‏إظهار الرسائل ذات التسميات العمل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العمل. إظهار كافة الرسائل

السبت، ٧ أغسطس ٢٠١٠

زيارات طويلة أم خطط استقرار؟

خيارات الوافدين من الوادي إلى سيناء


لقمة العيش، المغامرة والمتعة، حب الطبيعة، الشعور بالمسئولية الاجتماعية تجاه المكان .. دوافع مختلفة عند أبناء الوادي الذين يقررون الانتقال والبقاء لفترات طويلة في مدن سيناء.

على خلاف كل هؤلاء الذين يملأون مدينة دهب في هذا الموسم، عندما يرغب طارق وهبة في إجازة يترك دهب ويتجه إلى القاهرة للاسترخاء.
عشرون عاما مرت على أول مرة جاء إلى دهب.تبدلت الأحوال من شاب مغامر في أوائل التسعينات يدير مشروعا بدلا من صديقه الذي سافر للإقامة مع زوجته الأجنبية في بلدها فترة ليحصل على الجنسية، إلى مالك لفندقين الآن. دهب الآن مكان سكنه واستقراره هو زوجته وابنه وابنته.
يحكي طارق وهبة أنه سافر فترة إلى أوروبا ليجرب حظه ثم عاد وعمل في فندق بالغردقة في منتصف الثمانينات، في الوقت الذي كانت في السياحة تشهد ازدهارا ونموا مطردا بحسب ملاحظته. كان مرتبه يتضاعف وشجعه ذلك على افتتاح بازار خاص به بجانب عمله في الفنادق. ولكن كل شيء تغير في أوائل التسعينات مع حرب الخليج التي أثرت على حركة السياحة. سافر فترة قصيرة إلى قطر قبل أن يعود ليستأجر كافيتريا صديقه الذي سيسافر مع زوجته.
يتذكر طارق وهبة:“كانت دهب وقتها تتكلم بالعبري حركة السياحة بالأساس من إسرائيليين. من يعلمون هنا والبدو يجيدون العبرية، قوائم الطعام وبعض اللافتات كانت بالعبرية. حتى السياح من أوروبا وأمريكا كانوا يأتون على طائرات العال ثم يركبون الأوتوبيسات من إيلات. كانت السياحة تعتمد على البساطة ورغبة السائح في أن يعيش حياة البدو وأن يأكل الأكلات الشعبية ويركب الجمل".
وبالتبعية كانت الخدمات السياحية التي تقدم هناك بسيطة وبدائية وتتناسب مع نقص الخدمات التي عانى منها الوافدون والمستثمرون الأوائل. ولكن في مواجهة ذلك كان طارق وهبة ينظر للتدفق الكبير إلى دهب مقارنة بمستوى وحجم الخدمات فيها وفكر في إنشاء فندق حديث نسبيا بدلا من مخيمات العشش التي تملأ المدينة. حاول أن يقنع صديقه ولكنه فشل فانطلق وحده في مشروعه: “كان فندقي الذي أنشأته عام 1993 من أوائل المباني الأسمنتية على الشاطيء. كان الناس يفكرون في دهب باعتبارها قرية بدويةا. ولكني كنت أعتقد أن السياحة ستغير دهب كثيرا وسريعا".
وذلك ما حدث فعلا من أكثر من جانب، زادت أعداد السائحين وتنوعت فئاتهم وأصبحوا في حاجة إلى خدمات فندقية منظمة وجيدة. ومن جانب آخر قل تدفق الإسرائيليين مع توتر العلاقات بين مصر وإسرائيل وتاثير التفجيرات في سيناء، وأصبح من يقصدون دهب يتوزعون إلى فئتين: فئة السياح الأقل دخلا وفئة محبي الغطس الذين ياتون بشكل خاص بسبب أماكن الغطس الفريدة هناك. الفئة الثانية هي سبب المكانة المميزة للمدينة وأفرادها هم من ينعشون حركة السياحة هناك.
ببناءه الفندق هناك، كان خيار الاستقرار في دهب قد وضع أساساته، ولكن خيارات الآخرين غير المحسومة تؤثر على استمرار ذلك الاختيار. يشكو طارق دهب من أنه رغم تدفق الشباب من مختلف محافظات مصر للعمل في دهب إلا أن ياتون في مغامرة قصيرة. معظمهم يحلم بالزواج من أجنبية والسفر إلى الخارج. قليلون يهتمون بتطوير خبراتهم أو الرهان على البقاء هنا. معظمهم يضحون بعملهم مقابل عمل بأجر أقل كثيرا ولكن يتيح له الاستقرار في مدينته الأصلية، خاصة إن كان متزوجا أو سيتزوج. في المقابل يشكو الشباب من الأجور القليلة التي لا تتيح أي استقرار ولا توازي مشقة السفر الطويل. ولكن طارق وهبة يرى أنهم يبدأون باجور قليلة مقابل ما ينالونه من خبرة وتدريب في مجال العمل الفندقي.
التغير السريع لعمال فندقيه يقلقه بعض الشيء ولكنه يشكو أيضا من مشكلة نقص المياه النقية والرحلة الطويلة التي يقطعها السياح برا بينما يفكر هو أن وجود مطار سرفع مكانة المدينة وسيرفع حجم الاستثمارات فيها. بالإضافة لذلك يحتاج للعودة إلى القاهرة عندما يحتاج أي فرد من الأسرة إلى خدمة طبية متميزة. كما اضطرت زوجته والأولاد للعودة إلى الإقامة في القاهرة في مرحلة الثانوية العامة والجامعة بسبب ضعف مستوى التعليم في سيناء وقلة الجامعات القريبة وتخصصاتها.
ولكن الاسرة عادة لتتجمع في دهب، ورغم بعض المصاعب يقول طارق وهبة أن الحياة في دهب أهدأ كثيرا وأجمل. وبدو جنوب سيناء في رأيه متعاونون ومشاكلهم مع الدولة لا تتصاعد عادة مثلما يحدث في الشمال والوسط. ورغم كثافة المشروعات السياحية التي بدأت تزيد على حاجة المدينة وتقسم دخلها على عدد أكبر إلا أن ذلك يظل أفضل بالنسبة له من الاحتكاك العنيف في القاهرة بسبب زحامها على كل المستويات. يضيف طارق وهبة سببا إضافيا هاما:”كما أن العمل في السياحة هو عمل جميل. مهمتك أن تساعد الناس على قضاء وقت ممتع ولو نجحت في ذلك تستمتع أنت أيضا طوال الوقت".

مخاطر المتعة
ولكن بعض أصحاب الأعمال هنا يبدون تخوفهم من تلك المتعة التي قد تؤثر على ما يرونه من ضرورة "الجدية" في مجال السياحة. “شباب كثيرون لا يستمرون في العمل عندي عندما ألاحظ أنهم غير جادين ويحاولون معاكسة السائحات بشكل فج" يبدي عمرو مختار حزما كبيرا وهو يقول ذلك. يدير عمرو واحد من أهم الجاليريهات في دهب، ويتقاسم ملكيته مع قريبه الذي سبقه إلى دهب ويملك جاليري آخر مجاورا.
يكمل عمرو مختار: “لقد أتيت هنا بعدما تجاوزت الثلاثين وشعرت أن مرحلة التنقل من عمل إلى آخر في القاهرة لم تعد تناسبني. عملت في مطاعم وجبات سريعة ووصلت إلى مرتبة مدرب ومدير مدربين ولكن النظام الأجنبي مرهق ودائما فوقك مديرين وتواجه تقييما مستمرا لأدائك يشعرك بالتوتر والضغط. انتقلت للعمل مع قريبي هنا وشاركته في هذا الجاليري. لدي خبرة كبيرة ومهارة في التسويق، وهنا الحياة هادئة ومريحة الأعصاب والمكسب جيد رغم أيام الكساد وبعض المنغصات".
يقوم عمرو لاستقبال سائحين دخلوا إلى الجاليري، يتركهم يتفرجون بحرية على الاكسسوارات والحلي والصور الفوتوغرافية ويقف هو على مسافة ينتظر استفسار منهم. فتاة اسكندنافية بصحبة شاب مصري تختار واحدة سلسلة فضية وتطلب من الشاب دفع الثمن فيفعل ويخرجان سريعا. يعلق:”أتت بالأمس وتفرجت كثيرا وسألت. أخذت قرارها وعادت لتشتري. أحاول أن أحافظ على سمعة الجاليري بعيدا عن الممارسات السيئة المنتشرة هنا. أنا لا أحب الخرتنة: اي أن أقف على باب المحل اصطاد السياح. ولا الجهرشة: طريقة الشباب في ملاطفة السائحات من أجل البيع لهن أو إقامة علاقة معهن".
يقول عمرو مختار أن الحياة في مكان مثل دهب مغرية جدا، وهو ليس ملاكا ولكنه يحاول أن يكون ملتزما بدون تشدد. يقسم يومه بين سماع أغاني محمد منير وأحمد منيب وبين الاستماع إلى تلاوة القرأن. يؤكد أن سائحون كثر تعجبهم التلاوة ويسألون عن اسطوانات لما يعتقدونه نوعا من الغناء.
يضع يده على صدره :”أنا الحمد لله متزوج ولدي أولاد. شباب كثيرون هنا يأتون يحلمون بحياة مليئة بالمتع من خمور ومخدرات ومغامرات جنسية، ومستعدون للزواج من أجنبية ولو كانت فوق السبعين من أجل السفر أو المال. كلنا كنا شباب نحب المغامرة أو مررنا بأيام شقاوة. ولكن بسبب قلة الجدية ساءت سمعتنا كثيرا وسياح كثر بدأو ينفرون ويتوجسون وقد يرحلون بخبرات سيئة وذلك يضر سمعة المدينة ويؤثر على عملنا".
أحيانا ما تعامل الشرطة الشباب الذي يأتي للعمل هنا ببعض الشدة، يقول عمرو مختار أن هناك كارنيهات من مجلس المدنية تصدر للشباب العامل هنا في محاولة لتنظيم تدفق الشباب للعمل هنا، ويقول أن أمن الدولة تؤخر أحيانا إصدار الكارنيه 6 شهور بينما يجب تجديده سنويا، وذلك يجعل معظم الشباب العاملين هنا مهددين بالطرد بسبب أي خطأ. يقول أن له وضعا أفضل نسبيا بسبب سمعته الجيدة هنا ولكنه أحيانا يتعرض لمعاملة سيئة من ضابط جديد أو مسئول متعنت. يستنكر عمرو كون بعض المسئولين والضباط لا يعرفون شيئا عن السياحة ومعظمهم لا يعرف كلمة إنجليزية ويستعينون به أحيانا في قسم الشرطة لكي يترجم.
ولكن تلك المتاعب ليست السبب في كونه يرفض انتقال أسرته للسكن معه في دهب حيث استأجر بيتا خاصا. السبب الأساسي هو خوفه على أخلاقهم من الحياة المنفلتة في رأيه:”لا أريدهم أن يتعودوا على العري ومنظر الخمور والعلاقات المفتوحة المنتشرة. صحيح أن حياتي بعيدا عنهم تزعجني لكني حريص على أخلاقهم".

