‏إظهار الرسائل ذات التسميات حركة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حركة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، ٢٦ سبتمبر ٢٠١٠

أبناء الجماعة الذين يبحثون عن "أسرة" مختلفة


تصوير: أحمد سعد
في مواجهة ميل سلفي يرونه متوغلا في جماعتهم وفي المجتمع كله، يعلن بعض الشباب داخل الإخوان اختلافهم ورغبتهم في اتجاه الجماعة إلى وجهة أخرى أكثر انفتاحا وتجددا. داخل "الأسرة" التي تعد نواة النظام التربوي للجماعة يظهر الجدل والصدام فينسحب البعض ويستمر البعض متفائلا معتبرا نفسه طليعة تغيير قادم.

لا يبدو شابا صداميا حادا، بل على العكس. الانطباع الذي يعطيه الشاب أسامة درة أنه أكثر هدوءا من باقي أبناء مدينته النشطة الحيوية دمياط. أسامة المحاسب الشاب الذي تجاوز منذ عام منتصف العشرينات كان قبل أسابيع سبب أزمة داخل شعبة الإخوان في دمياط بسبب جمعه لكتابات كان ينشرها على صفحته على الفيس بوك ونشرها في كتاب.
"أنا في قاع الجماعة، و القاع بارد راكد. أنا أتعفن حيث أنا، التلف يتراكم بي، أنا أتـيـبـّّس هنا، و أخشى أن تأتي المعركة يوما فأعجز عن القيام لها، حتى الإخوة الأعزاء في أمن الدولة خذلوني... أنتظر مداهمتهم منذ تسع سنين على الأقل، و لا يأتون. هم أيضا يعرفون أن القاع كئيب غير مهم".
هذه الكلمات التي تظهر على ظهر غلاف كتاب أسامة درة الصادر مؤخرا "من داخل الإخوان أتكلم" لم تفلح وحدها في تبديد ركود القاع الذي يتحدث عنه. ولكن حواراته مع الصحف بشأن الكتاب، والتي أبرزت آرائه الناقدة للخيارات السياسية للجماعة وخواطره كشاب إخواني حول الجنس والعلاقات، هي التي نبهت مسئولي الإخوان في دمياط فأصدروا قرارا بأنه "موقوف” العضوية. ولكن تدخل القيادي عبد المنعم أبو الفتوح ثم أحمد البيلي مسئول المكتب الإداري أسفرت عن توجيهات بتجميد هذا القرار. ولكن الأمر لم يتم حله تماما حتى الآن.
بابتسامة هادئة يقول أسامة: “أنا لا أعرف معنى الإيقاف أصلا. باستثناء أني لم أعد أحضر اجتماع (الأسرة)، فأنا وسط الإخوان لا زلت. ورغم تدخل قيادات مثل عبد المنعم أبو الفتوح والبيلي فلابد أن يتم التشاور للوصول لحل مع قيادات شعبة دمياط وفق قواعد العمل المؤسسي داخل جماعة الإخوان. وأيضا لأنهما أوصيا أن يتم البحث عن (أسرة) أخرى تستوعب أفكاري ونشاطي بسبب عدم توافقي مع نقيب أسرتي الحالية".
(الأسرة) هي تجمع لعدد من الإخوة يلتقون أسبوعيا تحت إشراف مسئول يطلق عليه (نقيب) يتابع أحوالهم الشخصية والدينية ونشاطهم مع الجماعة، يتشاركون الذكر والدعاء والعبادة، ومناقشة الشئون العامة والقضايا الملحة. تشكل الأسرة النواة التنظيمية الأولى لـ"مجتمع" الإخوان وتهدف لتحقيق "التعارف والتفاهم والتكافل" كما قال حسن البنا مؤسس الجماعة في "رسالة التعاليم”. يستخدم أسامة في حديثه كثيرا كلمة "المجتمع"، يقصد المجتمع الإخواني، للإشارة إلى شيء أكبر ربما من الهيكل التنظيمي للجماعة لا يزال أسامة يشعر أنه وسطه رغم توقفه عن حضور (الأسرة).
"نعم، الإخوان مجتمع وليس فقط تنظيم سياسي أو توجه ديني" هكذا يرى أسامة درة ناتج التركيبة المختلفة لجماعة الإخوان التي أراد مؤسسها أن تكون جماعة شاملة لتناسب "شمول الإسلام" كما يراه. فهي "دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية" على حد تعبير حسن البنا في "رسالة المؤتمر الخامس".
وسط هذا المجتمع لا يرى أسامة درة نفسه مهمشا أو شاذا بل يعتبر كونه "إخوانيا" هي "صفة لازمة" ولذلك جعل عنوان كتابه "من داخل الإخوان أتكلم" فهو يرى أن معظم كلامه تعبير عما يجول بخاطر أغلبية شباب الجماعة وربما يرددونه في جلساتهم الخاصة، ولكنهم ربما لا يملكون نفس الجرأة للتعبير عن ذلك.
يعبر أسامة من زاوية شخصية عن نفس ما عبر عنه عدد من مدوني الإخوان وأثاروا الجدل. مناقشة جمع الجماعة بين الجانب الدعوي الديني والجانب السياسي والدعوة إلى فك الارتباط بين الكيان الديني وبين جانب سياسي يجب أن يتخذ شكل حزب، إبراز الانفتاح على الأدب والفن والفكر "غير الإسلاميين" بالضرورة، التعبير عن بعض الخواطر العاطفية أو الجنسية والتلميح إلى انتقاد الفصل الصارم بين الجنسين ومنع أي تواصل بينهما.
يكتب أسامة على صفحته في الفيس بوك ولم يتعامل مع عالم المدونات الذي خبا بريقه بعض الشيء. ولكنه بشكل ما يمثل امتدادا لموجة التعبير التي أطلقها شباب من الإخوان قبل خمس سنوات في مدوناتهم الشخصية. ويبدو أن بعض المشكلات متشابهة أيضا.

"تمرد يا مجدي ؟!"
في مدونته "يلا مش مهم" كتب مجدي سعد تدوينة بعنوان "علموا أنفسكم التمرد والدهشة ورمي الأحجار"، دعا فيها شباب الإخوان إلى التمرد على الأفكار القديمة والقوالب النمطية في التفكير وانتقد "المغالاة في تطبيق السمع والطاعة" في العلاقة بين المربي والشباب ودعاهم إلى القراءة والاستماع إلى المختلفين ورمي الأحجار في البرك الراكدة.
"تمرد يا مجدي؟!” كان هذا هو رد نقيب أسرة مجدي سعد. بالرغم من أنه أبدى تفهما لما كتبه إلا أن مصطلح التمرد كان صادما بالنسبة له. ولأن مجدي سعد كان ناشطا في قسم الطلبة في الجماعة، فإن بعض المسئولين نبهوه إلى أن بعض كلامه قد يساء تفسيره وتطبيقه من بعض الشباب المتحمسين.
يحكي مجدي سعد أن إساءة التفسير حدثت من جهتين. الأولى هي الصحافة التي أحبت أن تصور دعوات "التمرد" كأنها دعوة إلى انشقاق تنظيمي في حين أنه كان يدعو إليها في سياق فكري، بل وأكد بوضوح أن الدعوة إلى تغيير الأفكار والاجراءات التنظيمية ليس مدعاة للتخلي عن مسئوليات العمل والحركة داخل الجماعة حتى يحدث التغيير. الجهة الأخرى التي تسيء تفسير الدعوة إلى الأفكار المختلفة هم نقباء الأسر، يعلن مجدي سعد شكواه من أن بعض نقباء الأسر المسئولين عن التربية لا يجيدون استيعاب الشباب وعالمهم الجديد. ولكنه لا يعتبر ذلك صداما يوجب الانسحاب والابتعاد، فهو طلب مرتين تغيير الأسرة لخلافه مع نقباء اعتبروا أفكاره انحرافا وليست اختلافا. وحدث ذلك بالفعل و نجح مجدي في إقناع المستويات الأعلى بإلحاقه بأسرة مختلفة واستمر مجدي مع نقباء آخرين متفهمين.

