الخميس، ٣٠ أبريل ٢٠٠٩

البجعة الجميلة تذهب إلى العمل


عندما تدق الساعة الخامسة مساء ويهم المحاسب هشام عز الدين بمغادرة البنك، يخلع سترته ويضعها على كتفه ملتقطا طرفها بإحدى يديه وبالأخرى يخفف من إحكام ربطة عنقه وهو يتنفس الصعداء.
" الشغل في مصر بقى حاجة تخنق" كثيرا ما كانت تلك هي الجملة الأولى لهشام وهو يلقى بسترته على مقعده المفضل في المقهى القريب، حتى قبل ان يلقى التحية على أصدقائه من موظفي البنوك والشركات المجاورة الذين يلتقيهم بشكل يومي بعد مواعيد العمل ويتبادون أحاديث يدور معظمها حول هذه الفكرة وتفاصيلها..
صراعات ما قبل إعلان الترقيات، التنافس والغيرة والتقييم المتبادل، العلاقات مع الرؤساء والمرؤوسين، التفكير في تغيير مجال العمل أو مكانه، التذمر من المرتب المجحف بالمقارنة بالمجهود أو بآخرين في نفس المجال أو بالأقساط مستحقة الدفع كل أول شهر.
هذه الحالة ليست سمة "الشغل في مصر" فحسب. ليس فقط لأن البنك الذي يعمل به هشام هو فرع لبنك دولي، ولكن لأن هذه المشكلات تواجه كل من يعمل في كل مكان. وهو ما استدعى الإقبال العالمي من قبل كلا من الشركات والأفراد على مجال "التنمية الذاتية" أو "التنمية البشرية" لمعالجة هذه المشكلات ولتحقيق توازن مرضٍ بين أهداف المؤسسات وأهداف الأفراد العاملين بها. ومن جانب آخر الوصول لمعادلة للتوازن بين الحياة والعمل عند الأفراد.
"العمل قد يمنحنا الحياة ولكنه قد يقتلنا أيضا" هكذا تقول ميتي نورجارد، الكاتبة الدنماركية وخبيرة التنمية البشرية في كتابها "البط الدميم يذهب إلى العمل" الذي ترجمه د. شكري مجاهد ونشرته دار العبيكان. الاسم الغريب للكتاب نسبة لعنوان إحدى قصص الأديب هانز كريستيان أندرسون: "فرخ البط الدميم".
ففي كتابها تستلهم نورجارد خلاصة الحكمة التي تتضمنها قصص مواطنها الأديب الدنماركي، لتطبقها من وجهة نظرها على مشكلات العمل المعاصرة.
وجدت نورجارد في القصص الخيالية التي أحبها الملايين من الكبار والصغار مثل الإمبراطور المخدوع بالزي السحري أو الخنفس المتكبر أو شجرة الصنوبر، معان وأفكار تصلح للحياة والعمل معا. لذلك تهدي هذا الكتاب إلى من يبحثون عن الحياة والحيوية في العمل. من يريدون أن يعيشوا أثناء العمل، ولا يعتبرونه وقتا يبيعونه مضطرين من أجل أموال سيستمتعون بها باقي الوقت وهم يرددون أن "الشغل لا يطاق”.
وهذا ليس لصالحهم فقط، بل لصالح المؤسسات والشركات أيضا.ففي الأعمال التي تتطلب الإبداع والتفكير واتخاذ القرار، وليس تنفيذا آليا مكررا لمجموعة من الأفعال، بالتأكيد سيكون الأفراد الأقل تكيفا والأكثر ضجرا وتذمرا من العمل، أقل كفاءة وإنتاجية.
وكما يقول ستيفن كوفي- صاحب الكتاب الشهير "العادات السبع للناس الأكثر تأثيرا"- في تقديمه لكتاب نورجارد أن موضوعه له علاقة كبيرة بالمرحلة الانتقالية من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات، "في مؤسسات العصر الصناعي تصنع القرارات المهمة في قمة معزولة عن أفراد ينشغلون فقط بالمفكات والأدوات. أما في عصر المعلومات فالقيادة موزعة على الجميع".
مشاهير خبراءة التنمية البشرية عادة ما يكونون مستشارين لشركات رأسمالية كبرى، ونورجارد كذلك. إلا إنها تتمتع ببعض التوازن. فكما تقترح على المؤسسات بعض التعديلات في سياساتها لكي تساعد الأفراد على التحقق والإبداع، تقترح أيضا على الأفراد التكيف في إطار نظم العمل المعروفة وألا يندفعوا وراء الخيال والأحلام. القصص الخيالية لن تدفع نورجارد لأن تكون غير "عملية"، في النهاية محور الموضوع كله هو "العمل".

1- "إني أرى الامبراطور عاريا !"
يحدث أحيانا أن يقدم المدير إلى مرؤوسيه رؤيته لمشروع أو حله المقترح لمشكلة معينة. يعتقد بعضهم أن هذه الرؤية بها خطأ ما أوأن حله به ثغرة، ولكن لأن معظمهم يشيد بحكمة المدير بشكل أوتوماتيكي أو على الأقل يهز رأسه تخوفا من أن يكون اعتراضه هو الخاطيء، فإن المتأكدين من خطأ كلام المدير أو من لديهم رأي آخر متمسكون به سيجدون أنفسهم أمام خيارين: مجاراة المدير والزملاء أو الاعتراض والمغامرة بالخروج عن السياق.
هذا ما رأته ميتي نورجارد في قصة "ملابس الامبراطور الجديدة". في القصة يقنع نصابان الإمبراطور المهتم بزينته ومظهره أنهم سيصنعون له ثوبا بديعا من نسيج سحري لا يراه الذين لا يستحقون أن يكونوا في مناصبهم. وعندما يبدأ النصابان في النسج، يرسل الإمبراطور مستشاريه ووزرائه، وعندما لا يرون شيئا ينسج يكون عليهم إما التصريح بما رأوه والمغامرة بأن يكون ذلك اعترافا أنهم ليسوا جديرين بمناصبهم، أو التظاهر برؤية النسيج السحري والعودة للإمبراطور وطمأنته أن الثوب سيكون رائعا. يصل الأمر في النهاية إلى أن البلدة كلها تتظاهر بأنها ترى الثوب غير الموجود، ومنهم الإمبراطور نفسه. بل ويستسلم الإمبراطور للنصابين ويتركهما يلبساه الثوب الخفي ليسير في موكب حاشد عاريا تماما ولكنه يسمع إشادة الناس بمظهره. ويستمر الأمر حتى يكشف بعض الأطفال الأمر ببراءة وهم يرددون "الإمبراطور عار! الإمبراطور لا يرتدي شيئا!”. الأطفال ليس لديهم حسابات وليست لديهم مناصب يخافون ألا يكونوا جديرين بها.
في مثل هذا الموقف يتعرض الناس لاختبار: إيثار السلامة أم التزام الأمانة؟ هل يعلنون ما يرونه حقا ويتحملون تبعته لو كان خطأ أم يحافظون على مكانتهم مؤقتا؟
تحذر نورجارد من أن إيثار السلامة وراءه الاعتقاد أن رضا المدير أو الرؤساء الشركات هو سبب وجودننا في أماكننا، ولكن هذا ليس صحيحا دائما في رأيها. الرؤساء يتغيرون.والمؤسسات نفسها قد تتغير أويعاد هيكلتها. وعلى كل فرد أن يعتبر نفسه عاملا حرا ضمانه الوحيد هو كفاءته في هذا العالم المتغير. وعندها سيكون مجاراته للآخرين على ما يعتبرونه صحيحا هو خداع لنفسه أولا لأنه لن يسأل ولن يناقش ولن يتعلم، فقط سينفذ الأوامر ويعتمد على علاقته الحسنة برؤسائه.
نهال عمران، المتخصصة في إدارة الأعمال، والتي عملت لفترات في منظمات المجتمع المدني المحلية أو الدولية تقول "للأسف، العلاقة الشخصية مع الرؤساء لا الموضوعية هي التي تحكم معظم علاقات العمل التي رأيتها، قيمة الخصوع هي الأعلى وبالتالي التملق وحفظ المقامات هما وسائل الترقي، وأن تكون حازما ومباشرا يهدد بخروجك خارج السياق وفقدانك للتجانس مع محيطك".
تؤكد نورجارد أن الميل للتلاؤم هو أمر فطري لدى الإنسان، إلا أن الإنسان في سعيه لذلك قد يخلط بين "جوهر وجوده" وبين "ظيفته الحالية". هوفي هذه الحالة يفتقد دور "مديره الذاتي" الذي يضع الحدود بين الاثنين. في قصة الامبراطور تظاهر كل الناس بأنهم يرون الثوب السحري لأنهم خافوا من أن يكونوا غير جديرين بمناصبهم، وكأنه هوكل وجودهم. العمل يشكل جزءا كبيرا من هوية الإنسان، ولكن ليس عملا بعينه أو وظيفة بعينها.
نمط الحياة المعتمد على الاستهلاك المفرط والديون والأقساط يهدد بافتقاد ذلك التمييز. الرعب من فقدان الوظفية الحالية يؤدي بالتأكيد إلى "إيثار السلامة". "الديون تذهب بالشجاعة" هكذا تقول نورجارد. ولنفس السبب تعتبر نهال عمران أن نمط حياتها المتحرر من الديون والأقساط المؤجلة له الفضل في تحررها لبعض الوقت من الوظائف التي لم ترق لها حتى عثرت على غيرها.
في بعض الأحيان، لا يكون "إيثار السلامة" سكوتا عن خطأ ما، ولكن إسكاتا لرأينا وتفضيلاتنا في مجالات تعتمد بالأساس عليها، مثل المجالات الفنية أو تلك التي تعتمد على التقدير بناء على الخبرة. مجاراة السائد في وسط ما قد يضمن أمان وظيفي مؤقت، ولكنه يحول بيننا وبين الترقي الحقيقي في المجال أو اختبار مقترحاتنا واتجاهاتنا وربما يحرمنا من فرص عظيمة ويجعلنا نخاف من الإبداع والتجديد. تحذر نورجارد: "المغالاة في صفة العملية والهوس بحساب تفاصيل حياتنا المهنية قد يجعلنا نفصل حياتنا لتناسب توقعات أناس آخرين".