تنمية واتجاه ديني
تخوفات عمرو مختار قد تبدو مبالغا فيها، بالنسبة للسيدة سلوى نصار. تجلس هي وصديقتها السيدة نادية، زوجة طارق وهبة، في مدخل الفندق المطل على الشاطيء تشربان القهوة، كلتاهما ترتديان الحجاب، تستمتعان ببعض هبات النسيم رغم الحرارة الشديدة ذلك اليوم. بينما يجلس شاب وفتاة على البار على بعد أمتار يشربان البيرة ويتضاحكان. يفكران في تأسيس جمعية لخدمة المرأة في دهب، سواء المرأة البدوية أو المرأة القادمة من الوادي لتستقر هنا أو في رفقة زوجها وكذلك المرأة الأجنبية التي تقيم في دهب لفترة طويلة للعمل.
تقول سلوى نصار أنها من خلال عملها كناشطة في مجال شئون المرأة في مديرية الصحة والسكان في دهب، بدأت بالفعل في عقد اجتماعات وندوات لنساء من مختلف الخلفيات للتشاور حول أنشطة يمكنهن القيام بها، ومن خلال هذه الاجتماعات التي حضرها نساء بدو ونساء قاهريات وأجنبيات كان الجميع حريصا على الوصول لتفاهم واحترام متبادل فيما يخص العادات والسلوكيات التي يرى البعض أنها متناقضة.
أتت سلوى نصار إلى دهب برفقة زوجها الطبيب الذي كان يقضي فترة تكليفه في دهب في نهاية الثمانينات. أعجبتهم المدينة والطبيعة فقرروا الاستقرار هناك. تضحك قائلة:”في البداية خفت من الوحدة فكنت أذهب مع زوجي إلى عمله أساعده. وكثيرا ماركبت معه سيارة الإسعاف لنقل مرضى إلى مدن أخرى". من خلال مساعدتها له واحتكاكها شهدت ارتباك المرأة البدوية أمام بعض المظاهر الحضرية وشهدت ارتباكهن بين الثقة في الطب وبين بعض معتقداتهن الخرافية بشان الصحة والمرض. احتاجت فترة لتوطد علاقتها بهن بسبب بعض الأفكار عن الهوة بين "البدوي" و"المصري". ولكن يبدو أنه بسبب اتجاهها وزوجها إلى العمل الاجتماعي نجحوا في تجاوز هذه الهوة سريعا. فزوجها الطبيب محمد حسين هو مدير جمعية تنمية المجتمع المحلي في دهب.
عملت السيدة سلوى كمدرسة لغة عربية في حضانة للأطفال ثم في مدارس التعليم الأساسي، ومن خلال عملها لاحظت معدل التسرب العالي من التعليم، وعدم إقبال البدو على تعليم اولادهم أو تركهم يستكملونها. بعض المدارس تسمح لأولاد البدو بالخروج مبكرا لكي يساعدوا الأهل في العمل. بعض البنات تهرين من المدرسة لتبيع الاكسسوارات على الشاطيء. ولكن الكل في النهاية ينجح وينتقل للمرحلة التالية.
ولذلك شعرت بضرورة وجود جهود موازية تحاول محو أمية بعض الطلاب والطالبات الذين وصلوا إلى المرحلة الإعدادية والثانوية بينما هم فعليا لا يعرفون القراءة والكتابة بشكل جيد.
جهودها العفوية الخاصة أو من خلال جمعية تنمية المجتمع بدأت تتخذ شكلا رسميا من شهر مارس الماضي بعد اختيار وزارة الصحة والسكان لها كناشطة شئون المرأة في مدينة دهب. وبالإضافة إلى ذلك مشروع الجمعية التي ستسمح بتضافر جهود أهلية مع عملها الرسمي. تقول سلوى: “نساء كثيرات الآن يشعرون بالانتماء للمدينة ويردن ممارسة أنشطة تتعلق بنظافة المدينة والبيئة وتنمية المجتمع ومساعدة المرأة البدوية على الاستفادة من السياحة بشكل أفضل من خلال تطوير مهاراتها في الحرف اليدوية وتسويقها".
مزجت السيدة سلوى بين اهتمامها بثلاث مجالات، محو أمية بنات وسيدات البدو، تعليم الأجنبيات اللغة العربية، تعليم التجود لنساء قاهريات وبدويات. تقول أنها مزجت بين الأساليب الثلاثة: فتجويد القرآن يقوي اللغة العربية، والأسلوب العملي في تعليم الأجانب العربية فعال في مجال محو الأمية.
على مستوى شخصي ترى السيدة سلوى أن الحياة في دهب ساعدتها بشكل روحي على اعتياد الحياة الهادئة التي تشغلها بالذكر والتأمل.
أنماط حياة متنوعة تحتملها المدينة الصغيرة التي يتجاور فيها أفراد أتوا من خلفيات مختلفة. الحياة في مدينة كهذه يتطلب قدرا من التفهم وتقبل نمط حياة الآخر وقدر من التداخل معه. ما يقلق طارق وهبة هو تحفظ شباب كثر من العمل في السياحة بسبب تقديم الخمور، يقول أن بعض الشباب الذين استمروا للعما معه لفترة طويلة تدينوا ويرفضون الأن أي تعامل مع الخمور، بعض العاملين الجديد يحزم أمتعته ويرحل بعد أيام خوفا من إثم التعامل مع الخمر. يقول طارق وهبة أن قلق على مستقبل السياحة في مصر بسب المد الديني ولا يريد أن يربط أبنائه بمجال السياحة لذلك، هم يساعدونه الان حتى يجدون فرصهم التي ستكون غالبا في القاهرة أو خارج مصر. ولكن بالنسبة له فهو استقر هنا مع مشروعات عمره بعد أن قام بمغامرته والنتيجة حتى الآن لا بأس أبدا بالنسبة له رغم المخاطر والهواجس.


نشر في "الشروق" الخميس 5 أغسطس 2010
PDF
الصورة لـ محمد الميموني
المزيد

الجمعة، ٢٦ فبراير ٢٠١٠

"هانكلمك كمان أسبوعين !"


لخمس سنوات تأخرت النهاية السعيدة لمسلسل مقابلات الاختبار من أجل الحصول على وظيفة، ولذلك قرر مايكل محسن أن يدوّن حلقات تجربته مع "الإنترفيوهات" التي استمع في نهايتها دائما للجملة الخالدة: هانكلمك كمان أسبوعين!

أول ما دخل مايكل مكان انتظار المتقدمين إلى وظيفة في وزارة الاستثمار، قدر سريعا عدد المتنافسين. ثم أخبر من حوله أن المسئولين بالتأكيد سيقومون بعمل مقابلات جماعية حتى يمكن أن ينتهوا من مقابل هذا العدد الضخم.
أبدى بعضهم تعجبه وتشككه وضيقه من لهجته الواثقة. ولكن بعد قليل خرج أحد المسئولين عن تنظيم المقابلات وأخبر الشباب أنهم سيدخلون إلى قاعة الاختبار مجموعات لإجراء المقابلة. ساعتها عرف زملاء مايكل محسن أنهم أمام خبير في شئون "الإنترفيو". يحكي مايكل في الحلقة الأربعين من مغامراته في الإنترفيوهات على مدونته أن بعضهم اقترب منه وأخذ يسأله عن الأسئلة المتوقعة وإجاباتها النموذجية!
أطلق مايكل على نفسه في حلقات إنترفيوهاته لقب "العميد" نظرا لخبرته المديدة في مقابلات الاختبار التي يبدو أنها تجاوزت المائة، كتب مايكل في مدونته ما يقترب من نصفها قبل أن يجمعها في كتاب صدر حديثا بعنوان "وظيفة ما تمت".
منذ تخرجه عام 2005 من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، لم ينجح مايكل في الحصول على وظيفة. من الطبيعي أن يلومه البعض وأن يتخيل البعض الآخر أنه كسول أو مقصر، ولكن أصدقائه المقربين الذين سمعوا منه حكاياته في المقابلات وضحكوا من تفاصيلها الطريفة لم يجدوا نصيحة له إلا أنه من الضروري أن يكتب هذه المغامرات.

