‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراكز الشباب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراكز الشباب. إظهار كافة الرسائل

الخميس، ٢٢ يوليو ٢٠١٠

الكيمونو الأبيض ينافس الساحرة المستديرة في نوادي مصر

الكاراتيه من شغف الشباب إلى الخطط التربوية للأسر


قبل عقود كان الشباب يتجهون للكاراتيه انجذابا للعبة قتالية مثيرة، بعضهم اتخذها مهنة وساهموا في نشرها في النوادي والمدارس حتى أصبحت رياضة تدفع أعداد غفيرة من الأسر أبنائهم إليها في سن مبكرة. في السنوات الأخيرة تنافس رياضة الكاراتيه كرة القدم أو تتفوق عليها من حيث عدد الممارسيين بشكل منظم في النوادي ومراكز الشباب.


لا حرارة الصيف ولا الشمس المسلطة يبدو أنهما تزعجان الآباء والأمهات أو تدفعهم للبحث عن ظل بدلا من الجلوس في الممر المكشوف المجاور لصالة الكاراتيه في مركز شباب روض الفرج لمتابعة أبناءهم.
عشرات الأطفال يرتدون البدلات البيضاء وأحزمة بيضاء أيضا تدل على كونهم ما زالوا مبتدئين، يقفون أمام المدرب الذي يحاول أن يكون لطيفا وحازما وهو يعلم الصغار المباديء الأولى للعبة. ينتهي تدريبهم فيخرجون بنظام وياتي دور الأطفال الأكبر سنا الذين قطعوا شوطا أطول في اللعبة. تطلب السيدة سماح حسين من ابنتها نعمة أن تنادي على أخيها الأصغر مختار ليلحق بالتدريب، مختار كان في صالة كرة السلة أمام شاشة عملاقة تعرض مباراة كرة قدم ضمن منافسات كأس العالم.
لم تفكر السيدة سماح أبدا في دفع ابنها للعب كرة القدم. تقول أنها لا تشعر أنها لعبة مفيدة لجسم وشخصية الأطفال بقدر الكاراتيه.
عبر مدرسة عمر جوهر الابتدائية في إمبابة، حيث تسكن الأسرة، بدأت علاقة الأولاد بالكاراتيه. مدرس الألعاب كان مدربا للكاراتيه، أعطى التلاميذ ورقة تعلن عن بدء مدرسة لتعليم الكاراتيه لمن يرغب في أيام الإجازات. ألحقت السيدة سماح ولديها بمدرسة الكاراتيه وبعدما رحل المدرب وتوقفت مدرسة تعليم الكاراتيه بحثت عن مكان آخر مناسب ليستكمل أولادها مشوارهم فكان مركز شباب روض الفرج على الضفة الأخرى من النيل. مكان رخيص نسبيا، الاشتراك الشهري للطفل 35 جنيها، ومركز الشباب العتيق لحقه تطوير ملحوظ جعله أفضل في نظرها من مركز شباب إمبابة. إعجابها برياضة الكاراتيه لا ينافسه إلا إيمانها بضرورة ممارسة الأطفال للسباحة أيضا.
أكثر من 400 لاعب للكاراتيه في فريق مركز شباب روض الفرج يجعلها اللعبة الأولى من حيث عدد الممارسين في المركز. لهذا السبب كان هناك يقين فؤاد، الباحث الشاب في الجامعة الأمريكية والذي يعد أطروحة لنيل درجة الماجستير في الأنثروبولوجيا عن ممارسة رياضة الكاراتيه في مصر. يجوب يقين النوادي ومراكز الشباب في القاهرة والمحافظات محاولا الوقوف على نمط ممارسة الرياضة وعلاقته بأفكار وسلوكيات وممارسات اجتماعية وفردية لممارسيها. اختيار يقين لرياضة الكاراتيه تحديدا يعود لأكثر من سبب، منها ما انتهى إليه ولاحظه من انتشارها الكبير. في إحصاء لمركز معلومات مجلس الوزراء صدر عام 2009 عن الحالة الرياضية للشباب، اعتمادا على مسوح أجريت ما بين عامي 2000 و2007، أن رياضة الكاراتيه لها أكبر عدد من الفرق بين كل الرياضات في مصر وإن كان يقول أن عدد ممارسي كرة القدم هو الأكثر. ولكن يقين فؤاد حصل من مصادر من اتحاد الكاراتيه على معلومات أحدث تفيد أن عدد المسجلين في مسابقات هذا العام وصلوا 73 ألفا في مقابل 28 ألفا في مسابقات كرة القدم بحسب نقل يقين عن مصادر أخرى في اتحاد كرة القدم. من الصعوبة المقارنة بين لعبتين واحدة جماعية والأخرى فردية ولكن المؤشرات تشير إلى أن رياضة الكاراتيه من حيث الممارسة المنظمة تنافس كرة القدم إن لم تتفوق عليها.

