا يلتزم الرجل بمتطلبات اللعبة جيدا، يحدث قدر من التواطؤ واعتبار ذلك استثناء ويتم استكمال اللعبة بالقيم والتوقعات نفسها. في فيلم “البقاء للأقوى"، الذي كتبه نائل الطوخي وبشير وجيه وأخرجه الأخير، يبدي البطل الذي توفت زوجته تجلدا أمام المعزين ولكنه ينخرط في بكاء حار كلما رأي أشياء تخص زوجته، ينسى نفسه في غرفة النوم ويعلو صوت نحيبه وينتبه على مشهد عدد من المعزين يقفون بجانبه بينما هو جالس على الأرض ممسكا بقطعة من ملابسها يبكي. يقطع المونتاج ويأخذنا إلى مشهد له وهو متجلد وكأن شيئا لم يكن يصافح المعزين الخارجين. يرى بيير بورديو أن هناك توهم ما مؤسس للسلوك المرتبط بالذكورة، بحيث تظل دائما كمثل أعلى، كما أن هناك قدرا من التواطؤ الاجتماعي الذي يستبعد وقوع بعض التفاصيل -بكاء الرجل مثلا أو استسلامه لمشاعره بشكل عام وتعبيره عن التأثر العميق - لكي تظل دائما سلوكا أنثويا ومجرد لحظة استثنائية من الذكر بينما لا تمس هويته المتميزة والمختلفة عن ذلك.
نوع آخر من التواطؤ يحاول الإشارة إليه فيلم "في كل حي ولد عترة"، الذي كتبته نسمة يوسف وأخرجته إيناس مرزوق. هناك شخصية لا نراها تبدو وراء الكاميرا ولكنها تقوم بممارسة سلوكيات تحيط تلميذة أثناء نزولهما من البيت في الطريق إلى المدرسة بالرعاية والإرشاد وبعض التحكم. نتوقع مسبقا أنه أخوها بفعل التوهم. في الطريق نسمع صوت فتاة أخرى يضايقها مجموعة من الشباب، لا تبدي شخصيتنا الذكورية التي وراء الكاميرا أي اهتمام سوى بـ"أنثاه" فقط، وكذلك يفعل ذكور آخرين مشغولين باللحاق بالميكروباص.
الرعاية والحماية في مقابل التحرش تفترض مسبقا أن الأنثى فريسة في مواجهة صياد. الصياد يفكر في الفرائس السهلة حوله وهو مشغول من ناحية أخرى بحماية ما اصطاده مسبقا أو ما ينتمي إليه فقط. ذلك الانقلاب في الدور لا يمس فكرة الرجولة بل ربما يكون ملمحا مميزا لها في وعينا. في نهاية الفيلم نسمع مقطع من أغنية أبو الليف "دولا مجانين" التي يتحدث فيها عن "النساء" باعتبارهن جميعا مخبولات! المقطع يقول:”لما الحنية بتبقى طالبة بيبقوا قمامير. إنما يا حبيبي عليهم قلبة، أشوف وشك بالخير". المقطع الساخر هنا بصوت ذكر ولكن تجاوره مع مشاهد تقلب الدور الرجولي يفجر المفارقة الأخرى وكأنه يسخر من الانتباه إلى تقلب المزاج الأنثوي وكأن المزاج الرجولي متسق ومنتظم.