وجها لوجه
يقول مايكل: "على الإنترنت هناك المئات من المواقع بالعربية والإنجليزية تحدثك عن طريقة كتابة سيرة ذاتية وكيف تجري مقابلة اختبار ناجحة. ما هي الأسئلة المتوقعة والمعتادة والردود النموذجية عليها. ولكن يبدو أن المشاكل في مكان آخر".
يحكي مايكل أنه أعد العدة جيدا. أرسل سيرته الذاتية إلى كل الشركات والجهات التي يعرفها. أرسلها أيضا إلى عدد من مواقع التوظيف على الإنترنت. ونتيجة اجتهاده في ذلك حظى بكل هذا العدد من الإنترفيوهات. يقول أنه شعر أن بعض الإنترفيوهات كانت شكلية، لإتمام اجراءات مسابقة توظيف. والبعض الآخر كان يديرها أشخاص يكررون الأسئلة التقليدية ويتلقون بالتالي الإجابات التقليدية بدون اهتمام حقيقي. كثير من الجهات كانت تطلبه بعد الإطلاع على سيرته الذانية ليجد في النهاية أن المتاح هي وظيفة مندوب مبيعات بأجر زهيد وشروط عمل سيئة وهو ما لم يقبله مايكل.
في بعض الأحيان الأخرى، بدأ يكون ملاحظات عن بعض الشركات التي تطلب موظفين بمعدلات كبيرة مقارنة بعدد العمالة فيها. ومع بعض الوقت اكتشف أن هذه الشركات تعتمد على تشغيل شباب جدد لفترة قصيرة بمرتبات زهيدة ثم الاستغناء عنهم لتلافي الالتزامات والتعاقدات وزيادة المرتبات.
مع مرور الوقت - والمقابلات - يحكي أنه أصبح ضليعا في التعامل مع معظم التفاصيل، يعرف مسبقا معظم الأسئلة ويجيب بطلاقة وبلا عناء. ولكن مع الوقت أيضا أصبح من يجرون معه المقابلات يسألونه عن سبب عدم حصوله على وظيفة كل هذا الوقت، ولماذا لم يعمل إلا فترات قليلة استثنائية كفترات تدريب. بعضهم كان خشنا وفظا وبدأ في إعطائه دروس عن الجدية والتركيز.
تخصصه الأساسي هو العلوم السياسية والفرعي هو إدارة الموارد البشرية، وبسبب ذلك تعرض أكثر مرة لمواجهة انطباع عنه أنه يبحث عن "أي شغل". ولكنه لا يبحث عن شغل محدد ولم يختر مجالا محددا استجمع مهاراته ومتطلباته وركز جهوده عليه. لا ينكر مايكل جانبا من ذلك، ولكنه في النهاية يعتقد أنه اجتهد من خلال كورسات ودورات تدريبية ليمتلك المهارات الأساسية للمهام الإدارية التي تقدم لنيلها.

"كلمني عن نفسك !"
بخلاف الأسئلة التقليدية عن المؤهل والخبرات السابقة ومعلومات المتقدم عن الوظيفة،من المفترض أن مسئولي الموارد البشرية يريدون التعرف أكثر على بعض طباع وميول المتقدم. عادة ما تقال أسئلة للتعرف على جوانب شخصيته. يحكي مايكل أن الأمر أحيانا يشبه جملة "كلمني عن نفسك!". وفي بعض الأحيان يطلب من يجري معك المقابلة ذكر مجموعة من إيجابياتك وسلبيات.
يضحك مايكل: " في إحدى المرات، في مقابلة لشركة تقدم خدمات لها علاقة بالبورصة، ذكرت مجموعة من سلبياتي. ثم قلت في الإيجابيات أني أحب النظام والهدوء. فما كان من المسئول أن أخبره بحزم أن كل ما أتحدث عنه هو نقاط ضعف!". برر المسئول كلامه بأن الشركة تضطر دائما للعمل في ظروف ضاغطة، ويجب على الموظف أن يكون قادرا على العمل وسط فوضى وصخب.
هناك عوامل أخرى تتدخل في الاختيار، في بعض المقابلات سئل مايكل عن وظيفة أبيه وأمه وعن دراسة أخته، وعن بعض التفاصيل التي تخص استهلاكه: مثل تملكه لسيارة. وأحس مايكل أن الأسئلة تهدف للتعرف على مستواه الاجتماعي والطبقي.
للمظهر دورا هاما لا يخفى على خبير مثله. ولذلك يحرص مايكل على أن يرتدي بدلة كلما أمكن ذلك، أو على الأقل قميص وكرافتة. وفي إحدى المرات قرر أن يتخلى عن الكرافتة. وفي وزارة الاستثمار جلس أمام مجموعة من الخبراء والمسئولين الذي اهتموا بشكل كبير بتفصيلة أنه لا يرتدي كرافتة وتحدثوا عن قلة جديته واستهتاره من قبل النظر في سيرته الذاتية أو الحديث معه.
خرج مايكل من هذه المقابلة يعرف أن الأمر تجاوزه، وإذا كان مسئولو وزارة الاستثمار قد أعطوا تفصيلة في مظهره كل هذا الاهتمام، فإنه قرر عند خروجه فتح قميصه حتى بطنه وتشمير أكمامه، تيمنا بنجم الجيل تامر حسني!

"شرط جزائي ليه؟ هادرب ريال مدريد؟"
يمكن للبعض أن يتهم مايكل أحيانا بالتشدد في اختيار فرصة جيدة. ذلك لأنه رفض معظم الفرص التي أتيحت له بسبب رفضه لطرق عمل رآها لا أخلاقية، لأنها تعتمد على الرشاوي، أولرفضه شروط عمل متعسفة. بعض الشركات تطلب توقيع الموظفين على شروط جزائية تقضي بدفعهم مبالغ كبيرة إذا قرروا الرحيل من الشركة بعد أن تلقوا تدريبا فيها، بينما نفس التعاقد لا يتضمن أي حقوق له أو أي مسئولية على الشركة إذا استغنت عنه في أي وقت. في إحدى المقابلات التي عرف أن الأمر سينتهي فيها بهذ الشكل أجاب بأنه لا يفهم أمر الشرط الجزائي لأنه لن يكون مدرب نادي "ريال مدريد" الأسباني ! يقول مايكل:" ربما يراني البعض متصلبا أو مستغنيا، رغم أن هذا غير صحيح، إلا أنني بالفعل أفضل ألا أجد وظيفة على قبول هذه الشروط المجحفة".

في مقابلات أخرى، يحكي مايكل أنه شعر وكأنه في مكتب داخل مباحث أمن الدولة. سأله مدير إحدى الشركات عن دراسته للعلوم السياسية وإن كان له أي ميول سياسية، فأجاب بأنه غير منتم لأي تيار، سأله عن سبب عدم انضمامه للحزب الوطني لكي يمكن أن يحظى بفرص أكثر. ولما أجاب أنه غير مقتنع بسياسات الحزب الوطني، امتعض المدير وقال له: شكلك مشاغب من بتوع المدونات. وعندما أجاب بصراحة أنه فعلا يدون ولكنه غير مهتم بالشأن العام. لم يخفف ذلك من ضيق وامتعاض المدير الذي أنهى المقابلة بالجملة الخالدة التي سمعها في نهاية كل إنترفيو: "هانكلمك كمان أسبوعين".
في مقابلة أخرى لنيل وظيفة مع شركة أجنبية، عرفت موظفة الموارد البشرية البلجيكية أنه مدون. وكان ذلك وقت اعتقال عدد من النشطاء والمدونين وسط أحداث اعتصام نادي القضاة في 2006. وتسبب ذلك في توجس الموظفة التي اندهش أيضا من نصيحتها له بأن ينضم للحزب الوطني، وبالطبع طارت الوظيفة !

"بتتناول يا مايكل؟!"
من المتوقع أن يتقبل مايكل أن بعض الشركات لن ترغب في توظيفه لأنه مسيحي. هو ورفاقه بتيادلون النصائح حول هذا النوع من الشركات ليوفروا جهدهم. ولكنه يبدي دهشته من أن يجد في إعلان عن وظيفة في فرع مصري لشركة إماراتية يشترط أن يكون المتقدم مسلما !
ولكن العكس أيضا يحدث. فبعد تقدمه لشركة كبيرة في مدينة 6 أكتوبر، لاحظ أن معظم أسماء العاملين قبطية، وبعد أن أنهى المقابلة لنجاح كبير طلبوا منه الانتظار لمقابلة أخرى.في المقابلة الأخرى لم يتحدث مايكل عن أي شيء يخص الوظيفة، بل سئل إذا كان يمارس طقس التناول في الكنيسة وإن كان يشارك في أنشطتها، إذا كان عضوا في فريق ترانيم أو حرص على السفر ضمن رحلات الكنيسة!
يقول مايكل: "طبعا لاحظت هذه المجموعة من الشركات التي لا تدقق فقط في ديانتك، بل أيضا في كونك ملتزما وتسألك عن تفاصيل ذلك. هذا موجود وسط المسلمين والمسيحيين أيضا".
يتحدث مايكل أن شركة أخرى طلبت منه العمل كمندوب مبيعات، وعندما رفض طلبوا منه ترشيح واحد آخر وأضاف المسئول: "بس عاوزين واحد تاني زينا". أجاب مايكل مستغربا: "زينا إزاي؟" وعندما جاءت الإجابة: "مسيحي". أجاب مايكل: "لا عندي واحد صاحبي مسلم مناسب للوظيفة ، ينفع؟". ولم تحبطه الإجابة التي يعرفها مسبقا.