2 - "هذا ليس مكاني!"
"فرخ البط الدميم"، في قصة أندرسون التي تحمل نفس الاسم، لم يكن يشعر بالتوافق والانتماء. أحس نفسه مختلفا عن البط، وهم أيضا أحسوا بذلك. وكانت رغباته وأحلامه أيضا مختلفة. ورغم تأنيب الدجاجة له على هذه الأحلام: "أنت فقط تشعر بالفراغ، عليك أن تجد شيئا يشغلك"، ورغم متاعب كثيرا واجهها، فإن فرخ البط قد استمر في التنقل يبحث عن مكان له وعن مجموعة ينتمي إليها. وبينما كان يهيم حبا في شكل البجع الجميل، اكتشف في لحظة عندما نظر في صفحة مياه البحيرة أنه أيضا بجعة جميلة.
أحيانا تكون المشكلة أننا لا ننتمي إلى هذا المكان أوهذه الوظيفة. قد يجعلنا الخوف من المغامرة نقبل بحالتنا المتواضعة أو السيئة في مكاننا الحالي. ولكن كماه هي العادة، فإن القبول بالمغامرة هو الطريق الوحيد لمكان آخر نتحقق فيه بشكل أفضل.
ميتي نورجارد نفسها مرت بهذه التجربة، فقد كانت طبيبة علاج طبيعي. ولكنها كانت تشعر بأن تحققها ونجاحها هو في مكان آخر. فتركت الطب واتجهت لمجال الإدارة والتنمية الذاتية. وانتقلت من الدنمارك إلى الولايات المتحدة لتحقق نجاحا كبيرا وتعمل في أشهر المؤسسات في هذا المجال "مؤسسة فرانكلين كوفي، قبل أن تفتتح مكتبها الاستشاري الخاص في نيويورك.
ترى نورجارد أن "الإنصات إلى شغفنا الداخلي" هو الطريق إلى "اكتشاف الذات". بشرط أن نمارس ذلك بنضج، وأن نخوض المغامرة بحساب وأن نكون على استعداد لتحمل تبعاتها. والأهم ألا نخدع أنفسنا هروبا من مشكلات تواجهنا، وهو ما يمكننا أن نعرفه حين نواجه أنفسنا بصدق.
إيمان عبد الرحمن، مهندسة الاتصالات التي تعمل في شركة متعددة الجنسيات، تشعر أحيانا بالملل من الوظيفة التي تتضمن الاهتمام بتفصيلة صغيرة بشكل مكرر إلى حد الملل أحيانا. وبعض أحلام التغيير تراودها في عمل أكثر إبداعا تديره هي من أوله وتخطط له. لا تنكر أن بعض الأحلام تكون كالمسكن وقت الإحباطات: "نهرب من الواقع للحظات حتى نستطيع استكماله". ولكن تحفزها لفرصة مناسبة لتحقيق بعض أحلامها قد يجعل من تلك الأحلام واقعا يوما ما.
تحذر نورجارد من أن بعض أفكار التغيير هي أحلام الحياة المثالية، مثل الرغبة في الاشتغال في الفن أو احتراف الكتابة، وقد لا تكون الظروف أوالقدرات ملائمة:"قد يمنحنا أسلوب الحياة المثالي الحلم والإلهام، إلا أنه لا يبنى سقفا فوق رؤوسنا".
قد تمثل الرغبة في التغيير خروجا إلى فضاء العالم الواسع بدلا من حصر أنفسنا في طريق بدأناه أوقرار اتخذناه في لحظة معينة. ولكن قد يكون التغيير الأهم أحيانا هو "تغيير أنفسنا لا وظائفنا". وأمام هذه المعضلة يظل "الإنصات إلى صوت الشغف الداخلي" و"قبول نتائج المغامرة" هما الفيصل. هل نستمع إلى قول جوناثان يانج: "التمسك بالوظيفة الحالية، والبحث عن سبل لبعث حياة جديدة فيها لا يقل بطولة وإبداعا مؤثرا عن قرار ترك العمل"، أو إلى قول جيم كولنز ونتبع إجابة السؤال:"ما الشيء الذي أحبه إلى درجة تخلق عندي الدافع والانضباط اللازمين لتحقيقه؟ ما الشيء الذي أحبه إلى درجة تجعلني أطمح إلى العظمة؟"