يبدو أن "الأسرة" تمثل احتكاكا مباشرا بين جيلين تختلف خبرة كل منهما ومزاجه. في دراسته عن شباب الإخوان التي نشرها مركز دراسات الإسلام والديمقراطية التابع لمعهد هدسون في أكتوبر من العام الماضي، قسم الباحث خليل العناني الجماعة إلى أربعة أجيال. جيل الحرس القديم الذي يتسم بالمحافظة نظرا لمعايشته الصدام بين الجماعة والنظام الناصري في الخمسينات والستينات، ولا يزال هذا الجيل على رأس تشكيلات الجماعة، الجيل الثاني هو جيل أكثر عملية وانفتاحا شهد علاقة أحسن نسبيا مع نظام السادات في السبعينات ومنه عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح. الجيل الثالث يسميهم العناني "التقليديين الجدد" الذين شهدوا عودة الصدام العنيف مع النظام والمحاكمات العسكرية منذ التسعينات ويميلون للانغلاق والمحافظة على تماسك التنظيم، وأخيرا جيل الشباب في العشرينات والثلاثينات الذين يميلون أكثر للانفتاح على الآخرين ولديهم مشكلات مع البنية التنظيمية للجماعة ويضغطون من أجل الاستماع إلى أصواتهم.
بين الجيلين الأخيرين في الغالب يحدث الاحتكاك في الأسر. التدوين أو النشر يختصر الطريق ويقيم حوارا علنيا ينقله الإعلام بين الشباب الأكثر اختلافا وتطلعا وبين مستويات عليا في الجماعة. ولكن تحت السطح تظل تفاصيل العلاقة داخل الأسرة هي المجال الأهم للمواجهة واختبار الأمل في التغيير.
يحكي هشام عبد الله، الطبيب الشاب، أنه كان مسافرا إلى الدنمارك عقب الجدل الذي أثارته "الرسوم المسيئة" ضمن برنامج للحوار بين الشباب المسلم والشباب الدنماركي. وعندما أثار ذلك في لقاء الأسرة واجه انتقادا عنيفا من نقيب الأسرة وبعض زملائه. كانت حجتهم هي ضرورة المقاطعة التامة لهؤلاء القوم الذين أساءوا لنبينا بينما كان يحدثهم عن التنوع داخل كل مجتمع وعن اختلاف الثقافات وعن ضرورة إقامة جسور للتفاهم والحوار.
المفارقة أنه لم يكن بين هشام وبين نقيب أسرته جسر للتفاهم والحوار رغم أن هذا هو أحد أغراض تقليد "الأسرة". ولكن يبدو أن الطابع الأبوي العائلي الذي يحمله لفظ "الأسرة" يطغى أحيانا على فكرة التفاهم لصالح فكرة التربية من أعلى، وهو ما يختلف عن أجواء الحرية النسبية التي يتسم بها النشاط في الجامعة وسط الأقران من الشباب وهو ما اجتذب هشام إلى الإخوان وشجعه على الاقتراب.
يعرف هشام أنه لم يصل إلى مرحلة أخ عامل. المراحل التي يترقى فيها الفرد داخل الجماعة هي أخ محب ثم أخ مؤيد ثم أخ منتسب ثم أخ منتظم ثم أخ عامل. وفي الغالب يبدأ المنضم إلى الجماعة في حضور أسرة خاصة بإخوة مؤيدين ثم يرتقي ويتنقل في المستويات حتى يصل إلى مرتبة الأخ العامل.
لم يكمل هشام الطريق وفضل الابتعاد، بعد انتهاء مرحلة الجامعة كان انتقاله للنشاط في المنطقة عبر "الأسرة" محبطا. كما أنه يقول أن تطوره الفكري استمر مبتعدا تماما عن المشروع السياسي الإسلامي. يعتبر نفسه الآن ليبراليا بالمعنى العام للكلمة وإن كان يميل لبعض المحافظة فيما يخص الخيارات الأخلاقية.

مفترق طرق
يعترف مجدي سعد بأنه يلاحظ ، بحكم موقعه في قسم الطلبة بالجماعة، الفاقد الذي يحدث بين مرحلة الجامعة التي تمثل مرحلة خصبة للنشاط وتشهد إقبالا كبيرا من الشباب الذين يقتربون من الإخوان ويرغبون في الانضمام، وبين ابتعاد بعضهم في مرحلة ما بعد الجامعة التي يعد الانتظام في "أسرة" أهم معالمها لكي ينضم إلى إخوان الحي أو المنطقة التي يسكن فيها.
يرد مجدي سعد السبب في ذلك إلى اختلاف طبيعة الحياة الشخصية والالتزامات بين المرحلتين، ولكنه لا ينكر أيضا أن هناك مشاكل تتعلق بالناحية السلطوية في نظام "الأسرة".
ولكن من جهة اخرى قد يمثل بعض الجانب السلطوي عنصرا جاذبا يدعو بعض الشباب للتريث قبل رفض لقاءات الأسرة والابتعاد عن الجماعة. يقول هشام عبد الله أن هناك الكثير من الشباب داخل الإخوان يتبنون آراء مختلفة ويضيقون ذرعا ببعض توجهات قيادات الجماعة وخطابها السياسي ولكنهم يؤثرون البقاء داخل الجماعة من أجل البقاء داخل جماعة مؤمنة تعين على الطاعة وتجمع أبناءها بانتظام في أجواء إيمانية وروحانية بل وتحاسبهم بشأن ذلك وهو ركن أساسي من لقاءات الأسرة. يقول أن ذلك بالأساس هو دافع الكثير من الشباب للانضمام إلى الجماعة وليس الدافع السياسي، ويضيف أنه نفسه ظل لفترة مؤثرا البقاء على لقاءات الأسرة لأنه كان يحب وقتها أن يجد من يسأله ويحاسبه إن كان صلى صلاة الصبح في جماعة أم لا.
ولكن في جماعة تتبنى العمل السياسي من منظور ديني يتقاطع مستوى الأفكار السياسية والاجتماعية مع المستوى الديني، ويكون المناخ خانقا بالنسبة للشباب الذين يتوقون إلى بعض التحرر بينما يجدون في طريقهم مزاجا سلفيا صاعدا. يتفق أسامة درة ومجدي سعد وهشام عبد الله أن المزاج الديني السلفي الذي يؤثر على المجتمع ككل يؤثر على الإخوان أيضا لأنهم جزء من المجتمع. يوضح مجدي أن البنا عندما تحدث عن البعد السلفي عند الإخوان كان يقصد العودة إلى المنابع والأصول الأولى للدين، وليس المقصود هو الاتجاه السلفي الذي تشكل مع ابن تيمية وفقهاء الحنابلة وأهل الحديث ثم محمد بن عبد الوهاب وينتمي إليه مشايخ السلفية الحاليون ويتبنون خيارات أكثر تشددا وتضييقا.
يعتقد هشام عبد الله أن الإخوان مرنون ويتأثرون بميول المجتمع، وعندما يكون المجتمع منفحتا يميلون للاجتهادات الأكثر يسرا وعندما يكون المتدينون في المجتمع أكثر ميلا للآراء المتشددة فإن ذلك ينعكس داخلهم.
على عكس خيار هشام بالابتعاد، يعتقد أسامة درة ومجدي سعد أن الجدل بين هذا الميل السلفي والميل المقابل نحو الانفتاح والتجديد لا يدعو لليأس بل على العكس يبدو أنهما متفائلان بل ويعتقدان أن اعتبارهما “مختلفان” داخل الجماعة يستند في جزء كبير منه إلى اختلافهما، مثل كثير من الشباب داخل الإخوان، عن الصورة النمطية التي يكرسها الإعلام للشاب الإخواني أو المنتمي لتيار إسلامي بشكل عام.
يحكي درة أنه اعتاد كسر حالة التلقي داخل لقاءات الأسرة بفتح نقاشات حول قضايا اجتماعية أو فكرية، ويرى أن شباب الأسرة ينقسمون عادة إلى 30% من الموافقين له و30 % من المعارضين و40 % يبدون حيادا أو قلة اهتمام بالجدل.
يعتقد درة أن نظام التربية في الجماعة خلق جوا من التوجس من الأفكار الجديدة تجعل الأخ يشم رائحة الفكرة المختلفة ويحذر منها ولكنه يعتقد أن ما يقوم به هو وغيره من تعبير بحرية وجرأة سيدفع المزيد من الشباب لفعل ذلك وسيجعلهم ينخرطون أكثر في الجدل والحوار وسيفتح كل ذلك أبوب التغيير الذي يأمله. وحتى ذلك الحين لا يبدو أبدا أنه قلق بشأن تأخر إلحاقة بأسرة أخرى، يعتقد أن تلك مشكلة بسيطة في طريقها للحل. قد لا تكون كذلك بالنسبة لآخرين ولكن ما يظهر يقول أن "الاسرة" وهي الساحة التربوية والتنظيمية الأساسية تشهد جدلا كبيرا وأن المختلفين الذين يرفعون أصواتهم كل فترة ليسوا قلة أو هامش متمرد بل هم تعبير عن ميل صاعد متفائل بالمزيد من الصعود.



