‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصوفية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصوفية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، ٢٧ أكتوبر ٢٠١٠

أيام الحصاد والصلح والسياحة عند جبل الدكرور

العزلة وتأثيرات العابرين في أعياد سيوة

تصوير: إيمان هلال

الليالي القمرية الثلاث في شهر أكتوبر هم موعد عيد الحصاد أو الصلح أو السياحة، لكل اسم معناه أو أسطورته. يخرج معظم أهالي سيوة إلى حيث جبل الدكرور للاحتفال، يشاركهم زوار مصريون وأجانب. عند سفح الجبل ترسم مظاهر العيد ملامح من عزلة سيوة وتأثرها بموجات العابرين.

لم يثمر محصول الزيتون هذه السنة في نصف الفدان الذي يملكه بكرين عمر في منطقة الظافرية في واحة سيوة. هذه هي عادة الزيتون الذي يثمر سنة ويغيب سنة، وقد يتأخر سنتين في حقل بكرين كما يقول. ولكن هذا لم يمنع أن يترك أرضه وبيته ويتجه إلى جبل الدكرور شرق الواحة منذ صباح الاثنين الماضي ويكاد أن يكون الوجه الأكثر بشرا وبهجة من بين المشاركين في استعدادات استقبال زوار عيد السياحة هذا العام، الذي استمر لثلاثة أيام من الثلاثاء إلى الخميس.
عيد السياحة يسمى أيضا عيد الحصاد لموافقته موسم حصاد البلح والزيتون اللذين يغلبان على زراعة سيوة، أو عيد سيوة، لأنه أصبح بمثابة عيد قومي مميز لأهل الواحة وحدهم. موعده الليالي القمرية في شهر أكتوبر من كل عام. ورغم أن هذه الفترة تحتذب أعدادا أكبر من السياح الراغبين في رؤية مظاهر الاحتفال بجانب الاستمتاع بطبيعة سيوة المميزة، إلا أن عيد "السياحة" لا يسمى كذلك بسبب هذه السياحة، ولكن نسبة إلى منطقة "السياحة" - بمعنى الخروج الصوفي إلى الخلاء - عند سفح التلال الثلاثة المكونة لما يطلق عليه أهالي سيوة "جبل الدكرور"، وهي المنطقة التي كان ولا يزال المتصوفة يخرجون إليها يسيحون في الأرض بعيدا عن العمران رغبة في التأمل والذكر.
بكرين عمر واحد من خدام الطريقة المدنية الشاذلية، كبرى الطرق الصوفية في سيوة. ورغم كونه مزارعا مثل معظم أهالي سيوة إلا إنه كان أيضا موظفا في مصلحة الكهرباء قبل أن يخرج إلى المعاش. الحياة البسيطة والرخيصة نسبيا في سيوة يكفيها المعاش ودخل الملكية الصغيرة من الأرض. نمط الملكية المحدودة من الأرض، أقل من الفدان أو فدادين قليلة، منتشر هنا.
يوم الاثنين خرج بكرين عمر من بيته في الظافرية متوجها إلى جبل الدكرور الذي يبتعد 3 كيلومترات من قلب الواحة، انضم إلى باقي الخدام في المساكن المبنية عند سفح الجبل بلون موحد مثل لون صخر الجبل. فلا يختلف إلا علم الطريقة الأخضر المرفوع فوق مئذنة بين المساكن.
ينهمك الطباخون في الذبح والطبخ على وقع الأناشيد الصوفية والأذكار، بينما ينصب الباعة وأصحاب الألعاب خيامهم على طريق الدكرور الممتد من الجبل إلى أول الطريق المفضية إلى قلب الواحة.
يستريح بكرين عمر أحيانا ويراجع مع بعض الصبية الأشعار التي ستغنى في اليوم التالي: "طاب شرب المدام في الخلوات/ اسقني يا نديم بالآنيات .. آه يا ذا الفقيه لو ذقت منها/ وسمعت الألحان في الخلوات/ لتركت الدنيا وما أنت فيه/ وتعش هائما ليوم الممات". يستفسر شاب فرنسي يرتدي الثوب السيوي ويشاركهم مراجعة الأشعار عن بعض المعاني، ولكن لا يخفى عليه المجاز الشعري الصوفي الذي يصور تاثير الحب الإلهي ومتعة الذكر بالخمر المسكرة.
يقول بكرين أن ستيفن، الشاب الفرنسي، معهم منذ 12 سنة يحب الطريقة وأهلها ويخدم معهم كل سنة في العيد. أتاهم أول مرة سائحا بينما كان طالبا ومن ساعتها وهو يقضي نصف السنة في فرنسا ونصفها معهم في سيوة. في حلقة واحدة لمراجعة الأذكار ترى ملامح الشاب الأشقر المحب للصوفية ولسيوة، وملامح أخرى متنوعة: ملامح بكرين السمراء التي تعود إلى أصول إفريقية أو بربرية أمازيغية وملامح آخرين أقرب للبدو العرب.