نشر في "الشروق" الخميس 25 فبراير 2010
PDF
رسم: وليد طاهر
المزيد

الجمعة، ٢٩ يناير ٢٠١٠

أنا المدير !



العديد ممن هم في مستويات وسيطة هم رؤساء على إدارات أو أقسام أو فرق عمل وهم أيضا مرءوسون من المستويات الأعلى منهم، خبراتهم في الإدارة تلخص كيف يرون مشكلات العلاقة بين الرئيس والمرءوس وهم يتناوبون الجلوس على كرسي المدير ثم الجلوس أمامه كموظفين.

بعد مقابلات أجراها متقدما لوظيفة مدير لقطاع ما بشركة متعددة الجنسيات لم يوفق هاني فوزي، الصيدلاني الشاب الذي يقترب من منتصف الثلاثينات. ولكن أثناء لقائه مع إدارة الموارد البشرية بالشركة لمناقشة تقييمه قيل له إنه نال أعلى التقييمات فيما يخص الخبرات اللازمة لأداء الوظيفة، إلا أن سبب عدم نيله للوظيفة أنه لا يغير طريقة تواصله مع المستويات المختلفة فيعامل مديريه الأعلى كزملائه ومرءوسيه، كما أنه يتشبث برأيه ويدافع عنه بقوة.

يقول هاني: "لم أعرف تحديدا ما هي المشكلة، واعتبرت أن ذلك شيء إيجابي وقلت لهم أن تقييمهم لي أسعدني في كل النقاط.. ولكن إذا كنت لا أصلح للوظيفة فهناك مشكلة في التركيبة الذهنية المتعلقة بالإدارة".
قبل تقدمه للوظيفة كان هاني فوزي مهتما بالعلوم الإدارية ونظرياتها وفيما بعد ترك العمل في شركات الأدوية التي تمتزج فيها إدارة الأعمال مع الصيدلة- تخصصه الأساسي- وافتتح مع مجموعة من زملائه شركة تقدم خدمات إدارية بالأساس تشمل تقديم استشارات وخطط تطوير لمجالات الأعمال بالإضافة لخدمات التدريب على جوانب الإدارة المختلفة.

يرى هاني أن التركيبة الذهنية التي أعاقت حصوله على الوظيفة ساعتها هي ناتج عن مزيج من عقلية إدارية قديمة، متمسكة بفكرة "التحكم" وبأن هناك "مسافة" واسعة بين الدرجات الوظيفية يجب مراعاتها والدفاع عنها، بالإضافة إلى ثقافة عامة مجتمعية لا تزال تفكر في المكانة و"الكرسي" أكثر من تفكيرها في أشياء أخرى في سياق العمل. بعض أفكاره حول الإدارة تتعلق بتخصصه الحالي ولكن قدر كبير منها تعود لخبرته المزدوجة كمدير ومرءوس.

العديد ممن هم في مستويات وسيطة هم رؤساء على إدارات أو أقسام أو فرق عمل وهم أيضا مرءوسون من المستويات الأعلى منهم، الخبرة التي يعيشونها غالبا أشبه بتبادل الأدوار، هنا هم جالسون على كرسي المدير ومن الناحية الأخرى هم يتعاملون مع آخر هو الجالس على كرسي المدير. تأمل كلا من الخبرتين بعيون نفس الشخص مرة من هذه الزاوية ومرة من تلك قد يكون مفيدا.

من يضع القواعد ؟

يعتقد هاني فوزي أن إحدى أهم المشكلات التي تواجه العلاقة بين المدير والمرءوس هي عدم وضوح القواعد التي تحكم العلاقة بينهما، ففي معظم المؤسسات العلاقة متروكة للطرفين يحددونها بمعرفتهم، ويبدو أنه لولا ذلك ما كانت تجربة المهندس محمد أسامة ممكنة.
أسامة، مهندس إنشائي يقترب من عامه الثلاثين ويرأس الآن إدارة التصميم الإنشائي في إحدى شركات الاستثمار العقاري. يحكي عن تجربته منذ بداية عمله في الهندسة في مكاتب وشركات متفرقة مؤكدا أن الغالب عليها هو العلاقة الهلامية بين المدير والموظفين: "عندما تكون العلاقة بهذه العشوائية، لا يمكنني إلا أن أتصرف كرد فعل لكل موقف أو أن أبدأ أنا في وضع القواعد. ولكن تعلمت أنه في كل الأحوال لا يمكن أن تتعرض للظلم الفادح لو كنت كفؤا حقا في ما تفعل. ففي العادة أصحاب العمل سيقدرون من يخرج لهم منتجا جيدا، والمدير لن يضحي في الغالب بموظف يجعله يخرج فائزا عند تقييم عمل إدارته".
يرى محمد أسامة أن موقع الكفء الملتزم الذي يؤدي عمله جيدا والذي يضع قواعد لنفسه وإنجازه وتنمية نفسه إن لم يجد ذلك موجودا في المؤسسة هو الموقع الذي يمكن للموظف فيه أن يدخل في علاقة متوازنة مع المدير للتفاوض حول شروط العمل وقواعد التعامل، فسواء قوانين العمل أو لوائح المؤسسات عامة جدا ويمكن تفسيرها وتأويلها بأشكال مختلفة.
ناتج خبرة محمد أسامة هو بعض من رؤية جيفري جيمس في كتابه ذي العنوان المثير "كيف تدير مديرك". ملخص رؤية جيمس أن إدارة العلاقة بين المدير والموظف هي مهمتهما معا، وعندما يترك الموظف للمدير مهمة إدارة العلاقة وحده ينتهي به الأمر إلى التذمر. لذلك على الموظف أن يفهم طبيعة وحاجات وأهداف مديره من العمل، وعليه أن يظهر للمدير التفاصيل الكافية لكي يعرف أيضا طبيعته وحاجاته وأهدافه كموظف، لكي يمكن ضبط العلاقة التي ترضيهما معا.

السلطة والتأثير

ولكن الأمور ليست دائما وردية وبعض المديرين قد لا يقبل أي محاولة للتفاوض ولا يرضى بأقل من تسلط كامل. في رأي هاني فوزي أن كل المديرين الذي يبدون تشبثا كبيرا بالسلطة يكونون عادة أضعف من ناحية الشخصية أو الكفاءة المهنية. يروى أن أحد أفضل مديريه كان في معظم الأوقات يفتح أبوابه لموظفيه يستمع إليهم بانتباه، يتحاور معهم ويناقشهم حول مشاكل العمل وأسلوبه، ولكنه في نفس الوقت كان محتفظا في بعض اللحظات الحساسة بحقه في غلق بابه والقيام بدوره في اتخاذ قرار صعب أو سريع لا يمكن التشاور بشأنه مع تحمل كامل وشجاع للتبعات.
ينصح روبرت باكال- الرئيس التنفيذي لمؤسسة "باكال وشركاه" الأمريكية- كل المديرين في كتابه "كيف تدير الأداء" بأن يناقشوا موظفيهم ويستعملوا الحجة لا السلطة التي يجب أن تظل ملاذا أخيرا.
يقول هاني فوزي: "أثناء تدريب المديرين أردد دائما مقولة: المس قلبه قبل أن تطلب منه أن يمد يدا. هناك فارق بين التأثير والسلطة. وفي الإدارة هناك بون شاسع بين المدير الذي يستخدم السلطة ويتشبث بالكرسي صارخا: أنا المدير، وبين القائد صاحب التأثير العميق على موظفيه".
تميل معظم كتب الإدارة للتمييز بين مفهوم "المدير" الذي ينفذ إجراءات محددة معتمدا على سلطة صارمة وبين "القائد" الذي يضيف لعمله رؤية وأسلوبا ويجعل من حوله يساعدونه ويشاركونه العمل بحماسة وقناعة بفضل تأثيره على محيطه سواء رؤسائه أو مرءوسيه.
يعتقد محمد أسامة أن هناك مشكلة أخرى تتعلق بنظرتنا لفكرة الرئيس والمرءوس نفسها:"بالتأكيد السلطة ممتعة، وللترقي فرحة طبيعية، ولكن بعض المديرين لا يتخطونها ويعيشون هذه اللحظة أطول من اللازم ويذكرون من حولهم بها على الدوام. ولذلك في الجانب المقابل يعتقد بعض الموظفين أن كونه مرءوسا هي سبة أو إهانة وتجده على الدوام متذمرا وناقما ويعتبر أن وجود أحدا ما يرأسه هو نوع من الظلم في حد ذاته، ويكون ذلك أحيانا بسبب عدم قدرته على إثبات كفاءته أو بسبب تضخيمه لقدراته ومواهبه".