يقول يقين فؤاد أن لهذه الظاهرة بعد تاريخي نوعا ما متعلق بملابسات دخول الرياضة إلى مصر في أوائل السبعينات ورواج اسمها الذي كان يطلق في فترات على كل الألعاب القتالية: “شكى لي مدرب كونغ فو أن بعض الناس يطلقون على أي رياضة قتالية اسم كاراتيه، بل إنه وجد أفلام حركة كانت الترجمة العربية فيها تحول الكونغ فو إلى كاراتيه!”.
لا يوجد تاريخ موثق لدخول اللعبة إلى مصر، ولكن أبرز من بدأوا تدريبها هو إيكوموتو الذي ظل مستشارا لاتحاد الكاراتيه ومنتخب مصر وتوفى قبل 3 سنوات. ويرى يقين أن انتشار الكاراتيه في مصر ارتبط بحركة وتنقلات واجتهاد تلاميذ المدربين الأوائل الذين احترفوا التدريب ونشروا الرياضة.
على عكس ما يحدث الآن من اهتمام الأسر، فإن الكاراتيه كان يجتذب الشباب من أبناء الفئات الشعبية الذين يشاهدوه في مكان ما أو في الأفلام. أشرف الجزار، مدرب الكاراتيه في مركز شباب روض الفرج الذي يسكن في الحي نفسه، يقول أنه قرر لعب الكاراتيه عندما شاهده في فيلم "الأبطال" لأحمد رمزي، فاتجه إلى مركز شباب روض الفرج وهو شاب في منتصف العشرينات وبعد ممارسته فترة ترك مهنته كمحاسب في أعمال أسرته واتجه إلى احتراف التدريب منذ عام 1986 إلى الآن.