هكذا تحدث سمسم

أسامة درة

صعد أسامة درة المنبر أكثر من مرة خطيبا للجمعة في مساجد الحي الذي يسكن فيه في دمياط. في كل مرة كان التحضير للخطبة يتطلب وقتا طويلا لكي تخرج الخطبة جيدة ومضبوطة. ولكن في النهاية الخطبة تتخذ شكلها التقليدي ولم يكن المنبر مكانا مناسبا لكي يعبر أسامة عن نفسه بأريحية وانطلاف مثلما يعبر في صفحة المعجبين الخاصة به على الفيس بوك التي أنشأها تحت اسم "سمسم" بعد القبول والشعبية التي يقول أن كتاباته لاقتها وسط جمهور معارفه فجمعها فيما بعد في كتاب "من داخل الإخوان أتكلم".

يبتسم أسامة معلقا على الاندهاش المتوقع من الاسم: “ما كنتش عارف إني هابقى مشهور!” ثم يضيف جادا:”الحقيقة أني أعتبر هذا جزء من إجادة العرض. هذا الاسم أقرب لقلوب الشباب. أي داعية أو سياسي يقدم نفسه ويعرض ما عنده بشكل ما. وأعتقد أن الأفضل أن تمتع الناس وتجذبهم إليك ثم توجه إليهم رسالتك".
يستخدم أسامة عرضه لفيلم "باتمان" أو الرجل الوطواط عندما يريد أن ينتقد الاستقطاب الحاد بين الإخوان والنظام. فهو يرى أن الإخوان يتحملون جزءا من المسئولية لأنهم أنشاوا كيانا عقائديا يدين أفراده بالولاء والسمع والطاعة لقيادة وهو ما لا يتماشي مع لعبة السياسة العصرية كما يقول. يعتقد إن الإخوان ارتكبوا خطأ الرجل الوطواط الذي عبر عن قوة خارقة مفرطة في مدينة جوثام استدعت وجود قوة مقاومة لها فكان الجوكر. يكتب : "ولو كان باتمان ترك الآليات المجتمعية الطبيعية تعمل لحوصرت الجريمة في جوثام. لكنه كان كلما خطا، أشعل النار من خلفه، وكلما اشتعلت النار، أصرّ أكثر على إطفائها والسؤال: هل نفعل-نحن الإخوان- مثلما فعل باتمان و نحن لا ندري؟".
ينتقد ارتكاز تجربة أربكان في تركيا على الجانب الديني بشكل فج، بينما يمدح تعبير أردوغان عن نفسه بأنه "علماني محافظ".

يتحدث أسامة بهدوء وتأن وبعد تفكير مثل ديبلوماسي، بينما في كتاباته يظهر الشاب الأكثر جموحا ومرحا. يجري حوارا متخيلا مع فرويد عن رغباته الجنسية، يتحدث عن "سمسم العاطفي" والبنت التي كانت تحبه وبكت عندما انضم إلى الإخوان، ويتحدث أيضا عن البنت التي ظنت أنه يتجاهلها لأنه متدين بينما يعبر بأسف – مازحا أو جادا- أنه فقط لم يلاحظ عندما كلمته وإلا فكيف يتجاهل البنت التي كانت "ًصاروخ" على حد تعبيره.
يكتب: "أنا عطشان، أفتقد الأنثى في حياتي، وكلما اقتربَت مني واحدة و بدأت تتعلق بي..أنسحب. أقول لنفسي: أنا مـحـتـرم..و طالما مش جاهز للجواز، يبقى أبعد. لكنّ حالة الاحترام هذه مؤلمة..مؤلمة فعلا".
بعض أصدقاؤه يندهشون كيف يكتب أسامة ذلك، ويجدون أنه من غير اللائق على من يتصدى للدعوة أو السياسة أن يفصح عن مثل هذه الأفكار. يرد أسامة: "لا أؤمن بالتكلف في رسم صورة الجيل المتوضيء المثالي لكي يتسق ذلك مع مهمة الشباب الإخواني في الدعوة. لماذا لا يروننا كشباب كما نحن، بأفكارنا الجادة وهواجسنا العادية".

يعبر أسامة في مقال آخر من الكتاب عن عدد من أمنياته بشكل عفوي:” ِنفسي أكتب في صحيفة مهمة بانتظام.. نفسي أشوف فيلم حلو أندمج فيه، و يكون جنبي حد بحبه.. نفسي أظهر في (العاشرة مساء) بس لوحدي، مش ومعايا ضيوف تانيين .. نفسي كل الستات تحبني، وأنا أحب واحدة بس.. نفسي لو اعتقلت-ربنا يستر يعني-أكون في المعتقل مع أكابر الإخوان ..نفسي ربنا مايكونش زعلان مني، أنا ماكانش قصدي.. نفسي أوظف داخل الإخوان بشكل يرضيني.. نفسي ماتعرّضش للتعذيب في حياتي أو في الآخرة.. نفسي أضرب صاحبي اللي اتأخر عليا وسايبني قاعد أكتب الكلام ده!”.



نشر في "الشروق" الأحد 26 سبتمبر 2010
PDF
المزيد

الجمعة، ٢ يوليو ٢٠١٠

قانوني أم ناشط سياسي؟


مهنة محامي حقوق الإنسان لا تزال تتردد بين أسلوب المناضلين المتحمسين وأسلوب المهنيين في مؤسسات محددة المهمة.