المسافة الواسعة

يرى عالم النفس الهولندي الشهير هوفستيد، المهتم بدراسة العلاقة بين ثقافة المجتمع وطريقة تنظيم المؤسسات فيه، أن لكل ثقافة مستوى معين من "درجة استعلاء السلطة" Power Distance تجعل الناس أكثر قبولا وتعايشا مع فارق كبير في النفوذ داخل المؤسسة الواحدة بين الدرجات الوظيفية المتتالية. ويعلق هاني فوزي أن مثل هذه المسافة الكبيرة التي تؤدي إلى فارق كبير في الأجور والمميزات تتسبب في وجود توتر بالغ وهوس بفكرة الترقي، في حين أن المسافة الأقل والفارق الأقل تجعل فكرة فريق العمل أقرب للأذهان وتجعل الكل يعمل باتساق ولا يجعل من الترقي درجة واحدة فحسب قفزة ضخمة في حياة الموظف.
يكمل محمد أسامة تجربته قائلا: "عندما كنت مرءوسا تجاوزت التذمر حتى عندما شعرت أن مديري كان ظالما، وكنت لا أكتفي بمعرفة تقييمي في الأوراق، بل أذهب إليه وأسأله عن عيوبي ومواطن القصور. وكان ذلك يفيدني في المرة التالية".
ينقل جيري جيفرسون في كتابه "القائد المعاصر" قول ريتشاد باش: "تحدث عن أوجه قصورك، تجدها لا محالة"، وينصح الموظف أن يسأل مديره عن عيوبه إن لم يخبره بها وأن يتحدث عنها ويحاول تطويره بدلا من إنكارها. يحذر روبرت باكال أيضا في "إدارة الأداء" المدير من مخاطر التقييم عبر أرقام ونسب لأنها مجرد مقاربات تختزل الأشخاص، وينصحه بمناقشة تفاصيل الأداء مع الموظفين بشكل يجعلهم متفهمين للتقييم وبشكل يمكّنهم من تعديله وتصويبه.
يقول محمد أسامة:"عندما أصبحت مديرا كان أول ما فعلته هو محاولة وضع أهداف واضحة للعمل وقواعد محددة للتقييم وأناقشها باستمرار مع المهندسين وأجعلهم يطبقونها بأنفسهم على أنفسهم وأناقش معهم الأهداف والمشكلات وأوجه القصور وفي نهاية النقاش نكون قد وصلنا لقناعة ما تجعل من قبولهم لتقييمي أمرا مفروغا منه".

من التجارب التي قام بها محمد أسامة وهو مدير محاولا تجنب المشكلات التي وجدها في مديريه، هو أنه حاول قدر الإمكان ابتكار طرق للتحفيز حتى لو كانت قدرات المؤسسة لا تحتمل حوافز مالية. فوعيه بأهمية التحفيز والإثابة على الإجادة ومدى تأثير ذلك عليه وهو مرءوس جعلته يضع نظاما لإدارته يجعل من حق الموظف الأفضل تقييما كل شهر الحق في 3 أيام إجازة لأن إدارة الموارد رفضت تخصيص مكافأة مالية شهرية رغم أنها تقوم بالخصم من المقصر.
يعلق هاني فوزي: "عندنا ميل كبير للأسلوب السلبي من التحفيز ومضمونه:السلوك الجيد يمنع العقاب. وميلنا أقل من الأسلوب الإيجابي: السلوك الأفضل يتم مكافأته. أعتقد أن ذلك له علاقة بالثقافة التي يكون فيها الالتزام بالأساس هربا من العقاب مثلما هو الحال في الخطاب الديني الذي يركز على العقاب ثم بدرجة أقل الثواب".
ربما يعكس ذلك أيضا توقع المؤسسات من الموظفين بأنهم بالكاد يحققون ما هو مطلوب منهم لا أن يبدعوا أو يفعلوا أفضل مما هو متوقع. عند هاني فوزي اهتمام بأسلوب من الإدارة لا يزال يتشكل يركز على جانب الإبداع و يستفيد من طرق إدارة الصناعات الإبداعية التي يتعامل فيها المديرون مع مبدعين، تجعلهم قدراتهم ومكانتهم قادرين على المشاركة في الإدارة وتشكيل أسلوبها من أسفل.

إدارة الخلاف لا تجنبه

يستحضر هاني فوزي خبرته كمرءوس ليقول أن شعوره بكفاءته وحماسته من أجل العمل، مثل حماسة المبدع الذي يبدع لأنه يحب ذلك لا لأن أحدا يطلب منه أو يأمره، هي التي تجعله يتشبث برأيه ويناقش مديريه ويحاول تنبيههم إلى مشكلات تعترض سير العمل. يقول هاني فوزي: " بعض المديرين كان يرد علي ملاحظة من جانبي قائلا: لا تنتقد عملنا ولا تنتقد الإدارة. وكنت أندهش وأقول أني أنتقد الخطأ. ولم أكن أفهم لماذا يجعل من مديره نفسه "صاحب المحل"، وكأنه هو والعمل واحد. هذه الطريقة هي السبب في أن الموظف يتصرف بطريقة: اربط الحمار مطرح ما يحب صاحبه أو إياكش تولع!".
يوجه روبرت كال كلامه للمديرين وينصحهم: "دفاع الموظف بشدة عن وجهة نظره إشارة لاهتمامه بالعمل وحماسته. لا تقتل الخلاف بل أدره بكياسة".
بعض المديرين يرون أن الخلاف بينه وبين موظف موهوب أو واعد هو نوع من الصراع ولذلك يقاومه بشراسة وهو يضع عينه على كرسيه، وقد يدفعهم ذلك للتردد في تعيين موظفين لديهم شخصية قوية أو"مقاتلة" رغم موهبتها وكفاءتها. يعتبر هاني فوزي أن ذلك ما حدث معه في وظيفة الشركة متعددة الجنسيات: "هناك قاعدة في الإدارة عندما نريد تقييم مدير ما ندخل في تقييمنا لكفاءة وموهبة من معه. ودائما نجد أن الموهوب وصاحب الشخصية القيادية يشكل فريقه من موهوبين وأصحاب شخصيات قيادية ولا يخشى منهم. يوزع عليهم المهام والسلطات ويجعل كل واحد منهم يحقق ذاته ويشعر أنه في مكانة جيدة. بينما قليل الموهبة يحيط نفسه بمتواضعي الموهبة ويقلل على الدوام من شأنهم وتقليل صلاحياتهم لكي يبرز مدى الجهد الذي يقوم به في إدارتهم".
يتفق محمد أسامة وهاني فوزي أن أشد ما كان يضايقهما وكلاهما يعتبر نفسه موظف مجتهد ومتحمس هو عدم شفافية المديرين معهم حول الخطة الكلية للمؤسسة أو حول مبررات قرارات معينة. ولذلك يعتمد كلاهما في عمله كمدير على إشاعة جو من الشفافية مع المرءوسين. ربما يتحفظ هاني قليلا على تفصيلة تخص بعض الموظفين الذين لا يتمتعون بالنضج الكافي لإطلاعهم على بعض التفاصيل التي قد يكون إشاعتها مؤثرا بالسلب على المؤسسة في عالم الأعمال. ولكنه يؤكد أنه لا ينبغي للمدير أن يحكم على الموظف حكما واحدا وللأبد بل إن دوره هو تحسين كفاءته، ويضيف : " العلوم الإدارية تتحدث دائما عن التحكم ولكنها أيضا تتحدث عن دور المدير في تدريب وتحسين الكفاءة، ولذلك عدلت في الصيغ التي أقدمها في دورات الإدارة وقلت أن دور المدير ليس أن يتحكم أولا بل أن ينمي أولا وساعتها سيدير المدير فريقا من الأكفاء المبدعين لا يحتاج أن يتحكم فيهم بل أن يستمع إليهم ويتعاون معهم".


