‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلاميون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلاميون. إظهار كافة الرسائل

الخميس، ٧ أكتوبر ٢٠١٠

مقارنة الأديان فنا شعبيا


أبو إسلام أحمد عبد الله، الأب الروحي للعديد من الشباب الناشطين في ساحات الجدل الديني

الجدل الديني المصاحب لحالات التحول من المسيحية إلى الإسلام أو العكس ليس وليد لحظات كونها قضية رأي عام لبضعة أسابيع، ولكن البعض يتخذه مجالا أساسيا لنشاطه متطوعا، فردا أو عبر مراكز وأكاديميات، تهدف لتخريج أجيال يواصلون خوض مواجهات "التنصير" و"الأسلمة" الساخنة على الدوام، في دائرة الضوة أو تحت السطح.

في التاكسي الذي استقله الشاب عبد الكريم عمار كان بانتظاره سائق مسيحي، فيما يبدو ضليع في مجال مقارنة الأديان، أو بدا كذلك بالنسبة لعبد الكريم الذي سمع كلاما جديدا تماما عليه. فقد بدأ السائق يحدثه عن الإسلام مشككا وعن المسيحية مرغبا. عبد الكريم الشاب السلفي الملتزم الذي يتلقى دروسا في العلوم الشرعية التقليدية من قرآن وحديث وفقه لم يتمكن من الرد عليه.
"قلت يا نهار أسود!” يعبر عبد الكريم عن صدمته آنذاك، لقد واجه لأول مرة شيئا من "التنصير" الذي يقول أنه طالما سمع عنه. ولكنه عن طريق معارفه سمع أيضا عن "الأكاديمية الإسلامية لدراسات الأديان والمذاهب" التابعة لـ"مركز التنوير الإسلامي" الذي أسسه ويديره الكاتب والداعية أبو إسلام أحمد عبد الله. تقدم الأكاديمية دورات تثقيفية يدرس فيها الطلاب مواد تتعلق بمقارنة الأديان وبالتحديد "نقد المسيحية والرد عليها" بغرض "مواجهة التنصير".
تلقى عبد الكريم الدورة التي تستغرق 50 ساعة على مدار شهرين تقريبا وظل على صلة بالمركز لفترة قبل أن يصبح أحد المحاضرين في هذه الدورات وأحد النشطين المتطوعين في خدمة المركز، حتى أنه لا يجد غضاضة في تقديم الشاي أحيانا لأبي إسلام في المركز.
يتلقى أبو إسلام أحمد عبد الله كوب الشاي من يد عبد الكريم ممتنا. يلتفت مبتسما: "والله لو خيرت أن أفقد إسلام أبني أو أفقد واحد من أبناء المركز، أختار أن أفقد ابني. لقد تخرج من دورات المركز إلى الآن 600 دارس ودارسة، على الأقل 100 منهم الآن نجوم في مواجهة التنصير على الإنترنت وغيره. أسُود !".
أسس أبو إسلام مركز التنوير الإسلامي عام 1997، لكي تكون منطلقا لمشروع دعا إليه تحت اسم "حتمية العودة والمواجهة". وكان مشروعه ردا على حملة شنتها الدولة في التسعينات لمواجهة "الإرهاب والفكر المتطرف" وأصدرت سلسلة كتب رخيصة تحت عنوان "المواجهة" و "التنوير" وأسس فرج فودة "جمعية التنوير". يقول أبو إسلام أنه حاول إقناع عدد من الدعاة المسلمين وقتها بالاشتراك في سلسلة مضادة تحت عنوان "حتمية العودة" ولكنهم تخاذلوا على حد تعبيره.
يقول أبو إسلام أن تركيز نشاط المركز فيما بعد على "مواجهة التنصير" كان بهدف التميز ﻷن هناك كثيرون كتبوا وتكلموا في مواجهة العلمانية والماسونية واليهودية، والكتابة في مواجهتهم نشاط قديم لأبي إسلام، بينما يرى أن "التنصير" يحدث على قدم وساق وهويكاد يصرخ في مؤلفاته محذرا منه.
يحكي أبو إسلام و تلاميذه قصصا متعددة عن سائقي التاكسي الذين يبشرون بالمسيحية وينتقدون الإسلام وعن المطويات التنصيرية التي يتم توزيعها في شوارع بعض الأحياء. قد يبدو هذا للبعض ممن لم يصادفوا مثل هذه المواقف من قبيل "اللي يخاف من العفريت يطلع له". ولكن الأكثر ظهورا هي الحوارات الكثيرة الهادئة أو العنيفة على منتديات الإنترنت بين شباب مسلمين ومسيحيين، بعضهم نذر نفسه وجعل هدفا لحياته الدفاع عن دينه والتشكيك في الدين الآخر.
في بعض مطبوعات الأكاديمية، التي تشبه ملخصات المناهج الدراسية ومراجعات ليلة الامتحان، اهتمام خاص بأسلوب الجدل والمناظرة وهناك نصائح وتعليمات خاصة بأسلوب الردود على منتديات الإنترنت أو المناظرة الصوتية في غرف البالتوك. أما المضمون الدراسي فيركز على الإلمام بالعقيدة المسيحية والتركيز على "نقاط الضعف" والمواضع المثيرة للجدل في الإنجيل التي ينبغي أن تثار، وفي المقابل هناك مناقشة لـ"الشبهات" المتوقعة التي يثيرها "الخصوم" بشأن الإسلام والقرآن والنبي محمد ويجب على تلاميذ الأكاديمية معرفة كيفية الرد المفحم عليها.

متخصصون ومتطوعون
يتنوع محاضرو الأكاديمية بين أساتذة متخصصين من الأزهر ومن شباب في العشرينات والثلاثينات من خريجي الأكاديمية النابهين الذين رأي فيهم أبو إسلام حضورا وحماسة. يتدخل عبد الرحمن سالم، الطبيب الشاب خريج الأكاديمية والمحاضر فيها الآن، ويقول أن علماء الأزهر الذين درسوا له يفتقدون للروح، وعندما كان يسألهم أثناء الدراسة عن استخدام المادة العلمية التي يدرسونها في الرد على المسيحيين كان بعضهم يقول له: تعلم المادة العلمية فقط للمعرفة ولا تجادل أحدا. بينما وجد عبد الرحمن في المحاضرين الذين يدرسون ويعملون بمجالات أخرى حماسة واهتمام أكثر، فهم أصبحوا محاضرين بعدما درسوا في الأكاديمية أو اهتموا بمجال "الدفاع عن الإسلام" بدافع شخصي وليس بغرض الحصول على "شهادة دراسية" أو لقمة عيش.
يهز أبو إسلام رأسه أسفا من أن معظم علماء الأزهر المتخصصين كانوا يصرون على تقاضي أجرا مقابل التدريس بينما يتطوع كل المحاضرين غير المتخصصين، ويضيف: ”ولكن هذا مرتبط بتخاذل المؤسسة الدينية الرسمية من الأساس ولابد أن نتاجها سيكون متخاذلا وضعيفا. ولكن بحمد الله هناك معيدين بجامعة الأزهر جاءوا ودرسوا في الأكاديمية لحاجتهم إلى نوع العلوم الذي نقدمه".
الانتقاد الذي يوجه لهؤلاء الشباب من علماء الأزهر أن الجدل بين الأديان يجب ألا يترك لعوام الناس لأنه مثير للمشاعر ويندر أن ينضبط الحوار في مسائل العقيدة المعقدة والدقيقة. يعلق أبو إسلام أن ذلك ربما يكون صحيحا في المطلق، ولكن عندما يكون هناك "صراع" بين الأديان وهجوم على الإسلام يجب على كل مسلم أن يدافع. ويضيف: "ما نفعله على العكس يعصم الشباب العادي من الهياج والرد العنيف. فعندما تفتقر إلى المعرفة بدينك ودين الآخر ستثور مشاعرك عندما يهان دنيك فترد بيدك. لكن لو لديك المعرفة سترد بالحجة بدلا من ذلك".
ولكن ذلك لا يمنع من كثير من الشدة والعنف اللفظي، اللذين تحفل بهم مقالات أبي سلام وأحاديثه: "أنا أصطنع الشدة صناعة. هناك75 مليون مسلم يسكتون أو يتعاملون بلين مع المسيحيين. لا ضير في واحد أو اثنين يرد بغلظة. الحكمة تقتضي أحيانا أن تضرب بالجزمة من يستحق ذلك. وأن ترد بقلة أدب على قليل الأدب. أنا مثلا أقول دائما أن القس زكريا بطرس - الذي ينتقد الإسلام في برامجه على فضائية الحياة - هو كلب المسيحية. نعم، وأنا في المقابل كلب الإسلام!".