تميز وتحقق
من المقابلات التي أجراها يقين فؤاد في العديد من الأندية ومراكز الشباب يرى أن توجه الشباب أنفسهم إلى ممارسة الكاراتيه في الأحياء الشعبية والريف فيه بحث عن مجال للتميز والتحقق. يقول يقين: "بالنسبة لأبناء الفئات الاجتماعية الأفقر تبدأ ممارسة الكاراتيه بشغف شخصي و رغبة في الخروج من التنميط الاجتماعي بممارسة بمختلفة فيها استعراض ومنافسة، قد تجعله بطلا وعلى الأقل تجعله مميزا. أيضا احتراف الكاراتيه يظل بالنسبة لشباب هذه الفئات شيئا جذابا سواء كلاعب محترف يحقق بطولات أو كمدرب في مقابل صعوبة الحصول على مهن أخرى مستقرة. وجدت كثيرين يحترفون الكاراتيه ولكنهم سرعان ما يتركونه أو ينوون إن وجدوا فرصة عمل مستقرة".
الميل لرياضة قتالية أعنف وأكثر شراسة يجعل الشباب يتوجهون إلى الكونغ فو أو الملاكمة، ولكن بسبب انتشار مدربي الكاراتيه في مدارس ومراكز شباب فإن رياضة الكاراتيه كسبت أرضا أكبر، ومع نمو الرياضة تزيد جاذبيتها وجمهورها وفرص احترافها والتدريب فيها مع تراكم الخبرات.
السيدة سهام ظريف، مأمورة الضرائب التي تسكن بالقرب من مركز الشباب وتنتظر ابنها مينا و ابنتها ميرا، وجهتم أولا إلى الكونغ فو ولكن لم تعجبها. تعبر عن رأيها قائلة: "رأيت أن الكاراتيه أرقى. فيه نظام واحترام أكثر. أنا أريد لأولادي أن يكونوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم وأن يثقوا بأنفسهم وأن يشغلوا وقتهم بشيء مفيد بدلا من الاتجاه للشارع أو البلاي ستيشن".
الفئات المختلفة في الطبقة الوسطى لها دوافعها المختلفة عند توجيه الأولاد إلى رياضة الكاراتيه. لدي يقين فؤاد بعض الافتراضات بعد جولاته ومقابلاته، أولاها لها علاقة بالنوادي ومراكز الشباب كمكان عام يشهد إقبالا متزايدا. ففي رأيه أن علاقة الفئات الأبسط من الطبقة الوسطى بالأماكن العامة تقل، لا يوجد مجال لخروج الأسرة بشكل ممتع للمشي أو للتسوق في الكثير من الأحياء. النوادي ومراكز الشباب هي المتنفس الأهم. الأسر تهرب بأولادها من الشارع انزعاجا من سلوكياته وتريد أن تظبط سلوك الأبناء وتوجهه في مسارات محددة. ممارسة الرياضة تأتي في هذا الإطار.
على عكس روح الجموح والبحث عن الإثارة في اتجاه أبناء الفئات الشعبية للرياضات القتالية، هناك بحث عن الانظباط والتحكم في توجيه الأسر المتوسطة لأبنائها. المهارات القتالية هنا مهارات مفيدة للدفاع عن النفس في الشارع الخطير الفوضوي، والرياضة بالطبع مفيدة صحيا ونفسيا للأطفال. خبرة المنافسة الرياضية والقتالية تجعل الطفل في الحلبة وحيدا إلا من خبرات جسده وأفكاره ومهاراته.