إدارة الإبداع

يتحمس هاني فوزي، مؤسس إحدى شركات الاستشارات والتدريب في مجال الإدارة، عند ذكر كلمة "الإبداع". يخرج من حقيبته مجموعة كتب حديثة تتحدث عن إدارة الصناعات الإبداعية. يتحدث عن كتب أحدث موضوعها هو تعميم تجربة إدارة هذه الصناعات لتصبح الإدارة نفسها إبداعية ومتمركزة حول مفهوم الإبداع.
يقول أن هذه المفاهيم لا زالت تتبلور في الولايات المتحدة وأوروبا ولذلك بالطبع نحن بعيدون عن مناقشتها :”عندما نتحدث عن إدارة إبداعية، فإن"المبدع" يحل محل "الموظف". يجب أن ينسى المديرون هوسهم بمواعيد ومكان العمل كلما أصبح ذلك ممكنا، يجب أن يكون الموظف على درجة عالية من التأهيل والكفاءة، ولديه مساحة حرية ليختار ويجرب، عادة ما يقايض المبدعون استقرارهم المهني وضمانات بقائهم بتقدير عال ومجز، لأن لديهم دائما طموح ورغبة في الانتقال عبر المستويات والتجارب المختلفة".
الأفكارالتجريبية عن الإدارة الإبداعية تقف في العالم الأول على أرض استقرار الإدارة بالأساس في كل مجالات الإعمال وتحاول الاستفادة من روح الإبداع، ولكن ربما يتعلق بهذه الروح نفسها مشاكل إدارية.
رضا فايز، مخرج ومنتج الأفلام الوثائقية انتقل من مؤسسات صحفية وإعلامية كبيرة إلى تأسيس شركة خاصة به لإنتاج الأفلام، وعندما بدأ في إدارة مشروعه وإدارة مبدعين ضمن فريق عمله بدأت تتضح له بعض الجوانب التي كان يراها بشكل مختلف بعض الشيء من الناحية الأخرى وهو مبدع يتعامل مع إدارة.
يقول رضا فايز: "في أي عمل عمل إبداعي، التوافق المطلوب بين أطرافه أعلى منه في مجالات أخرى ليخرج عمل جيد ومتناسق. ولكن في مواجهة ذلك هناك الحساسية الشخصية الزائدة عند كل مبدع. هناك مشاكل عند عديدين في الالتزام وفي تقبل النقد".
يحكي رضا عن نفسه أنه ترك بعض المؤسسات التي يعمل بها على أثر انتقاد لعمله، ويبرر ذلك بأن الإعلامي يختلف عن أي مهنة أخرى في أنه لا يملك إلا مجموعة من وجهات النظر، ولو حدث خلاف رآه يخدش تقدير مكان العمل لوجهات نظره فإن الاستمرار غالبا يكون صعبا.
"أي مبدع يعمل بطاقة ما يستمدها من التقدير بكافة أشكاله أو الحماسة للعمل" يرى رضا فايز أن هناك جانب عاطفي لا يمكن تجاهله، ويراه متداخلا في مسألة أخرى في مزاج الفنان الذي يرواح بين الرغبة في "علاقة رخوة" نوعا ما فيما يتعلق بالوقت والأطر المحددة للعمل وبين ضرورات الإنتاج التي تجعل من العمل ممكنا.
أخرج رضا أحد أفلامه متحررا بعض الشيء فيما يخص عامل الوقت بسبب العلاقة الودية بينه وبين المنتج، ولكنه الآن بعدما أصبح مديرا ومنتجا يعتقد أن الالتزام بإطار أكثر تحديدا هو الضروري، ولكنه يحاول أن يراعي أن يكون الإطار مرنا ويراعي الضرورات لكي لا يضحي بجودة العمل وفنيته وإن كان في حدود الإمكانات الإنتاجية المتاحة.
يعتقد رضا أيضا أن الظروف الإنتاجية الضاغطة ولهاث الجميع من أجل تحقيق عائد جيد يؤثر على جانب مهم من علاقة الرئيس والمرءوس تتعلق بتدريب وتعليم الكوادر الجديدة. ويضيف: "استفدت من بعض رؤسائي، ولكني افتقدت علاقة الأستاذ والتلميذ طوال عملي في الصحافة والإعلام. تأثرت بتعبير قرأته عن صلاح أبو سيف أنه كانت لديه شهوة تعليم الموهوبين الذين يلاحظهم. ولكن الآن قل لي أي مؤسسة في مجالات مستقرة ومربحة توفر إمكانات وتعطي براحا للناس من أجل تعليم وتدريب آخرين بشكل حقيقي؟".


سلطة بلدي

"يخني عجب !" هو التعبير الذي يلخص به د.أحمد عبد الله، الطبيب النفسي، رؤيته للنمط الغالب على أسلوب الإدارة والقيادة المصرية:”أساليب وشخصيات المديرين والقادة عندنا تحتوى على مؤثرات مختلفة، أو فلنقل أخلاط أو روائح أو لمسات من مصادر ومنابع مختلفة".
يتابع د. أحمد عبد الله الانتشار الكبير لدورات العلوم والمهارات الإدارية، الموجهة بالأساس للمؤسسات والشركات ذات الطابع الحديث والتي تكون في الغالب شركات أجنبية أو ذات علاقة بها. ويلاحظ ذلك المدير الذي يحاول أن يحاكي النموذج الغربي الذي يتعلمه ولكن اللمسات والروائح المميزة النابعة من أنماط القيادة المنتشرة في الثقافة تظهر بنسب مختلفة في "خلطة" كل مدير.
يقول د.أحمد عبد الله:”هناك نمط القائد العسكري. الذي يعني في مخيلتنا الضبط والربط. العلاقة بينه وبين مرءوسيه هي أمر وطاعة، ولا نقاش في الأمر. هذا النمط يبدو جذابا في مقابل حالة الفوضى والتفكك واللا نظام. وهناك نمط قريب منه وهو القائد الفرعوني الذي يرفع شعار:ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. رؤيته وإلهامه فوق كل القواعد. وقريبا منهما هناك القائد الأب، كأنه كبير العائلة، يتدخل ويعاتب ويعاقب بأبوية. سلطته مصدرها أنه أدرى بالمصلحة ورؤيته لا يجب مراجعتها وإلا يعد عقوقا وخروجا عن الأدب".
في إدارة بعض التجمعات ذات الطابع الديني يلاحظ د. أحمد عبد الله منبعا آخر وهو نمط الشيخ الصوفي أو الأب المسيحي، صاحب السلطة الروحية والقداسة بدرجة أو أخرى. وبعيدا عن ذلك هناك نمط القائد البيروقراطي، وعندما يأتي إليه يقول أنه يفضل دائما الحديث عن هذا النمط من خلال النكتة التي يدخل فيها المواطن إلى جمعية لشراء دجاجة فيسألونه عن تفاصيل ما يريد بدقة ويحيله كل واحد إلى القسم المختص ليجوب المكان ويصعد ويهبط الأدوار وعندما يصل للمكان الذي يفترض أن يجد فيه طلبه يقول له المسئول بابتسامة:”مافيش عندنا فراخ! بس إيه رأيك في النظام؟". يرى د.أحمد في هذه النكتة تلخيصا لنمط المدير البيروقراطي الذي يهتم بتنفيذ اللوائح والقواعد واستيفاء الأوراق بدون اهتمام بهدف الإدارة أو علاقتها بحاجات الناس ومصالحهم. أخيرا يذكر د.أحمد نمط القائد الديمقراطي متسائلا إن كان موجودا حقا أو بنسبة يعتد بها.
لمسة من هنا ولمسة من هنا تشكل خلطة كل مدير وقائد، بحسب القيم والخبرات التي يتلقاها أثناء التربية والتعليم. وكذلك المرءوس يتربى ويتعلم على قبول لمسات معينة في أسلوب الإدارة بحسب تربيته وتعليمه، فينصاع لها ويتكيف معها و يرفض غيرها أو يتذمر منها.


مصدر الصورة
نشر في "الشروق" الخميس 28 يناير 2009
PDF

المزيد

الخميس، ٣٠ أبريل ٢٠٠٩

البجعة الجميلة تذهب إلى العمل


عندما تدق الساعة الخامسة مساء ويهم المحاسب هشام عز الدين بمغادرة البنك، يخلع سترته ويضعها على كتفه ملتقطا طرفها بإحدى يديه وبالأخرى يخفف من إحكام ربطة عنقه وهو يتنفس الصعداء.
" الشغل في مصر بقى حاجة تخنق" كثيرا ما كانت تلك هي الجملة الأولى لهشام وهو يلقى بسترته على مقعده المفضل في المقهى القريب، حتى قبل ان يلقى التحية على أصدقائه من موظفي البنوك والشركات المجاورة الذين يلتقيهم بشكل يومي بعد مواعيد العمل ويتبادون أحاديث يدور معظمها حول هذه الفكرة وتفاصيلها..
صراعات ما قبل إعلان الترقيات، التنافس والغيرة والتقييم المتبادل، العلاقات مع الرؤساء والمرؤوسين، التفكير في تغيير مجال العمل أو مكانه، التذمر من المرتب المجحف بالمقارنة بالمجهود أو بآخرين في نفس المجال أو بالأقساط مستحقة الدفع كل أول شهر.
هذه الحالة ليست سمة "الشغل في مصر" فحسب. ليس فقط لأن البنك الذي يعمل به هشام هو فرع لبنك دولي، ولكن لأن هذه المشكلات تواجه كل من يعمل في كل مكان. وهو ما استدعى الإقبال العالمي من قبل كلا من الشركات والأفراد على مجال "التنمية الذاتية" أو "التنمية البشرية" لمعالجة هذه المشكلات ولتحقيق توازن مرضٍ بين أهداف المؤسسات وأهداف الأفراد العاملين بها. ومن جانب آخر الوصول لمعادلة للتوازن بين الحياة والعمل عند الأفراد.
"العمل قد يمنحنا الحياة ولكنه قد يقتلنا أيضا" هكذا تقول ميتي نورجارد، الكاتبة الدنماركية وخبيرة التنمية البشرية في كتابها "البط الدميم يذهب إلى العمل" الذي ترجمه د. شكري مجاهد ونشرته دار العبيكان. الاسم الغريب للكتاب نسبة لعنوان إحدى قصص الأديب هانز كريستيان أندرسون: "فرخ البط الدميم".
ففي كتابها تستلهم نورجارد خلاصة الحكمة التي تتضمنها قصص مواطنها الأديب الدنماركي، لتطبقها من وجهة نظرها على مشكلات العمل المعاصرة.
وجدت نورجارد في القصص الخيالية التي أحبها الملايين من الكبار والصغار مثل الإمبراطور المخدوع بالزي السحري أو الخنفس المتكبر أو شجرة الصنوبر، معان وأفكار تصلح للحياة والعمل معا. لذلك تهدي هذا الكتاب إلى من يبحثون عن الحياة والحيوية في العمل. من يريدون أن يعيشوا أثناء العمل، ولا يعتبرونه وقتا يبيعونه مضطرين من أجل أموال سيستمتعون بها باقي الوقت وهم يرددون أن "الشغل لا يطاق”.
وهذا ليس لصالحهم فقط، بل لصالح المؤسسات والشركات أيضا.ففي الأعمال التي تتطلب الإبداع والتفكير واتخاذ القرار، وليس تنفيذا آليا مكررا لمجموعة من الأفعال، بالتأكيد سيكون الأفراد الأقل تكيفا والأكثر ضجرا وتذمرا من العمل، أقل كفاءة وإنتاجية.
وكما يقول ستيفن كوفي- صاحب الكتاب الشهير "العادات السبع للناس الأكثر تأثيرا"- في تقديمه لكتاب نورجارد أن موضوعه له علاقة كبيرة بالمرحلة الانتقالية من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات، "في مؤسسات العصر الصناعي تصنع القرارات المهمة في قمة معزولة عن أفراد ينشغلون فقط بالمفكات والأدوات. أما في عصر المعلومات فالقيادة موزعة على الجميع".
مشاهير خبراءة التنمية البشرية عادة ما يكونون مستشارين لشركات رأسمالية كبرى، ونورجارد كذلك. إلا إنها تتمتع ببعض التوازن. فكما تقترح على المؤسسات بعض التعديلات في سياساتها لكي تساعد الأفراد على التحقق والإبداع، تقترح أيضا على الأفراد التكيف في إطار نظم العمل المعروفة وألا يندفعوا وراء الخيال والأحلام. القصص الخيالية لن تدفع نورجارد لأن تكون غير "عملية"، في النهاية محور الموضوع كله هو "العمل".