ورغم أنه يدافع عما يقوم به المركز بدافع من حرية التعبير متسائلا: ألا يدعو الشيوعيون إلى أفكارهم في حرية؟ إلا أنه يشتط غضبا عندما يقال أمامه أن من حق المسيحيين الدعوة لدينهم مثلما يدعو المسلمون فيقول: “لا، الأمر مختلف. للبيت أب، وهناك كبير وصغير، وأغلبية وأقلية. حرية المسيحيين في الدعوة لدينهم همجية وليست حرية، وليس في مصلحة المسيحيين أن يدخلوا معركة التنصير والأسلمة. الحسبة بسيطة: لو أن 5 مليون مسيحي عملوا كلهم في التنصير سينصرون 5 مليون مسلم على الأكثر، بينما لو 10 مليون مسلم فقط اشتغلوا بالأسلمة سينتهي وجود مسيحيي مصر بمن نصروهم!".
لحسن الحظ أن الملايين لم يدخلوا بعد "اللعبة البسيطة" التي يحكي عنها أبو إسلام، ولكن أعداد كبيرة من الشباب وجدت إثارة كبيرة في لعبة الشد والجذب هذه منذ السبعينات. عندما اشتهر الشيخ أحمد ديدات، الهندي الأصل، بكتبه الناقدة للمسيحية ومناظراته مع القساوسة. واًصبحت كتبه وفيديوهات مناظراته ومناظرات أخرى وشرائط كاسيت لقساوسة أسلموا تباع أمام أبواب المساجد وعلى الأرصفة.
يؤكد أبو إسلام أنه يتبنى خط الشيخ ديدات، مؤكدا أنه أول من اتخذ مواجهة التنصير مجالا أساسيا في مصر : "وعندما وصلت للأربعين فكرت في بداية دورات الأكاديمية لتخريج جيل يكمل المسير. الهدف أن نستنسخ العديد من أبي إسلام في هذا المجال".
ويبدو إن إيقاع المواجهة يتسارع، ولذلك بدأت الأكاديمية من فترة في الإعلان عن دورات اليوم الواحد، 8 ساعات من المحاضرات التي تزود المسلم بالحد الأدنى الذي يحتاجه لكي يخوض جدلا عقائديا دفاعا عن دينه ومهاجما محاولات التنصير.
ينتشي أبو إسلام عندما يسمع التساؤل إن كان الشباب الذين يقودون حملة "تحرير كاميليا" ويدعون للتظاهر من أبناء المركز. ولكنه يبتسم ويقول:”وهل تظن أن سيل (المسلمات الجدد) وحملات الدفاع عنهن انطلقت من شباب يفتقدون لحد أدنى من التأهيل؟ ولكن أبناءنا نشطون بحرية. وعلاقتهم بالمركز تظل مجرد نصيحة، لأن المركز عمله يقتصر على التثقيف. ليس من الذكاء أن أتحمل مسئوليتهم أو يتحملوا مسئوليتي" يسكت ثم يضيف: "القبضة الأمنية الشديدة تمنعنا من أشياء عديدة. نحن أيضا لا يمكننا الإعلان عن حالات إسلام مسيحيين يكون فيها المركز سببا أو حالات تنصر مسلمين نكشفها. نتعرض لمضايقات عديدة ومتنوعة ولكن لا مجال للخوض فيها".
المركز مشهر كشركة مدنية، ويقول أبو إسلام أن ربح المطبوعات واشتراك الدورات يغطي تكاليفه بالكاد وربما يطلب من دارسي إحدى الدورات أن يساهموا في إيجار المركز الذي يحتل شقة في منطقة العباسية. ويؤكد أن المزيد من الإمكانات يحتاجه هذا المجال خاصة مجال الدفاع القانوني عن المسلمين الجدد ومتابعة احتياجاتهم المختلفة، وبعض هذه المهمات يؤديه تلاميذ وخريجي المركز تطوعا.

أبناء الأكاديمية
يأتي ذكر أحمد الجيزاوي المحامي، أحد خريجي المركز. فيحكي أبو إسلام كيف أنه كان "مرعوبا" في أول مرة ذهب مع مسيحي أشهر إسلامه ليساعده في الإجراءات، بينما الآن أصبح صاحب مركز مستقل. ولكن الشيخ أبو إسلام يبدي أسفه من أن الجيزاوي أصبح مطيعا للأمن وخرج عن خط المركز ونهجه.
مكتب المحاماة الخاص بأحمد الجيزاوي، الذي يبلغ من العمر 28 سنة، هو نفسه مقر مركز "نداء للحوار بين الأديان" الذي أشهره أيضا كشركة مدنية عام 2002 بعد تخرجه من أكاديمية مركز التنوير:"أنا ومعظم الشباب المهتمين بهذا المجال تلاميذ أبي إسلام وندين له بالفضل. هو أول من ابتدع هذا المجال في مصر، وهي بدعة حسنة". ولكنه يضيف أن أبا إسلام يصطدم بالأمن وهو ما يعوق نشاطه ويؤثر عليه، بينما يحاول هو في تجربته المستقلة الابتعاد عن ذلك.
يقول الجيزاوي:"المركز بالأساس مشروع شخصي لي وفريق المركز مجرد 3 أشخاص نعمل بالجهود الذاتية. كان اسمه (مركز نداء للمقارنة بين الأديان) ومهتم بالبحث النظري وتقديم مادة تفيد الشباب الذي يدافع عن الإسلام على الإنترنت. ولكننا فيما بعد حاولنا تجنب النشاط على الإنترنت لتجنب سلبياته. فمعظم الشباب المسلم والمسيحي يكتب ويناظر بأسماء مستعارة وتحدث مشاحنات وسوء تفاهم. ووجدنا أن المركز يجب أن يتوجه إلى العمل على الأرض".
يوضح الجيزاوي أن ذلك يعني الذهاب إلى من يسمعون بقيامه بالتبشير في منطقة ما لمناقشته ومناظرته، استقبال مسيحيين راغبين في الحوار أو الدخول في الإسلام. كما أنهم في فترة قاموا بإجراء لقاءات مستمرة مع قساوسة وشباب مسيحيين داخل كنائس قبطية وإنجيلية توجه الجيزاوي ورفاقه إليها لظنهم أنها تقوم بنشاط تبشيري.
يقول الجيزاوي:"هذه اللقاءات كانت مناظرات مغلقة واستمرت من 2004 إلى 2008 وتوقفت فجأة بعد اعتذار الكنائس عن الاستمرار في ذلك. ونحن أيضا ركزنا جهودنا على الحوار مع رجل الشارع وليس المناظرات المغلقة للخاصة".
يصدر مركز نداء أيضا بيانات ومطبوعات ومادة دورة على اسطوانة يهديها مجانا للشباب الراغب في الإلمام بالمعلومات الأساسية التي تساعده في الجدل حول الإسلام والمسيحية. إذا كانت مطبوعات مركز التنوير تشبه ملخصات دراسية مكتوبة بلغة مبسطة فإن مواد مركز نداء تشبه كراسة طالب، فهي مكتوبة بلغة بالغة الركاكة ومليئة بالأخطاء اللغوية الفادحة. وفي مدونة المركز على الإنترنت، التي يوجه الجيزاوي فيها دعوة إلى البابا شنودة لمناظرته شخصيا، هناك تعليقات من قراء تسخر من الأخطاء اللغوية العجيبة لمن يقومون بمقارنة الأديان.
يتخذ الجيزاوي نفس خط إبي إسلام الذي يمزج "مقارنة الأديان" بخطاب سياسي ضد الكنيسة المصرية وممارساتها والبابا شنودة وسياسته. يكرر بعض ما يقوله أبي إسلام من أن الحكمة تقتضي أحيانا بعض الشدة والحدة في الرد عندما تحدث إساءة. ولكن الجيزاوي يتخذ شكلا قانونيا في مناقشة بعض النقاط، فهو لا يري من حق المسيحيين الدعوة لدينهم لأن الشريعة الإسلامية تجرم الردة عن الإسلام، ولذلك فدعوة المسلمين إلى دين آخر هي دعوة تخالف القانون والدستور الذي يتخذ الشريعة الإسلامية مصدرا.
كقانوني ينشط الجيزاوي أيضا في حالات التحول إلى الإسلام فيقدم دعما قانونيا للمسلمين الجدد، وعن طريق علاقاته يحاول توفير دعم مادي أوغيره من باب الإنفاق على "المؤلفة قلوبهم" كما في بيانات المركز. يقول الجيزاوي أنه يتعرض أحيانا للاعتقال وأن ذلك حدث معه أثناء محاولته دعم وفاء قسطنطين، ويقول أنه مع زملاء من خريجي مركز التنوير كانوا آخر من رآوها في المستشفى قبل اختفاءها، ولكنه رغم ذلك يقول: "الأمن فقط يقلق من التناول الإعلامي وإثارة الضجة ولكن في الحقيقة هناك الكثير من الضباط يساندون المسلمين الجدد ويعرضون مساعدتهم إن تعرض إليهم أحد".
هناك تفاوت شديد بين الناشطين في مواجهات التنصير والأسلمة، بين تفهم موقف الأمن ثم اتهامه في مواقف أخرى بمحاباة الكنيسة ومساعدتها على خلق دولة داخل الدولة في مقابل التضييق على الإسلاميين.
يعلق أبو إسلام مبديا أسفه: "أحمد الجيزاوي ضاع منا. ولكن خريجي المركز وتلاميذي غير المعروفين والذين يتجنبون الظهور كثيرون بارك الله فيهم لهم صولات وجولات ويملأون قلب عدوهم غيظا بحمد الله".