عزلة وعابرون
دائما ما كانت سيوة بوتقة لتلاقي تأثيرات متنوعة. فهي تتأرجح بين نمط فريد من العزلة بحكم الموقع في عمق الصحراء: على بعد 800 كليومتر غرب وادي النيل و 120 كيلو متر شرق الحدود الليبية، وحوالي 300 كيلومتر جنوب ساحل البحر المتوسط. ولكن أهلها الذين يبلغون الآن حوالي 25 ألف نسمة تمتعوا على الدوام بتسامح ووداعة مع الزوار الأجانب، وبحكم حجم الواحة لم تتمكن غالبا من صد الغزاة وتأثيراتهم.
يروى المؤرخ اليوناني القديم هيرودوت أن بعض قبائل سيوة تعود إلى تزاوج بين المصريين القدماء و الأثيوبيين. ولكن المعروف الآن هو الأصل الأمازيغي لعشر قبائل بجانب قبيلة واحدة ذات أصل عربي. اللغة اليومية المستخدمة في سيوة هي اللغة الأمازيغية المطعمة ببعض الكلمات العربية، ويسميها الأهالي اللغة السيوية، وهي مجرد لغة شفهية لا يكتبونها.
اللغة العربية لغة ثانية، ومن نالوا قسطا من التعليم مثل بكرين عمر يظهر ذلك في نطقهم للعربية الفصحى أو العامية، بينما يتعثر الأميون أحيانا أو يتحدثون ببطء نوعا ما باستثناء ممن يعملون في مجالات السياحة فيتحدثون عدة لغات ولهجات بطلاقة بحكم الاحتكاك بالزوار.
واحد من هؤلاء هو الشاب يوسف سرحان، طالب الحقوق في جامعة الإسكندرية، الذي يتحرك دائما بصحبة زوار أجانب. كان مع بعضهم يوم الاثنين يشرح لهم مظاهر الاستعداد للاحتفال. يسلم على بكرين عمر ويجلس بجانبه وينشد معه ومع ستيفن الشاب الفرنسي قصيدة "قلوب العارفين لها عيون/ ترى ما لا يراه الناظرين". يتناقشون حول الطرق المختلفة لإنشاد القصيدة. يقول يوسف أنه أضاف تسجيلات فيديو لطرق مختلفة لإنشاد القصيدة على حسابه على يوتيوب youtube. ليوسف أيضا موقع شخصي على الإنترنت، فيه معلومات عن سيوة جمعها في بحث تقدم به لمسابقة نظمتها مكتبة الإسكندرية. النشاط الكثيف ليوسف وراءه طموح كبير يعلن عنه قائلا أنه سيكون له شان كبير في السياحة والبيزنس والسياسة أيضا، يوسف ابن أخ كبير قبيلة الوحيدات وهو أمين شباب الوطني في سيوة. ولكنه يقول أن طموحاته تفوق ذلك بكثير منتقدا الأجيال الأكبر التي تفضل العيش من ريع الزراعة والاسترخاء في الأمسيات وشرب الشاي مع الأصحاب بدلا من صداع البيزنس وتطوير الأعمال. يهز رأسه أسفا ويؤكد أن السياحة والصناعة القائمة على موارد سيوة الغنية يتيحان فرصا لا يستغلها أحد حقا.
ويبدو أن يوسف لا يترك أي فرصة ولا يضيع وقتا. قبيل ظهر الثلاثاء مع بداية مراسم احتفالات العيد، كان يوسف يتردي الصدرية المميزة فوق الثوب السيوي الأبيض، وهو زي رسمي نوعا ما ولا يحافظ عليه غالبا إلا المشايخ وكبار العلائلات وكبار موظفي ومسئولي الواحة. يقف يوسف أما الخيام الرسمية الفخمة النظيفة بجوار سفح الجبل مباشرة في مقابل الخيام الشعبية التي نصبها الأهالي من زوار العيد في الجانب الآخر من الطريق في مواجهة جبل الدكرور.
يصافح يوسف الجميع ويتحدث معهم. الكل في انتظار محافظ مطروح اللواء أحمد حسين ليفتتح الاحتفال. من النادر أن ترى جنديا أو عربة شرطة في سيوة ولكن يوم العيد وعند جبل الدكرور هناك حضور أمني لتأمين الاحتفالات وحماية المحافظ والمسئولين المرافقين. وعلى مقربة منهم أنشطة رسمية. لافتات تعلن عن قافلة وزارة الشباب والرياضة للقرى المحرومة، التي تنظم مسابقات للأطفال وتوزع عليهم هدايا. وخيام مخصصة لوزارة البيئة ومسئولي محمية سيوة وخيمة لبيع سلع الأسر المنتجة.