3- "هذا ليس مقامي!"
قد يكون وراء قرار "هذا ليس مكاني" هو دافع آخر: عندما نشعر أننا لا نلقى المكانة والتقدير الذي نستحقه.
في قصة أندرسون ترك الخنفس إسطبل الإمبراطور غيرة من الحصان حصل على حدوات ذهبية مكافأة له على إنقاذه الامبراطور في إحدى المعارك. فقد طلب تقديرا مماثلا وعندما رفض طلبه قال: "حسنا! إنها إهانة. أنا خارج إلى العالم الواسع". وبعد سلسلة من المواقف التي استمر فيها الخنفس يرى نفسه في مكانة أرفع من التي تتاح له.وعندما يتم تقديره يتعالى على من قدروه. وفي النهاية عندما لم يجد ملجأ إلى الإسطبل وعاد إليه مرة أخرى أنقع نفسه أن تقدير حصان الإمبراطور هو تقدير له أيضا لأنه ساعتها سيمكنه أن يعتلي ظهر حصان ذي حدوات ذهبية.
أحيانا ما يتعلق بصرنا بالمكانة: اسمنا الوظيفي ومناصبنا وتراتبنا مقارنة بالزملاء. بغير أن نتطلع بشكل صادق إلى إمكاناتنا أو نحاول الاستفادة من مواقعنا الحالية في تطويرها. وذلك بالتأكيد يؤثر على العمل الجماعي في فريق واحد.
يعترف المحاسب هشام عز الدين بذلك: "في فترة سابقة سيطرت عليّ الرغبة في ضرورة الترقي بأي شكل، كان هناك بعض من هم أصغر مني سنا في مناصب أعلى وكان ذلك يعكر مزاجي جدا. وانتهى الأمر بأني طالبت رؤسائي بما أظنه حقي في الترقي، وفعلت ذلك ببعض الحدة. ساءت علاقتي بهم وتركت هذه الشركة بعد فترة وضاعت علي فرصة تعلم خبرات كثيرة وندمت على ذلك".
أحيانا ما تتعارض الرغبة في المكانة مع الرغبة في التعلم. بعض النرجسية مضر جدا، ولكن نورجارد ترى أن بعضها ضروري بشرط أن يكون الشخص متمكنا من نقاط قوته ومدركا لنقاط ضعفه. لا تمانع في أن يظهر البعض قدراته على نحو جيد. يستخدم البعض أحيانا تعبير "يعرف كيف يسوّق نفسه". وترى نورجارد أن هناك ثلاثة أشياء ضرورية لكل فرد عامل: التمكن من تخصصه، وشبكة علاقات عمل في المجال، و"تسويق ذاته" في الوسط المحيط وهذه الشبكة بشكل جيد. لا مانع من أن نصور تاريخنا المهني بشكل جذاب، ولكن لابد أن يكون ذلك مبنيا على حقائق لا أكاذيب. ولكن يمكن لبعض اللمسات الإبداعية أن تحسن عرض الجوانب المضيئة وربما تحسن أيضا عرض التجارب الفاشلة أو المتعثرة.
ولكن تحذر نورجارد من أن بعض النرجسية قد يمنع بناء علاقات عمل جيدة مع الزملاء، وقد يسبب نقصها أيضا مشكلة. توضح نورجارد أن هناك توازنا ضروريا بين التنافس والتعاون في كل فريق عمل. لا تدع التنافس يفسد التعاون الضروري، ولا تدع التعاون يجعلك تتنازل عن حقك في تأكيد ذاتك وإنجازك الشخصي.
المهندس طارق عبد الله يرى أن نظام الشركة التي يعمل بها تتجاوز هذا الأمر، فبرغم توسع الشركة وتنافس الأفراد على الترقي إلا أن نظام العمل بها يجعل الفرد من جانب مثابا على إنجاز الفريق ككل، ومن جانب آخر يثاب على عمله الفردي.
النرجسية قد ترتدي ثوبا آخر في رأي نورجارد وهو ثوب "الاستعلاء الأخلاقي". عندما يرى البعض المنافسة على أشدها ينزوي ويقول:"أنا المحترم الوحيد في هذا المكان". ترى نورجارد أن "الأخلاقيون أحاديو البعد" يقابلهم "واقعيون أحاديو البعد" لا يرون أي مشكلة في أي طريقة للوصول إلى أهدافهم وأن تضمنت التملق أو التسلق. نورجارد تدعونا ألا نكون من هؤلاء أو هؤلاء. وتدعونا لان نستدعي مرة أخرى "مديرنا الذاتي" لكي يضبط التوازن بين رغبتنا المشروعة في تحقيق الذات عبر التنافس وبين ضرورة التعاون مع الآخرين والتعلم منهم.

4- "الآن وهنا"
في قصة أندرسون مالت أشعة الشمس على شجرة الصنوبر الصغيرة المنتصبة في الغابة وقالت لها: "اسعدي بشبابك النصر وبالحياة المتدفقة داخلك". ولكن شجرة الصنوبر كانت مشغولة عن ذلك بالتطلع إلى الأشجار الأكبر التي تقطع وتذهب لتكون صوار للسفن أو لتكون شجرات عيد الميلاد. وعندما كبرت قليلا وقطعت من جذورها وذهبت إلى منزل دافيء وتم تزيينها بالألعاب والحلوى ظلت قلقة: "ماذا سيحدث لي بعد ذلك؟". ما حدث أنها انزوت بعد انتهاء الاحتفال في صندرة علوية ورغم أنها حظيت بصحبة عدد من الفئران الذين اهتموا بحكاياتها عن أيام الغابة، إلا أن صحبتهم لم تسعدها وظلت تحن للأيام الماضية حتى قطعت أجزاء وألقيت في المدفأة وانتهى كل شيء.
"السخط يجعلنا نتمنى ما ليس في أيدينا" تحذرنا نورجارد "بالرغم من أننا نعيش عصرا أغنى بالفرص عن ذي قبل، فإننا أقل رضا.عقولنا زائغة خشية أن يفوتها شيء".
من يتعجل المراحل لا يعيش أي مرحلةبحق، يظل بصره متطلعا إلى مرحلة لاحقة أو حنينه يربطه بمرحلة سابقة. في العمل نتعلم من المرحلة الحالية ما سيؤهلنا إلى ما بعدها. حتى مراحل الفشل والتدهور نتعلم منها، "التدهور معلم قاس" كما تقول نورجارد. ولكن في الوقت نفسه علينا أيضا ألا ندع السعي لتحقيق إنجاز في العمل "الآن وهنا" يستحوذ على كل اهتمامنا. تدعونا نورجارد إلى أن يكون لدينا دائما "منتجعنا الصغير"، الذي لا يلزم أن نسافر إليه. فهذا المنتجع ليس إلا حرصنا على مساحة من التأمل والاسترخاء واستعادة تدفق الحياة داخلنا وسط زحام الالتزامات.
“الآن وهنا" يمكن أن يكون تحقيقا مؤقتا أوخطوات قليلة نحو تغيير بعيد. المهندس طارق عبد الله لن يترك عمله ليتفرغ لما يحلم به: إنجاز تطبيقات ويب مختلفة تحقق نجاحا كبيرا على غرار الفيس بوك، ولكنه يعمل على مشروعه هذا بجانب عمله. وكذلك المهندسة إيمان عبد الرحمن، فالمشروع الإبداعي الخاص الذي تحلم إليه وينتمي إلى "النيوميديا" ويبدو بعيدا الآن ولفترة قادمة. تسعى إليه "الآن وهنا" من خلال تطوعها في مشروعات مماثلة، فهي تكتب وتحرر في موقع "أصوات عالمية" Global Voices.
لما توقفت شجرة الصنوبر عن التعلم والعمل والاستمتاع بما لديها "الآن وهنا" وقالت: "غدا سأستمتع بحياتي، بكل ما لدي من بهاء". لم يأت ذلك الغد أبدا، ولم تعرف أبدا متى كانت أكثر بهاء بما يكفي ليجعلها تسعد.

المزيد

الأحد، ٢٦ أبريل ٢٠٠٩

صورة جديدة بدون حجاب

sharzaad_hijab
الصورة نقلا عن News from Iran

فيما يخص مظهرهن، اختيارت كثيرة تنتظرالفتيات غير المحجبات أو المحجبات، باستنثاء اختيار وحيد يعد سيرا عكسيا في طريق اتجاه واحد: التخلي عن الحجاب بعد ارتدائه.