لهجة الأب يوتا ومصيره

ميشيل ليس اسمه الحقيقي، ولا حتى اسمه المستعار الذي يخوض به الجدل في منتديات الإنترنت وغرف البالتوك التي رفض أيضا أن يظهر اسمها خوفا من التتبع الإلكتروني. الطبقات المتعددة من السرية والاسم المستعار ضروريون جدا بالنسبة لميشيل الذي يصف نفسه بأنه يرد بقوة وجرأة على افتراءات الشباب المسلم وتشكيكه في المسيحية بنقد الإسلام. يقول ميشيل: “الكل يعلم ماذا يحدث عندما ترد بالمثل وتنتقد الإسلام. عزازيل مؤلفها كاتب مرموق ومشهور رغم أنها أساءت لديننا. لكن عندما ردت رواية مماثلة على الإنترنت محدودة الانتشارهي (تيس عزازيل في مكة) وتحت اسم مستعار للمؤلف (الأب يوتا) تم اتهام هاني نظير المدون المسيحي بأنه هو الأب يوتا بناء على ظن مسلمين متشددين وتم اعتقاله 21 شهرا بدون حكم قضائي".
بعض الشباب المسيحي مثل ميشيل يرى أن لهجة الأب يوتا في الرواية، التي تضمنت في رأي البعض إهانة للنبي محمد وسخرية منه، هي مجرد رد بسيط على سيول من إهانة المسيحية وتشكيك المسيحيين في دينهم. يقول ميشيل:”مثلا أبو إسلام أحمد عبد الله ومركزه الشهير وتلاميذه يعملون في النور وأقصى أذى يتعرضون له أن يعتقل أحدهم يومين. هو يدعي أنه رد فعل وأنه يقاوم التنصير. وأنا أضحك من هذا الكلام. لقد هاجم الغزو العربي مصر وقام بأسلمتها بالقوة ونحن الذين نقاوم الأسلمة بدون أن نتمتع بحرية التبشير بديننا بينما وسائل الإعلام تصدعنا بخطاب ديني إسلامي ليل نهار".
الإنترنت أتاحت لميشيل وغيره مساحة لن يجدها في مكان آخر. بعض الكنائس ربما تعطي محاضرات تثقيف في العقيدة أو ردود على بعض الشبهات المثارة حول المسيحية أو تقارن بينها وبين الإسلام، ولكن بحسب ميشيل يتم ذلك في نطاق ضيق وتكون مشكلة كبيرة لو خرج إلى العلن ويطلب معظم القساوسة من الشباب عدم الدخول في جدل ديني مع مسلمين. يشكو ميشيل من أن معظم الشباب المسيحي يتحرك في ظل الكنيسة، والناشطين أو المدونين المسيحيين الذين يرفعون أصواتهم يواجهون مشكلات عديدة ويقعون بين سندان الكنيسة ومطرقة الأمن والمتشددين الإسلاميين على حد تعبيره.
الأصوات الأعلى والأكثر بروزا في الجانب المسيحي في مجال الجدل العقائدي تأتي من خارج مصر. الاسم الأشهر هو القس زكريا بطرس الذي يثير الجدل ببرامجه على قناة الحياة الفضائية. لدرجة أن بعض الشباب المسلم خصصوا قناة فيديو على يوتيوب فقط للرد أولا بأول على برامجه وسموها قناة "المخلص"، يحاضر فيها شباب متطوع بالصوت والصورة، يقومون بإعداد التسجيل في بيوتهم. ومعظهم يدرسون أو يعملون في تخصصات لا علاقة لها بمقارنة الأديان أو الدين عموما
بالمثل، ميشيل مهندس ولم يدرس بشكل مؤسسي علوم اللاهوت المسيحي أو مقارنة الأديان. ولكنه يقول أنه قرأ بشكل مكثف في الإسلام والمسيحية واستمع إلى عشرات المناظرات قبل أن يبدأ في خوض الجدل على الإنترنت مدافعا عن دينه. لا ينكر ميشيل أنه يتعمد أحيانا الاستفزاز في مقابل استفزاز الخصم ولهجته العنيفة: "لن نظل شهداء إلى الأبد. أو على الأقل سنقاوم قليلا قبل الاستشهاد !".
يضيف ميشيل: “عندما تكون هناك حرية حقيقة سنتمكن من إنشاء أكاديميات لمقارنة الأديان أيضا وسنكتب بأسماء حقيقة كتبا ونصور فيديوهات، عندما يتقبل المسلمون الانتقادات لدينهم مثلنا ويقبلون تحول أحدهم إلى المسيحية ويتركونه يعيش بحرية مثلما يدعوننا لتقبل إسلام المسيحيين، ساعتها يمكن أن أتحدث للصحافة باسمي الحقيقي بدون أن أخشى على حياتي".