شعبي وليبي
بين سفح الجيل وحتى أول الطريق المفضي إلى سيوة بين النخيل ترى مظاهر الاحتفال الأكثر صخبا وعفوية. الميكروباصات والتروسيكلات والعربات التي تجرها الحمير تصل محملة بالشباب والأطفال ومجموعات البنات اللاتي يحمل معظمهن شمسيات ملونة مميزة، لا وجود للنساء والشابات تقريبا، اللهم إلا أعداد قليلة تقبع في خيام بعيدة نسبيا أوتمر وهي تغطي وجهها وترتدي الزي السيوي السابغ لكل الجسد. على الجانبين باعة لحوم وعصائر وحلوى وملاهي وألعاب، تنشب هنا أو هناك مشاجرة تنفض سريعا. من كاسيت العربات تنطلق أغاني شعبية لمنار محمود سعد مطربة الدلتا أو أغاني الراب الشعبي للشابين فيجو وعمرو حاحا أبناء حي عين شمس القاهري. هنا وهناك يظهر صوت خافت لهالة شعبان المطربة المغربية أو الزنتاني الليبي. لا يعرف بائع الكاسيت الذي ترجع أصوله إلى ميت غمر أسماء مطربين من سيوة ولكنه يخرج على الفورشرائط الأغاني الليبية باعتبارها بديلا عن الأغاني السيوية.
يبدو أن نمط العزلة الفريد للواحة الصغيرة يمنعها من تفاعل يطور فنونها ويطرحها في شكل منتج متداول بدلا من التراث الشفاهي. ولكنها تظل دائما مكانا لتلاقي التأثيرات المختلفة.
في الواحة آثار فرعونية وإغريقية مع آثار زيارة للإسكندر الأكبر. غزوات البدو الصحراويين أجبرت أهالي الواحة لقرون على الاختباء فوق جبل يتوسط المدينة يسمى الآن جبل شالي. كانت كل بيوت سيوة فوق الجبل ذات نوافذ ضيقة يحميها حصن ترابي ضخم ذو فتحات ضيقة أيضا يمكن سدها بسهولة أو فتحها لتسمح بالكاد بإطلاق السهام على الغزاة. الآن توجد أطلال المدينة القديمة التي نزلت كلها الآن بينما ظلت بعض البيوت المبنية بالطين السيوي "الكارشيف" بجوار سفح شالي شاهدة على طراز البناء القديم وظل مسجد السنوسية ومئذنته المميزة شاهدا على تاثير الجوار الليبي. الحركة السنوسية كان لها تأثير تاريخي تضاءل الآن. فمريدي وأبناء الحركة التي نشأت في ليبيا وتجمع بين أساليب الصوفية في التنظيم وبين أفكار سنية وروح جهادية مقاومة، كانت تتحرك من ليبيا إلى الشرق بغرض الحج أو التجارة واستوطن بعضهم الواحة. ولكن تأثيرا أكبر للشيخ المدني الشاذلي يطغى على تأثير الحركة السنوسية.
يروى أنه قبل حوالي 150 عاما وصلت الخلافات بين قسمي سيوة، الشرقي والغربي إلى درجة خطيرة ووقع بينهم قتال وسقط قتلى وجرحي واستمر ذلك فترة. حتى أتى الشيخ أحمد المدني الشاذلي واجتمع بكبار القبائل في منطقة السياحة عند جبل الدكرور ونجح في عقد صلح بينهم وتناولوا معا الطعام وذكروا الله وأمروا الناس جميعا بالخروج إلى السياحة والاحتفال والفرح فصار تقليدا ولذلك يسمى أيضا عيد الصلح. ومن ساعتها تتبع معظم سيوة الطريقة المدنية الشاذلية التي ينظم أبناؤها الاحتفال ويخدمون زواره.