لا تنسى شاهندة ذلك اليوم أبدا. حدقت فيها أمها عند خروجها من باب الشقة واضطربت مشاعرها بين الدهشة والغضب، في الشارع صاحبتها نظرات كل من يعرفها حتى مرت، في الكلية لم يرد بعض زملائها سلامها وتجاهلوها غاضبين. ولكنها لا تنسى أيضا أنه في ذلك اليوم الذي خرجت بدون غطاء رأس بعد سنوات طويلة من ارتدائه لاحظت تغير شكل ظلها على الأرض وفاجأها إحساس ملمس هواء الصباح البارد على عنقها.
معظم الفتيات اللاتي أقدمن على هذا الاختيار وسرن عكس الاتجاه، يتمنين لو أن من يعرفونهن ينسون هذه اللحظة. يكفيهن أن يقاومن النظرة المستنكرة إلى المسلمة غير المحجبة، أما النظرة إلى التي خلعت الحجاب بعد ارتدائه فيبدو أنها أشد استنكارا بكثير.
"كأنها ردة عن الدين" كما تقول شاهندة حسين، خريجة كلية الفنون الجميلة "معظم الفتيات غير المحجبات وحتى المتحررات يعتذرن عن حالهن ويبررن عدم تحجبهن بأن اللحظة المناسبة لمن تأت بعد ويرددن: ربنا يهدينا. وعندما تتحجب واحدة منهن يهنئنها ويباركنها. ولكن خلع الحجاب بعد ارتدائه فيه تسجيل موقف".
الموقف العنيف من معظم الناس تجاه أي رأي نظري مختلف عن كون الحجاب فرض على كل مسلمة ورفض أي جدل بهذا الشأن مؤشر على مدى العنف الذي يمكن أن يواجه موقفا عمليا لفتاة تتخلى عن الحجاب وتدافع عن وجهة نظرها وقناعتها الجديدة.
قبل سنوات كان الموقف مختلفا، اضطرت شاهندة أن تدافع عن قرار ارتدائها الحجاب أمام والدتها وخالها. كانت طالبة في نهاية المرحلة الإعدادية وكانت مرتبطة بشدة بمدرسة اللغة العربية التي قالت لهم أنه حان الوقت، بينما رأت والدتها وخالها أنها لا زالت صغيرة على الحجاب ولكنها أصرت وارتدته.
تقول شاهندة :"كنت من المحجبات الملتزمات. لم أكن مقتنعة بالموائمة والحلول الوسط لكثير من المحجبات اللاتي يظهرن زينتهن بالتحايل على الحجاب ويفعلن كل شيء مع الحفاظ على غطاء الرأس. ولم أكن من أولاء اللاتي يخلعن الحجاب في الأفراح والمناسبات". وتضيف أن عادتها تلك في الحفاظ على موقف متسق تلتزم به ووجهة نظر تقنتع بها هو ما أدى إلى موقفها الجديد أيضا.
لم يكن هذا الموقف وليد شك ديني، ولكنها تراه قناعة دينية مختلفة.
خلال السنتين الأخيرتين من دراستها الجامعية، كانت تقضي وقتا طويلا وحدها مع أعمالها ومشروعاتها الفنية تتأمل في صور الأشياء، وفي صورتها أيضا. تعتقد أن شخصيتها واختياراتها في الحياة بدأت في التبلور في هذه المرحلة. تقول: "بدأت أعيد التفكير في أمر الحجاب، وعندما فضفضت لأمي مرة لم تأخذ كلامي مأخذ الجد. لم يكن تغيير رأيي مقترن بقراءة كتاب معين أو التأثر بكلام أحد. في هذه الفترة تغيرت نظرتي للعالم ولنفسي، لما أريد أن أفعله وما أريد أن أكونه، وعندما رسمت نفسي مرة بالحجاب لم أجد نفسي في الصورة".
ولكن لم تأخذ قرارها إلا بعد التفكير الطويل، فقناعتها الجديدة أن الحجاب جزء من نظام سائد أصبح مفروضا على الجميع، رجالا ونساء. نظام يحاول أن ينمط الجميع وأن يحافظ على موقف جماعي، يكون فيه السلوك الشخصي وكأنه جزء من موقف سياسي. تشير إلى الأدبيات الدينية التي تناشد المرأة أن تتحجب لأن ذلك يجعل الأمة الإسلامية أقوى. وترى أن هذا النظام يصور جسد المرأة وجمالها وكأنه مشكلة أو عبء عليها أن تقوم بحراسته طوال الوقت إلى الدرجة التي جعلتها تتمنى في لحظات أن تكون ذكرا لا أنثى لكي تحرر من هذا العبء.
وفي النهاية وصلت شاهندة لقناعتها الجديدة التي تلخصها ببساطة :"لم أعد أعتقد أن الله الذي أحبه يمكن أن يفرض عليّ نظاما عنيفا كهذا".
ولكن عنف معنوي كان بانتظار اختيارها الجديد، ولم تجد من يتفهمه. أمها ظلت غاضبة لفترة طويلة، أخوها الأكبر السلفي لم يحتمل الأمر وأخذ حقيبته وترك المنزل احتجاجا على السماح لها بذلك. وأخوها الأصغر كاد أن يضربها لأول مرة، وهددها وتوعدها إن تجاوزت وارتدت زيا قصيرا أو مكشوفا. إخوتها الذكور كانوا الأشد عنفا، كانوا يشعرون بالمسئوية نظرا لوفاة الوالد. لم يكن هذا الصدام الوحيد معهما ولكنه كان الأعنف. قبله كان دخولها كلية الفنون الجميلة – الحرام في رأيهما – ثم إصرارها على أنها مستقلة وغير تابعة لهما لأنها أنثى. وجاء اختيارها ذلك في ظل "تبعيتها" لهم – كما يعتقدون- ليهز صورتهم أمام الأقران والأقارب والجيران.
الأقارب حاولوا إثنائها عن قرارها وفي النهاية قالوا: مجنونة. الجيران في منطقتها الشعبية ظلوا يحدقون بها مستنكرين لفترة. تقول شاهندة :"الغريب أن بعض الجارات قلن لي ساعتها: مبروك يا عروسة، فلم أفهم. فيما بعد علمت أنهن ظنن أنه تمت خطبتي لأحدهم وهو الذي اشترط أن أخلع الحجاب، فلا يعقل أنني يمكن أن أقوم بشيء كهذا من تلقاء نفسي، بدون أن أكون تابعة لرجل يرضى عني".
وحتى في كليتها – الفنون الجميلة- والتي تتسم بانفتاح نسبي قابلها جفاء كبير من الزملاء والزميلات في الكلية. حتى غير المحجبات أو الزملاء الذين لا يكترثون بالدين قالوا أن تلك خطوة متهورة. بعض العابثين وجدوها فرصة مناسبة للبدء في "معاكستها"، ألم تصبح "متحررة"؟
تقول شاهندة: "صرت حديث الكلية لفترة، وبعض الزميلات تناقلن أنني بالتأكيد وقعت في "الغلط"، ومعيدة انتحت بي جانبا وقالت لي: فيه مشكلة في حياتك؟".
باستثناء أستاذ واحد أشاد بقرارها بينه وبينها، كان كل المحيط حولها عدائيا وعنيفا. تقول شاهندة: "رغم أن ملابسي لم تختلف أبدا، فقط غطاء الرأس لم يعد موجودا. لم أكن أهتم بالمبالغة في زينتي أو تغيير شكل شعري. ورغم ذلك استمر هذا الموقف لفترة واضطررت أن أكون حادة تجاه التعليقات والتلميحات".
في الأيام الأولى، فكرت شاهندة أن تعاود ارتداء الحجاب لتتجنب ردود الأفعال تلك، ولكنها الآن تقول أنها لا يمكن أبدا أن تندم على هذا القرار، هي تشعر الآن أنها متسقة مع نفسها. وما واجهته كانت ستواجهه على أية حال، وكانت بالفعل تواجه بعضه من قبل لأنها اختارات ألا تكون مطيعة لذلك "النظام" الذي يفرض على المرأة إما الخضوع التام أو التحايل والتواؤم والحلول الوسط.