1- "إني أرى الامبراطور عاريا !"
يحدث أحيانا أن يقدم المدير إلى مرؤوسيه رؤيته لمشروع أو حله المقترح لمشكلة معينة. يعتقد بعضهم أن هذه الرؤية بها خطأ ما أوأن حله به ثغرة، ولكن لأن معظمهم يشيد بحكمة المدير بشكل أوتوماتيكي أو على الأقل يهز رأسه تخوفا من أن يكون اعتراضه هو الخاطيء، فإن المتأكدين من خطأ كلام المدير أو من لديهم رأي آخر متمسكون به سيجدون أنفسهم أمام خيارين: مجاراة المدير والزملاء أو الاعتراض والمغامرة بالخروج عن السياق.
هذا ما رأته ميتي نورجارد في قصة "ملابس الامبراطور الجديدة". في القصة يقنع نصابان الإمبراطور المهتم بزينته ومظهره أنهم سيصنعون له ثوبا بديعا من نسيج سحري لا يراه الذين لا يستحقون أن يكونوا في مناصبهم. وعندما يبدأ النصابان في النسج، يرسل الإمبراطور مستشاريه ووزرائه، وعندما لا يرون شيئا ينسج يكون عليهم إما التصريح بما رأوه والمغامرة بأن يكون ذلك اعترافا أنهم ليسوا جديرين بمناصبهم، أو التظاهر برؤية النسيج السحري والعودة للإمبراطور وطمأنته أن الثوب سيكون رائعا. يصل الأمر في النهاية إلى أن البلدة كلها تتظاهر بأنها ترى الثوب غير الموجود، ومنهم الإمبراطور نفسه. بل ويستسلم الإمبراطور للنصابين ويتركهما يلبساه الثوب الخفي ليسير في موكب حاشد عاريا تماما ولكنه يسمع إشادة الناس بمظهره. ويستمر الأمر حتى يكشف بعض الأطفال الأمر ببراءة وهم يرددون "الإمبراطور عار! الإمبراطور لا يرتدي شيئا!”. الأطفال ليس لديهم حسابات وليست لديهم مناصب يخافون ألا يكونوا جديرين بها.
في مثل هذا الموقف يتعرض الناس لاختبار: إيثار السلامة أم التزام الأمانة؟ هل يعلنون ما يرونه حقا ويتحملون تبعته لو كان خطأ أم يحافظون على مكانتهم مؤقتا؟
تحذر نورجارد من أن إيثار السلامة وراءه الاعتقاد أن رضا المدير أو الرؤساء الشركات هو سبب وجودننا في أماكننا، ولكن هذا ليس صحيحا دائما في رأيها. الرؤساء يتغيرون.والمؤسسات نفسها قد تتغير أويعاد هيكلتها. وعلى كل فرد أن يعتبر نفسه عاملا حرا ضمانه الوحيد هو كفاءته في هذا العالم المتغير. وعندها سيكون مجاراته للآخرين على ما يعتبرونه صحيحا هو خداع لنفسه أولا لأنه لن يسأل ولن يناقش ولن يتعلم، فقط سينفذ الأوامر ويعتمد على علاقته الحسنة برؤسائه.
نهال عمران، المتخصصة في إدارة الأعمال، والتي عملت لفترات في منظمات المجتمع المدني المحلية أو الدولية تقول "للأسف، العلاقة الشخصية مع الرؤساء لا الموضوعية هي التي تحكم معظم علاقات العمل التي رأيتها، قيمة الخصوع هي الأعلى وبالتالي التملق وحفظ المقامات هما وسائل الترقي، وأن تكون حازما ومباشرا يهدد بخروجك خارج السياق وفقدانك للتجانس مع محيطك".
تؤكد نورجارد أن الميل للتلاؤم هو أمر فطري لدى الإنسان، إلا أن الإنسان في سعيه لذلك قد يخلط بين "جوهر وجوده" وبين "ظيفته الحالية". هوفي هذه الحالة يفتقد دور "مديره الذاتي" الذي يضع الحدود بين الاثنين. في قصة الامبراطور تظاهر كل الناس بأنهم يرون الثوب السحري لأنهم خافوا من أن يكونوا غير جديرين بمناصبهم، وكأنه هوكل وجودهم. العمل يشكل جزءا كبيرا من هوية الإنسان، ولكن ليس عملا بعينه أو وظيفة بعينها.
نمط الحياة المعتمد على الاستهلاك المفرط والديون والأقساط يهدد بافتقاد ذلك التمييز. الرعب من فقدان الوظفية الحالية يؤدي بالتأكيد إلى "إيثار السلامة". "الديون تذهب بالشجاعة" هكذا تقول نورجارد. ولنفس السبب تعتبر نهال عمران أن نمط حياتها المتحرر من الديون والأقساط المؤجلة له الفضل في تحررها لبعض الوقت من الوظائف التي لم ترق لها حتى عثرت على غيرها.
في بعض الأحيان، لا يكون "إيثار السلامة" سكوتا عن خطأ ما، ولكن إسكاتا لرأينا وتفضيلاتنا في مجالات تعتمد بالأساس عليها، مثل المجالات الفنية أو تلك التي تعتمد على التقدير بناء على الخبرة. مجاراة السائد في وسط ما قد يضمن أمان وظيفي مؤقت، ولكنه يحول بيننا وبين الترقي الحقيقي في المجال أو اختبار مقترحاتنا واتجاهاتنا وربما يحرمنا من فرص عظيمة ويجعلنا نخاف من الإبداع والتجديد. تحذر نورجارد: "المغالاة في صفة العملية والهوس بحساب تفاصيل حياتنا المهنية قد يجعلنا نفصل حياتنا لتناسب توقعات أناس آخرين".

2 - "هذا ليس مكاني!"
"فرخ البط الدميم"، في قصة أندرسون التي تحمل نفس الاسم، لم يكن يشعر بالتوافق والانتماء. أحس نفسه مختلفا عن البط، وهم أيضا أحسوا بذلك. وكانت رغباته وأحلامه أيضا مختلفة. ورغم تأنيب الدجاجة له على هذه الأحلام: "أنت فقط تشعر بالفراغ، عليك أن تجد شيئا يشغلك"، ورغم متاعب كثيرا واجهها، فإن فرخ البط قد استمر في التنقل يبحث عن مكان له وعن مجموعة ينتمي إليها. وبينما كان يهيم حبا في شكل البجع الجميل، اكتشف في لحظة عندما نظر في صفحة مياه البحيرة أنه أيضا بجعة جميلة.
أحيانا تكون المشكلة أننا لا ننتمي إلى هذا المكان أوهذه الوظيفة. قد يجعلنا الخوف من المغامرة نقبل بحالتنا المتواضعة أو السيئة في مكاننا الحالي. ولكن كماه هي العادة، فإن القبول بالمغامرة هو الطريق الوحيد لمكان آخر نتحقق فيه بشكل أفضل.
ميتي نورجارد نفسها مرت بهذه التجربة، فقد كانت طبيبة علاج طبيعي. ولكنها كانت تشعر بأن تحققها ونجاحها هو في مكان آخر. فتركت الطب واتجهت لمجال الإدارة والتنمية الذاتية. وانتقلت من الدنمارك إلى الولايات المتحدة لتحقق نجاحا كبيرا وتعمل في أشهر المؤسسات في هذا المجال "مؤسسة فرانكلين كوفي، قبل أن تفتتح مكتبها الاستشاري الخاص في نيويورك.
ترى نورجارد أن "الإنصات إلى شغفنا الداخلي" هو الطريق إلى "اكتشاف الذات". بشرط أن نمارس ذلك بنضج، وأن نخوض المغامرة بحساب وأن نكون على استعداد لتحمل تبعاتها. والأهم ألا نخدع أنفسنا هروبا من مشكلات تواجهنا، وهو ما يمكننا أن نعرفه حين نواجه أنفسنا بصدق.
إيمان عبد الرحمن، مهندسة الاتصالات التي تعمل في شركة متعددة الجنسيات، تشعر أحيانا بالملل من الوظيفة التي تتضمن الاهتمام بتفصيلة صغيرة بشكل مكرر إلى حد الملل أحيانا. وبعض أحلام التغيير تراودها في عمل أكثر إبداعا تديره هي من أوله وتخطط له. لا تنكر أن بعض الأحلام تكون كالمسكن وقت الإحباطات: "نهرب من الواقع للحظات حتى نستطيع استكماله". ولكن تحفزها لفرصة مناسبة لتحقيق بعض أحلامها قد يجعل من تلك الأحلام واقعا يوما ما.
تحذر نورجارد من أن بعض أفكار التغيير هي أحلام الحياة المثالية، مثل الرغبة في الاشتغال في الفن أو احتراف الكتابة، وقد لا تكون الظروف أوالقدرات ملائمة:"قد يمنحنا أسلوب الحياة المثالي الحلم والإلهام، إلا أنه لا يبنى سقفا فوق رؤوسنا".
قد تمثل الرغبة في التغيير خروجا إلى فضاء العالم الواسع بدلا من حصر أنفسنا في طريق بدأناه أوقرار اتخذناه في لحظة معينة. ولكن قد يكون التغيير الأهم أحيانا هو "تغيير أنفسنا لا وظائفنا". وأمام هذه المعضلة يظل "الإنصات إلى صوت الشغف الداخلي" و"قبول نتائج المغامرة" هما الفيصل. هل نستمع إلى قول جوناثان يانج: "التمسك بالوظيفة الحالية، والبحث عن سبل لبعث حياة جديدة فيها لا يقل بطولة وإبداعا مؤثرا عن قرار ترك العمل"، أو إلى قول جيم كولنز ونتبع إجابة السؤال:"ما الشيء الذي أحبه إلى درجة تخلق عندي الدافع والانضباط اللازمين لتحقيقه؟ ما الشيء الذي أحبه إلى درجة تجعلني أطمح إلى العظمة؟"