لم يكن ذلك اليوم استثناء في مركز هشام مبارك للقانون. ولكنه كان أكثر ازدحاما عن باقي الأيام بسبب استضافة المركز ندوة عن قانون النقابات المهنية. يجلس على المنصة متحدثا أحمد سيف الإسلام المحامي الحقوقي المخضرم ومدير المركز، وبين الحضور يتحرك المحامي الشاب أحمد راغب، المدير التنفيذي، يتحاور مع عدد من العمال والناشطين حول توكيلات وتفاصيل قانونية تخص مشاكل.
أحمد سيف الإسلام المولود في أوائل الخمسينات وينتمي إلى جيل السبعينات في السياسة وراغب المولود في نهاية السبعينات وينتمي إلى جيل نهاية التسعينات وبدايات الألفية، يجمعهما أنهما محاميان دخلا إلى مجال العمل في حقوق الإنسان من بوابة السياسة والنشاط مع اليسار المصري. أوجه التشابه بينهما تحمل ملامح ثابتة للمحامي الحقوقي في مصر منذ بداية الحركة الحقوقية في الثمانينات وحتى الآن، وبعض الاختلاف يشير إلى التحولات التي تنتظر مسار هذا التخصص كمجال مهني مرتبط بشكل كبير بحراك اجتماعي وسياسي يشهد لحظات من الفوران.
درس سيف الإسلام، خريج العلوم السياسية، القانون أثناء سجنه بتهمة الانضمام إلى تنظيم سري وفي التسعينات بدأ تطوعه في قضايا حقوق الإنسان مع مركز المساعدة القانونية بجانب عمله في مكتبه الخاص. وفي عام 1996 وأثناء الانتخابات العمالية حدثت زيادة في عدد القضايا التي احتاجت محامين متطوعين. يقول سيف الإسلام:”بجانب عملي الخاص في مكتبي يمكنني أن أتحمل في السنة 5 أو 6 قضايا تطوعية. وعندما شعرت بضرورة العمل على المزيد من القضايا التي لا تخدم الأفراد بل المئات، وتساهم أحيانا في تعديلات قانونية تخدم أجيال لاحقة. فكرت في التحول بشكل كامل للعمل في مركز حقوقي. ذلك النوع من العمل يتطلب قدرا من التفرغ وباحثين وإمكانات مادية مساعدة".
وعبر مركز المساعدة القانونية ثم المشاركة في تأسيس مركز هشام مبارك استمرت مسيرة سيف الإسلام، التي تجاورت فيها روح الالتزام السياسي والخدمة القانونية.
كطالب في الجامعة وناشط بدأت علاقة راغب بالمركز مستفيدا من أنشطته وخدماته ومتدربا فيه. وبعد تخرجه وعمله لفترة في مكاتب محاماة لم يعجبه الحال وشعر أن عمله في مجال حقوق الإنسان يتسق أكثر مع فكرته عن نفسه كناشط أكثر منه موظف.
يقول راغب:"هناك تضحية مادية في المستقبل. فالمحامي الأكبر والأشهر في السوق يتقاضي دخلا أكبر بكثير من محامي حقوق الإنسان بنفس الخبرة. ولكن مقابلها هناك تحقق وإشباع للاهتمام السياسي وروح العمل العام. مؤخرا فقط يمكن أن نقول أن أجور المحامين حديثي التخرج في منظمات حقوق الإنسان توفر دخلا ثابتا أفضل من أقرانهم في مكاتب المحاماة".
يقول أحمد سيف الإسلام أنه شخصيا حسم أمره لأنه لم يعد لديه طموحات مادية ولكنه يريد أن يقوم بعمل يحبه ويتحمس له، ولكن الشباب لديهم التزامات مالية ضرورة في بداية حياتهم ولذلك المحامين الشباب في المركز ومراكز أخرى يعملون أيضا في مكاتب خاصة أو لديهم مكاتب تخصهم.
بعض الشباب يتجهون الآن لطلب التدريب والعمل في منظمات حقوق الإنسان بعد تخرجهم، بدون أن يكونوا من أصحاب النشاط السياسي، ولكن راغب يرى أن الأفق السياسي مهم جدا لمحامي حقوق الإنسان لأن علاقته بالقانون علاقة جدلية يجب أن يكون فيها إبداع، فهو ليس كمحامي السوق مهمته أن يفسر القانون لمصلحة الموكل، بل ينطلق من حق من حقوق الإنسان أو مصالح قطاعات واسعة وربما يسعى لاقتراح قوانين أو تعديل قوانين أو الدفع بعدم دستوريتها.
رغم تبنيهم لقضايا عامة إلا أنه كان على المحامين الحقوقين قبل سنوات الدعوة لمراكزهم بشكل ما أواستغلال شبكات العلاقات السياسية القريبة من أجل تشجيع الناس على التعامل معهم. يحكي سيف الإسلام أن بعض العمال كانوا يحضرون مظروفا به بعض المال ظنا أن المراكز الحقوقية التي لا تتقاضى منهم أتعابا لن تقوم بواجبها جيدا، مثل كل خدمة مجانية يرونها في مصر. ولكنه يرى أن جهد المحامين الحقوقيين وبعض الانتصارات في المحاكم تشجع المزيد على الثقة بهم. أما بعد سنوات الحراك السياسي والدعوة إلى التغيير وازدهار الصحافة الخاصة والتدوين، بدأ المحامون الحقوقيون يحتلون الصفحات الأولى مع الجدل السياسي والدفاع عن الحريات وتبني قضايا التعذيب التي تتحول لقضايا رأي عام. يضيف سيف الإسلام: "أصبح الناس يتصلون بنا ويأتون إلينا، وبينما خطتنا السنوية هي 100 قضية نتولى الآن سنويا ما بين 300 إلى 400 قضية".
يعترف سيف الإسلام أن أهم مشاكل المحامين الحقوقيين هو عدم قدرتهم حتى الان في مواجهة تزايد الاعباء على صياغة برنامج تدريبي لاعداد المحامين الحقوقيين الشباب الأكفاء والأمر يصبح متروكا أمام الاستعداد الشخصي والحماس.
الكفاءة مقابل الحماس، هي أيضا ما يراه راغب تحديا أمام المحامين الحقوقيين. المنظمات القانونية الحقوقية لا تزال تتحمل قضايا أكثر من طاقتها ولا تزال تحاول صياغة شكل مؤسسي منظبط لعملها.
يضيف راغب أيضا أن نظرة المحامين لدورهم يجب أن تتطور، فالروح السياسية الأحادية المعارضة للدولة التي شكلت عمل بعض الأجيال الأكبر في المجال الحقوقي يجب على الأجيال الأحدث أن تتجاوزها لتدرك أكثر أن هناك تنوعات داخل الدولة ويمكن التأثير على قرارها.
في أطروحته التي يعدها لنيل الدكتوراة من جامعة "إسكس" ببريطانيا حول حقوق الإنسان والسياسة في مصر، يتناول عمرو عبد الرحمن مشكلة هوية المحامي الحقوقي، ويرى أن تطور مهنية المحامين الحقوقين في مصر لا تزال في بدابتها وأسيرة النظرة للعمل الحقوقي كبديل وتعويض للفشل أو الركود السياسي، وأن الإحساس بالجانب الأخلاقي في العمل الحقوقي عند الدفاع عن منتهك مثلا لا يزال يعطل كفاءة الجانب المهني في إثبات ذلك، وهو ما تلاحظه بعض الجهات الدولية في العمل الحقوقي المصري. ويضيف أن هناك شخصية منقسمة وعلاقة متوترة بالسياسة بسبب عدم استقرار التقاليد الديمقراطية، بينما في أوروبا مهنية المحامي الحقوقي متشكلة لأن هناك حقوق واضحة مستقرة ومحفوظة ولا جدال عليها يقوم المحامي بتقديم خدمة قانونية مرتبطة بها وليس نضالا من أجلها.



حقوقي إسلامي ؟

الذين عرفوا إسلام لطفي أثناء دراسته الجامعية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة كان رأيهم أنه ناشط سياسي إسلامي مختلف عن أقرانه من النشطاء الإسلاميين بشكل ملحوظ. بعد تخرجه أقدم إسلام على ما يدل على ذلك واختار العمل في المجال الحقوقي واستمر حتى الآن.
الصورة المعتادة لـ"المحامي الإسلامي" في المجال العام إما أنه يدافع عن الإسلاميين فحسب أو أنه المحامي الذي يرفع دعاوى ضد بعض المنشورات أو الأفلام أو الممارسات التي يراها خارجة عن آداب المجتمع وأعرافه وفي العادة يكون في مواجهة محام حقوقي آخر يدافع عن الحريات.
"صحيح أن عددا قليلا جدا من الإسلاميين يعملون في مجال حقوق الإنسان، لكني لا أرى تناقضا بين توجهي السياسي الإسلامي وبين عملي" يشرح إسلام لطفي فكرته :"أرى أن أفكار ومباديء حقوق الإنسان لا يوجد بينها وبين الإسلام تناقض جذري. حتى تلك التي يبدو أنها مخالفة للدين يمكن أن نجد لها تخريجات أو اجتهادات ما تمكّن الإسلاميين من التعامل معها والتواجد على الساحة الحقوقية".
بعد تخرجه عمل إسلام في برنامج للمساعدة القانونية للاجئين، وهناك واجه بعض المواقف الحرجة. يحكي إسلام أنه في نهاية العام كان يحصل على أعلى تقدير للأداء كموظف ولكنه فعليا كان يعاني من التكيف مع سلوكيات زملائه في محيط العمل، الحفلات والعلاقات بين الشباب والفتيات، مشيرا إلى أن الأوساط الحقوقية يغلب عليها تاريخيا الانتماءات اليسارية والقومية، ثم الليبرالية بعد ذلك. وفي الوقت نفسه تعرض للانتقاد لأنه يصلي في مكان العمل، مما جعل بعض رؤسائه يطلبون منه ألا يقوم بذلك لأن بعض اللاجئين السودانيين هاربين من اضطهاد النظام الإسلامي هناك مما قد يجعلهم يتوجسون عند التعامل معه ظنا أنه "إسلامي”. يضحك إسلام : "وهو ما كان صحيحا!”
الموقف الأكثر تعقيدا كان عندما أخذ لاجيء سوداني يحكي له عن تعرضه لانتهاكات بسبب كونه مثليّ الجنس. يقول إسلام أنه كان لا يزال شابا متحمسا وبينه وبين بعض معطيات الواقع حواجز نفسية، فبكى من هول الموقف والمأزق الأخلاقي، بينما ظن اللاجيء أنه يبكي تعاطفا منه. لجأ إسلام إلى رمز إسلامي يثق برأيه فطمأنه أنه لا حرج من مساعدة اللاجيء المظلوم مهما كان الأمر. يعلق إسلام: "موقفي الآن لا يزال معترضا على المثلية الجنسية كحق يجب الدفاع عنه، ولكن يمكنني أن أدافع عن حق المثليّ في الخصوصية إن مارس ذلك في بيته المغلق عليه ولم يخرج إلى العلن، وأدافع عن حقه في محاكمة عادلة بلا انتهاكات أو إهانة ولكني في هذه الحالة لا أدعو لتغيير القانون المصري الذي أعمل في إطاره ويعتبر ذلك فجورا".
يستدرك إسلام أن مجال حقوق الإنسان أوسع من تلك النقاط الحساسة: ”ولكن للأسف تلك النقاط تشكل حساسية بين جمهور الإسلاميين ومنهم الإخوان المسلمين، خاصة في الريف، وبين فكرة العمل في مجال حقوق الإنسان التي لا تزال تلقى توجسا".
تنقل إسلام بين عدد من الوظائف، ولكن كان أبرزها في مجاله أنه كان المنسق العام والمؤسس الفعلي لمركز "سواسية" لحقوق الإنسان في 2004، والمعروف أنه المركز الحقوقي التابع للإخوان المسلمين ويرأسه محاميهم عبد المنعم عبد المقصود. ولكن لم يستمر إسلام لطفي فيه طويلا لأنه وجد إدارة الإخوان للمركز تحدد أفقه ولا تطوره: " الإخوان تعاملوا معه كأداة سياسية وتوجسوا من تدريب كوادر جديدة لكيلا يستفز ذلك الأمن. بالإضافة أن تعامل الإسلاميين بشكل عام مع حقوق الإنسان يقتصر على المباديء التي لصالحهم دون وعي أن عليهم أن يتعاملوا مع المنظومة كلها بشكل ما".
يعي إسلام لطفي جيدا أن خيار العمل كمحامي حقوقي رغم انتمائه الإسلامي يضعه دائما بين مطرقة التوجس منه بين أوساط غير الإسلاميين وسندان توجس الإسلاميين التقليديين منه، ولكنه حسم أمره ويعتبر أن عمله يجمع بين تخصصه في القانون وشغفه بالسياسة والعمل العام، متفائلا بأن المستقبل يحمل الأفضل.