بركة أم بدعة؟
مع توافد زوار اليوم الأول من العيد، يواصل أبناء الطريقة المدنية الطبخ بهمة وينقلون أواني الطعام من مكان إلى مكان في مشهد استعراضي على خلفية صوتية من أذكار وأناشيد. ينتهي الطبخ وتوزيع أواني الفتة المكونة من خبز وسمن ومرقة اللحم. يجلس الجميع أمام الساحة الواسعة عند سفح الجبل على الأرض في حلقات، يصل المحافظ وينضم إلى مشايخ القبائل ويصعدون إلى مقصورة خاصة ضمن مساكن الطريقة المدنية. يعطي رئيس الطباخين إشارة البدء: بسم الله. يمد الجميع أياديهم إلى الفتة التي يسمونها "البركية" لأنها تجلب البركة والألفة عند أكلها جماعة. يأكل الجميع في نفس اللحظة نفس الطعام الذي شارك فيه كل أهل سيوة بتبرعات تجمعها مساجد سيوة المختلفة.
عبد الرحمن الدميري، شيخ قبيلة الظناين كبرى قبائل سيوة، يتحدث إلى وسائل الإعلام المختلفة مؤكدا أن هذ التقليد يجدد كل عام الوئام والأخوة بين أهالي الواحة ولكنه يرفض بشدة أسطورة المعركة بين قسميها مؤكدا أن الشيخ مر واجتمع بكبار الواحة لقاء وديا عند جبل الدكرور وأوصاهم أن يحافظوا على التقليد ليدوم سلامهم وأمنهم.
تخفت الضجة عند جبل الدكرور وتقل حركة البيع والشراء في الممر الطويل. يستريح أبناء الطريقة استعدادا للحضرة بعد صلاة العشاء. في الحضرة يبدو واضحا الحضور الكبير للشيوخ والكهول والصبية والأطفال وغياب ملحوظ للشباب. يؤكد كهل من شيوخ الطريقة على ذلك وهو يهز رأسه أسفا:” لم يعد شيء كما كان، الاحتفال هذه السنة أكبر وأكثر زحاما لأنه ألغي العام الماضي بسبب الإنفلونزا ولكن الإقبال على الأكل والشرب وليس على الذكر للأسف”.

يقف معاذ الشاب سائق التروسيكل قريبا من حلقة الحضرة يشاهد التمايل والإنشاد ويسخر. يقول معاذ أن ما يفعلونه كلام فارغ وليس من الدين في شيء. يساعد معاذ ابن عمه في مطعمه الموجود في سوق سيوة. يضع ابن عمه في المطعم مطبوعات الجمعية الشرعية وأنصار السنة المحمدية، الجمعيتين الأكثر سلفية، مع كتب إسلامية أخرى باللغة الإنجليزية يهديها للسياح الأجانب.
هناك تأثر سلفي لا تخطئه العين يزاحم الانتماء الصوفي التقليدي. اللافتة عند المتجر الكبير تعلن التردد الجديد لقناة "الرحمة" الفضائية السلفية. العامل الملتحي في المتجر الآخر يناقش زميله الذاهب إلى الدكرور ويحاول أن يقنعه أن عيد السياحة بدعة وكل بدعة ضلالة.
يبتسم زميله ويرد عليه "أنت البدعة يا أخي!”. يضحكان معا في أريحية. يصر الأول على رأيه بينما يقبض الثاني بيديه على كف ابنه و ابنته، اللذين يرتديان ملابس زاهية الألوان، ويتجه بهما إلى العربات الذاهبة إلى العيد.