وعي بحدود الجسد
يضيف يقين فؤاد أن الرياضات القتالية بشكل عام تجعل من تجربة العراك، أن تضرب وتُضرب، تجربة معتادة فتتنزع منها الخوف والرهبة وتجعل الفرد واعيا بجسمه وحدوده وإمكاناته، قد يعرف أنه قد لا ينتصر هذه المرة ولكن ذلك لن يسبب له هلعا أو فقدان الثقة في النفس.
يعبر عن هذا المعنى المهندس أحمد علام قائلا: "الكاراتيه بيساعد الولد إنه ينشف". ينتظر علام ابنه وابن أخيه مؤكدا أنه يحرص على تعليمهم الكاراتيه لأنه هو نفسه مارسه لفترة طويلة. تعرف علام على الكاراتيه من مدرب جارهم وهو شاب عمره 18 عاما ولكنه وجه ابنه وابن أخيه إليه في سن مبكرة، و يضيف أن تميز رياضة الكاراتيه عن غيرها أنها تعلم الدفاع عن النفس ولكن بلا ميل لإيذاء الخصم عكس رياضات أخرى فيها روح شرسة أكثر.
يقول أشرف الجزار، مدرب فريق الكاراتيه: “ أحد أسباب جاذبية رياضة الكاراتيه عند الأسر هو أنها رياضة تعلم مهارات القتال ولكنها ليست قتالا عنيفا. يتعلم اللاعب حركات قوية ومؤثرة لكنه يتعلم أيضا ضرورة أن يوقف يده أو قدمه عند جسد خصمه بشكل معين لكي لا يؤذيه".
هناك روح تربوية منضبطة في الكاراتيه، وفي أثناء التدريبات والمباريات هناك اهتمام كبير بالتقاليد واحترام اللاعب لزميله وخصمه ومدربه والتزام آداب معينة في الحركة والكلام.
تلك الروح جعلت من الكاراتيه رياضة أسرية، تدفع الأسر أبنائها في سن مبكرة للعبها. ولكن نفس الروح هي التي تجعل كلا من الأهل والأبناء يفكرون في أن الكاراتيه، مثل أي رياضة، نشاط أدنى من التعليم. يتركه الأبناء في مرحلة الثانوية العامة أو الجامعة.
يقول أشرف الجزار أن 80 % من لاعبي الكاراتيه في المركز لهذا السبب هم من سن 4 إلى 9 سنوات. وأصبح من الصعب الآن أن يبدأ شاب اللعب في سن كبيرة لأن المنافسة أصبحت قوية وتحتاج بدء التدريب من سن صغيرة، ولكن هناك استثناءات لو كان شاب عنده استعدادات استثنائية أو في الأندية التي لديها ترف وجود مدربين كثر للفئات السنية المختلفة لتتحمل وجود مبتدئين في كل سن.
المتميزون الذين يحصدون البطولات يواجهون خيارا صعبا، ولكن يحسمه مدى تميز تعليمهم في مقابل تميزهم في الكاراتيه. يقول يقين أن كل الذين يلتحقون بكليات الطب والهندسة يتركون الكاراتيه تماما، حتى كريم شريف بطل العالم في الكاراتيه تركه عندما أصبح ضمن هيئة تدريس كلية الطب بالقصر العيني. ولكن هناك استثناءات فردية، فيذكر أن مهندسا ترك الهندسة رغبة في احتراف تدريب الكاراتيه ويضيف يقين أنه أحيانا ما يدر ذلك دخلا أعلى لو كان المدرب متميزا ومشهورا في أوساط اللعبة، يمكنه أن يدرب في أكثر من ناد وصالات خاصة بالإضافة للتدريب في المنتخب.
يظل الاستمرار في ممارسة الكاراتيه واحترافه فرصة أكثر للفئات التي تمثل الهامش وتفتقد الفرص الواسعة. يعتبر يقين كون 15 لاعبا من أصل 20 في منتخب مصر في الكاراتيه من الأقاليم و5 فقط من القاهرة هو مؤشر على جاذبية اللعبة في الأقاليم التي تفتقد الفرص بالمقارنة بالقاهرة. وفي بعض المحاقظات لاحظ يقين الوجود الكثيف لإعلانات على الحوائط والأسوار عن مدارس تعليم الكاراتيه.
لا يزال يقين فؤاد يصيغ أطروحته بشأن ممارسي لعبة الكاراتيه ولكن هناك انطباع عام وصله خلال بحثه وهو انطباع يصله أيضا من حياته اليومية أيضا: "هناك حالة عامة من الإحساس بعدم الأمان تحرك خيارات الجميع بشكل ملحوظ".
قد يبدو ذلك مثيرا للدهشة فيما يتعلق بأبناء رياضة قتالية، وقد يبدو متسقا مع كونها طريقهم إلى الثقة والأمان. ولكنهم معظمهم يعتبرون أن اللعبة نفسها تعاني من التجاهل رغم إنجازاتها. يقول أشرف الجزار أن مصر في نوفمبر الماضي احتلت المركز الثالث في بطولة العالم للكاراتيه، وفازت فتاة من مركز شباب روض الفرج بالمركز الثاني في وزنها بينما كان الجميع مشغولين بالمعركة الكروية بين مصر والجزائر. ولكنه على كل حال متفائل بالصالة الجديدة الأكبر التي لا تزال تحت التجهيز والتي خصصتها إدارة مركز الشباب للكاراتيه لكي تستوعب الأعداد المتزايدة من اللاعبين كل عام.