نشر في الشروق 26 إبريل 2009

المزيد

الخميس، ٢٦ مارس ٢٠٠٩

من ضحايا إلى منقذات




نشر في الشروق - الأربعاء 25 مارس 2009 - صفحة 14
المزيد

الأحد، ٢٢ مارس ٢٠٠٩

قرى البدرشين العطشى ستنتظر طويلا


’’ تمدد البناء العشوائي أفسد المياه الجوفية، وشبكات المياه والصرف تحتاج كلها للتغيير. وحتى إشعار آخر، الجمعية الشرعية وجمعيات مقربة من الحزب الوطني يقيمون في كل منطقة محطات صغيرة لمعالجة المياه بالتبرعات والجهود الذاتية،،





وحده الخزان العالي لمحطة معالجة المياه بقرية المرازيق مركز البدرشين يحاول أن يطول أشجار النخيل التي تميز القرية وتنتشر على مد البصر، محيطة بالتجمعات السكنية الصغيرة والأبنية البسيطة المتلاصقة رغم سعة الغيطان الخضراء.
تقف المحطة الصغيرة في منطقة كفر بحري بالقرية وسط مساحة واسعة يحيطها سور قصير يفصلها عن تجمع سكني محدود تبدو آثار تمدده في أعمال بناء حديثة تزحف على مساحات حقول النخيل، وفي المساحة الواسعة حول المحطة يجلس حارساها اللذين تركا الكارافان الأبيض الصغير وفضلا الجلوس على راحتهما فوق حصيرة يشربان الشاي وبجوراهما مصدر المياه الحلوة: جركن بلاستيكي، لم يملآه من مياه المحطة التي يعملان بها، ولكن من محطة المعالجة الصغيرة القريبة التي تديرها "الجمعية الشرعية".
من سنين طويلة، لم تعرف قرية المرازيق مياه النيل الذي تطل عليه من شريط طويل بدأت تحتله حاليا فيلات فاخرة. وباستثناء أصحاب الأراضي الزراعية القليلة الباقية في هذا الشريط، فإن أهل القرية اعتادوا على مياه الآبار الجوفية سواء عبر الطلمبات، أو عبر محطة معالجة المياه التي كانت تابعة للوحدة المحلية ثم انتقلت تبعيتها للشركة القابضة لمياه الشرب. ولكن بسبب التكتلات السكنية العشوائية التي لا تخدمها شبكة صرف، اعتمد الأهالي على الصرف في "ترنشات" تحت الأرض بجوار المنازل، وكانت النتيجة أن مياه الصرف لوثت المياه الجوفية، فلم تعد مياه الطلبمات الصغيرة صالحة للشرب ولم تفلح محطة المعالجة القديمة في تنقيتها.
بعد الإلحاح في الدعوة على كوب شاي، مؤكدا أنه سيصنعه من المياه الحلوة، يقول محمد محمود، أحد حارسي المحطة، أن الاختبارات التي قامت بها الشركة القابضة وجدت أن نسبة الملوحة عالية جدا في مياه المحطة ، ولذلك يستخدمها أهل القرية في أغراض أخرى غير الشرب والطبخ، ومصدر المياه الحلوة – يشير بيده إلى الجركن- إما محطات الجمعيات أو الشراء من باعة المياه.
أينما ذهبت لن تفتقد مشهد عربات الكارو التي تحمل خزانات بلاستيكية ضخمة تجوب القرية تملأ الجركن سعة 20 لترا بمقابل يتراوح من نصف جنيه إلى جنيه، حسب المواسم وضغط الطلب. والسعر يرتفع في أطراف القرية التي يضطر سكانها إلى الاتصال بالباعة تليفونيا ليأتوا إليهم خصيصا وبالتالي يرتفع السعر.
يقول خالد عبد المنعم، موجه مادة الحاسب الآلي بمديرية البدرشين والذي يسكن في كفر زهران بالمرازيق: "تجارة المياه أصبحت رائجة، فالباعة يملؤنها في التبين أو حلوان من صنابير عمومية مجانا أو مقابل إكراميات قليلة للمكلفين من المجالس المحلية بتنظيم استهلاك المياه. والكثير من الأسر تحتاج إلى أكثر من جركن في اليوم، مما يشكل عبئا ماليا كبيرا على العديد من محدودي الدخل والفلاحين، ولذلك فمحطات الجمعيات أنقذت أهل المرازيق".
أنشيء معظم محطات الجمعيات أواخر العام الماضي، وهي محطات معالجة صغيرة تخدم محيطا محدودا حولها. في كفر بحري بجوار المحطة الرئيسية للقرية، توجد محطة معالجة أنشئت بتبرع من جمعية "حسن الخلق" القاهرية وتديرها "الجمعية الشرعية"، تملأ الجركن سعة 20 لترا مقابل 25 قرشا، ويمول الدخل تشغيل المحطة وأجور عمالها. الأطفال في الغالب هم المسئولون عن رحلات ملء الجراكن، ولذلك كلهم يعرفون جيدا الشيخ عبد ربه عبد الله المشرف على المحطة ويمازحونه وهو في طريقه من بيته إلى المحطة.
في منطقة كفر زهران الجمعية الشرعية حاولت تحفيف عبء النقل، الشيخ أحمد سعد، عضو مجلس إدارة الجمعية في كفر زهران يقول:"بعد إنشاء محطة معالجة في كفر زهران استأجرنا عربة بحصان تملأ خزانا كبيرا مكتوب عليه "الجمعية الشرعية" وتجوب القرية من السادسة صباحا".
بخلاف محطات الجمعية الشرعية، هناك محطات مماثلة تديرها جمعيات تنمية المجتمع المحلي التي يشكلها أبناء العائلات الكبيرة في القرية، وأغلبهم أعضاء في الحزب الوطني. منها محطة مياه في كفر بحري أمام منزل عائلة الدرجلي الشهيرة هناك، ويرأس مجلس إدارة الجمعية المحاسب وعضو الحزب الوطني ناصر الدرجلي. محطة تنمية المجتمع المحلي، تبرعت بها أيضا جمعية قاهرية هي "منابر النور" وتبيع الماء بنفس سعر الجمعية الشرعية بالإضافة لإتاحة اشتراك شهري قيمته 3 جنيهات يتيح للمشترك 30 جركن شهريا.
محطات الجمعيات الخيرية خففت كثيرا من تكاليف شراء المياه، إلى حين تتحقق الوعود بمياه نظيفة تصل للبيوت،وهي التي انتظرها طويلا أهالي قرية المرازيق ومعهم أهالي قرى أخرى حولها مثل الشوبك الغربي وأبو رجوان وسقارة وميت رهينة وحتى مركز البدرشين نفسه.
لى إحدى المقاهي بجوار سنترال البدرشين، يؤكد المحامي محمد سيف والمهندس محمد المتناوي أن المياه المستخدمة في أكواب الشاي والقهوة الموضوعة أمامهما ليست من مياه الصنبور، بل يشتريها أصحاب المقاهي خصيصا. يمسك سيف بكوب الشاي ويقول أنه حتى مدينة البدرشين لم يسلم من أزمة المياه الحلوة، وأهلها صاروا يعرفون درجة جودة المياه من استخدامها في الشاي، إن زادت رداءة المياه يبدو الشاي كالكاكاو وتطفو فوق طبقة غريبة سميكة.
سعر جركن المياه في مدينة البدرشين يرتفع مع المستوى المعيشي لأهلها ليصل أحيانا إلى خمسة جنيهات. وخاصة في الأجزاء الغربية من المدينة. يفسر المهندس محمد المتناوي ذلك بأن المحطة المركزية للبدرشين التي تضخ مياه النيل توجد شرق المدينة ونظرا لضعف شبكة المياه في المدينة وعدم تحملها الضغوط الكبيرة اللازمة لضخ المياه إلى غرب المدينة، يتم الاكتفاء بضغط مياه قليل واستكمال كمية المطلوبة من محطات مياه آبار جوفية.
يشكو معظم الأهالي من ارتفاع معدل الإصابة بأمراض جلدية وخاصة للأطفال، بسبب رداءة المياه. بالإضافة للشكاوى المتكررة من ارتفاع تكلفة استهلاك المياه واضطرار الأهالي لشراءها بسبب الانقطاع المتكرر للمياه ولفترات طويلة.
هذه الشكاوى تصل إلى المجلس المحلي للبدرشين الذي يذكر أعضاءه أن تبعية محطات المياه انتقل من مرفق المياه التابع للوحدات المحلية إلى الشركة القابضة لمياه الشرب التي لا سلطان للمجلس المحلي عليها، وإنما تتبع مباشرة وزارة الإسكان.ولكن أيمن عبد الحي المتناوي عضو المجلس المحلي، يقول مبشرا أن هذه الأزمة ستنفرج في شهر يونيو القادم حيث سيعاد افتتاح تجديدات المحطة المركزية القديمة للبدرشين. ولكنه يعترف أن ذلك لن يحل المشكلة إلا في مناطق محدودة في مدينة البدرشين، ويتفق مع خالد السقعان، عضو المجلس، الذي يؤكد أن المشكلة الأساسية ليست في كم المياه الحلوة، فمحطة البدرشين تعطي فائضا من إنتاجها للحوامدية، ولكن المشكلة تكمن في قدم شبكات المياه والصرف التي لا تتحمل ضغط المياه العالي اللازم لوصول المياه إلى كل المدينة وإلى القرى،وتحتاج كلها للتجديد والإحلال. يضيف خالد السقعان: "تعالوا إلينا في شهر يونيو لتشهدوا انفجار شبكات المياه والصرف في البدرشين والقرى تحت الضغط العالي للشبكة الجديدة". أيمن المتناوي، يعود ويؤكد أنه بالرغم من صحة ذلك الكلام إلا أن هناك ما يدعو للتفاؤل لأن البدرشين كانت تعاني الإهمال في رأيه بسبب تبعبتها لمحافظة الجيزة التي تهتم في رأيه بالمناطق الشمالية منها فقط، ولكنها الآن تمثل جزءا هاما من محافظة 6 أكتوبر، وتحديات مدينة كثيفة السكان مثل البدرشين تمثل أهم تحديات تواجه مسئولي المحافظة الجديدة.
البدرشين وقراها ينتظرون ذلك، وإن كان ظاهر الأمر أن الانتظار سيطول فشبكات المياه والصرف القديمة لا زالت على حالها. ومشروعات محطات المياه الصغيرة في القرى التي بدأت أواخر العام الماضي تقول أن الأهالي قد وطنوا أنفسهم على ذلك الانتظار الطويل.