كله إلا كده
مفارقة أخرى يتورط المشاهد فيها مع فيلم" من دفاتر حنفي الفيل" الذي كتبه محمود فرج وأخرج أحمد رحال، الفيلم يبدأ بصور من حياة شاب يبدو لنا مفعما بالذكورة والرجولة بجانب أخرى تبدو غامضة الهدف: مشهد نشر الغسيل، ذلك الدور الأنثوي الذي يمارسه الذكور مكرهين ولا يحبون في كل الأحوال أن يظهر، الصورة التي تظهر أزهارا ملونة على شجرة أسفل الشرفة وتتأمل في جماليات ألوان الملابس على تلك الخلفية تبدو وكأنها تذكرنا بمتعة أنثوية الطابع.
صوت الراوي يقرأ نصوصا وأخرى تكتب على الشاشة تتضمن أفكارا قد تبدو غامضة: " أعلى درجات الوهم هي أعلى درجات الحقيقة" أو "لا شك أن عصرنا الحالي يفضل الصورة على الأصل، الشكل على المضمون، وتحديدا المظهر على الوجود" أو نصوصا لا يجد المشاهد أي مشكلة في قبولها: "كل ما أنت عليه دون أن تختاره، كل ما يحدث لك دون أن تشارك في أسباب حدوثه، هذا هو قدرك، وقدري أن أكون رجلا". يفاجيء الفيلم المشاهد بإعلان البطل أنه مثلي الجنس وأنه لا يخجل من ممارساته ولكنه يخجل من إعلان ذلك على الملأ. المفارقة الصادمة هنا أن المشاهد تورط في التصديق على ذكورة ورجولة البطل وسلم بأن ما لا نختاره هو قدرنا سواء كان الرجولة أو ما يخالفها وهو ما لا يكون امتيازا ولا عيبا. المشاهد الذي سيكره ما عليه البطل تورط مسبقا في الإعجاب بمظهره وصورته وشكله، هو الآن يفضلهم على الأصل والوجود والمضمون الفعلي. اعتقاد معظمنا عن الرجولة وما يدعمها وما يخالفها التي نضعها في منزلة الحقيقة تقبع الآن في زاوية الوهم والتوهم بعد خدعة صناع الفيلم لنا!
الميل الجنسي محدد مهم للرجولة، مثلي الجنس غير معترف بكونه "رجلا" أبدا. الضعف الجنسي أيضا يعتبر بمثابة تهديد بالغ للرجولة وهي فكرة فيلم "كله إلا كده" الذي كتبته نسمة يوسف وأخرجته إيناس مرزوق.
يظهر الذكر في الفيلم مستهترا ولا مباليا وكأنه مستعد دوما لخوض مغامرة ما. يرتدي تي شيرت عليه عبارة "ياكش تولع". على المقهى يبدي انتقادا لفتاة مهتمة بزينتها لفتت نظره مستنكرا مرورها بالقرب منها وكأنه يدين ما يعتبره رغبة منها في لفت نظرهم إلى جمالها، ولكنه يتابع ساخرا أنها بدلا من المرور بالقرب منهم عليها أن تذهب معه إلى البيت!
من استنكار سلوك يراه تعبيرا عن رغبة جنسية من قبل المرأة إلى القيام بسلوك فيه إظهار سافر لهذه الرغبة قد يكون، قد يكون هذا التقلب الساخر ما يعبر عنه بورديو من أن الرجولة تقدم نفسها بوصفها "قانونا اجتماعيا متجسدا" فالرجولة ليست خاضعة للقيم الاجتماعية التي قد تدافع عنها وتلزم بها الآخرين بل تمارس فعلها بحكم القوة التي لا تخضع للحساب. الرجولة قوة فائقة تضع القانون وتخترقه، قد يكون هذا سر ذلك المظهر الرجولي الجذاب لأبطال أفلام الجريمة، الأخيار والأشرار. القوة التي تخترق القانون و القوة التي تستعيد سلطانه، الرجولة هنا وهناك على السواء، ولكن رجل ضعيف جنسيا لا يمكن قبوله "رجلا" على أي شاشة!
في الفيلم يشتري البطل علبة سجائر ليجد عليها صورة السيجارة المرتخية المقوسة والرسالة التي تحذر من أن التدخين يؤثر على العلاقة الزوجية. يتوتر ويطلب من البائع أي علبة أخرى من التي تحتوي على الرجل المريض الموشك على الموت. الفحولة الجنسية هي قدر الرجولة ومركز نبلها - قوتها في مواجهة الأنثى - وعكسها رعب قد يكون الموت أهون منه!


نشر في "الشروق" الأحد 8 أغسطس 2010
PDF
الصورة من فيلم "عناب ساقع"

المزيد

الاثنين، ٥ يوليو ٢٠١٠

تعبيرات الروح المرهقة في القاهرة


عن كل تلك الحواجز بيننا وكل ذلك الذي يحدث بلا طائل

إيقاع متراخٍ متعَب لدرامز يصاحب خطوات الشاب ذي الشعر المبعثر وربطة العنق غير المحكمة، نظرة باهتة يرمق بها حركة الفتاة ذات الوجه المرهق التي تسير إلى جانبه وإن أسرع قليلا. ماكياجها يكاد يزول بينما عيناها الزائغتان تحاولان اللحاق بشيء ما بين جنبات "المول" المزدحم بالبشر والأشياء. ينتهي يوم الشاب والفتاة المقبلين على الزواج بلا إنجاز، محبوسين بالبذلات الرسمية في السيارة المحتجزة في أزمة مرورية في حي مصر الجديدة بالقاهرة. بعد جولات لاهثة وتفاصيل متداخلة تعوق شراء ذلك الجهاز أو تعطلهما عن موعد معاينة الشقة التي ينويان شراءها، يتركان السيارة في شارع جانبي بعدما اشتبكا في مشادة كلامية متوترة. يجلسان على مقعد في جانب الطريق ليلتقط الشاب أنفاسه ويعبّر عن تعبه وإرهاقه من هذا الزحام، وسأمه من تلك التفاصيل التي تستهلك يومهما، ثم يبدأ تساؤلا عما حدث لهما، وما الذي تغير فيهما وفي حي مصر الجديدة الذي كان يأتي إليه لزيارتها ويلتقيان بلا مواعيد ليتمتعا بأيام طويلة وسعيدة.