نشر في جريدة "الشروق" الخميس 1 يوليو 2010
PDF
المزيد

الخميس، ١٥ أبريل ٢٠١٠

الأخوات المسلمات .. ظل الجماعة


رغم قلة الوجوه النسائية عموما في الأوساط السياسية، إلا أن جماعة الإخوان لديها قسم ضخم من الكوادر النسائية وزوجات الإخوة وبناتهم. وباستثناء التظاهرات الحاشدة فهن في العادة بعيدا عن دائرة الضوء إلا من محاولات قليلة وراءها تململ بعض الأخوات وارتفاع أصواتهن بالشكوى.

من حماسة السبعينات إلى تململ الألفية

أثناء دراستها للطب في جامعة القاهرة منتصف السبعينات، كانت "الجماعات الإسلامية" في أوج ازدهارها. تحكي أم عبد الرحمن عن ذكرياتها آنذاك: المعسكرات التي حاضرهم فيها محمد الغزالي وزينب الغزالي والنشاط الكبير لكوادر جيل السبعينات في الإخوان، دراسة كتب سيد قطب وأبو الأعلى المودودي عن الدولة الإسلامية.
تقول أم عبد الرحمن:”كانت الطالبات يرجعن إلى بيوتهن بعد انتهاء أوقات المحاضرات في المعسكرات بينما يبيت الطلبة". تقول أنه في ذلك الوقت كان الكل يعمل تحت مسمى "الجماعات الإسلامية" في الجامعة. والطالبات كانوا أبعد عن التمايزات التنظيمية. زوجها الذي كان أيضا طالبا للطب في نفس الفترة قال لها في الثمانينات أنه من الإخوان. تضحك وهي تقول:”كان وقتا عصيبا. والقيادات وقتها لم يكونوا يثقون بالنساء".
انتقلت مع زوجها إلى باكستان للعمل في الأغاثة الإسلامية وقت حرب أفغانستان ثم إلى إحدى دول الخليج ومن ساعتها والأسرة تعيش بين الخليج والقاهرة.
تقول: "في حلقات النساء في باكستان لم يكن الجانب التنظيمي واضحا عند النساء. كان الانتماء أقرب للإسلامي العام. ولم تكون هناك مسئولات حتى على حلقات النساء. لأن كثيرين كانوا يعتقدون أنه لا تجوز أن تكون المرأة أميرة أو قائدة ولو على نساء. في الدولة الخليجية ثم في مصر كانت هناك حلقات الأخوات التابعة للإخوان المسلمين. وأصبحت مشرفة على حلقة منهم لأنني زوجة قيادي".
كان ذلك في أوائل التسعينات، بدأت أم عبد الرحمن الإشراف على بعض الأخوات تربية وتثقيفا عبر كتاب "رياض الجنة" المتعدد الأجزاء للمستويات المختلفة، وهو البرنامج المعتمد في الجماعة لحلقات الأخوات.
تقول أم عبد الرحمن أن "رياض الجنة" يحوي أساسيات العقائد والأخلاقيات الإسلامية والأحكام الفقهية والسيرة وغيرها، بالإضافة لجانب تطبيقي تربوي. ترى أم عبد الرحمن أن "رياض الجنة" لا يمثل إلا حدا أدنى من الثقافة الإسلامية. بعض حلقات النساء تكتفي به والبعض تزيد عليه بحسب شخصية المشرفة. وتنتقد فيه الجزء التطبيقي التربوي الذي يكون على شكل تقارير تملأ عن الحالة الإيمانية والأخلاقية لكل أخت:”هناك ِأشياء قلبية وأخلاقية لا يمكن اختزالها بهذا الشكل".
أثناء تجربة إشرافها على حلقة نساء، بدأت تتململ من إشراف الرجال على المشرفات، بل وإحساس الأزواج والآباء أنهم فوق المشرفة على نسائهم وبناتهم:”بعض الأزواج والآباء كان يسأل الزوجة والبنت عما درسته في الحلقة وبيدي اعتراضه على ما لا يعجبه من آراء".
زاد الأمر عندما كانت أم عبد الرحمن أوغيرها تنتقدن بعض تفاصيل التنظيم، فكانت تواجههم كليشيهات "ضرورة السمع والطاعة"، كما أنها حاولت تطوير خطابها في 2005 وقت خوض الإخوان للانتخابات البرلمانية الأخيرة بالتأكيد على الطابع الوسطي المنفتح للجماعة، فواجهت انتقاد بعض المسئولين في الجماعة :”دائما التنظيميون أكثر تشددا من الباحثين والأكاديميين ومفكري الجماعة".
بدأت أم عبد الرحمن تضيق أحيانا بالجانب التنظيمي الذي رأته أقرب للميل العسكري منه لجماعة مدنية، كما أن أعباء الإشراف على حلقة نساء بما فيه من فصل في منازعات وحل لمشاكل اجتماعية بدأ يرهقها فاعتذرت عن ذلك وابتعدت عن حلقات النساء نهائيا.
لاحظت أم عبد الرحمن تحولا في التعامل مع "الميل السلفي" عبر مسيرتها. ففي الثمانينات اهتم الإخوان بالتمايز عن الجماعات العنيفة ذات الطابع السلفي وكانوا لا يحبذون النقاب ويؤكدون على ضرورة كون الداعية تقدم واجهة مشرفة للإسلام الوسطي وتتواصل بكفاءة مع الجمهور. ولكن فيما بعد لاحظت أن سطوة الفضائيات السلفية تلقي بظلالها على اختيارات النساء عموما ونساء الإخوان أيضا فانتشر النقاب بينهم بعض الشيء. غيّرت أم عبد الرحمن مع الوقت بعض أفكارها عن النقاب – الذي ارتدته في الجامعة لا زالت ترتديه بحكم التعود- وأيضا التعامل مع الفنون والاختلاط مع الجنس الآخر ولكنها تلمس تراجعا في الميل الوسطي بين قطاعات مختلفة داخل الإخوان وإن كان ذلك متفاوتا بحسب المستوى الاجتماعي والثقافي داخل الجماعة الكبيرة.
ما زالت أم عبد الرحمن تقدر أهمية حلقات النساء في جانبها الاجتماعي بين نساء الجماعة: “في المدن بالذات تشكل تلك الحلقات مجتمعا للتواصل والتكافل لا يمكن الاستغناء عنه عند الغالبية. في الريف من الصعب أصلا أن تخترق حلقات النساء الروابط القريبة للعائلات ولذلك هي ليست منتشرة هناك".
تقول أن ابنتها الكبرى لا تزال تقدر أهمية الحلقات في جانبها الاجتماعي وإن كانت أكثر استقلاية فكريا، في حين أن ابنتها الصغرى تململت من أن هذه الحلقات تجعلها دائما داخل مجتمع الإخوان بينما تريد هي أن تصادق وتعرف أناسا آخرين "عاديين". تضيف: “ربيت أبنائي على الانفتاح على الآخر عموما ولهم أصدقاء ليسوا إخوان. ولكن الأطفال والشباب ينفرون بطبعهم من تلك الأشياء النظامية الأقرب للمدرسة".
لبنى، الابنة الكبرى، باحثة في العلوم السياسية وتعمل صحفية في موقع إسلامي، تخرجت مؤخرا من كلية الإعلام. تحكي أنها ظلت فترة طويلة بعيدة عن حلقات الأخوات وأي نشاط لهن. عملها في الموقع الإسلامي في وسط مثقف أكثر كما تقول كان مشبعا لها عن أجواء الحلقات التي لا جديد فيها فكريا وتثقيفيا. تبتسم لبنى وهي تقول "أحيانا كنت أنقطع وأعود فأجدهم يدرسن نفس الجزء من رياض الجنة لأن عضوات جديدات أتين. أفكر أن ما دعاني للعودة إلى الحلقات هو الجانب الروحاني والإيماني أكثر” تقول لبنى " البنات لا يذهبن للمساجد عادة. ولذلك قد نفتقد بعض الروحانيات التي لا يمكن الحفاظ عليها إلا بين جماعة ما". تضيف أيضا أن الجانب الاجتماعي مهم جدا إذا كنت قد نشأت في أسرة إخوانية: “ساعتها يكون لديك مجتمع قريب وباقي الناس يظلون لفترة طويلة "ناس عاديين" أو آخرين. عندما تنفصل عن الحلقات والأنشطة تنفصل عن هذا المجتمع القريب. عندما عدت اكتشفت أن بعضهن تزوجن وبعضهن أنجبت وغير ذلك".
تتذكر لبنى أيضا أن أحد أسباب انقطاعها عن حلقات الأخوات التي تعرف في الأدبيات الإخوانية بـ"الأسرة" هو أن معظم الحلقات صباحية لأن الأخوات المسئولات لا يستطعن في الغالب الإشراف على حلقة مسائية لكي يتمكنّّ من رعاية أزواجهن وأسرهن. ولذلك قد تجد الأخوات العاملات صعوبة في العثور على حلقة مسائية.
تلعب الحلقات أيضا دورا مهما بالنسبة للفتيات فهي أساس ترشيحات الزواج وسط المجتمع الإخواني الذي لا تتاح فيه فرصة للاختلاط بين الشباب والفتيات.
تقول لبنى: “لا توجد أنشطة مشتركة اللهم إلا المحاضرات العامة في جمعية أو مركز ويجلس الرجال في جانب والنساء في جانب" تبتسم وهي تضيف: “حتى في الجامعة كنا نتعامل مع زملائنا الذكور من غير الأخوان بينما كان هناك بعض الحرج والحساسية من الزملاء الإخوان رغم أنهم أقرب إلينا فكريا. في كلية الإعلام كانت الإخوات أكثر عددا من الإخوة. ولم نتعرف على الشباب الإخوان في دفعتنا إلا عندما في نهاية العام الدراسي الأخير عندما انضموا إلينا في مشروع التخرج".
تلاحظ لبنى على خلاف ما يقال أن هناك تململ من الطابع المحافظ للإخوان بين بناتهم. وترى أنهم أبعد عن الميل السلفي:"في الحلقة التي كنت أحضرها كانت هناك مجموعة من البنات المتمردات اللاتي كن يناقشن كل شيء ابتداء من ضوابط الزي إلى ضرورة حضور بعض اللقاءات التنظيمية".
وتحكي أيضا أن مجموعة قريبة منها في الجامعة كانت تضم أربعة صديقات يسكنّ في شبرا الخيمة: "التقيتهن من فترة قريبة. ثلاث منهن ارتدين النقاب وواحدة فقط ظلت بحجابها العادي الملتزم. الأخيرة فقط هي الإخوانية المنظمة. والثلاثة ملتزمات بشكل حر". تضيف أن الأخوات اللاتي يتلقين مناهج فكرية وتربوية فيها رغم كل شيء إطلاع على مدراس فقهية وفكرية متنوعة يكن أبعد عن السلفية التي تضيّق الخيارات. وترى أن الميل السلفي بين النساء يزداد بالفعل لكنه أقل كثيرا بين نساء الإخوان المنظمات وبين أجيالهن الجديدة المفتحة على وسائل الاتصالات الحديثة.