إلجام العوام عن علم الكلام

في ديسمبر 2005، زار مجموعة من المدونين – بينهم كاتب هذه السطور- مقر مركز التنوير الإسلامي تضامنا مع أبي إسلام أحمد عبد الله بعد اعتقاله لفترة آنذاك على خلفية مقالات ساخنة كعادته كتبها ردا على القس زكريا بطرس ورأى فيها البعض إهانة لمسيحيي مصر جميعا. كتب بعض هؤلاء المدونين على مدوناتهم تضامنا معه رغم رفضه للهجته وأسلوبه ومضمون خطابه، ولكنهم أيضا أعلنوا أيضا تضامنهم مع المدون كريم عامر الذي اعتقل بسبب إساءته للإسلام – يقضي الآن عقوبة السجن خمس سنوات بسبب هذه التهمة بالإضافة لإهانة رئيس الجمهورية- رغم رفضهم لخطاب الكراهية والإهانة الذي بدر من عامر أيضا.
الجدل الديني الساخن ومقارنة الأديان التي تتضمن هجوما عنيفا وإهانات مبطنة، لا يعجب الكثيرين. وعادة ما يتم الإشارة إلى هذه الظاهرة كتنبيه لأهل الأمر، الدولة والأزهر والكنيسة، لكي يوقفوا هؤلاء عن ذلك.
ذلك ليس مطلوبا بالنسبة لكثيرين من أنصار حرية التعبير، التي قد تسمعنا أحيانا ما لا نحب. كما أن ذلك على أية حال لم يعد ممكنا ببساطة. في عصر المعلومات يد الرقابة لا تطال إلا الأشكال الرسمية في حدود، بينما الأشكال الشعبية للتعبير التي تحمل الأكثر سخونة وخطورة تظل بعيدا عن السيطرة الكاملة. والمواجهة الأمنية تزيد سخونة المواجهات وتمنح كل طرف صفة الشهيد المظلوم المقموع وتجعل الدولة تارة حليفة الإسلاميين المتشديين وتارة متخاذلة أمام تغول الكنيسة، وفق تعبيرات طرفي المعركة.
في القرن الخامس الهجري كتب أبو حامد الغزالي كتاب "إلجام العوام عن علم الكلام". وعلم الكلام هو علم الجدل العقائدي بين الأديان والمذاهب، ورغم أن المقصود بالعوام هنا مختلف في تفسيره إلا أن العنوان يحمل دلالة شائعة في الفكر الديني التقليدي الذي يدعو عامة الناس للابتعاد عن الجدل الديني لأنه مجال متخصصين، وطبعا لأن كل طرف يريد أن يبقى جمهوره مطمئنا بدون شكوك.
في عصر التدوين والشبكات الاجتماعية، تقل المسافة بين "العامة" و"النخبة المتخصصة" ولا يمكن الحديث الآن عن "إلجام العوام". يمكننا الحديث عن إيجابيات وسلبيات التعبير السهل والمفتوح للجميع، ولكن الصدمات الطائفية التي قد تنشأ عن بعض مساحات الجدل لا يمكن إرجاعها لحرية التعبير التي بقمعها نقمع كل حركة وإمكانية تغيير. الصدامات الطائفية تتغذي من شيوع رؤية ترى فيها "معركة حقيقة وضرورية ومقدسة". وبديلها أن يتمكن آخرون - عوام أومتخصصين – من تغيير مسار الجدل والتعبير إلى معارك وتحديات أخرى واحتلال أرض الصراعات الدينية برؤية أخرى غير طائفية مثلما يفعل دعاة التسامح والمواطنة ومناهضة التمييز الديني. عندها سيظل محبو المعارك الدينية يتمتعون بحرية ممارسة معاركهم المفضلة في نطاقها المحدود حتى تهدأ سخونتها تدريجيا بدلا من أن تزيد دماءهم وجروحهم كشهداء جاذبية معركتهم.


عبد الرحمن سالم وعبد الكريم عمار هي أسماء مستعارة لمحاضري المركز الذين فضلوا عدم ذكر أسماءهم الحقيقية.
نشر في "الشروق" الخميس 7 أكتوبر 2010
PDF


المزيد

الجمعة، ٢ يوليو ٢٠١٠

قانوني أم ناشط سياسي؟


مهنة محامي حقوق الإنسان لا تزال تتردد بين أسلوب المناضلين المتحمسين وأسلوب المهنيين في مؤسسات محددة المهمة.

لم يكن ذلك اليوم استثناء في مركز هشام مبارك للقانون. ولكنه كان أكثر ازدحاما عن باقي الأيام بسبب استضافة المركز ندوة عن قانون النقابات المهنية. يجلس على المنصة متحدثا أحمد سيف الإسلام المحامي الحقوقي المخضرم ومدير المركز، وبين الحضور يتحرك المحامي الشاب أحمد راغب، المدير التنفيذي، يتحاور مع عدد من العمال والناشطين حول توكيلات وتفاصيل قانونية تخص مشاكل.
أحمد سيف الإسلام المولود في أوائل الخمسينات وينتمي إلى جيل السبعينات في السياسة وراغب المولود في نهاية السبعينات وينتمي إلى جيل نهاية التسعينات وبدايات الألفية، يجمعهما أنهما محاميان دخلا إلى مجال العمل في حقوق الإنسان من بوابة السياسة والنشاط مع اليسار المصري. أوجه التشابه بينهما تحمل ملامح ثابتة للمحامي الحقوقي في مصر منذ بداية الحركة الحقوقية في الثمانينات وحتى الآن، وبعض الاختلاف يشير إلى التحولات التي تنتظر مسار هذا التخصص كمجال مهني مرتبط بشكل كبير بحراك اجتماعي وسياسي يشهد لحظات من الفوران.
درس سيف الإسلام، خريج العلوم السياسية، القانون أثناء سجنه بتهمة الانضمام إلى تنظيم سري وفي التسعينات بدأ تطوعه في قضايا حقوق الإنسان مع مركز المساعدة القانونية بجانب عمله في مكتبه الخاص. وفي عام 1996 وأثناء الانتخابات العمالية حدثت زيادة في عدد القضايا التي احتاجت محامين متطوعين. يقول سيف الإسلام:”بجانب عملي الخاص في مكتبي يمكنني أن أتحمل في السنة 5 أو 6 قضايا تطوعية. وعندما شعرت بضرورة العمل على المزيد من القضايا التي لا تخدم الأفراد بل المئات، وتساهم أحيانا في تعديلات قانونية تخدم أجيال لاحقة. فكرت في التحول بشكل كامل للعمل في مركز حقوقي. ذلك النوع من العمل يتطلب قدرا من التفرغ وباحثين وإمكانات مادية مساعدة".
وعبر مركز المساعدة القانونية ثم المشاركة في تأسيس مركز هشام مبارك استمرت مسيرة سيف الإسلام، التي تجاورت فيها روح الالتزام السياسي والخدمة القانونية.
كطالب في الجامعة وناشط بدأت علاقة راغب بالمركز مستفيدا من أنشطته وخدماته ومتدربا فيه. وبعد تخرجه وعمله لفترة في مكاتب محاماة لم يعجبه الحال وشعر أن عمله في مجال حقوق الإنسان يتسق أكثر مع فكرته عن نفسه كناشط أكثر منه موظف.
يقول راغب:"هناك تضحية مادية في المستقبل. فالمحامي الأكبر والأشهر في السوق يتقاضي دخلا أكبر بكثير من محامي حقوق الإنسان بنفس الخبرة. ولكن مقابلها هناك تحقق وإشباع للاهتمام السياسي وروح العمل العام. مؤخرا فقط يمكن أن نقول أن أجور المحامين حديثي التخرج في منظمات حقوق الإنسان توفر دخلا ثابتا أفضل من أقرانهم في مكاتب المحاماة".
يقول أحمد سيف الإسلام أنه شخصيا حسم أمره لأنه لم يعد لديه طموحات مادية ولكنه يريد أن يقوم بعمل يحبه ويتحمس له، ولكن الشباب لديهم التزامات مالية ضرورة في بداية حياتهم ولذلك المحامين الشباب في المركز ومراكز أخرى يعملون أيضا في مكاتب خاصة أو لديهم مكاتب تخصهم.
بعض الشباب يتجهون الآن لطلب التدريب والعمل في منظمات حقوق الإنسان بعد تخرجهم، بدون أن يكونوا من أصحاب النشاط السياسي، ولكن راغب يرى أن الأفق السياسي مهم جدا لمحامي حقوق الإنسان لأن علاقته بالقانون علاقة جدلية يجب أن يكون فيها إبداع، فهو ليس كمحامي السوق مهمته أن يفسر القانون لمصلحة الموكل، بل ينطلق من حق من حقوق الإنسان أو مصالح قطاعات واسعة وربما يسعى لاقتراح قوانين أو تعديل قوانين أو الدفع بعدم دستوريتها.
رغم تبنيهم لقضايا عامة إلا أنه كان على المحامين الحقوقين قبل سنوات الدعوة لمراكزهم بشكل ما أواستغلال شبكات العلاقات السياسية القريبة من أجل تشجيع الناس على التعامل معهم. يحكي سيف الإسلام أن بعض العمال كانوا يحضرون مظروفا به بعض المال ظنا أن المراكز الحقوقية التي لا تتقاضى منهم أتعابا لن تقوم بواجبها جيدا، مثل كل خدمة مجانية يرونها في مصر. ولكنه يرى أن جهد المحامين الحقوقيين وبعض الانتصارات في المحاكم تشجع المزيد على الثقة بهم. أما بعد سنوات الحراك السياسي والدعوة إلى التغيير وازدهار الصحافة الخاصة والتدوين، بدأ المحامون الحقوقيون يحتلون الصفحات الأولى مع الجدل السياسي والدفاع عن الحريات وتبني قضايا التعذيب التي تتحول لقضايا رأي عام. يضيف سيف الإسلام: "أصبح الناس يتصلون بنا ويأتون إلينا، وبينما خطتنا السنوية هي 100 قضية نتولى الآن سنويا ما بين 300 إلى 400 قضية".
يعترف سيف الإسلام أن أهم مشاكل المحامين الحقوقيين هو عدم قدرتهم حتى الان في مواجهة تزايد الاعباء على صياغة برنامج تدريبي لاعداد المحامين الحقوقيين الشباب الأكفاء والأمر يصبح متروكا أمام الاستعداد الشخصي والحماس.
الكفاءة مقابل الحماس، هي أيضا ما يراه راغب تحديا أمام المحامين الحقوقيين. المنظمات القانونية الحقوقية لا تزال تتحمل قضايا أكثر من طاقتها ولا تزال تحاول صياغة شكل مؤسسي منظبط لعملها.
يضيف راغب أيضا أن نظرة المحامين لدورهم يجب أن تتطور، فالروح السياسية الأحادية المعارضة للدولة التي شكلت عمل بعض الأجيال الأكبر في المجال الحقوقي يجب على الأجيال الأحدث أن تتجاوزها لتدرك أكثر أن هناك تنوعات داخل الدولة ويمكن التأثير على قرارها.
في أطروحته التي يعدها لنيل الدكتوراة من جامعة "إسكس" ببريطانيا حول حقوق الإنسان والسياسة في مصر، يتناول عمرو عبد الرحمن مشكلة هوية المحامي الحقوقي، ويرى أن تطور مهنية المحامين الحقوقين في مصر لا تزال في بدابتها وأسيرة النظرة للعمل الحقوقي كبديل وتعويض للفشل أو الركود السياسي، وأن الإحساس بالجانب الأخلاقي في العمل الحقوقي عند الدفاع عن منتهك مثلا لا يزال يعطل كفاءة الجانب المهني في إثبات ذلك، وهو ما تلاحظه بعض الجهات الدولية في العمل الحقوقي المصري. ويضيف أن هناك شخصية منقسمة وعلاقة متوترة بالسياسة بسبب عدم استقرار التقاليد الديمقراطية، بينما في أوروبا مهنية المحامي الحقوقي متشكلة لأن هناك حقوق واضحة مستقرة ومحفوظة ولا جدال عليها يقوم المحامي بتقديم خدمة قانونية مرتبطة بها وليس نضالا من أجلها.