3- "هذا ليس مقامي!"
قد يكون وراء قرار "هذا ليس مكاني" هو دافع آخر: عندما نشعر أننا لا نلقى المكانة والتقدير الذي نستحقه.
في قصة أندرسون ترك الخنفس إسطبل الإمبراطور غيرة من الحصان حصل على حدوات ذهبية مكافأة له على إنقاذه الامبراطور في إحدى المعارك. فقد طلب تقديرا مماثلا وعندما رفض طلبه قال: "حسنا! إنها إهانة. أنا خارج إلى العالم الواسع". وبعد سلسلة من المواقف التي استمر فيها الخنفس يرى نفسه في مكانة أرفع من التي تتاح له.وعندما يتم تقديره يتعالى على من قدروه. وفي النهاية عندما لم يجد ملجأ إلى الإسطبل وعاد إليه مرة أخرى أنقع نفسه أن تقدير حصان الإمبراطور هو تقدير له أيضا لأنه ساعتها سيمكنه أن يعتلي ظهر حصان ذي حدوات ذهبية.
أحيانا ما يتعلق بصرنا بالمكانة: اسمنا الوظيفي ومناصبنا وتراتبنا مقارنة بالزملاء. بغير أن نتطلع بشكل صادق إلى إمكاناتنا أو نحاول الاستفادة من مواقعنا الحالية في تطويرها. وذلك بالتأكيد يؤثر على العمل الجماعي في فريق واحد.
يعترف المحاسب هشام عز الدين بذلك: "في فترة سابقة سيطرت عليّ الرغبة في ضرورة الترقي بأي شكل، كان هناك بعض من هم أصغر مني سنا في مناصب أعلى وكان ذلك يعكر مزاجي جدا. وانتهى الأمر بأني طالبت رؤسائي بما أظنه حقي في الترقي، وفعلت ذلك ببعض الحدة. ساءت علاقتي بهم وتركت هذه الشركة بعد فترة وضاعت علي فرصة تعلم خبرات كثيرة وندمت على ذلك".
أحيانا ما تتعارض الرغبة في المكانة مع الرغبة في التعلم. بعض النرجسية مضر جدا، ولكن نورجارد ترى أن بعضها ضروري بشرط أن يكون الشخص متمكنا من نقاط قوته ومدركا لنقاط ضعفه. لا تمانع في أن يظهر البعض قدراته على نحو جيد. يستخدم البعض أحيانا تعبير "يعرف كيف يسوّق نفسه". وترى نورجارد أن هناك ثلاثة أشياء ضرورية لكل فرد عامل: التمكن من تخصصه، وشبكة علاقات عمل في المجال، و"تسويق ذاته" في الوسط المحيط وهذه الشبكة بشكل جيد. لا مانع من أن نصور تاريخنا المهني بشكل جذاب، ولكن لابد أن يكون ذلك مبنيا على حقائق لا أكاذيب. ولكن يمكن لبعض اللمسات الإبداعية أن تحسن عرض الجوانب المضيئة وربما تحسن أيضا عرض التجارب الفاشلة أو المتعثرة.
ولكن تحذر نورجارد من أن بعض النرجسية قد يمنع بناء علاقات عمل جيدة مع الزملاء، وقد يسبب نقصها أيضا مشكلة. توضح نورجارد أن هناك توازنا ضروريا بين التنافس والتعاون في كل فريق عمل. لا تدع التنافس يفسد التعاون الضروري، ولا تدع التعاون يجعلك تتنازل عن حقك في تأكيد ذاتك وإنجازك الشخصي.
المهندس طارق عبد الله يرى أن نظام الشركة التي يعمل بها تتجاوز هذا الأمر، فبرغم توسع الشركة وتنافس الأفراد على الترقي إلا أن نظام العمل بها يجعل الفرد من جانب مثابا على إنجاز الفريق ككل، ومن جانب آخر يثاب على عمله الفردي.
النرجسية قد ترتدي ثوبا آخر في رأي نورجارد وهو ثوب "الاستعلاء الأخلاقي". عندما يرى البعض المنافسة على أشدها ينزوي ويقول:"أنا المحترم الوحيد في هذا المكان". ترى نورجارد أن "الأخلاقيون أحاديو البعد" يقابلهم "واقعيون أحاديو البعد" لا يرون أي مشكلة في أي طريقة للوصول إلى أهدافهم وأن تضمنت التملق أو التسلق. نورجارد تدعونا ألا نكون من هؤلاء أو هؤلاء. وتدعونا لان نستدعي مرة أخرى "مديرنا الذاتي" لكي يضبط التوازن بين رغبتنا المشروعة في تحقيق الذات عبر التنافس وبين ضرورة التعاون مع الآخرين والتعلم منهم.

4- "الآن وهنا"
في قصة أندرسون مالت أشعة الشمس على شجرة الصنوبر الصغيرة المنتصبة في الغابة وقالت لها: "اسعدي بشبابك النصر وبالحياة المتدفقة داخلك". ولكن شجرة الصنوبر كانت مشغولة عن ذلك بالتطلع إلى الأشجار الأكبر التي تقطع وتذهب لتكون صوار للسفن أو لتكون شجرات عيد الميلاد. وعندما كبرت قليلا وقطعت من جذورها وذهبت إلى منزل دافيء وتم تزيينها بالألعاب والحلوى ظلت قلقة: "ماذا سيحدث لي بعد ذلك؟". ما حدث أنها انزوت بعد انتهاء الاحتفال في صندرة علوية ورغم أنها حظيت بصحبة عدد من الفئران الذين اهتموا بحكاياتها عن أيام الغابة، إلا أن صحبتهم لم تسعدها وظلت تحن للأيام الماضية حتى قطعت أجزاء وألقيت في المدفأة وانتهى كل شيء.
"السخط يجعلنا نتمنى ما ليس في أيدينا" تحذرنا نورجارد "بالرغم من أننا نعيش عصرا أغنى بالفرص عن ذي قبل، فإننا أقل رضا.عقولنا زائغة خشية أن يفوتها شيء".
من يتعجل المراحل لا يعيش أي مرحلةبحق، يظل بصره متطلعا إلى مرحلة لاحقة أو حنينه يربطه بمرحلة سابقة. في العمل نتعلم من المرحلة الحالية ما سيؤهلنا إلى ما بعدها. حتى مراحل الفشل والتدهور نتعلم منها، "التدهور معلم قاس" كما تقول نورجارد. ولكن في الوقت نفسه علينا أيضا ألا ندع السعي لتحقيق إنجاز في العمل "الآن وهنا" يستحوذ على كل اهتمامنا. تدعونا نورجارد إلى أن يكون لدينا دائما "منتجعنا الصغير"، الذي لا يلزم أن نسافر إليه. فهذا المنتجع ليس إلا حرصنا على مساحة من التأمل والاسترخاء واستعادة تدفق الحياة داخلنا وسط زحام الالتزامات.
“الآن وهنا" يمكن أن يكون تحقيقا مؤقتا أوخطوات قليلة نحو تغيير بعيد. المهندس طارق عبد الله لن يترك عمله ليتفرغ لما يحلم به: إنجاز تطبيقات ويب مختلفة تحقق نجاحا كبيرا على غرار الفيس بوك، ولكنه يعمل على مشروعه هذا بجانب عمله. وكذلك المهندسة إيمان عبد الرحمن، فالمشروع الإبداعي الخاص الذي تحلم إليه وينتمي إلى "النيوميديا" ويبدو بعيدا الآن ولفترة قادمة. تسعى إليه "الآن وهنا" من خلال تطوعها في مشروعات مماثلة، فهي تكتب وتحرر في موقع "أصوات عالمية" Global Voices.
لما توقفت شجرة الصنوبر عن التعلم والعمل والاستمتاع بما لديها "الآن وهنا" وقالت: "غدا سأستمتع بحياتي، بكل ما لدي من بهاء". لم يأت ذلك الغد أبدا، ولم تعرف أبدا متى كانت أكثر بهاء بما يكفي ليجعلها تسعد.

المزيد