نشر في "الشروق" الخميس 8 يوليو 2010
PDF

تصوير: محمود خالد
المزيد

الثلاثاء، ١٣ أبريل ٢٠١٠

أحلام الدرجة الثالثة

ماذا ستفعل اللائحة الحديثة في مراكز الشباب العتيقة؟



منذ صدور اللائحة الجديدة لتنظيم مراكز الشباب نهاية العام الماضي، لا تزال بعض المراكز تنتظر بقلق توضيحات وتفسيرات بشأن ما قد يؤثر على فرصة ملايين الشباب في التمتع بمساحة رخيصة لممارسة الأنشطة.


انتهت المباراة بين فريقي "مركز شباب البدرشين" ونادي "عادل نصّار" بهدف لكل منهما. الجمهور القليل الذي أحاط بالملعب في مركز شباب مدينة البدرشين كان أكثر ابتهاجا بنهاية المبارة. أول ما خرج الفريقين من الملعب الذي تبدو به بعض آثار لنجيلة قديمة، حتى احتله الشباب والكهول وقسموه أجزاء إلى ملاعب صغيرة وجرت في الملعب كرات كثيرة.
يحتل ملعب كرة القدم معظم مساحة مركز شباب البدرشين، والمساحة الترابية حوله احلتها منذ ساعات من سبقوا إلى المركز بعد صلاة الجمعة مباشرة.
يضحك خالد البغدادي، مدير المركز:"قريبا سيدخلون إلى مكتبي ويحولونه لملعب كرة". لا ينتهي من جملته حتى يدخل كهل بدون استئذان وبعشم كبير يمازح البغدادي: "مش عيب ما نلاقيش كرة نلعب بها؟!" ويطلب كرة حالا ليبدأوا المباراة. يبادله البغدادي المزاح بود ثم يقول له أن كرة ستكون عنده حالا. بعدما يخرج يقول: "المدينة كلها عائلات وكلنا نعرف بعضنا. والأستاذ من قدامى المترددين على النادي مع مجموعة خاصة يلعبون معا دائما، حتى أن لهم مكانا محددا للعبهم يوم الجمعة يعرفه الجميع".

يمتليء المركز بالنشاط كل جمعة، باعة ترمس وعصائر يدخلون إلى المركز ليببعوا للشباب والأطفال الذين ينتظرون مكانا ليبدأوا اللعب.
يعلق محمد المتناوي، العضو الشاب في مجلس إدارة المركز: "المركز مفتوح للجميع، لا أحد على البوابة المفتوحة يسأل عن العضوية ولا توجد تذاكر. مستوى المعيشة هنا لا يسمح بذلك. اشتراك العضوية كان 3 جنيهات في السنة ورغم ذلك لا يمكن أن نسأل الأطفال والشباب عن العضوية ونحرمهم من اللعب. المشكلة التي تواجهنا الآن أن اللائحة الجديدة لتنظيم مراكز الشباب ستجبرنا على جعل اشتراك العضوية 100 جنيه للعضو العامل فوق 18 سنة و50 جنيه للعضو التابع. لا أحد سيدفع طبعا. وسنفقد المورد القليل الذي يوفره دفع المئات من الأعضاء للاشتراكات قبل انتخابات مجلس إدارة المركز لكي يتمكنوا من الترشح والانتخاب".
اللائحة التي صدرت في نوفمبر الماضي، لا تزال تثير الجدل والقلق، ومجالس إدارات العديد من المراكز، خاصة تلك العتيقة في المدن الصغيرة والقرى لا يزالون يتساءلون عن توضيحات وتفسيرات عن العديد من بنودها التي يرونها معوقة لتطوير المراكز وإمكاناتها المتواضعة، التي لا تزال رغم كل شيء تقدم خدمات يحتاجها العديد من الشباب.
فبخلاف الملعب والممرات التي تستخدم كلها في لعب كرة القدم. يضم مركز شباب البدرشين مبنى للإدارة هو الأحسن إنشاءا وتأثيثا. ومبنى متهالكا يضم صالة خلع ملابس مشتركة لكل الفرق، وصالة للندوات أو المعارض وأحيانا لتدريب فريق الكاراتيه والكونغ فو، بالإضافة لحمامات تم تجديدها مؤخرا لكنها غير مفتوحة لاستعمال الجميع من أجل الحفاظ عليها. ومبنى قديم لصالة جيمينزيوم ورفع أثقال ينتظر التجديد. ثم مبنى يضم قاعة يطلع فيها الأعضاء على محتويات مكتبة المركز وتقام فيها دورات الكمبيوتر. في القاعة الأخيرة مجموعة من أجهزة الكمبيوتر العتيقة التي لا يمكنها تشغيل البرامج الحديثة التي تدرّس في الدورات. يقول محمد المتناوي: "لدينا جهاز واحد صالح للاستخدام يشرح عليه المحاضر ثم يتناوب عليه الدارسون. هنا تواجهنا مشكلة أخرى خاصة باللائحة الجديدة. إمكانيات المركز محدودة والقيود على التبرعات تشترط موافقة الجهة المركزية في مديرية الشباب بالمحافظة وفي وزارة الشباب. وهذه الموافقة تأخذ وقتا داخل المكاتب الحكومية كالعادة. نعرف أن هدفها هو التأكد الأمني من مصدر التبرعات لكي لا تستخدم كرشوة انتخابية أو فساد، ولكنها تكرس المركزية بدلا من أن تحدد ضوابط لمجلس الإدارة وتحاسبه. ما يحدث أن المبترعين يملون ويذهبون بهباتهم إلى المساجد أو الجمعيات ويريحون أنفسهم".