- نشر في الشروق 21 مارس 2009
- تصوير: محمد حسن

المزيد

الخميس، ١٩ مارس ٢٠٠٩

الكثير من الكلام .. القليل من الإنصات

kalam
تصوير: السيد عبد القادر


عندما يتعلق الأمر بالدين، فالمساحات الحرة للتعبير على الإنترنت قليلا ما تكون نوافذ واسعة لرؤية الآخر والتواصل معه، وكثيرا ما تتحول إلى مجرد فتحات ضيقة في جدران متباعدة يختفي خلفها المختلفون في الدين أو المذهب أو حتى الرأي، يتبادلون من خلالها التصويب وإطلاق النار!

" حاربهم بمثل سلاحهم، وهو السخرية. فأنت كلما نشرت كلاماً قيماً سخروا منك، (إذن) كلما وجدت منهم كلاماً يبدو قوياً بليغاً .. اسخر منهم "
هذه واحدة من عديد من النصائح كتبها مشرف مجموعة على موقع "الفيس بوك" Facebook. المجموعة ليست مخصصة للحوارحول موضوع ما، ولكن هدفها يبدو من اسمها "الطريقة الفعالة للتعامل مع الجروبات(المجموعات) العلمانية المتطرفة التي تهاجم الإسلام".
يبدو الأمر كمعسكر تدريبي لأعضاء جبهة ما قبل الدخول إلى ساحة المعركة، ومشرف المجموعة ينصح الأعضاء بالاستعداد جيدا وينبههم إلى ضرورة الإطلاع الكافي على علوم الدين قبل الدخول في جدل مع "هؤلاء"، محذرا من أن خلاصة تجربته ودراسته لفكرهم وأساليبهم تؤكد أنهم "ليسوا مسلمين ولا علمانيين.. إنها حملات تبشيرية".

لقد وصل المتحاربون إلى "الفيس بوك" ! جزء من شبكة التواصل الاجتماعي الشهيرة تحول لخنادق للفصائل المتحاربة التي تحتل أجزاء لا بأس منها من المواقع والمنتديات وغرف الحوار والمدونات. باختصار، تحتل أجزاء كبيرة من المساحات التفاعلية على شبكة الإنترنت.
هذه المساحات تتيح لكل من يستخدم الكمبيوتر الإعلان عن رأيه والدعوة إليه والتعليق على آراء الآخرين والحوار معهم. بينما في الواقع الحقيقي، لا يمكن لفرد عادي أن يقوم بذلك إلى في دائرة معارفه الخاصة، وأما في المساحات العامة مثل الندوات العامة أو وسائل الإعلام، لا يمكن للجمهور الواسع إلا أن يكون مستقبلا، وإن تكلم فهو يسأل ويستفتي أهل العلم والتخصص، وإن أتيح له التعبير عن رأيه يجب أن يكون ذلك ضمن الهامش المتاح وبما لا يتجاوز الخطوط الحمراء، وفي الغالب أيضا سيكون هناك متخصص يرد ويصحح من وجهة نظره.
الموضوعات الدينية وما يتعلق بها هي من أكثر الموضوعات جذبا للاهتمام العام، وفي الإنترنت كما في الواقع تستقطب متحاورين عديدين. ولكن حالة الحوار وأسلوبه وما ينتهي إليه ليست مبشرة بالمرة بالنسبة لكثيرين.