في ذلك المشهد من فيلم "هليوبوليس"، العمل الأول لمؤلفه ومخرجه الشاب أحمد عبد الله السيد، الذي عرض لفترة قصيرة قبل أسابيع، قد تبدو تساؤلات الشاب مبالغاً فيها كردً فعل على يوم مرهق من المشاوير في زحام القاهرة. لكن الفيلم الذي تدور أحداثه كلها في يوم واحد، يفشل الجميع خلاله في إنجاز ما يريدون ويبيتون ليلتهم على أمل معاودة الكرة في اليوم التالي، يلتقط بحساسية حال العطالة والمراوحة والتخبط الجماعيّ بين الفرادى في زحام مسكون بالفوضى والعبث، ليصعّد الشكوى من زحام المدينة وأزماتها المرورية إلى شكوى من حالة تعطل وشلل اجتماعي تحاصر الجميع وتضعهم أمام خططهم ورغباتهم في أزمات وجودية عنوانها المراوحة وعدم الحسم.
علي ومها المقبلان على الزواج، يتخبطان في لحظة لا تتقدم نحو استقرار منشود ولا تعود إلى لحظة البهجة بالحب، ويبدو احتمال الفراق ماثلاً تحت نفاد الصبر. إبراهيم (خالد أبو النجا)، الشاب الذي يريد إنجاز بحث جامعي عن الأقليات الدينية فيعطله تحفظ السيدة اليهودية، التي تنسى كل شيء إلا أنها تتذكر أن فتاة ما كانت تشاركه البحث لتكشف ملامحه عن أسى شفيف يخبرنا عن طول زمان البعد وبقاء التورط، يعطله ضابط يسأله عن التصريح بتصوير المباني العتيقة ذت الطراز المعماري المميز، ثم يعاتبه صديقه في البار في نهاية اليوم على مراوحته في أسى حبه الضائع ويطلب منه أن يتجاوز الأمر وهو يخبره بنبأ ارتباطها بآخر. الرسالة الصوتية من الفتاة (هند صبري) التي يسمعها إبراهيم في نهاية اليوم من جهاز الرد الآلي، تنبئ عن مراوحة وقلق مماثلين على رغم تجاوزها الظاهري.
العلاقة الغاربة بين إبراهيم وفتاته التي تسكن حي مصر الجديدة، وفي ما يبدو هي سبب ألفته وولعه بالمكان، تبدو كلحظة عالقة سابقة متعطلة لو تحركت ربما لوقفت في مربّع متعطل آخر يقف فيه كلٌّ من علي ومها. في لحظة موازية ومربّع مواز، يقف هاني الشاب الذي لم يحسم قرار هجرته إلى كندا ولم يُتم بشكل كامل استيفاء أوراق سفره لزيارة عائلته هناك، بينما يبدو طيف علاقة ما يلمع بارق الأمل فيها ويخبو بينه وبين يسرا التي تسأله بقلق عن احتمال سفره وتدعوه بإلحاح ليشاهد أداءها ضمن كورال الكنيسة. المجند الذي تقوده خطة ما لتوفير الحراسات ليكون عند سور الكنيسة، يمضي يوما من سلسلة أيام متشابهة في الحراسة، يمضيها مع التفاصيل التي تتبعثر كلها في نهاية اليوم عندما يغادر موقعه ولا يعرف إن كان سيعود إليه مرة أخرى. الفتاتان اللتان تعملان في الفندق يدور بينهما في نهاية اليوم، جدل يبدو مكررا في البار حول اختلاسهما بعض المتع، وإن كان ذلك سيرا في "طريق خطأ"، بينما البحث عن "الاستقرار" وفق تقاليد المجتمع هو الصواب. الفتاة الأكثر تحررا وجرأة، تبدو الأكثر تكيفا، لكنها تتوارى خجلا من مروّج المخدرات "الديلر" تشتري منه الحشيشة التي تنهي بها يومها، بينما الأخرى تمضي يومها أمام قنوات تلفزيونية فرنسية وتقنع أهلها في الريف بأنها تعمل في باريس وترسل اليهم شهريا نقودا من هناك.
اليوم الضائع بالنسبة الى كل الأبطال، يبدو كحبة في مسبحة لا نهائية من الأيام المتشابهة العالقة في خيط خفي يشد الجميع، زحام الشوارع والمدينة التي يبدو كأنها حُمّلت فوق ما تحتمل، المواعيد المغدورة والتواصل الواهي بين الأبطال يكرس الإيقاع الرتيب لمساراتهم المرغوبة، بينما يتسارع إيقاع أحداث عرضية تتراكم ثم تنتهي إلى لا شيء. المجند الذي يحرس الكنيسة، هو الوحيد تتطور علاقة الألفة بينه وبين كلب شارع أطعمه وأواه معه في كشك الحراسة، لكنه قد لا يراه ثانية. هكذا سيعرف المجند وهو يلقي نظرة أخيرة على رفيق وحدة اليوم عندما يصعد إلى السيارة التي أتت لتجمع جنود الحراسة من مواقعهم في نهاية النهار، لتلقي بهم غدا في مواقع أخرى تحددها خطة الحراسات.
الضابط المسؤول عن الحراسات يمر في لحظة عشوائية ويهين المجند كجزء من روتين يومي، بعدما منع إبراهيم من تصوير المباني وطالبه بتصاريح ومبررات. حضور السلطة في أحد مستوياتها الدنيا، ممثلة في الضابط، حضور نافد الصبر، منفلت الأعصاب، وهو يتعامل مع كل ما يراه خارجا على المألوف والعادي، أو هو حضور يستعرض بعض سلطاته بفجاجة ظاهرة بديلة من ضبط فعليّ لنظام أو قانون.
لذلك لا أحد يفهم أو يتفهم ما تريده "اللجان الأمنية" التي تملأ ليلاً شوارع القاهرة، وتسأل عن الهويات وتنظر في الوجوه وتشتبه في هذا أو ذاك بشكل عام بعيدا من جريمة محددة.