يفتح خالد البغدادي الموازنة التي كان قد أعدها لموسم 2009/ 2010. والتي تبلغ قيمتها 130 ألف جنيه. إعانة وزارة الشباب السنوية لا تزيد عن 12 ألف جنيه، وإيرادات المركز من الأنشطة والخدمات لا تزيد عن 60 ألف جنيه. وباقي الموازنة تحتاج لإعانة اتحاد الكرة التي تتراوح من 60 ألف جنيه إلى 80 ألف جنيه. والتي تحتاج إلى بقاء الفريق الأول لكرة القدم في المركز في دوري الدرجة الثالثة.

يعلق البغدادي: "لذلك ننفق كثيرا على فريق الكرة. لأنه في الحقيقة أهم موارد المركز، فبالإضافة لإعانة اتحاد الكرة هناك دخل من بيع اللاعبين، قد يوفر بيع لاعب واحد للنادي 100 ألف جنيه . وهو ما يعني تغطية ميزانية المركز وإتاحة الفرصة للتجديدات والتحديث".

بخلاف الفريق الأول للمركز، هناك فريقي تحت 17 سنة و15 سنة، وهناك مدرسة الكرة التي يشترك فيها الأطفال مقابل 20 جنيه يتغاضى المدرب عصام حب الدين عنهم إذا كان الطفل من أسرة غير قادرة.