بعيدا عن الواجهة ولكن ليس على الهامش

"والدي الكريم، أنا باقية ان شاء الله في هذه الدعوة شاء من شاء وأبي من أبي، وأسأل الله الثبات حتي الممات ، ولكن هناك سيدي بعض الاشياء والمشاكل التي بح صوتنا من الحديث عنها ورفع الشكوي بها ولم نري استجابة او تفاعلا معها" هكذا افتتحت د. رشا أحمد، المدرس بكلية الطب مقالها أو رسالتها التي وجهتها للمرشد العام للإخوان. نشر المقال قبل أكثر من عامين على مدونة "أمواج في بحر التغيير" بعنوان "موجة نسائية"، وتضمن عرضا لأهم لشكاوى الأخوات داخل الإخوان المسلمين.
تتركز شكاوى د. رشا على ضعف الجانب الفكري والتثقيفي فيما يخص متغيرات العالم والسياسة. بالإضافة إلى عدم توظيف النساء في مواقع دعوية وتنظيمية كثيرة، فضلا عن حرمانهن من حق التصويت في الانتخابات الداخلية للجماعة.
رغم أنها تصف نفسها بـ"المعارضة" داخل الجماعة، إلا أن د. عبير عبد المنعم، الأستاذة الجامعية بإحدى جامعات الصعيد والناشطة في المجتمع المدني، تدافع بشدة عن وضع الأخوات داخل الجماعة وفي الوقت نفسه لا تنكر وجود مشكلات.
“البرامج التربوية فعلا غير مرضية" تقول د.عبير " ولكن هناك تطوير دائم لها، ليس على الوجه المأمول ولكنها في النهاية حد أدنى يمكن للأخوات أن يزدن عليه بأنفسهم".
وفي حين ترى زهراء النجار، الطالبة بجامعة الأزهر والمدوِّنة والناشطة الإخوانية، أن القصور هو في الجانب الفكري العام المواكب للمتغيرات، ترى د.عبير أن الجانب الفكري مفتوح ومتنوع وأن برامج التربية تضع أساسيات المنهج الإسلامي وتترك ما هو متغير للاجتهاد، وتقول :”كان جيلي يرجع لأمهات الكتب الشرعية. ولكن الأجيال الجديدة تجد صعوبة في ذلك وهذه البرامج تحاول تبسيط أوليات العلوم الشرعية".
ولكن المشكلة من وجهة نظر د.عبير والتي تطالب بتغييرها أن من يكتبون هذه المناهج كلهم رجال: “هناك لهجة ذكورية واضحة. لا تتفهم طبيعة المرأة. ولذلك هناك نقص في جوانب قد تهم النساء أكثر مثل كيفية التعامل مع المشكلات الزوجية مثلا".
ولكن كلا من د.عبير وزهراء ينكران أن ذلك يؤثر على دور النساء أو يهمشهن. بل تريان أن مشاركة النساء في الإخوان موجودة وفاعلة ولكن يحدها من جانب القمع الأمني الذي يدفع النساء للتراجع خطوات وراء الرجال أو هي ثقافة المجتمع المفروضة على الجميع والتي تجعل للمراة في أوساط كثيرة أدوارا مختلفة عن أدوار الرجل.
ترد د.عبير عبد المنعم على طلب بعض النساء حق الوجود في مكتب الإرشاد مثلا: “هانطلع نعمل إيه فوق؟! الجري وراء شعارات تحرير المرأة سيضيعنا. لماذا يجب أن نتذمر من قيادة الرجال؟ أنا رئيسي في الجامعة رجل، هل يجب أن أتذمر؟ مشرف قسم الأخوات ينقل كل مطالبنا وملاحظاتنا وصوتنا يصل لأعلى مستوى. وأنا أتحدثى مباشرة مع المرشد العام بلا حرج". في المقابل ترى أنه لا تتحمل أعباء عمل إداري تنظيمي في قيادة الجماعة إلا أرملة أومطلقة، بسبب تبعات الوقت والسفر. بالإضافة أنه في رأيها لا يتحمل أي مصري اعتقال زوجته أوابنته.
تختلف معها لبنى عبد الحميد، الباحثة والصحفية ذات الانتماء الإخواني، وتقول أن التاريخ الإسلامي شهد عذابات نساء بسبب تصدرهن للدعوة، ولكنها تتفق مع الرأي القائل أن النساء الإخوانيات لسن على الهامش بلا نشاط ولكنهن فقط بعيدا عن الواجهة وعن تبعات الظهور.
ترى زهراء النجار أن ترشح جيهان الحلفاوي ومكارم الديري في الانتخابات البرلمانية كمرشحات للإخوان كان بداية جيدة لبروز رموز نسائية في ساحة السياسة، ولكن د.عبير ترى غير ذلك: “كانت تجارب فاشلة جدا أشك أن كلاهما ترغب في تكرارها. الظروف كانت استثنائية. جيهان الحلفاوي كانت جدة وأعبائها قليلة. بيوت الإخوان تديرها الأخوات، لأن الأخ بين عمله ومهام دعوته أو يكون معتقلا. لا يجب أن ننقاد وراء الغرب بلا تفكير، نحن هنا لدينا أسر وأعباء تربوية يجب أن نقوم بها".