بعد غرائبي
العرض المسرحي "فانتازيا اللجنة" الذي قدّمته "فرقة الطمي" المسرحية بدءا من نيسان 2009 من إخراج سلام يسري، يضفي على عمل "اللجنة" بعداً فانتازياً وغرائبياً. يقف أبطال المسرحية، يقدم كلٌّ منهم عرضاً منفرداً يحكي فيه عن بعض يومياته. الحكايات ليست عن عمل يستهدف إنجازاً محدداً، بل كلها عن تفاصيل تعترض مسار الحياة المرغوب أو الطبيعي، وتعوقه. "اللجنة" ممثلةً في ضابط بوليس، تحضر في أكثر من حكاية، في حكاية الشاب الذي يعود ليلا ليجد نفسه مطالباً بتقديم معلومات عن علاقته بجار مطلوب أمنيا، وآخر اضطر للاستعانة ببطاقة هويته كمخرج سينمائي لكي يتخلص من لجنة مرورية فعلية، والفتاة التي توقظها طرقات عنيفة لتنزل وتحرك سيارتها بأمر الأمن لأن موكباً مهماً لمسؤول سيمر من هنا ويجب إخلاء الطريق وتأمينه، ثم اضطرارها هي وقريبها لتوضيح سبب وجودهما معاً بملابس سهرة بعدما ارتكبا مخالفة مرورية. لكن اللجنة التي تعطل وتستجوب، ترتدي زيا مختلفا في سلوك آخرين، ليسوا في الضرورة في موقع سلطة: جيران سلام يسري، مخرج العرض، المعترضون على أسلوب حياته كفنان، المضايقات التي تتعرض لها فتاة أخرى في طريقها اليومية ومعاناتها في المواصلات المزدحمة، نظرات المحيطين التي تلجئ الفتاة الأولى الى تكيتكات ومناورات للحفاظ على سمعتها لأنها تقيم وحدها موقتا وقت سفر أهلها.
أيام الأبطال تبدو مشغولة بتجاوز هذه "اللجان" والإجابة عن أسئلتها. لا يحكي أحدهم شيئا عما يريد أو يرغب. الرغبة مضمرة، وتبدو دائماً من خلف "الحواجز" في البعيد كنقطة مفترضة للوصول، تماما كما تبدو الرغبات والأمنيات في صمت أبطال "هليوبوليس" والتفاتات أعينهم الحائرة.
على عكس حالة الأسى التي تغلّف السرد في "هليوبوليس"، تنفجر الكوميديا في حكايات أبطال "فانتازيا اللجنة"، لكن الأسى المتمسك بالأمل يعود في بعض الأغاني التي تتخلل حكيهم.
تتشابه بنية العملين: المسارات المتوازية لحكايات الأبطال، التي بالكاد تتلاقى في "هليوبوليس"، أو التي لا يجمعها إلا المكان المحتشد بـ"اللجان" في "فانتازيا اللجنة"، وكذلك الموقع الذي يصدر عنه الحكي والشكوى: الشباب الجامعي المتعلم المثقف من طبقة متوسطة، الذي يقارن بين ما يحدث وما يجب أن يحدث وفق قيم يؤمن بها أو يتطلع إليها. أو بحسب ما يحدث في أماكن أخرى في العالم، يمتلك رفاهية التفكير في الانتقال إليها بدون خيارات انتحارية. قد يمتلك بعض الحنين وبعض الأمل بروح سياسية أو بروح فردية متشبثة بحب الحياة، وإن كانت لا تفتقد بعض القلق والتساؤل والمراوحة بين التحرر والمحافظة.
هذه الفئة من الشباب هي التي أقبلت أيضا على فكرة "كورال شكاوى القاهرة"، بعض أفراد "فرقة الطمي" المسرحية شاركوا في مبادرة الكورال الذي دعا في أيار الماضي كل من يريد أن يغنّي شكواه الى المشاركة. وانعقدت ورشة لصياغة شكاوى المشاركين في أغنيات جماعية.
لم تخل الشكاوى من بعض الروح السياسية الساخطة، بالإضافة إلى عين هذه الفئة في رؤية ما يجب الشكوى منه. كالعادة، كان الفضاء العام للمدينة محل مساحة معتبرة من الشكوى دفعت الكورال لأن يغنّي ردا على سؤال "أين تذهب هذا المساء؟"، ليقول: "أوعى تروح في حتة!" بسبب الزحام بالطبع، أو يشكو الجميع من اللجنة أو الكمين: "اللي ما لهش ضهر/ هايلبس في الكمين"، أو الشكوى من الزمن المهدر: "بقالي مستنّي سنتين/ موظف يمضي لي ورقتين".
الروح الجماعية والغنائية للكورال، تصوغ الخيط الناظم للشكوى بشكل أبسط وأقل تركيبا مما يبدو في الفيلم والمسرحية. لكن مأزق المكان المعطل لا يزال موجوداً.