لا يكتفي الفريق الأول بالمواهب من مدرسة الكرة والفريقين السابقين، ولكن يضم أحيانا لاعبين من قرى ومدن مجاورة. يقول خالد البغدادي : "لا يمكن أن نخاطر بمستوى الفريق الأول لأنه مورد مهم. وهنا تواجهنا مشكلة أخرى في اللائحة التي تشترط أن يكون اللاعب عضوا في مركز الشباب وهو ما يعني أن يكون من سكان مدينة البدرشين لا مدينة أخرى ولا حتى القرى التابعة لمركز البدرشين".
ملعب كرة القدم الكبير في مركز شباب مدينة البدرشين هو الوحيد من نوعه في كل مراكز شباب القرى التابعة لها، بعض هذه المراكز هي "مراكز نوعية" أي أنها مجرد مقرات بساحات صغيرة بلا ملاعب. ولذلك يأتي بعض أبناء هذه القرى لممارسة بعض الرياضات والأنشطة.
محمد أحمد، أخصائي المساحة، الذي يجلس مع رفاقه ينتظر انتهاء إحدى المباريات يعبر عن ضيقه من أن يكون ملعب مدينة البدرشين بهذا المستوى، لا إضاءة ليلية، ولا مدرجات، نجيلته متهالكة. يرد خالد البغدادي: " يتحمل الملعب تدريبات الفرق الثلاث ومدرسة الكرة ولعب الأهالي ولا نجد وقتا كافيا للعناية به أو صيانته. أبراج الإضاءة العالية أنشئت هنا في وقت مقارب لإضافتها في ملعب نادي الزمالك، ولكنها تحتاج لميزانية كبيرة لتجديدها وصيانتها".
العديد من الأشياء توقفت بسبب نقص الإمكانات منها فريق رفع الأثقال وفريق السلة، ولكن مجلس الإدارة الجديد يطمح لإعادة هذه الألعاب مرة أخرى وبجانب طلب الدعم من الوزارة وإعاناتها وبيع اللاعبين، يسعى أعضاء المجلس لتطوير موارد المركز.
المساحة المبلطة أمام مبنى الإدارة هي إحدى هذه الموارد. فهي التي تؤجر ليقام فيها الأفراح مساء الخميس والجمعة مقابل 250 أو 300 جنيه. كما أنها تؤجر لعقد جلسات الصلح و "الحق" أو التحكيم العرفي، والإيجار هنا يكون بحسب أهمية وجسامة موضوع التحكيم، وكما يقول البغدادي قد يصل الإيجار لبضعة آلاف.
يفكر مجلس إدارة المركز في تأجير هذه المساحة لكافيتريا تخدم زوار المركز وتقدم لهم مشروبات وبذلك يجتذب المركز الأسر في أيام العطلات، ولكن يشكو المتناوي من أن اللائحة الجديدة قيدت حق مجلس الإدارة في التعاقد مع شركة خارجية لإدارة الكافيتريا وأصبح من الضروري أن توافق الإدارة المركزية لمراكز الشباب على كل تعاقد وهو ما يعطل خطط تطوير موارد المركز.
الألعاب الأخرى قلما تدر مواردا، ولكن بعضها نشط مثل الفرق الكشفية بمراحلها المختلفة، وبعض الأنشطة الأخرى تتحايل على الإمكانات مثل فريق المسرح الذي يستخدم مسرح قصر ثقافة البدرشين إلى حين توفر مسرح خاص بالمركز. معظم الأنشطة يتحمل ممارسوها تكاليف الملابس ورسوم المسابقات والاختبارات، ويدفعون اشتراكا شهريا قد يقتسمه المدرب والمركز مثلما هو الحال في رياضة الكاراتيه والكونغ فو. فالأجور وفق الميزانية المتاحة هزيلة جدا، ولكن الأمور يجب أن تستمر.


"من بره أبو تريكة ومن جوه الكابتن حسن محمد"

يجلس على حدود الملعب يتابع تدريب الفريق الأول لمركز شباب البدرشين. يحضر الكرات التي تبتعد عن الملعب، يلم مع رفاقه الأقماع والحواجز المستخدمة في التدريب.
كريم سيد، البالغ من العمر خمسة عشر عاما، واحد من أشبال مدرسة الكرة في مركز شباب البدرشين، يرتدي فانلة حمراء مكتوب على ظهرها " هنري". لا يعرف كريم من هو هنري ولكنه يرتدي الفانلة الحمراء لأنه أهلاوي ولأنه يريد أن يصبح لاعبا محترفا مشهورا في الأهلي. إذا سألته عن مثله الأعلى يسألك:”بره ولا جوه؟" ثم يجيب:”من بره زي الكابتن أبو تريكة، من جوه زي الكابتن حسن محمد".
حسن محمد هو مدافع فريق مركز شباب البدرشين، وكريم يحبه ويتابعه لأن مدربي مدرسة الكرة قالوا له أنه موهوب مثله في موقع الدفاع.
يقول كريم أن والده العامل بمصنع الحديد والصلب بحلوان وافق بعد عناء على التحاقه بمدرسة الكرة في المركز. قبلها خاض كريم اختبارات نادي سكر الحوامدية في مدينة الحوامدية القريبة وتم قبوله ولكن والده رفض لبعد المسافة وتأثير ذلك على دراسته.
يشير كريم بيده إلى ناحية نخيل عال:”ساكن هناك في منطقة العزبة القريبة من المركز". ولذلك كان المركز هو المكان المناسب ليبدأ كريم:” آتي يوميا تقريبا. إما للتدريب أو لمشاهدة تدريبات الفريق الأول أو للعب" ويضيف :” آتي بعد المدرسة مباشرة، وحتى لو لم أذهب إلى المدرسة يجب أن آتي للنادي". يتحدث كريم وعينه لا تفارق الكرة التي تجري بين أقدام اللاعبين في التدريب، وأول ما تقفز الكرة خارج سور الملعب يهب جريا ليعيدها ثم يعود إلى حافة الملعب يقف ويشاهد في صمت.