حقوقي إسلامي ؟

الذين عرفوا إسلام لطفي أثناء دراسته الجامعية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة كان رأيهم أنه ناشط سياسي إسلامي مختلف عن أقرانه من النشطاء الإسلاميين بشكل ملحوظ. بعد تخرجه أقدم إسلام على ما يدل على ذلك واختار العمل في المجال الحقوقي واستمر حتى الآن.
الصورة المعتادة لـ"المحامي الإسلامي" في المجال العام إما أنه يدافع عن الإسلاميين فحسب أو أنه المحامي الذي يرفع دعاوى ضد بعض المنشورات أو الأفلام أو الممارسات التي يراها خارجة عن آداب المجتمع وأعرافه وفي العادة يكون في مواجهة محام حقوقي آخر يدافع عن الحريات.
"صحيح أن عددا قليلا جدا من الإسلاميين يعملون في مجال حقوق الإنسان، لكني لا أرى تناقضا بين توجهي السياسي الإسلامي وبين عملي" يشرح إسلام لطفي فكرته :"أرى أن أفكار ومباديء حقوق الإنسان لا يوجد بينها وبين الإسلام تناقض جذري. حتى تلك التي يبدو أنها مخالفة للدين يمكن أن نجد لها تخريجات أو اجتهادات ما تمكّن الإسلاميين من التعامل معها والتواجد على الساحة الحقوقية".
بعد تخرجه عمل إسلام في برنامج للمساعدة القانونية للاجئين، وهناك واجه بعض المواقف الحرجة. يحكي إسلام أنه في نهاية العام كان يحصل على أعلى تقدير للأداء كموظف ولكنه فعليا كان يعاني من التكيف مع سلوكيات زملائه في محيط العمل، الحفلات والعلاقات بين الشباب والفتيات، مشيرا إلى أن الأوساط الحقوقية يغلب عليها تاريخيا الانتماءات اليسارية والقومية، ثم الليبرالية بعد ذلك. وفي الوقت نفسه تعرض للانتقاد لأنه يصلي في مكان العمل، مما جعل بعض رؤسائه يطلبون منه ألا يقوم بذلك لأن بعض اللاجئين السودانيين هاربين من اضطهاد النظام الإسلامي هناك مما قد يجعلهم يتوجسون عند التعامل معه ظنا أنه "إسلامي”. يضحك إسلام : "وهو ما كان صحيحا!”
الموقف الأكثر تعقيدا كان عندما أخذ لاجيء سوداني يحكي له عن تعرضه لانتهاكات بسبب كونه مثليّ الجنس. يقول إسلام أنه كان لا يزال شابا متحمسا وبينه وبين بعض معطيات الواقع حواجز نفسية، فبكى من هول الموقف والمأزق الأخلاقي، بينما ظن اللاجيء أنه يبكي تعاطفا منه. لجأ إسلام إلى رمز إسلامي يثق برأيه فطمأنه أنه لا حرج من مساعدة اللاجيء المظلوم مهما كان الأمر. يعلق إسلام: "موقفي الآن لا يزال معترضا على المثلية الجنسية كحق يجب الدفاع عنه، ولكن يمكنني أن أدافع عن حق المثليّ في الخصوصية إن مارس ذلك في بيته المغلق عليه ولم يخرج إلى العلن، وأدافع عن حقه في محاكمة عادلة بلا انتهاكات أو إهانة ولكني في هذه الحالة لا أدعو لتغيير القانون المصري الذي أعمل في إطاره ويعتبر ذلك فجورا".
يستدرك إسلام أن مجال حقوق الإنسان أوسع من تلك النقاط الحساسة: ”ولكن للأسف تلك النقاط تشكل حساسية بين جمهور الإسلاميين ومنهم الإخوان المسلمين، خاصة في الريف، وبين فكرة العمل في مجال حقوق الإنسان التي لا تزال تلقى توجسا".
تنقل إسلام بين عدد من الوظائف، ولكن كان أبرزها في مجاله أنه كان المنسق العام والمؤسس الفعلي لمركز "سواسية" لحقوق الإنسان في 2004، والمعروف أنه المركز الحقوقي التابع للإخوان المسلمين ويرأسه محاميهم عبد المنعم عبد المقصود. ولكن لم يستمر إسلام لطفي فيه طويلا لأنه وجد إدارة الإخوان للمركز تحدد أفقه ولا تطوره: " الإخوان تعاملوا معه كأداة سياسية وتوجسوا من تدريب كوادر جديدة لكيلا يستفز ذلك الأمن. بالإضافة أن تعامل الإسلاميين بشكل عام مع حقوق الإنسان يقتصر على المباديء التي لصالحهم دون وعي أن عليهم أن يتعاملوا مع المنظومة كلها بشكل ما".
يعي إسلام لطفي جيدا أن خيار العمل كمحامي حقوقي رغم انتمائه الإسلامي يضعه دائما بين مطرقة التوجس منه بين أوساط غير الإسلاميين وسندان توجس الإسلاميين التقليديين منه، ولكنه حسم أمره ويعتبر أن عمله يجمع بين تخصصه في القانون وشغفه بالسياسة والعمل العام، متفائلا بأن المستقبل يحمل الأفضل.