استعراض ساخط
تتحول البساطة الى شيء من التبسيط ومن التضخيم الهزلي في سيناريو أحدث أفلام النجم أحمد حلمي، "عسل أسود"، الذي يُعرض حاليا. يحكي الفيلم محاولة شاب مصري أميركي، اسمه الأول مصري، للعودة إلى القاهرة بعد فترة طويلة، بحنين جارف ورغبة في إنجاز معرض فوتوغرافي عنها وعرضه في الولايات المتحدة.
الفيلم هو عبارة عن استعراض ساخط لمشكلات الفضاء العام في القاهرة الذي لا يتم فيه شيء. يتخبط مصري في هذه المشكلات التي تبدأ بالزحام وسلوكيات المرور، وتلامس روح الفهلوة مرةً والنصب والاحتيال مرةً أخرى، ولا تنتهي أيضا بالتعامل الأمني الذي يصادر الكاميرا الخاصة به ويعتقله للاشتباه به. يجد سلواه الوحيدة في مساعدة جيران أسرته في الحي الشعبي، ولكن هذه الأسرة نفسها تعاني حالةً من التعطل والمراوحة: الشاب العاطل الذي ينتظر، والزوجان الذين يفتقدان لحظة حميمة وسط زحام الشقة المكدسة بالأجيال المختلفة.
البطل الوحيد هذه المرة، يعاني من الزحام والفوضى والاحتكاك العنيف في حركته في فضاء القاهرة، يمتلئ سخطاً ولا ينجز شيئاً، لكن الفيلم التجاري يجد نفسه مطالباً بوضع "إجابة نموذجية" عند النهاية. الإجابة النموذجية النمطية: البطل الذي يقرر العودة إلى أميركا ساخطاً، يغيّر قراره وهو في الطائرة تحت تأثير الحنين إلى "الجدعنة" المصرية والشهامة وروح الحي الشعبي ودفء الوطن، ويحاول أن يتمارض لكي تعود به الطائرة إلى مطار القاهرة فيتم تجاهله، فلا يجد طريقة إلا الاستعانة بجواز سفره الأميركي ليكون له ما أراد. الروح الهزلية تبدو حلاً شعبياً مقبولاً يغلف النهاية التي لا بأس بها لجمهور يترك صالة العرض غير مكترث إلا بكم المواقف الكوميدية.
الشكوى الحارة اليائسة يبدو أنها لا تشغل بال الجمهور الواسع، المنخرط تماماً في المأساة، الذي يخرج من صالة العرض ليشارك بكونه جزءاً من الزحام والحالة المتعطلة. أما أبطال "هليوبوليس" و"فانتازيا اللجنة" و"كورال الشكاوى"، فهم متحيّرون بين قرار الهروب إلى الخارج، عكس خيار بطل الفيلم الجماهيري، أو مسكونون بالحنين إلى حالة أخرى للمكان كما في "هليوبوليس". حي مصر الجديدة في حالته القديمة، الأكثر بهاءً ولطفاً وحداثةً وتسامحاً وأريحية. لا يبدو الحنين سياسياً في مجمله إلى ما قبل ثورة يوليو 1952، فالحنين إلى بعض ملامح الحياة يظهر في بعض اللقطات التسجيلية في الفيلم، التي تضع جنباً إلى جنب في أسى، بعض جماليات العمارة الباقية ولقطات فظة للشارع ومشاجرات حول مكان الانتظار يتدافع فيها بشر وسيارات.
بينما في عرض "فانتازيا اللجنة"، هناك بحث عن "فسحة الأمل"، فيغنّي الأبطال متمسكين بـ"الوطن" لكنهم يحلمون في الوقت نفسه بـ"مكان جديد" بديل، لتكون الأغنية: "نعمل مكان جديد اسمه الوطن".
بعيدا من الحنين أو الأمل، قد يكون الموقف البسيط هو الصياغة الأبسط للشكوى، مع الوعي بحدود قدرتها وحدود قدرة أصحابها. ففي نهاية عرض "كورال شكاوى القاهرة" يغنّي الجميع في إيقاع أبطأ كثيراً من إيقاع الأغاني الشاكية: الشكوى مافيش أسهل منها... وبرضه ما فيش حاجة بتتغيّر!



نشر في جريدة "النهار" اللبنانية الأحد 4 يوليو 2010
الصورة من فيلم "هليوبوليس" من إخراج أحمد عبد الله السيد

المزيد

الأربعاء، ١٠ مارس ٢٠١٠

ماحدش فاهم حاجة

المسخرة التي تجمع طرفي المفارقة
من اللمبي إلى توشكى في "كلمني شكرا"، يستمر صعود "أبطال العشوائيات" ليصبحوا الموضوع الأكثر إثارة للضحك في الدراما الجماهيرية المفضلة للطبقة الوسطى، التي أصبح أحد أشكال المزاح المفضلة لأبنائها هي تبني طريقة هؤلاء "الأبطال" في الكلام ورؤية الأشياء. هل هو تصالح بين الطبقات أم تكيف الجميع مع "الفوضى" و"العبث" ؟