نشر في "الشروق" الثلاثاء 26 أكتوبر 2010
PDF
المزيد

الخميس، ٥ مارس ٢٠٠٩

طــرق بـعيــدة

بينما ينفي مشايخ الطرق الصوفية ذلك، يعترف شباب الصوفية بأنهم أقلية بين شباب الاتجاهات الدينية الأخرى. ولكنهم جميعا ينكرون أن بعض أفكار التصوف ومباديء الطرق هي السبب في تحول الصوفية يوما بعد يوم إلى طريق غامض تنظر الأجيال الجديدة إليه من بعيد، وتفضل أن تسلك طرقا أخرى.
sofi
حضرة الخميس في مقر الطريقة الجازولية بحي قايتباي - تصوير: هبة خليفة

بعد انتهاء صلاة العشاء في مسجد الأشرف، يتبع رضا، أمين الشرطة في القسم القريب، الشيخ مرتضى محمد، إمام وخطيب المسجد، إلى غرفته الصغيرة يمين المنبر، التي يجلس فيها الشيخ في غير أوقات الصلاة. ويسأله الفتوى: ماذا يفعل وقد فاته بالأمس أداء ركعات الشفع والوتر بعد صلاة العشاء؟ يرد الشيخ بأن هذه الركعات ليست من الواجبات بل من المستحبات ولا مشكلة في نسيانها ولا تصلى قضاء في اليوم التالي، ولكن الوتر من السنن التي كان النبي لا يتركها، ويمكن لمن يحب المواظبة عليه إن نسيه أن يصليه في اليوم التالي إن أحب، وأضاف "يعني براحتك". رد رضا "لأ، ما تقولليش براحتك، قل لي اعمل كذا وكذا، وأنا أنفذ".

قد يكون سبب عدم راحة رضا للإجابة في وظيفته التي تتلخص في طاعة الأوامر الواضحة والقاطعة، ولكن شعور رضا هو جزء من ظاهرة كبيرة لا يكن تجاهلها. تظهر في الميل المتزايد عند مختلف فئات المجتمع المصري للإلحاح في طلب الفتوى في أمور حياتهم ومطالبة العلماء والمشايخ بإيضاح أدق التفاصيل وكل الاحتمالات الممكنة، وكأنهم يريدون أن يكون في الدين إجابة عن كل شيء وبطريقة محددة مثل مسائل الحساب لا تحتمل التنوع والتعدد أو الاختلاف والجدل.

من الجيد إذن أن رضا لم يكن موجودا، والشيخ مرتضى يسترسل في الحديث عن المنهج الصوفي في التفسير الذي يؤدي إلى تأويلات متعددة لظاهر للنصوص الدينية، وبالتالي تعدد الطرق الصوفية وتنوع أساليبها في الذكر والدعاء وفي التربية ومجاهدة النفس. فالشيخ مرتضى وكيل عموم مشيخة الطرق الصوفية في قسم الخليفة، وأحد رجال الطريقة الجازولية الحسينية الشاذلية، التي أسسها الشيخ جابر الجازولي عام 1950. وهي أحد تفرعات الطريقة الشاذلية، نسبة إلى أبي الحسن الشاذلي، المتصوف الشهير الذي ولد بالمغرب، وتوفي ودفن في "الخميثراء" بالصحراء الشرقية في مصر قرب مرسى علم عام 656 هـ، وأشهر تلامذيه أبو العباس المرسي في الإسكندرية. ومن الطريقة الشاذلية تتفرع أكثر الطرق المصرية شهرة وعددا مثل الحامدية الشاذلية والمحمدية الشاذلية "العشيرة المحمدية" والعزمية الشاذلية.

"نحبكم ولكن"
يقول الشيخ مرتضى:”عندما بدأت في الخطابة وإمامة الصلاة في هذا المسجد منذ سنوات، أحببت كل أهل المنطقة وأحبوني، ولكنهم كانوا يقولون لي: نحن نحب كل ما تفعل وتقول، إلا "الحضرة" التي تقيمها الطريقة مساء كل خميس" ولكنه يضيف مبتسما "تطلب الأمر فترة من الوقت حتى بدأوا في الاطمئنان للطريقة وواظب بعضهم على الحضرة".