"الأمر يشبه حالة شخص اشترى سيارة حديثة ولكنه لا يستغل من إمكاناتها سوى عجلة القيادة ودواسة البنزين" هكذا يشبه المهندس شريف عبد العزيز، صاحب مدونة "العدالة للجميع"، استخدام معظم المشتركين في حوارات دينية على الإنترنت. ويوضح فكرته أكثر "في كل تجربة جانب عاكس وجانب تفاعلي، في الجانب الأول الإنترنت عكست حالة الحوار الديني في الواقع بكل ما يسودها من توتر ويقين مسبق وكسل معرفي ورغبة كل فرد في تحقيق انتصار لما يؤمن به لكي يطمئن قلبه".
يعتقد عبد العزيز أن هذه خصائص الثقافة الدينية السائدة لدى كثيرين، وفي مدونته يحاول أن ينقد هذه الخصائص بهدف "إعادة تعريف الأصولية" كما يعلن في صدارة المدونة. "هذه الخصائص هي التي تفسد الجانب الآخر التفاعلي وتحرم المتحاورين من إمكاناته، فالإنترنت تتيح بسهولة معلومات عن الاتجاهات والمذاهب المختلفة ونقاط اتفاقها واختلافها، وبالتالي صورة أوضح للآخر. كما يتيح الحوار المكتوب مثلا فرصة أكبر للإنصات للآخر والتفكير في كلامه بل وتفكير الشخص في كلامه هو وتأمله جيدا، وهو ما لا يوفره الحوار السريع المباشر، ولكن هذه الإمكانات لا يستفيد منها معظم المتحاورين ويكتفون بترديد ما يؤمنون به وبتبادل الصراخ".
الصراخ هنا ليس مجازا. محاولة استطلاع الأمر في منتديات ذات شعبية أو غرف حوار صوتية مثل تلك التي تتيجها خدمات مثل IMRC أو Paltalk، إن كان الحوار يدور بين مسلمين ومسيحيين حول "الدين الصحيح" أو بين مسلمين سنة وآخرين شيعة حول "الإسلام الصحيح"، فإن الأمر قد يقودك لأن تسمع صراخا بالفعل، أو أن ترى بعض المتحاروين بالكلمات لا يكتفون بالعنف اللفظي بل ويدعمونه بحجم خط كبير وألوان ساخنة للتعبير عن مدى الغضب أو السخرية أو الازدراء.
ولكن هذا ليس الجانب الوحيد وإن كان طاغيا، فلا يمكن أن ننسى أن مدونة عبد العزيز نفسها تستفيد من حرية طرح الأفكار الدينية من قبل أفراد عاديين لا يتمتعون بشهرة ومكانة علماء الدين المتخصصين، وهو يطرح فيها بحرية أفكارا دينية تخالف الآراء السائدة والتقليدية، ولهذه المدونة وحواراتها الفضل في تعرفه على آخرين مقاربين له في طريقة التفكير وربما لم تكن لتتاح لهم فرصة اللقاء بسبب بعد المكان، فتعرفوا على بعضهم البعض من خلال تفاعل أفكارهم في فضاء الإنترنت. ولكن مدونته لم تعدم أيضا معارضين له يرون فيما يكتبه هو الجانب السيء في حرية "الكلام في الدين" على الإنترنت، من هؤلاء " الصارم الحاسم" .
"الصارم الحاسم" مهندس أيضا، ولكنه يفضل أن يظل خلف اسمه المستعار في مدونته وصفحته على الفيس بوك، ليعطيه ذلك حرية أكبر ويبقيه بعيدا عن طائلة أي قمع يطال أصحاب "الاتجاهات الإسلامية" التي توصف بـ"المتطرفة". أحيانا ما يصف "الصارم" نفسه في حوارات على المدونات بالمتطرف. كاستباق ساخر قبل أن يتهمه آخر بذلك بسبب انتقاده لما يراه تجاوزا لثوابت الدين و"جرأة على الله" على حد تعبيره، وهو ما يعتبره أكبر سلبيات الحوار الديني المفتوح على الإنترنت، ويقول:"الإيمان بالغيب هو أساس الدين، والفهم يأتي لاحقا، فهناك أشياء ربما لا نكتشف حكمتها على الفور، و يحتاج منا الأمر للامتثال والتسليم والرجوع لفهم السلف الصالح والعلماء الثقات لنكتشف الحكمة الإلهية في العديد من الأمور بدلا من التشكيك في ثوابت الدين".
معركة الثوابت
اقتربنا قليلا من ساحة المعركة. فمناقشة أو نقد العقائد وثوابت الدين من جهة، في مقابل التسليم بها ورفض التشكيك فيها من جهة أخرى، هي الصورة المتكررة للحوارات التي تتحول إلى معارك.
ومن بين الثوابت الأكثر إثارة للجدل ثم العراك، يبدو الحجاب في مكانة مميزة. فبرغم الحجج المكررة لأنصار الحجاب والانتقادات المكررة من قبل مهاجميه، لا تنتهي فصول المعركة أبدا. على موقع الفيس بوك تتكاثر المجموعات التي تتناول الحجاب بشكل زوجي،تنشأ المجموعة وفورا تنشأ الأخرى التي ترد عليها. الرد هنا ليس معناه الرد على الكلام فقط، بل أحيانا توجيه الدعوة لعدد كبير من الناس للتكاتف ومطالبة موقع الفيس بوك بحذف المجموعة الأخرى، أو محاولة "الاستيلاء" على المجموعة وإغلاقها بوسائل تقنية. وهو ما يشير إليه محمد ثابت، مشرف مجموعة "الحجاب ليس فريضة" عندما يحكي عن تعرضه لمحاولات قرصنة إلكترونية وتهديدات بسبب إنشائه لهذه المجموعة وإدارته لحوار حول "فرضية الحجاب". هذا غير محاولات إفساد الحوار داخل المجموعة بإغراقها بتعليقات خارج الموضوع أو شتائم. ورغم ذلك يؤكد ثابت "الجانب الإيجابي في مثل هذه الحوارات أنها أحيانا ما تنجح في اجتذاب بعض أصحاب الآراء شبه المتطرفة إليها، كما أنها تظل تذكر الأطراف الرافضة لفكرة التسامح الديني والأفراد من ذوي الثقافة والإطلاع المحدودين بأن هناك دائماً وجهة نظر أخرى أكثر اعتدالاً وتسامحاً وأن الرأي الديني المتطرف ليس هو الرأي الوحيد الموجود والذي لابد بالتالي من تبنيه والتحمس له"
الاعتدال والتسامح والتطرف مفاهيم نسبية خاصة بين من يتبنون أفكارا مختلفة، ولكن يظل، كما قال ثابت، لساحات الحوار الديني على الإنترنت الفضل في إتاحة حق الوجود لك الأصوات من كل الاتجاهات.
هذا الفضل هو ما يؤكده شادي سمير، صاحب مدونة " بهائي مصري" ويشير إلى أنه كان السبب في التحسن النسبي في النظرة لأبناء الديانة البهائية منذ إثارة قضية حقهم في إثبات ديانتهم في البطاقة الشخصية. ويقول "الإنترنت كان عاملا هاما في انفتاح غير مسبوق على البهائيين لم يحدث في باقي وسائل الاعلام. فقد أعطى الفرصة للبهائيين أنفسهم لعرض مشاكلهم وقضاياهم بشكل واضح دون اي مزايدات إعلامية. وأعطى المجال للبهائيين للرد على المعلومات المغلوطة المنتشرة عن الدين البهائي. وأتاح لناشطي حقوق الانسان والمدونين المتضامنين الفرصة لعرض وجهة نظر مخالفة للمألوف عن قضية البهائيين المدنية وأيضا الجانب الديني منها، كما أن ظهور مدونين بهائيين أعطى للأمر بعدا إنسانيا بدلا من صورة القضية المجردة".
ولكن هذا التحسن النسبي لم يكن كبيرا، فالإنصات إلى الآخر وتغيير أحد أطراف حوار ديني على الإنترنت لقناعاته أمر عزيز، وما يحدث غالبا أن ساحات الحوار هذه تساهم في توطيد علاقة القريبين في الفكر والقناعات، وهذا ماحدث بعد الجدل حول حقوق البهائيين.. "الصارم الحاسم" وآخرين معه كانوا صوتا واحدا أثناء الجدل رافضين لهذه الحقوق بدعوى أن "الدين البهائي دين وضعي لاحق للإسلام ولا يمكن الاعتراف به"،. في الوقت الذي كانت هناك "جبهة" أخرى متضامنة مع حقوق البهائيين، ضمت شريف عبد العزيز وآخرين ممن يرون أن الإيمان بأي دين لا يجب أن يمس التعايش بحقوق متساوية بين أبناء الديانات المختلفة. وكان من أبرز الأنشطة التضامنية التي نظمها هؤلاء، وقفة أمام مجلس الدولة أثناء نظر القضية وقف فيها شريف عبد العزيز وهو يرفع لافتة كتب عليها:" أنا مسلم أؤمن ببطلان الديانة البهائية، وأؤيد حق البهائي في إضافة كلمة "بهائي" في خانة الديانة بالبطاقة الشخصية له ولأولاده" مع الآية القرآنية: " إن الله يأمر بالعدل".
من الإنترنت إلى العالم الحقيقي
هكذا انتقل بعضا من نتاج الحوار على الإنترنت إلى أرض الواقع، وهو ما حدث ويحدث ولكن ليس كله مما يسعدنا.
فقبل ذلك في العام 2005، شهد حي محرم بك في الإسكندرية اشتباكات طائفية بسبب اتهام كنيسة محرم بك بعرض مسرحية رآها البعض مسيئة للإسلام، واستدعى ذلك جدلا ونقاشات متعددة على الإنترنت. غرف دردشة على الـ Paltlak ومنتديات إسلامية دعت أعضائها إلى التجمع أمام الكنيسة والتظاهر احتجاجا، ونظم بعضهم بالفعل رحلات من محافظات أخرى إلى هناك. وهو ما سبب في المزيد من تأجيج الاحتقان. ولكن في الوقت نفسه، كان مدونون آخرن يعبرون عن غضبهم ورفضهم لهذا الاحتقان وتداعياته، ووقعوا بيانا جماعيا حمل اسم "معا أمام الله .. نحو للمصارحة والمصالحة"، ودعوا فيه إلى معالجة جذرية لأسباب الاحتقان الديني في مصر.
هذا البيان كان نواة مبادرة شكلها مجموعة من المدونين من المسلمين والمسيحيين تحت نفس الاسم " معا أمام الله – مصارحة ومصالحة" ، وبدأت تتخذ شكلا مؤسسيا، وتخطط لأنشطة أساسها "المصارحة" بأسباب الاحتقان الديني لكي يمكن تحقيق "المصالحة" وتجاوز حالة التوتر الطائفي.
" الإنترنت كان نواة البناء الاساسية للمبادرة "تؤكد ماريان ناجي حنا، المنسق العام للمبادرة "التعارف تم بين عقول الأفراد أولا على الإنترنت، وبالتدريج ومع النقاش المستمر اكتشفنا إمكانية الحركة على الارض. ولكن حتى بعد تكوين المبادرة ظل الإنترنت الوسيلة الأهم والأفضل للتواصل والمناقشة بسبب ضيق الوقت والالتزامات"
الحوار والإنصات إلى الآخر هو أساس المبادرة، وهو ما تؤكد ماريان أنه غير موجود في الواقع الحقيقي لذا كان لابد أن يبدأ من الإنترنت " قبل الإنترنت لم يكن هناك حوار أصلا، ما كان موجودا هو تطييب الخواطر بعد كل أزمة، وإجراءات ومعالجات رسمية غير مجدية تتم بين الأزهر والكنيسة والحكومة". وتضيف ماريان "ولكن في الحقيقة لا الكنيسة تمثل جموع المسيحيين ولا المفترض أن تكون كذلك، ولا الأزهر يمثل المسلمين ولا المفترض أن يكون كذلك، ولا الحكومة تعبر عن جموع المصريين رغم أنها هذه المرة من المفترض أن تعبر عنهم...الإنترنت هو الذي ساهم في وجود حوار حقيقي بين الناس من الأغلبية والأقلية، صحيح أنه أحيانا ما ينتهي إلى معارك وخطاب كراهية ولكن على الأقل أصبح هناك حوار".
لقد قطع الإنترنت هذه المسافة ووضع الناس في مواجهة بعضهم البعض، ولكن ذلك ليس معناه أن هناك حالة حوار يسمع فيها كل طرف ما يقوله الآخر. شريف عبد العزيز، وهو أيضا المنسق المساعد لمبادرة "مصارحة ومصالحة"، لا يخفي تشاؤمه من حجم التأثير الإيجابي لهذا الحوار حتى في وجود مبادرات جدية ومخلصة "الاهتمام بقضية الاحتقان الديني يزيد وقت الأزمات ويقل بعدها ويعود الحال لما هو عليه، هل يجب أن يصل الأمر إلى حدث مروع يمسنا جميعا لندرك فداحة هذه المشكلة ويبدأ الناس فعلا في الإنصات لبعضهم البعض؟". لا أحد يتمني ذلك.