الأخ رئيس قسم الأخوات

في إبريل 1932 صدرت لائحة تنظيم "فرقة الأخوات المسلمات" في جمعية الإخوان المسلمين التي تأسست في الإسماعيلية آنذاك. وذلك بعد ازدهاء مدرسة "أمهات المؤمنين" الملحقة بمعهد حراء الإسلامي التابع للجمعية. وبحسب الموقع الرسمي للجماعة، فإن الغرض من الفرقة "التمسك بالآداب الإسلامية والدعوة إلى الفضيلة وبيان أضرار الخرافات الشائعة بين المسلمات"، و" رئيس الفرقة هو المرشد العام لجمعيات الإخوان المسلمين، وتتصل بأعضائها وكيلة عنه تكون صلة بينهن وبينه".
وبعد انتقال إدارة جماعة الإخوان المسلمين إلى القاهرة تكونت فرقة الأخوات المسلمات بالقاهرة، واختيرت السيدة لبيبة أحمد رئيسة لها، ولفرق الأخوات بكل من الإسماعيلية وبور سعيد.
كانت لبيبة أحمد من الناشطات مع هدى شعراوي ونبوية موسى إبان ثورة 1919. ولكن بعد تأسيس شعراوي للاتحاد النسائي في 1923، الذي رأته لبيبة أقرب للأفكار الأوروبية، قامت هي بتأسيس "جمعية نهضة السيدات المسلمات" ذات الطابع الإسلامي. وبعد اضطرار لبيبة أحمد للانتقال إلى المملكة السعودية تأسست في 1944 لجنة إرشاد للأخوات المسلمات رأستها السيدة آمال عشماوي.
زادت لجان النساء بالإخوان المسلمين حتى وصل عددها 50 لجنة في 1948 ثم 150 لجنة في 1951. ومع تزايد حجم الجماعة تم تعديل اللائحة ليسند الإشراف على قسم الأخوات للمرشد العام رأسًا، وله أن ينتدب من الإخوان العاملين سكرتير اتصال لتنظيم الأعمال الإدارية بالقسم ويتصل السكرتير بالأخوات في شُعب الجماعة. ولا يزال قسم الأخوات حتى الآن يرأسه أخ مشرف من أعضاء مكتب الإرشاد يتولي الاتصال بالأخوات.
من مشاهير الأخوات المسلمات الداعية زينب الغزالي، التي رفضت في البداية الانضمام إلى الأخوان بعد تأسيسها جمعية "السيدات المسلمات" عام 1937، ولكنها انضمت للجماعة عام 1948 بعد صدور قرار بحلها. تعاطفت في مع حركة يوليو 1952 في بداياتها ولكن توترت العلاقة بعد قمع الإخوان ومحاكماتهم، وتروى في مذكراتها أنها رفضت لقاء جمال عبد الناصر، ورفضت محاولة ضمها وجمعيتها ومجلتها إلى الاتحاد لاشتراكي، فصدر قرار بحل الجمعية وإيقاف المجلة في 1964. وتم اعتقالها في 1965.



نشر في "الشروق" الخميس 15 إبريل 2010
PDF

المزيد

الاثنين، ٢٥ يناير ٢٠١٠

"ربما تحل عليه البركة !"


وسط مشاركة سياسية ضعيفة لعامة المصريين وللمسيحيين بوجه خاص.. يواجه المسيحي الذي ينشط في المجال العام العديد من الخيارات الصعبة: التوجه والأسلوب، تحمّل العلاقة المعقدة بمحيطه، وكيف يظل داخل مجتمع الأقباط مستقلا عن الكنيسة وناقدا لها أحيانا وهي التي تعلم رعاياها أن "ابن الطاعة تحل عليه البركة!".

بعد ساعات من الاعتداء على كنيسة نجع حمادي كانت هالة المصري، الناشطة القبطية والمدونة، أمام المستشفى وسط أهالي الضحايا والمصابين. بلغها النبأ بينما كانت تشاهد عظة البابا شنودة في منزلها بمدينة قنا، على الفور اتصلت بزوجها وتوجهت معه بصحبة أطفالهما إلى مدينة نجع حمادي.

بمجرد دخول هالة المصري وأسرتها إلى ساحة المستشفى، تدافع عدد من المحتدين عليها ليقولوا معا: "كتبتِ كثيرا وصورتِ كثيرا، ولكننا مازلنا نقتل! لم تغيرى لا أنت ولا غيرك شيئا فى حالنا!". ثم اندفعوا في عتاب حاد على كل النشطاء الاقباط فى الداخل والخارج وعلى كل أجهزة الدولة التى وصفوها بالظالمة. ولكن في النهاية هدأت أعصابهم وتحدثوا معها وحكوا لها طوال الليلة التي قضتها معهم قبل أن تعود وتدون تفاصيل تلك الليلة على مدونتها "أقباط بلا حدود" وترفقها بصور للمصابين في المستشفى وصور شخصية للضحايا أضافت إليها شريطا أسود في الزاوية ووكتبت عليها أسماء المفقودين مسبوقين بـ"الشهيد"، وفي النهاية كتبت صارخة: "آه! يا النار! الصبر من عندك يارب!".

تكرس هالة المصري مدونتها في الأغلب لقضايا الأقباط، تنتقل لمواقع الأحداث والمشكلات. تعبر عن رأيها وتنقل آراء الناس، تنتقد الدولة كثيرا والكنيسة أحيانا. موقفها المستقل يجعلها دائما وسط مشكلات وانتقادات وجدل، تعرضت للاعتقال والفصل من عملها. ولكن رغم ذلك فإنها أنها ليست وحدها، بل هي واحدة من العديد من نمط جديد ومتزايد من "النشطاء الأقباط" الأكثر استقلالا وفردية، رغم اشتراك بعضهم في مجموعات سياسية أو حقوقية، بالمقارنة بالنشطاء الأقباط المعروفين أكثر والذين يعملون من خلال منظمات قبطية هنا أو في الخارج تعمل وسط تخالفات كبيرة، على وفاق مع الكنيسة أو في خصام معها.
تقول هالة المصري: "عام 2006 عندما وقع حادث العديسات كنت وحدي في الصعيد تقريبا الذي ينشط ويدون. ولكن الآن هناك عشرات من النشطاء الأقباط والمدونين الذين يعلنون عن نفسهم. بالإضافة إلى المئات من غير الظاهرين الذين يساعدونهم ويتمنون أن يكونوا مثلهم. في البداية تعرضت لهجوم وعدم تفهم. ولكن الآن الكثيرون يقولون لي: نريد أن نكون مثلك. ندون ونتحدث عن مشكلات الأقباط".

ترى هالة أن أهم ما يقدمه النشطاء الأقباط هو التعبير عن نبض عامة المسيحيين، بينما ترى الكنيسة محكومة بتوازناتها مع الدولة وحساباتها مع الأمن، وترى الصحافة تنقل مشكلات الأقباط من خلال تحريات الشرطة وتصريحات رجال الكنيسة. ورغم أنها تعرضت لفترات طويلة من هجوم بعض الصحف بسبب خلافها مع مركز "الكلمة" القبطي لحقوق الإنسان بعد فترة تعاون إلا أن النقاشات في المنتديات- مثل منتدى الأقباط الأحرار- كانت في صفها وداعمة لها وتذكر جهودها وجرأتها.