نشر في جريدة "الشروق" الخميس 1 يوليو 2010
PDF
المزيد

الاثنين، ٨ يونيو ٢٠٠٩

أبناء عمرو خالد يعرفون طريقهم جيدا

العمل الخيري الديني ينزل من على المنبر


اهتمام بالإعلام ورعاة وشراكات قوية وراء نجاح مشروع عمروخالد الأهم :"صناع الحياة" - تصوير: نادر العطار

بعد أربعة أعوام تقريبا سيبلغ عمر "الجمعية الشرعية" قرنا كاملا، بينما أربعة أعوام فقط هي كل عمر جمعيات "صناع الحياة". ورغم المشكلات التي قد تبعد عمرو خالد مؤسس الأخيرة عن مصر، لكن يبدو أن ساحة العمل الخيري الديني ستفسح أكثر للجمعية الوليدة التي أصبحت مؤسسة لا تعتمد فقط على حضور الداعية الشهير، ويديرها مئات المسئولين وآلاف المتطوعين الذين تقل أعمارهم عن نظرائهم في الجمعية العريقة بثلاثين عاما على الأقل.

وكأنه كان ينتظر أي فرصة للكلام .. فأسند ظهره إلى أحد أعمدة المسجد الرئيسي للجمعية الشرعية في إمبابة، الشهير بـ "جامع السنّية"، وقال بلهجة قاطعة وهو يعبث بلحيته الكثة "لم تعد الجمعية الشرعية في إمبابة كما كانت، ولم تعد إمبابة كلها كما كانت قبل خمس سنوات. كنت ترى الشباب بلحاهم الدالة على إلتزامهم والفتيات بالخمار والنقاب، الآن قل أن ترى الشباب السلفي الملتزم حقا، هناك "شباب عمرو خالد" وفتيات يرتدون "حجاب عمرو خالد"، وأنت تفهم جيدا ماذا أقصد".
انحياز الكهل الأربعيني "السلفي" واضح في انتقاده لمن يسميهم "شباب عمرو خالد"، ويخص منهم الفتيات اللاتي ينتقد اتجاههن لحجاب مكون من قطع ملابس عصرية على غطاء الرأس بدلا من الأشكال الصارمة للحجاب. ويبدو واضحا أيضا حنقه على هذا النمط من التدين الذي ينتشر على حساب النمط السلفي الذي يراه هو أكثر إلتزاما ويراه آخرون أكثر تضييقا.
الزمن الذي يذكره الكهل ، قبل خمس سنوات، كان لحظة فارقة في منحنى صعود نجم الداعية عمرو خالد عبر الفضائيات، والذي دعمه كثيرا بدعوته لقكرة مشروعات "صناع الحياة"، التي استجاب لها العديد من الشباب وأسسوا العديد من الجمعيات التي تحمل نفس الاسم.
ولكن أن يخص الكهل السلفي إمبابة بالذكر والانتقاد ، فلأن إمبابة هي المنطقة التي كانت معقلا طوال عقود للتدين السلفي، الذي انطلق بشكل أساسي من مساجد الجمعية الشرعية وبدعم كبير من أنشطتها الخيرية الواسعة، وهي التي تشهد الآن تراجعا ملحوظا لهذا النمط وصعود نمط مختلف. ولم يكن مصادفة أن تشهد إمبابة في 2004 تأسيس ثاني جمعيات "صناع الحياة" التي بلغ عددها 49 جمعية في مصر و77 جمعية في العالم العربي.

تراجع المكانة الاستثنائية
انتقاد الكهل للتغيرات الأخيرة مفهوم، ولكن انتقاده لـ"الجمعية الشرعية" التي لم تعد كما كانت، سببه المكانة الاستثنائية التي تمتعت بها الجمعية ومسجدها الكبير في إمبابة، قبل أن تتراجع.
فمن كان يمر في شارع "نادي إمبابة الرياضي"، أهم شوارع المنطقة والذي تنتهي عنده معظم المواصلات إلى منطقة إمبابة، كان سيلاحظ حتما أنه يمر من أمام "جامع السنّية". فحول المسجد الكبير كان ينتشر عدد كبير من باعة الكتب والشرائط الدينية، وباعة الملابس المفضلة عند السلفيين، مثل الجلابيب القصيرة والخمار والنقاب، بالإضافة لباعة أنواع السواك المختلفة وكذلك باعة العطور الخالية من الكحول. وفي المساء، كانت المحاضرات الدينية التي ينظمها المسجد لمشاهير الدعاة الذين يحتلون الآن شاشات الفضائيات مثل محمد حسين يعقوب ومحمد حسان وأبو إسحق الحويني، وكانت المحاضرات تشهد حضورا كبيرا يملأ الشوارع المحيطة بالمسجد، ويستغل عدد إضافي من باعة الكتب والشرائط والإسطوانات الدينية هذه المناسبة ويفترشون جوانب الطرقات. وكان معتادا مشهد الشباب الملتحي بالجلابيب القصيرة الذي يأتي من كل أنحاء إمبابة ومن خارجها لحضور هذه المحاضرات. وبخلاف المسجد، هناك المدرسة التابعة للجمعية الشرعية، والمقر الإداري للجمعية والذي يشهد عادة زحاما كبيرا عند توزيع الصدقات والإعانات التي تقدمها الجمعية، أو يشهد توافدا لفقراء يتقدمون بطلبات للحصول على مساعدات. ومن اللافت كون معظم هؤلاء الفقراء طالبي المعونة من الملتحين أو المنتقبات أو مرتديات الخمار. وهو ما فسره البعض بأنه تظاهر من المحتاجين لنيل عطف ورضا القائمين على الجمعية الذين كانوا يعظونهم إن رأوا منهم ما ينتقدون، وهو الطبيعي في جمعية دعوية بالأساس.
يشير تقرير لـ"مركز التميز للمنظمات غير الحكومية" إلى أن "الجمعية الشرعية تتساوى مع معظم الجمعيات ذات الصبغة الدينية في تسييس مجال التكافل الاجتماعي بشكل غير مباشر" ولكن التقرير يقول أن التيار الغالب في الجمعية يدعو إلى البعد عن الارتباط بالتيارات السياسية ، ولكن ذلك لم يمنع وقوع بعض الاستثناءات بسبب اتساع المساحة الجغرافية التي يمتد إليها نشاط الجمعية، وتنوع أفكار وأراء أعضائها مع حجم عضويتها الكبير. ومسجد الجمعية الشرعية في إمبابة كان من ضمن هذه الاستثناءات.
فالجمعية التي تأسست قبل 96 عاما علي يد الشيخ محمود خطاب السبكي أحد علماء الأزهر تحت اسم "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية" واستهدفت العمل في مجال الدعوة بالإضافة للعمل الخيري والإغاثي كطريق غير مباشر للدعوة، اتخذ خطابها الدعوي خطا مختلفا يمكن وصفه بأنه أكثر سلفية ومحافظة عن التيار السائد في الأزهر، ولكنها تظل بعيدة عن الخط السلفي الجهادي أو السياسي الذي تمثله تيارت مثل "الجماعة الإسلامية" و"الجهاد"، أو الخط السلفي الأقرب للفكر السعودي والذي تمثله جمعيات أخرى مثل "جماعة أنصار السنة المحمدية".
ولكن مسجد الجمعية الشرعية في إمبابة كان مركزا لنفوذ العديد من الشباب الأقرب للخط السلفي الجهادي أو للخط السلفي السعودي. ورغم أن هذه الجماعات من الشباب نشطت في العمل الخيري وساهمت في الشعبية الكبيرة للجمعية الشرعية. ومما يذكره أهل المنطقة نشاط هؤلاء الشباب في إغاثة منكوبي زلزال 1992. ولكن الصدامات التي شهدتها إمبابة بين الأمن والجماعات الإسلامية في الثمانينات والتسعينات، دفعت الأمن للضغط على الجمعية والمسجد لوضع الأمور تحت السيطرة وهو ما كان يعني تجاوز الاستثناء وعودة مساجد الجمعية في إمبابة إلى الخط الأساسي الغالب للجمعية.
ما انتهي إليه الأمر مؤخرا هو إلغاء معظم المحاضرات الدينية لكبار الدعاة، الذين وجودوا بديلا في الفضائيات، والاكتفاء بمحاضرين أقل شهرة. بالإضافة إلى نقل كل الباعة في الشوارع المحيطة بالمسجد وإخلائها تماما.
يفصح الكهل السلفي عن أهم أسباب حنقه وهي أنه كان واحدا من باعة الشرائط الدينية حول المسجد، قبل تحوله إلى العمل في مجال صناعة العطور، ولكنه يضحك وهو يقول أن مهنته شهدت نفس التحولات التي حدثت في المنطقة، حيث مثلت مبيعات شرائط عمرو خالد مصدر دخله الأول وسط تراجع مبيعات الشيوخ التقليديين. ويضيف "رغم أني لم أكن راضيا عن منهجه في الدعوة وتساهله في الدين إلا أنني كنت أبيع شرائطه لأنه أفضل في كل الأحوال من أن يسمع الناس عمرو دياب!"
الكهل رفض رفضا قاطعا ذكر اسمه، منوها أنهم جميعا – الباعة حول المسجد- لهم ملفات في أمن الدولة، ولا داعي للمشاكل.
الخوف من الأمن، لم يكن فقط من نصيب الكهل بائع الأشرطة الدينية السابق. فهذا الهاجس يسطير على المقر الإداري للجمعية، الذي يقع في مبنى مستقل عن المسجد ولكنه مثله مفروش بالموكيت ويجب أن تخلع حذائك لتدخل إلى مكاتبه لتلتقي بالمسئولين الذين يرتدون الجلاليب. ففي مكاتب إدارة فرع الجمعية بإمبابة، رفض عبد الله الشرقاوي المدير التنفيذي، الإدلاء بأي تصريح عن نشاط الجمعية إلا بعد أن يرى خطابا رسميا من وزارة الشئون الاجتماعية يسمح لنا وله بالتحدث عن نشاط الجمعية. وأضاف الشرقاوي، الذي كان مديرا في نفس الوزارة قبل خروجه إلى المعاش، أن مكتب الأمن في الوزارة يقرأ كل ما ينشر في الصحف عن الجمعيات ويراجعهم فيها، وهو بدوره لا يريد أي مشاكل.
هذا يفسر ندرة المواد الصحفية المتوافرة عن جمعية لها 350 فرعا فى أنحاء الجمهورية، يتبعهم أكثر من ألف وثلاثمائة مسجدا، ونشاطها يمتد لعشرين محافظة، وتقدر ميزانيتها السنوية بخمسة وعشرين مليون جنيه. وهي الميزانية التي تذهب في بناء المساجد ومجالات النشاط الخيري التقليدي مثل رعاية الأيتام ومساعدة الأسر الفقيرة والمعوقين وتيسير سبل العمل للأمهات المعيلات وتيسير زواج الفقيرات واليتيمات وإقامة وحدات للعلاج بأسعار رخيصة.