"الحضرة" من أهم طقوس الطرق الصوفية، وهي تعني اجتماع أهل الطريقة وترديد الأذكار والأوراد والأناشيد الخاصة بها، وتستخدم بعض الطرق، ومنها الطريقة الجازولية، بعض الآلات الموسيقية في الإنشاد والغناء. وتخوف المتدينين من أهم طقوس الصوفية، رغم التاريخ العريق للطرق الصوفية في مصر، وفي هذا الحي تحديدا، حي قايتباي المنعزل بين المقابر والذي يضم المراكز الرئيسية للكثير من الطرق الصوفية ويقع على مرمى حجر من مقر المشيخة العامة، لا يعني إلا التراجع الفادح في تأثير الطرق الصوفية على عامة المصريين، لصالح للانتشار المتزايد لأفكار التيارات الدينية الأخرى، ومنها التيار السلفي الذي يقوم على التمسك الصلب بأقوال ومنهج السلف في التفسير والعبادة، ويرى أن هذه الأذكار والأوراد التي يؤلفها شيوخ الطرق هي "بدع" لا أصل لها ولا يجوز التعبد بها، كما يرى أن الموسيقى والغناء والتصفيق والتمايل هي من المحرمات، فما بالك بممارستها بهدف التعبد والتقرب إلى الله. وبشكل عام، بين الصوفية والسلفية عداء وخصام تاريخي ومعاصر.

يعترف الشيخ مرتضى أن هذا التأثير السلفي أحد الأسباب، ولكنه لا يتفق مع القول بأن انتشار التيار السلفي وإقبال الشباب المتدين على الإلتزام وفق تعاليمه، يقابله تراجع في الإقبال على الاهتمام بالتصوف والانتساب للطرق الصوفية. ويقول:"تعداد أبناء الطرق الصوفية يقترب من 15 مليونا. وفي طريقتنا خاصة الكثير من الشباب". تتفاوت تصريحات مصادر المشيخة العامة للطرق حول عدد أبناء الطرق الصوفية من 15 مليونا إلى 10 مليونا وأحيانا إلى 7 مليون، ولكن يشكك الكثيرون في دقة هذا التعداد الصادر عن الصوفية أنفسهم، ويرون فيه مبالغة كبيرة، مشيرين إلى تراجع أعداد المحتفلين بالموالد المختلفة، وهي مناسبات هامة وأساسية بالنسبة للطرق، تحشد فيها كل طريقة أبنائها. يقول الشيخ مرتضى"إذن، تعال حضرة الخميس وشاهد بنفسك".

من أبناء الطرق إلى "أحفادها"
في مقر السادة الجازولية الذي يقع على بعد أمتار من مسجد الأشرف، أقيمت الحضرة التي ضمت حوالي 240 من أبناء الطريقة. لا يخلو الحضور من الشباب، ولكن أكثر من ثلثي الحاضرين سنهم فوق الأربعين.بينما يمكن أن تلاحظ هذه النسبة معكوسة في أي تجمع سلفي أو إخواني أو في جمهور أي داعية شاب.

الكثير من شباب الجازولية هم من أسر أو عائلات تنتمي إلى الطريقة، من هؤلاء المهندس أحمد عزت، من أبناء الطريقة في مدينة نصر، والمهندس إيهاب أبو الخير، من أبناء الطريقة الجازولية في شبرا، اللذان يقولان أن العائلة كانت سبب وجودهما في الطريقة وأنهما تربيا فيها وعلى تعاليمها منذ الطفولة. يعترف المهندس إيهاب على مضض بصعود السلفية والإخوان والدعاة الجدد وتراجع التصوف كخيار للشباب المتدين، ولكنه يُرجع ذلك إلى الجهل بحقيقة التصوف ويقول إنه يفتقر لوسائل إعلام تنقل تعاليمه إلى الناس.

بالفعل تخلو وسائل الإعلام من رموز صوفية مؤثرة، وفي المقابل هناك العديد من الفضائيات السلفية المصرية مثل "الناس" و"الرحمة" و"البركة" وغيرهم، وهناك حضور لرموز قريبة من تيار الإخوان مثل الشيخ القرضاوي على قناة "الجزيرة"، وتمثل الفضائيات النافذة الرئيسية للدعاة الشباب غير المنتمين لتيار بعينه. ولكن هذا الأمر يعتبره البعض مظهرا دالا على تقلص المكانة الصوفية لا سببا لها.لأن الكثير من وسائل الإعلام يبحث عن الرموز التي يحبها الناس ويظهرها، وبعض الدعاة المستقلين بدءوا من مساجد صغيرة وظهروا في الفضائيات بعد تحقيقهم شهرة مناسبة.

يمكن أن يكون مؤشرا أيضا على تراجع المكانة الصوفية، ما يلاحظه سيد عبد الله طالب الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وعضو الطريقة المحمدية الشاذلية، من انتشار السلفية بين طلبة الأزهر، رغم أن مؤسسة الأزهر أقرب للصوفية منها للسلفية. على الأقل يدرس طلاب الأزهر مادة "التصوف الإسلامي". والكثير من علماء الأزهر قريبون من أوساط الصوفية وبعضهم من رجال الطرق فعلا.