الإعجاب في عيني كريم لا يتأثر ببعض التراخي في أداء لاعبي الفريق الأول أثناء التدريب. مكانهم هو حلم كريم المؤقت ولكن كلهم يفكرون أن المشوار لا زال طويلا وربما غير مضمون. في الملعب يقف المدير الفني للفريق غير راض عن أداء معظمهم ويصيح: “انتم مش ناقصين خصومات". يقولها بلهجة هي بين الوعيد والمزاح.
يبلغ متوسط دخل اللاعب في الفريق شاملا المكافآت 700 جنيه. بعض اللاعبين موظفين وبعضهم طلبةو المتفرغون منهم يلعبون لصالح شركة في دوري الشركات لتحسين دخلهم. الأمل يتجدد في نهاية كل موسم عندما تنشط إدارات أندية دوري الدرجة الثانية أو الدوري الممتاز في ضم بعض المتميزين والواعدين ليرتقوا درجة أو درجتين.

إدارة جديدة

"وفق اللائحة الجديدة العديد من المجالس المنتخبة لمراكز الشباب تعد باطلة، ومديري المراكز لم يعودوا تنطبق عليهم الشروط" يشرح محمد المتناوي ذلك قائلا أن اللائحة الجديدة تمنع الجمع بين رئاسة مجلسي إدارة وهوما ينطبق على رئيس مجلس إدارة مركز شباب البدرشين مجدي المتناوي. كما أن اللائحة الجديدة تشترط أن يكون مدير المركز حاصل على مؤهل عال بينما خالد البغدادي حاصل على مؤهل متوسط.
في اللائحة السابقة كانت الشروط التي يجب أن تنطبق على مدير المركز هي إما أن يكون حاصل على مؤهل عال وخبرة 5 سنوات في العمل الشبابي أو مؤهل متوسط وخبرة 10 سنوات في العمل الشبابي، أما اللائحة الجديدة فطلبت فقط الحصول على مؤهل عال ولم تشترط أي خبرة. يعلق خالد البغدادي مدير المركز: "أما رئيس مجلس الإدارة وفق نفس اللائحة فلا يشترط إلا أن يكون مجيدا للقراءة والكتابة!”.
يقول المتناوي: “هناك إيجابيات في اللائحة هي أنها جعلت للشباب تحت 30 سنة نصف عدد أعضاء المجلس المكون من رئيس ونائب و5 أعضاء منتخبين و3 أعضاء معينين، ويجب توفر امرأتين على الأقل في عضوية المجلس".
فيما يخص عضوية المرأة في مجالس الإدارة، يقول البغدادي أن الأمر ينتهي في المناطق الريفية إلى عضوية صورية لهن، فالفتيات بالأساس لا يترددن على مراكز الشباب الصغيرة التي لا توجد بها فرق للفتيات، اللهم إلا في المسابقات الثقافية والدينية وحضور بعض الدورات.


نشر في "الشروق" 7 إبريل 2010
PDF
المزيد