"أنا عاوز أبقى صايع" هذه الجملة التي قالها صلاح الدين عاشور الذي قام بدوره علاء ولي الدين في فيلم "الناظر" الذي تم إنتجه عام 2000 مثلت تحولا مهما حدث لعالم الكوميديا في السينما المصرية، وهو ما كان بدوره ممثلا لتحول مماثل حدث للطبقى الوسطى المصرية.
في الفيلم يعاني صلاح الدين ابن الناظر من وصاية وتسلط أبيه عاشور ناظر المدرسة العريقة التي تملكها العائلة وتتوارثها جيل بعد جيل. كان أبوه يريده أن يكون "مؤدبا" و"ناجحا" لكنه فشل في التعليم وبعد أن ورث المدرسة وجد نفسه فاشلا في إدارتها أو في التعامل مع الطلبة وحالة الفوضى التي تعتري المدرسة. وكان تفسيره للفشل أنه "مؤدب" وبالتالي قليل الحيلة، لذلك يجب أن يكون منحرفا و"صايع". ومن أجل تعلم ذلك لجأ إلى اللمبي، التلميذ الفاشل سابقا والبلطجي حاليا الذي يسكن حيا عشوائيا. ومن هذه اللحظة تكاد الكوميديا التي تفجرها الشخصية الثانوية "اللمبي" تطغى على حضور الشخصية الرئيسية أو يشكلان معا ثنائيا عندما يحاول صلاح الدين أن يتعلم الانحراف محاكيا اللمبي.

كانت هذه اللمحة من السيناريو مجرد مؤشر على تحولات ما في طرق السخرية والمزاح بين الناس سيطرت عليها تنويعات "حالة اللمبي"، هو ما يعني ادعاء حالة هي بين غياب الوعي والحمق، بين البلطجة وقلة الحيلة، مع محاكاة لوعي الطبقات الشعبية تجاه الأفكار والأشياء الحديثة أو النخبوية أو"الراقية"، والتلاعب العبثي باللغة بشكل يكاد يكون فارغا من الدلالة وفيها تقليد لطريقة كلام معينة تميز بعض الفئات من هذه الطبقات. وهي الحالات والتنويعات التي أصبحت تعرف في المعجم الشعبي بـ"التهييس" و"الهرتلة".
وبالتوازي شكل هذا المزاج تيارا داخل الدراما الجماهيرية، لا تقتصر على الأفلام التي قام ببطولتها الممثل محمد سعد وكان اللمبي فيها بطلا أو تم استنساخه في أشكال أخرى قريبة، ولكن أيضا امتدت حالة الاستعانة بصورة "بطل العشوائيات" الذي يقدم حالة متوسطة بين العبيط والبلطجي في أعمال كثيرة، سيد سائق الميكروباص في "تامر وشوقية" وبعض التنويعات في الأفلام التي كتبها بلال فضل منها حاحا في "حاحا وتفاحة" وشخصيتا "حشيشة" ثم "توشكى" في فيلمي خالد يوسف "حين ميسرة" و"كلمني شكرا".

واجه هذا النوع من الكوميديا سيلا من الانتقادات. إما المترفعة عن مناقشة تفاصيله أو التي تناقشها وتصفها بالانحطاط والسوقية والابتذال والتدني. دفاع صناع هذه الدراما أن هذه الطريقة في الكلام والمزاح موجودة بين الناس بل وبين شباب الطبقة الوسطى، لا يعني في نظر الناقدين والمهاجمين إلا أن أسلوب الكلام والمزاح عند الناس قد أصابه أيضا الابتذال والتدني. ولكن ظلت علاقة هذه الكوميديا بنمط المزاح الذي انتشر بقوة بين شباب الطبقة الوسطى بعيدا عن التناول مع كل ما يعنيه ذلك من علاقة جديدة مختلفة بين الطبقتين.
من المحاولات القليلة التي تتطرق لذلك ما قدمته الباحثة فيروز كراوية في رسالتها التي نالت عنها الماجستير في علم الاجتماع والأنثروبولوجي من الجامعة الأمريكية والتي تستعد لنشرها قريبا. تناقش الرسالة نموذجي "اللمبي" و"حين ميسرة" كنموذجين لأفلام العشوائيات فيما بعد عام 2000 وترصد علاقة الصور التي تقدمها هذه الأفلام بتصورات اجتماعية وأوضاع سياسية معينة.

ترى فيروزأن معظم من أحبوا اللمبي ودفعوا التذاكر في السينما ليحقق الأرباح الهائلة هم أبناء الطبقة الوسطى رغم أنها كوميديا مصنعة بشكل طبقي معين وتصوّر الطبقة الأفقر من سكان العشوائيات. وعلاقتهم لها أكثر من بعد. أولهم أن كلاهما يعيش تحت نظام سياسي استبدادي. وهناك دراسات في علم الاجتماع ترصد في دول العالم الثالث أن النظم الاستبدادية طويلة العمر تربطها بشعوبها علاقة معقدة، كأنهم طرفان في مركّب واحد لا يمكن فصله: " المحكومون يسخرون من السلطة ولكنهم أيضا يشبهونها في كونهم استبداديين في تصورهم لذاتهم التي تتضخم بشكل مبالغ فيه ومتوهم. مثل اللمبي الذي يقول طوال الوقت بشكل هزلي أن الزلازل لا تؤثر فيه وأن له في الجبال علامات، ولكنه مغلوب على أمره ومطارد وضعيف أمام الشرطة والبلدية. من جانب ترى الطبقة الوسطى شيئا من وضعها في هذه الشخصية، ولكن من جانب آخر لأن الشخصية تبدو خرافية وقادمة من مكان خرافي فهي بعيدة عنهم. حتى أبناء العشوائيات المتعلمين يرونه بعيدا عنهم. فيمكن للجميع أن يضحك عليه. لو كانت شخصيته قريبة ومشابهة لهم فستخيفهم أو تضايقهم هذه الحالة".