جيل جديد ونمط مختلف
على خلاف الجمعية العريقة الضخمة البعيدة عن الإعلام والمتوجسة منه، فإن جمعيات "صناع الحياة" كانت بدايتها عبر الإعلام. فعبر برنامج "صناع الحياة"، الذي بثته العديد من الفضائيات، وجه الداعية عمرو خالد النداء إلى "العمل من أجل استعادة نهضة الأمة الإسلامية" مؤكدا على أن الهدف الأسمى "الذي يتمثل في عبادة الله ودعوة الأرض إلى عبادة الله لن يتحقق إلا بالتفوق الحضاري". ومن خلال مشروع "صناع الحياة" دعا إلى توجيه الطاقات الإيمانية إلى تنمية المجتمع. وكان نتيجة ذلك، العديد من الجمعيات التي تأسست كاستجابة لدعوته في مصر والعديد من الدول العربية.
ثاني هذه الجمعيات كانت جمعية "صناع الحياة بالجيزة" والتي انطلقت من مقرها في إمبابة وتوسعت الآن ليصبح تابعا لها مقرا آخر في إمبابة ومقرا في كل من الشيخ زايد والعمرانية.
بقع المقر الرئيسي للجمعية عند تقاطع شارعي البوهي وعمر بن الخطاب، وهما من أهم شوارع إمبابة ويحدان المناطق الأكثر حداثة والتي يسكنها شرائح من الطبقة الوسطى، على خلاف موقع "الجمعية الشرعية" بمحاذاة المنطقة القديمة من إمبابة التي يسكنها الشرائح الأقل دخلا.
مقر جمعية "صناع الحياة" شقة واحدة في البناية، غير ملحقة بمسجد. جدران الشقة مزينة بملصقات ورسومات دينية ذات طابع شبابي، بالإضافة للوحات موضح عليها صورمن أنشطة الجمعية. الأغلبية الساحقة ممن تراهم داخل الجمعية هم من الشباب، وتحديدا الشباب الجامعي. ويتسق هذا مع كون المدير التنفيذي للجمعية المهندس أحمد طه شابا لم يتجاوز الثلاثين من عمره.
يؤكد طه" نعم، معظم المتطوعين من الشباب. بدأنا في 2004 بعدد 50 متطوعا، والآن لدينا 1000 متطوعا وقعوا استمارات وضحوا فيها مجالات مساهماتهم"
يبدو أن معدل زيادة الأعضاء يتضاعف بمعدل سريع بالمقارنة بعدد أعضاء فرع من من "الجمعية الشرعية"، الذي يبلغ في المتوسط 500 عضوا. ويجب أن يكونوا، حسب لائحة "الجمعية الشرعية"، ممن لديهم عمل يدر عليهم دخلا، وممن لديهم حصيلة من العلوم الدينية. وهو ما يضيق دائرة الأعضاء ويمنع عضوية الطلاب الذين يشكلون العمود الفقري لمتطوعي "صناع الحياة". فأحمد حجازي ،أحد متطوعي "صناع الحياة" الذي يبلغ من العمر 19 عاما ويدرس في معهد صناعي، يجيب عن سؤال "ولماذا لم تفكر في التطوع في الجمعية الشرعية مثلا؟" متسائلا: "وهل هناك شباب أصلا في الجمعية الشرعية ؟"
الطابع الشاب لـ"صناع الحياة" يظهر أيضا في نشاطها، حيث يقول طه "في مجال العمل الخيري نقدم بالإضافة للأشكال التقليدية، أشكال أخرى جديدة تركز على الارتقاء بالفرد وتنمية المجتمع" ويشير طه إلى الأنشطة المختلفة لـ"صناع الحياة" والتي تضم محو أمية الكمبيوتر ومشروع "حماية" ضد إدمان المخدرات ومشروع "المنتديات الصحية" الذي يقوم بحملات للتوعية ضد أخطار أمراض معينة أو ممارسات ضارة بالإضافة للدعوة لأنشطة بيئية.
وفي مجال التشغيل لا تكتفي الجمعية بالمجالات التقليدية الصغيرة، بل تحاول التجريب في مجالات جديدة ينجح بعضها مثل مشروع تصنيع وبيع الشمع، ويتعثر بعضها مثل مشروع الاستثمار في زراعة أسطح المنازل.
كما أنها عبر مشروع "توكل" تعقد اتفاقيات مع عدد من المصانع والشركات لتوفير فرص تدريب وعمل للشباب عبر الجمعية.
يؤكد أحمد طه أيضا على اهتمام "صناع الحياة" بمجال "التنمية البشرية" وذلك عبر عدد من المشروعات التي تتناول مهارات الاتصال والتسويق والتخطيط والإدارة. وهو ما يبدو أنه أحد عوامل جاذبية الجمعية. مها عبد الله، الطالبة بالسنة الثانية في كلية العلاج الطبيعي بإحدى الجامعات الخاصة، تعرفت على جمعية "صناع الحياة" لأول مرة لحضور دورة تنظمها الجمعية في التنمية البشرية، ثم زارتها مرة أخرى لحضور دورة في مهارات التسويق: "بعد أن تعرفت على شباب الجمعية، دعوني للتطوع معهم، وكانت فرصة رائعة، فبالإضافة للمشاركة في عمل الخير اكتسبت خبرات جديدة من خلال المشاركة في أنشطة مختلفة منها مثلا تنظيم معارض الملابس في القرى والأحياء المعدمة".وتلخص هبة حسنين الأمر قائلة : " ميزة "صناع الحياة" أنها بخلاف الجمعيات الأخرى تصل للشباب وتدعوهم ولا تنتظرهم، سواء عبر برامج الأستاذ عمرو خالد أو عبر أنشطة الجمعيات".