يضيف سيد عبد الله، أن الإخوان يأتون بعد السلفية بسبب التضييق الأمني على نشاطهم السياسي، ولكن ما يزيد من أزمة الغياب الصوفي هو تفرق أبناءه بين الطرق، وهو ما يعوق ممارسة نشاط طلابي ذى طابع صوفي. بينما الإخوان جماعة واحدة في كل أنحاء مصر، والسلفية رغم أنها تيار غير منظم لكن أفكارها ورموزها تجمع كل المنتسبين لها في كل مكان في مصر وخارجها.

محبون لا مريدون
ولكن الأمر قد يكون مرتبطا بطبيعة التصوف وطرقه نفسها، لا عوامل خارجه ولا عوامل الصراع بينه وبني تيارات أخرى، وهو ما يراه تامر رؤوف طالب الطب الذي يسكن بجوار مسجد الحامدية الشاذلية في المهندسين، ويحضر أحيانا بعض مجالس الذكر والإنشاد، ولأنه يحب الشعر والموسيقى فإنه ينتشي كثيرا ببهجة الشعر والغناء الصوفي، كما يشعر بدفء هذه الجلسات التي تعيد إليه التوازن النفسي بعيدا عن ضغوط الحياة وصراعاتها. ولكنه في المقابل لا يشعر أبدا أنه يمكن أن يتخذ قرارا بالانضمام للطريقة ليكون "مريدا" بين يدي "شيخ" يتولى تربيته، وتجب عليه طاعته. ويقول "أنا أحب أن أكون حرا، أقرأ كتب المتصوفة أوالإخوان أو مفكرين مثل طارق البشري والمسيري وغيرهم. أستمع إلى خطب القرضاوي أو الحبيب الجفري. أحب الإنشاد في حضرات الصوفية وحفلات الموسيقى في الأوبرا" ويضيف أن هناك مادة في القانون الداخلي للطريقة الحامدية الشاذلية نصها "يجب على التلميذ ألا ينازع شيخه ولا أن يطلب منه دليل على ما أمر به أو فعله فإن الأشياخ أمناء الله".

ما يتحدث عنه تامر يمثل اتجاها لقطاع واسع من شباب المدن، وهو ما ترصده د. منال عبد المنعم جاد الله في دراستها "التصوف في مصر والمغرب"1997، وتفسره بأن طبيعة الدين تختلف بين المجتمعات الريفية والقبلية وبين المجتمعات الحديثة في المدن، ففي الأولى هناك حاجة لشخص الشيخ بينما في الثانية هناك حاجة إلى الكتاب المطبوع. وفي الأولى هناك حاجة إلى "النسب الشريف" وإلى "الأشراف" أبناء آل البيت أو العائلات الكبرى الذين يعتمد الناس عليهم ويثقون بهم، بينما في الثانية يعتمد الناس على صفوة ثقافية أو أكاديمية. وهي تربط ذلك بما تلاحظه من قلة المنتسبين للطرق من شباب المدن ولكنها تقول أن الطرق عوضت ذلك عن طريق انتساب كبار السن والفئات الريفية.

تلقي المريد العلم والتربية علي يد الشيخ أمر أساسي في التصوف، لذلك فهو "طريقة" وليس "مذهبا"، طريقة عملية في التربية والسلوك يتم نقلها بالاتصال الشخصي المباشر. ويقول الشيخ مرتضى محمد "علمنا لا يؤخذ من الكتاب أو التلفاز، لابد من الشيخ المربي"، ومن مأثورات الشاذلية "من لا شيخ له فشيخه الشيطان".وترى د. منال جاد الله أن التغيرات الاجتماعية تجعل المتعلمين والشباب أقل قبولا لسلطة الشيخ الصوفي التي تشبه سلطة الأب نتيجة لازدياد ميل الشباب إلى الاستقلال وربما السخرية من وجهة النظر الأبوية.