عنف السخرية
ينقل د. شاكر عبد الحميد في كتابه "الفكاهة والضحك" عن جون موريل، العالم المتخصص في دراسات الضحك، أن سبب الضحك هو التحول السيكولوجي السار المفاجيء من الشعور بالعجز والنقص إلى الشعور بالتفوق والتمكن. وفي النظريات الكلاسيكية للفكاهة والكوميديا منذ أفلاطون وأرسطو أنها مبنية على وجود طرف أدنى وأقل مكانة أو ذكاء لنضحك عليه. حتى لو كان مجرد النقص مؤقت مثل أن يتعثر إنسان في قشرة موز أو يصطدم بالحائط، وهو ما يقوم به المهرجون في أبسط أشكال الفكاهة .

ترصد فيروز كراوية في دراستها أن ما يسمى "أفلام العشوائيات" بعد عام 2000 قد صوّر فعلا سكان العشوائيات كالمهرجين :"كأن هناك صخرة وقعت على سكان هذه المناطق فأصبح ساكنها إنسانا مفككا تماما بلا معنى وبلا علاقات وبلا أمل. هناك أفلام تناولت سكان مناطق شعبية وعشوائية قبل ذلك مثل "الحريف" و"الكيت كات" و "سارق الفرح" وكان سكان هذه المناطق شخصيات داخل علاقات اجتماعية وعندهم مشاكلهم و أيضا طموحاتهم وأحلامهم. كانت هناك كوميديا ومفارقات، ولكن في الأفلام الجديدة هناك تصوير هزلي فيه تأكيد لمسافة كبيرة جدا بين هؤلاء وبين المتفرج. والضحك هنا فيه نوع من "العنصرية الطبقية". هو ضحك فيه نوع من ممارسة العنف".
ولذلك ترى فيروز أن هذه النظرة هي أساس قبول الكثيرين لممارسات قمعية أو عدوانية تجاه سكان العشوائيات لأنهم في الأوقات الأخرى يصورون على أنهم خطر محتمل وسبب للفوضى في المجتمع.
يمكننا أن نضع هذه الملاحظة بجانب ملاحظات د.جلال أمين وغيره عن الفجوة التي تزداد اتساعا بين طبقات المجتمع المصري. ووفق نظريات الفكاهة فكلما ازدادت الفجوة اتساعا كان كل طرف غريب عن الآخر ويصبح موضوعا لضحك أكثر حتى لو كان مخيفا ومصدرا للخطر في وقت آخر.

صورة الشيء الغريب المضحك والمخيف في وقت واحد هي أحد أشكال توليد الفكاهة والسخربة، كما يذكر د. شاكر عبد الحميد، وهو ما يسمى بالبنية المسخية أو الجروتسكية grotesque. والشخصية المسخية تحتوى على ملامح وعناصر قبيحة ومنفرة ولكنها تقدم بشكل هزلي ومضحك. تقول فيروز كراوية أن دراستها التي خصصت جزءا منها لطريقة توليد السخرية في الكوميديا أن شخصية اللمبي المنفرة والتي تقوم بأشياء منفرة وقبيحة ولكنه مضحك ظهر مثلها في دول أخرى تمر بأوضاع مشابهة، ففي الكاميرون ظهرت في الثمانينات وسط أزمة سياسية واجتماعية كبيرة رسومات كاريكاتيرية أبطالها شخصيات تقوم على الدوام بحركات مقرفة ومنفرة ولكنها تستخدم في إطار هزلي.

ولكن رغم هذه المسافة المعنوية الكبيرة التي تعطي للضحك معناه، هناك احتكاك وتداخل بين الطبقتين على أكثر من مستوى. قد يكون التعامل العادي أو أن يكون بعض أبناء الطبقات الوسطى صاعدين من طبقات فقيرة تسكن الأحياء العشوائية. ولكن دراسة فيروز كراوية تطرح أيضا أنه هناك تبادل مصالح حدث في مجتمع تقل فيه قيمة القانون: "كلنا نذكر مشهد اللمبي وأمه تودعه أثناء ذهابه إلى المدرسة وتقول له: كتبك معاك ومطوتك في جيبك. المدرسة لم تعد مدرسة، كما أن القانون لم يعد يسيّر المجتمع، بل هناك قانون عرفي آخر والطبقات العليا تستخدم أسلوب البلطجة أو البلطجية أنفسهم لتسيير أمورها. ومن الطبيعي أن تحدث سيولة بين ثقافات الطبقات والفئات المختلفة".