تشترك "صناع الحياة" مع "الجمعية الشرعية" في الاعتماد على تبرعات أعضائها والمتعاطفين، ولكن بينما تعتمد "الجمعية الشرعية" على تبرعات تجار ورجال أعمال من المقربين للجمعية ومن أصحاب المكانة والوجاهة الاجتماعية في مناطق فروع الجمعية، فإن "صناع الحياة" تبدو أكثر حداثة وهي تحظي بدعم رعاة من مؤسسات صناعية واقتصادية كبرى. فمن ضمن رعاة "صناع الحياة" كبرى شركات صناعة السيراميك وشركة كبرى تعمل في مجال إنتاج الأجهزة الكهربائية بالإضافة لإحدى شركات المحمول.

بعيدا عن الوعظ
"صناع الحياة" يشتركون مع "الجمعية الشرعية" في وجود الدافع الدعوي وراء العمل الخيري أو التنموي، ولكن يلفت المدير التنفيذي لصناع الحياة أنهم يمثلون نموذجا أكثر انفتاحا من الجمعيات الدينية الأخرى، فهم لا يشترطون الالتزام الديني للعضوية والتطوع، ولكنه يؤكد أن الطابع الإسلامي المعروف عن "صناع الحياة" يجعل ممن يتطوعون فيها يعرفون مسبقا اتجاهها، ولذلك فأنهم يكونون دائما على استعداد للتغير." بعض الشباب يتطوع للعمل معنا، ويكون من متابعي الفيديو كليب أو تكون غير ملتزمة بضوابط الحجاب بالنسبة للفتيات، ولكنهم بعد فترة يتغيرون ويبدأون في الالتزام من تلقاء أنفسهم" يحب طه أن يؤكد أن الدعوة عند "صناع الحياة" هي دعوةعن طريق تقديم النموذج وضرب المثل، ولا تلجأ للدعوة المباشرة أو الوعظ فهذا ليس مجالها.
الأمر إذن ليس بالحدة التي صورها الكهل السلفي في مسجد "الجمعية الشرعية"، فمدير "صناع الحياة بالجيزة" مهتم أيضا بضوابط الحجاب، كما أن من بين المتطوعات العاملات في "صناع الحياة" سيدات منتقبات، وأغلب الفتيات يرتدين أزياء محافظة وإن كانت بالطبع أكثر عصرية مما يمكن أن نراه في أوساط السلفيين وأعضاء "الجمعية الشرعية". ولكن ما يمكن أن يثير حنق السلفيين هو العمل المختلط للشباب والفتيات في أنشطة الجمعية.
لا يوجد مسيحيين أعضاء في "صناع الحياة"، ولكن ينفي طه أن هناك ما يمنع ذلك ويذكر تعاون جمعيات "صناع الحياة" مع مؤسسات مسيحية في إطار حملة "حماية" ضد المخدرات.

في الجانب المؤسسي، وعلى خلاف "الجمعية الشرعية" التي تتمتع بإدارة مركزية تشرف على الفروع، يقول طه "صناع الحياة بالجيزة هي واحدة من 49 جمعية في مصر. كل واحدة منها أشهرت وتعمل بشكل مستقل، ولكن يجمعهم شكل من أشكال التنسيق وهناك اقتراحات بإنشاء مؤسسة كبرى لصناع الحياة تضم كل الجمعيات".
لعامل اللامركزية دور كبير في مرونة تأسيس جمعيات متعددة ومختلفة في هيكلها ونشاطها عن بعضها البعض ولكن يجمعها ما يشبه شبكة من التنسيق والتداخل والتعاون. ورغم إشارات البعض لقرب "صناع الحياة" وعمرو خالد من أوساط الإخوان المسلمين – وهوما ينفيه أحمد طه بشدة - إلا إن جمعيات صناع الحياة تتميز على كل حال باللامركزية في عملها، ويبدو أنها تدفع بعيدا الهواجس الأمنية التي تتابع العمل الخيري الديني خوفا من تسييسه لصالح الإسلاميين. يؤكد أحمد طه أن "صناع الحياة" تتعاون مع أجهزة حكومية ومراكز شباب ومعاهد وكليات، وتقيم بالاشتراك معهم ندوات وحملات ضمن أنشطة الجمعية المختلفة، وينفي تماما أن يكون هناك أي ضغوط أو مشكلات أمنية تعترض عمل "صناع الحياة".
رغم أنه لا يمكن استبعاد المتابعة الأمنية لكل أشكال الجمعيات في مصر، إلا أن الارتياح الذي يبديه المدير التنفيذي لـ"صناع الحياة" بالجيزة، في مقابل القلق المبالغ فيه من قبل المدير التنفيذي لـ"الجمعية الشرعية" في إمبابة يمكن أن يكون مؤشرا دالا على اختلاف كبير بين نمطين من أنماط العمل الخيري الديني، لا يزال أحدهما يعاني من مشكلة ازدواج الدعوة والعمل الخيري، بينما يقدم الآخر صيغة مريحة لأطراف عديدة.
من الاستثناءات القليلة ما حدث من توقف المشروع المركزي لكل جمعيات صناع الحياة المسمى "إنسان" لمواجهة التسرب من التعليم، الذي دعا عمرو خالد في برامجه المتطوعين إلى البدء في اجتذاب اجتذاب 35 ألف متطوع لازمين للمشروع. وضغوط الأمنية والسياسية التي يتردد أنها سبب توقف الحملة قبل أشهر هي نفسها التي قد تؤدي إلى ابتعاد عمرو خالد عن أي نشاط في مصر حتى إشعار آخر.
لا يحب أي من مسئولي صناع الحياة، ومنهم أحمد طه، الحديث عن أسباب توقف الحملة أو ابتعاد عمرو خالد. إلا أن شباب "صناع الحياة" على مدوناتهم يتهمون "أوامر سياسية عليا" أحست بخطورة استمرار عمرو خالد في تبني حملات كبيرة تجمع كل هذا العدد من المتطوعين خاصة أن الإعداد للحملة نجح في تجاوز العدد المستهدف من المتطوعين الذين أصبحوا 47 ألفا. ولكن ذلك العدد لن يذهب هدرا.
يوضح أحمد طه: "ابتعاد عمرو خالد بالتأكيد يؤثر على معنويات المتطوعين ويحبطهم لكنه لا يوقف عملنا. لم يتوقف إلا الحملة الإعلامية التي يقوم بها عمرو خالد بالتوازي مع مشروع "إنسان"، بينما المشروع نفسه مستمر، ولكن ستعمل كل جمعية على حدة"، ويضيف"ونحن في جمعية صناع الحياة بالجيزة نستهدف 200 متسرب من التعليم سنساعد أسرهم بمشروعات تكفل لهم حياة كريمة وتوفر تكاليف تعاليم أبنائهم".
ذلك الصدام بسبب المشروع المركزي، الذي لم يؤثر على نشاط كل جمعية على حدة، يؤكد أن أي ميل نحو "المركزية" في عمل صناع الحياة سوف يجلب المتاعب. والتجربة تؤكد لهم صحة توجههم الأساسي بالعمل في "شكل به مركزية للفكرة أو الروح بينما العمل على الأرض لا مركزي" كما يعبر أحمد طه.
مرونة الإدارة في جمعيات "صناع الحياة" ليست ميزتها الوحيدة التي ترجح صعودها على حساب أشكال أخرى من العمل الخيري الديني. فهناك أيضا الارتباط بنمط صاعد من التدين خاصة بين الشباب، وتبني طرق وأساليب حديثة وشراكات قوية واتجاه متصاعد نحو الأنشطة التنموية. كل ذلك ونتائجه المتمثلة في التطور المتسارع لعدد الفروع والأعضاء والمتطوعين في مدة قصيرة نسبيا، من شأنه أن يعطي انطباعا عن أن صورة ساحة العمل الخيري الديني ستختلف كثيرا خلال سنوات قليلة قادمة، وستشهد تقدما أكثر للأشكال التي تحررت من أعباء ومشكلات العمل الاجتماعي والخيري من فوق منبر دعوي مباشر وصريح.
المزيد