في التيارات الأخرى، العلاقة بين العالم وطالب العلم السلفي تشبه علاقة الأستاذ بالطالب الجامعي أو علاقة المفكر والمثقف بالشباب المتأثرين بأفكاره. وفي جماعة الإخوان، الطاعة التنظيمية قد لا تخلو أيضا من خليط من التراتب العسكري وسلطة الأب المربي، ولكن الأجيال الجديدة في الجماعة لم تتوقف عن انتقاد بعض أساليب إدارة الجماعة والدعوة لأسلوب أكثر ديمقراطية. ومثل هذا الجدل لا يمكن أن يوجد داخل طريقة صوفية.

بعيدا عن السياسة أو في الحزب الحاكم
الاهتمام المتزايد بالسياسة في الشارع المصري يجعل الشباب الذي يعاني من الأوضاع الاجتماعية، أكثر ميلا للاتجاهات الدينية التي تقدم رؤى سياسية أو اجتماعية بديلة، حتى ولو نظرية. وفي المقابل يرصد فاروق مصطفى في دراسته عن "البناء الاجتماعي للطريقة الشاذلية"1974 أن مبدأ التوريث الذي يغلب على الطرق الصوفية، بحيث يختيار شيخ الطريقة ابنه الأكبر أو أخيه لخلافته، قد جعل كل طريقة حكرا على عائلة بعينها، وهو ما أبعد الطرق الصوفية عن الناحية الاجتماعية وجعلها تميل لخدمة الوضع القائم، كما أنه يضعف جاذبية الطرق في أعين الناس بسبب افتقاد الشيوخ الأبناء لكاريزما الآباء المؤسسين.

وفي كتابه "الصوفية والسياسة في مصر"1997، يرصد د. عمار على حسن، عبر دراسة تطبيقية على عينة من طريقتين إحداهما الحامدية الشاذلية والأخرى الخليلية، أن تربية الطرق الصوفية تنمي قيما إيجابية مثل التسامح والأخوة. ولكن لأن هذه التربية تعتمد على اتباع الشيخ "الملهم" أو "صاحب النسب الشريف "، الذي لا يمكن مناقشته لأن علمه وأمره إلهام من الله، فهي تنمي في المقابل قيم الخضوع للسلطة، وتضعف قيمة الاستقلال والرأي الحر والإيجابية السياسية، وتكرس قبول الأمر الواقع بدلا من السعي إلى تغييره، وتبرر قبول التفاوت الاجتماعي باعتباره من قدر الله أو مما يأمر به الدين. وكان دالا أن أفراد عينة الدراسة من الطرقتين المنتمين لأحزاب، ونسبتهم 23.6% من الحامدية الشاذلية و12.5% من الخليلية، ينتمون جميعهم لحزب واحد فقط هو "الحزب الوطني". بينما غير المنتمين لأحزاب يبررون ذلك بالتفرغ للعمل الصوفي أو عدم الاهتمام بالسياسة.

هذه العلاقة بالسلطة ساعدت الطرق الصوفية على التكيف والاستمرار، وضمنت لرؤسائها المكاسب ولو اقتصرت على المكانة الاجتماعية والروحية. كما أن السيطرة على الأعداد الكبيرة المنضوية تحت رايات الطرق، وضمان تأييدها أو سلبيتها، كان مكسبا للسلطة. ولكن يبدو أن الأمور لا تسير في صالح كليهما، فالاتجاهات الدينية الأخرى تنتعش بينما تفتقد الصوفية للدماء الجديدة لأنها لم تعد قادرة على اجتذاب الشباب، وقد تكتشف السلطة أنها تتكيء على عصا قديمة لم تعد تحتمل.

ولكن بعيدا عن رؤساء الطرق ورجال السلطة وعن الشباب الذي يجد طرقه البديلة، فإن أفول الطرق الصوفية قد يعني "يتما روحيا" لبعض أبنائها من البسطاء الذين لا يجدون ضالتهم لا في يقين السلفيين الجامد، ولا في حماسة الإخوان. ولكنهم يجدونه في الحب المشخص للأولياء وآل بيت النبي، وفي بهجة ليالي الذكر والإنشاد. وربما كان منهم ذلك الكهل الحرفي الذي وضع بين قدميه حقيبة أدواته، واكتفى وقت تمايل الآخرين في حضرة الجازولية بهز رأسه بينما تفيض عيناه بدمع غزير رغم ابتسامته الوسعة وهو يرفع يديه ووجهه إلى السماء وشفتاه تتمتمان بما لا يعلمه إلا الله.


الصوفية - عمرو عزت - جريدة الشروق - 6 مارس 2009
المزيد