على خلاف هالة، يعبر مايكل نبيل، الناشط بحزب الجبهة الديمقراطية في أسيوط عن أسفه لأن نفس التقدير لا يلقاه النشطاء الأقباط الذين لا ينشطون بهذه الصفة ويفضلون أن ينشطوا سياسيا أو حقوقيا: "قد ينحاز الناس ويتعاطفون مع ناشط يتحدث بشكل مستمر عن مشاكل الطائفة ومطالبها. ولكن حين يكون ناشطا سياسيا يدافع عن خقوق كل الأقليات، بما فيها مثلا حق ماكسيموس وأتباعه في تأسيس طائفة، ينظر إليك الوسط المسيحي بعداء أو توجس على الأقل. هذا بخلاف رأيهم بعدم جدوى النشاط السياسي بالأساس مثل باقي المصريين. واعتباره مضيعة للوقت والجهد و"بهدلة" ونحتا في الصخر".

الكنيسة تفهم أكثر

الموقف من الناشط يتأثر أيضا بعلاقته بالكنيسة. فكما يقول مايكل نبيل أن معظم المسيحيين يرون أن البابا والأساقفة ومؤسسة الكنيسة هي الأكثر قدرة على التعامل مع مشاكلهم وتمثيلهم سياسيا.

يتهم مايكل الكنيسة بأنها تتخذ موقفا سلبيا من انضمام الشباب إلى أحزاب، لأنها تحشد الأقباط خلف الحزب الوطني وتخوفهم بفزاعة الإخوان المسلمين. يقول أن بعض أصدقائه قاموا باستشارة أساقفة فنصحوهم بالعدول عن ذلك. كما أن تعبيره عن رأيه بشكل ما ظهر فيه موقفه السياسي تسبب في طرده من أحد الأديرة.

أما الموقف من النشطاء الأقباط ممن لهم شعبية وسط المسيحيين بسبب تركيزهم على القضية القبطية فمعقد بعض الشيء. يقول مايكل أن الكنيسة تلعب معهم لعبة تقسيم الأدوار:" بعض النشطاء يبدون بعض التطرف والحدة، فتكون ذريعة للكنيسة لأن تحكم سيطرتها على كل أحوال المسيحيين بدعوى أنها تحجز المتطرفين وتمنعهم من إثارة الأقباط. كما أن غضب مجموع الأقباط وارتفاع صوت بعض النشطاء حتى بما لا يعجب الكنيسة يكون مفيدا لها في التفاوض مع السلطة وفي لعبة التوازنات معها".

تروى هالة المصري أنها انتقدت أسقف كبير وفي اليوم التالي كانت في القداس فسلم عليها فظنت أنه لم يقرأ فأخبرته فقال لها: أعرف، اكتبي كما تحبين. تقول ذلك لتشير إلى أن الكنيسة تتخذ موقفا معقدا منهم: "أمام السلطة والأمن تتبرأ الكنيسة منهم، ويقولون لا نعرفهم. لكنهم راضون عن جهودنا وتعبيرنا. يرضون لو أنها كتبنا وأشدنا بجهود الكاهن فلان والأسقف علان. ولكن أن ينسب الفضل لنا وتكون لنا شعبية تجعلنا نتحرك باستقلال فهذا ما يقلقهم. هم رجال دين ونحن أبناء كنيسة ونحن نحترم ذلك ولكنهم يريدون أن يكونوا أيضا ناشطين وزعماء".

الخروج من الشرنقة

بعد عودته من مظاهرة للأقباط المصريين أمام السفارة المصرية في السويد، يستعيد مينا ذكري، الناشط والباحث الحقوقي الذي انتقل مؤخرا للعمل هناك، الشعارات التي ترددت فيقول أن المظاهرة انتقدت بجرأة الدولة المصرية والرئيس مبارك. ولكن الهتاف المنتقد للكنيسة والذي يتهمها بالتخاذل لم يظهر إلا مرة واحدة وأحجم الجميع عن تكراره.

يرى مينا ذلك دالا على السلطة القوية للكنيسة خاصة في عهد البابا شنودة، ويتذكر أن جيله تربى على مقولة غير موجودة في الكتاب المقدس ولكنها تمثل تقليدا راسخا وهو "ابن الطاعة تحل عليه البركة". ومن يخرج عن طاعة الآباء يكون مهددا بالحرمان من البركة وهو ما يعني للبعض كارثة ونهاية للعالم.

ولكنه يرى أيضا أن هناك جرأة من البعض تكاد تفلت من هذه السطوة، كان ذلك متاحا فقط خارج مصر ولكن الآن بسبب الإنترنت أصبح هناك دور أكبر للفرد ومساحة تحرر من كل سلطة مركزية.

هالة المصري أيضا متفائلة بذلك، وتقول أن خلف النشطاء والمدونين الذين يقدرون بالعشرات الآن، هناك مئات ممن يتعاونون معهم: "الناس أصبحوا يتصلون بي ويطلعوني على آخر الأخبار لأنشرها ولكنهم يقولون: لا تخبري أبونا أننا من قال لك!".

مايكل نبيل من جهته يعتقد أن تزايد عدد النشطاء الأقباط حتى لو تضمن شعارات طائفية فهو ربما يكون مفيدا، فهو نفسه كان يعتبر نفسه ناشطا قبطيا بالمعنى الضيق عندما بدأ نشاطه بعد أحداث طائفية استفزته، ولكن مع بعض الوقت والنضج والقراءة طور تفكيره ورأي أن هذه المطالب يجب أن يتم العمل عليها من خلال مطالب سياسية عامة. ولكنه من ناحية أخرى يرى أن الغضب من الانتهاكات والمظالم تزيد جاذبية النشطاء الأكثر طائفية والأكثر ارتكازا على خطاب ديني يشبه نفس خطاب المتطرفين من المسلمين وكل فريق يحشد الناس ويروج لكراهية الطرف الآخر.

ترد هالة بأن معظم المدونين والنشطاء الأقباط الذين ينشطون باسمهم الحقيقي ويضعون صورهم على مدوناتهم هم مسئولون في خطابهم ويحترمون الآخر، بينما يأتي التطرف ممن يكتبون وينشرون بأسماء مجهولة. تضرب المثال بـ"الأب يوتا" وهو اسم متعار نشر ردا على رواية "عزازيل" رأى فيها البعض ازدراء للدين الإسلامي، واتهم البعض مدونا هو المدون هاني نظير بانه من يستخدم هذا الاسم، وتم اعتقال نظير ولم يطلق سراحه حتى الآن.

تبدي هالة المصري أسفها على ذلك وتقول أن هاني كان يدون باسمه ويضع صورته وأنه كان مدونا مسئولا ولديه رغبة في المشاركة رغم أنه من نجع صغير داخل قرية صغيرة داخل مركز أبو تشت، وأنه كان جادا جدا والتحق بعد معهد الخدمة الاجتماعية بقسم الصحافة بآداب جنوب الوادي ليطوّر أسلوبه وتستبعد أن يتورط في مثل هذا.

"وحتى لو وقع بعض النشطاء الأقباط في بعض التجاوزات التي لا ترضيني فهذا لا يمنع التفاؤل" هكذا يرى مينا ذكري ويشرح رأيه: "من الأفضل للقبطي أن يتجاوز الصورة النمطية التي تريد دائما أن تنفي المشاكل. البعض يقول مادحا: لم أعرف لسنوات أن زميلي أو جاري قبطي ! أو العكس. وكأنه لا فرق بينهم، لا بل هناك فوارق واختلافات، وهواجس ومخاوف عند العامة من الناس وعلينا ألا نتجاهلها. من الجيد أن يسمع المسلمون نشطاء يتحدثون بتعبيراتهم اللاهوتية الخاصة ويعبرون عن هواجسهم وأفكارهم. وعلى الطرفين أن يحاولا تفهم الاختلافات وسوء التفاهم بدلا من تجاهله".

الأكثر أهمية في ذلك في رأي مينا هو خروج عموم الأقباط من حال التقوقع والصمت وأيضا بدء فاعليتهم الفردية بدلا من ترك كل شئونهم للكنيسة:" لنضع كل شيئ على الطاولة، لنخرج من الشرنقة، لنكسر لعبة التوازنات والصفقات، ولننظر فيما بيننا من مشاكل بوضوح. هذا ما أريده أن يحدث".


نشر في "الشروق" الأحد 24 يناير 2010
الصورة: من مظاهرات أمام الكاتدرائية المرقسية بالعباسية بعد اعتداء نجع حمادي -تصوير: محمد حسن

المزيد