"تهكم وجودي"
في الشركة التي يعمل بها علي عبد الرحيم أحيانا يقف أحدهم ويغير صوته قليلا وملامحه وهو يقول "خلاص يا معلمين! زمن الـللـ ... انتهى. ماحدش فاهم حاجة!" ويعلق علي قائلا: "مثل أي مكان في مصر تحدث أحيانا مساخر وأوضاع غير مفهومة. وأعتقد أن هذه الطريقة في السخرية إحدى طرق التعبير عن حالات مفهومة. الطبقات المطحونة أكثر من غيرها تعبر بشكل مبدع أكثر عن تلك الحالة غير المفهومة التي نعيشها. وعندما نمزح ونقلدها لا تكون تلك طريقتنا العادية في المزاج ولكننا نلعب ونمثل هذا الدور. نستخدم تعبيرات سائق الميكروباص أو الباعة الجائلين أو غيرهم ..أو نقلد اللمبي".

قد يكون فعلا أن التفسير أن في أسلوب المزاج الذي تجسده شخصية اللمبي تعبيرا مميزا مناسبا لمتغيرات جديدة. ولكن هذا التعبير يصل أحيانا في غرائبيته إلى مجرد لعب باللغة والصوت بدون دلالة محددة. جاين لوميل، التي تعمل في مجال إعداد الترجمة الإنجليزية لأفلام عربية والعكس، بدأت تلاحظ هذا النمط من المزاج عندما كان عليها أن تترجم مجموعة أفلام كوميدية حديثة منها اللمبي: "عندما أصبح دوري أن أكتب ترجمة محددة ما يقول، بدأت أحيانا أنتبه إلى أنه لا يقول شيئا محددا يمكن أن يترجم. أو أن الفكاهة تتركز في الكيفيه الغريبة لقوله لأي كلام وشكله وحركاته وليست في الكلام نفسه".
ولكن أحيانا تكون هناك دلالة ما للعب باللغة عند النطق الغريب لـ"الكلمات الكبيرة"، في فيلم "اللي بالي بالك" عندما يسكن عقل اللمبي في جسد رياض المنفلوطي مدير السجن تتفجر المفارقة وأثناء خطابه أمام لجنة حقوق الإنسان تتحول عبارة حقوق الإنسان إلى "حروق الإنسان"، و"بعد النظر" إلى "ذات نظرة مبعدية" بالإضافة إلى النطق الفكاهي للكلمات الأجنبية مثل Absolutely . بالمثل يقوم توشكى بالخلط بين الكلمات الكبيرة التي تتناثر حول الناس بينما هل بعيدة بالفعل عن خيالهم ونمط حياتهم مثل قوله "تظمهر" التي تخلط "تظاهر" و"تجمهر"
الفكاهة تتفجر من المحاكاة الساخرة لكل ماهو متعالي. من المصطلحات السياسية أو الثقافية التي يشعر الناس أنها لا تعنيهم في شيء أو أن مضمونها غائب عنهم أو من التعبيرات التي تنتمي إلى أسلوب حديث شرائح تتصنع "الرقي" باستخدام الكلمات الأجنبية.
ترى جاين أن هناك فارقا بين المزاج النقدي وحتى لو كان عبثيا وتضرب مثلا بأحد مشاهد فيلم رأفت الميهي "ست الستات" عندما ينهى المحامي موكله عن استخدام كلمة "حقوق الإنسان" داخل قسم الشرطة ويعتذر للضابط بأن موكله لا يعرف أن مثل هذه الكلمات لا تقال داخل أقسام الشرطة وتضيف: " ولكن تحول "حقوق الإنسان" إلى "حروق الإنسان" و"حموم الإنسان" فيه حالة من الإحساس بغرابة هذه القيم والاستهزاء ليس فقط من غيابها بل منها هي أيضا واعتبارها فارغة من المضمون ولا مانع من السخرية منها، وهذا الوعي هو في الحقيقة وعي كثير من الناس الذين لا مانع عندهم من انتهاك حقوق المجرمين على سبيل المثال إلا لو مسهم ذلك".
قد يكون الأمر كذلك أو يكون اللعب بقواعد اللغة إشارة إلى أن حالة العبث والسخرية في الواقع قد تجاوزت كل تعبير يحاول أن يكون ساخرا. فلا يجدي معه إلا مزاح يلعب باللغة نفسها ويستحضر أويتصنع حالة من التحامق أو غياب الوعي وممارسة نوع من التهكم الشامل الذي لا يوجه انتقادا محددا بقدر ما يسخر من الوجود كله. قد يكون وراء ذلك ما ينقله د. شاكر عبد الحميد في كتابه من أن بعض الفلاسفة يرون "التهكم الوجودي" والفكاهة التي تسخر من كل شيء شكل من أشكال الوعي بالمتناقضات يرفض التسليم بالعجز عن فهمها بل يعترف أن الوقع مليء بالتناقضات، وقد يكون ما يراه الفيلسوف الوجودي كيركجارد في كتابه "مفهوم التهكم" من أن ذلك الأسلوب من التهكم وراءه "عدمية" وسلبية، ولكنه وسيلة للاستمتاع بتناقضات الواقع وفي نفس الوقت الوصول إلى حالة من الرضا، فعند التهكم والسخرية الفاقعة نضع مسافة بيننا وبيننا ما نسخر منه أوننظر إليه من أعلى ونتحرر من المنظور الأخلاقي والمسئولية تجاه ما يحدث.


نشر في "الشروق" الخميس 4 مارس 2010
PDF


المزيد