نشر في الشروق الأربعاء 18 مارس 2009

المزيد

السبت، ١٤ مارس ٢٠٠٩

من ليس معنا فهو ضدنا


TALABA
على كل طالب أن يحدد جبهته! - تصوير: أحمد عبد اللطيف

ساحة النشاط الجامعي لم تعد فقط مسرحا لـ"الحرب ضد الإخوان" على غرار حرب أمريكا ضد الإرهاب، فسياسة الأمن و"رعاية الشباب" تجاه الطلاب "الآخرين" من غير الإخوان تقترب أكثر وأكثر من طريقة خوض بوش لهذه الحرب:"من ليس معنا فهو ضدنا".

بعد حديث قصير مع مجموعة من أعضاء اتحاد الطلبة بكلية الآداب جامعة القاهرة في مقر لجنة الجوالة، وقبل أن يجيبوا عن سؤال يتعلق بمدى حرية نشاطهم واستقلاليته أو تبعيته لإدارة رعاية الشباب، تطوع مشرف لجنة الجوالة بالكلية وقدم إجابة عملية، تدخل متسائلا عن سبب إجراء هذا الحديث وطلب أن نوقفه فورا. لم يوجه حديثه مباشرة إلى الطلاب أعضاء الاتحاد، ولكنهم فور رحيله اعتذروا عن مواصلة الحديث وطلبوا ألا يتم نشر أسمائهم واقترحوا إن تم نشر ما قالوا أن ينسب بدون ذكر أسماء إلى "طلبة في كلية الآداب".
أعضاء اتحاد الطلبة ليسوا أي طلبة، من المفترض أنهم شخصيات عامة داخل الجامعة ويمثلون آلاف الطلبة، ومن المنتظر أن يكونوا بحكم اهتمامهم بالمجال العام شخصيات عامة في المجتمع. ولكن ما حدث، ويعد مؤشرا على درجة استقلاليتهم وتفهمهم لدورهم، ليس مستغربا أبدا بالنظر إلى الطريقة التي تدير بها إدارة "رعاية الشباب" النشاط الطلابي في الجامعة. والتبعية والخضوع لها من جانب الطلبة أعضاء الاتحادات الطلابية هو الوجه الآخر لما يملأ الصحف وقت الانتخابات الطلابية من أخبار الشطب والتهديد بالفصل للطلبة "الآخرين" الذين ليسوا معها.

"هذا ليس صحيحا" يعترض محمد معز، الطالب البارز في أسرة "شباب النيل" في كلية الهندسة، والأمين العام السابق للجنة الفنية في اتحاد طلاب الكلية، "نحن لسنا تابعين لإدارة رعاية الشباب، نحن فقط نجحنا في عقد علاقات قوية معهم وهو ما يسهل لنا ممارسة النشاط، أما شطب زملائنا من الإخوان والتيارات الأخرى، فهذه سياسة لا يمكننا تغييرها إذا كنا لا نحبها، فنحن لا نملك أمامها شيئا ولن توقفنا عن ممارسة نشاطنا".
ولكنها ليست فقط علاقات قوية، بل علاقات "حصرية". فهذه العلاقة التي تسهل ممارسة الأنشطة طول العام تنتهي في أوقات الانتخابات لتصبح "جلسة مغلقة" تضم الأسر المرضيّ عنها من قبل إدارة الشباب، لإتمام الانتخابات بطريقة التزكية عن طريق تقسيم مقاعد اتحاد الطلبة على هذه الأسر، وإما التعيين إن لم يتفقوا. وهو ما يؤكده معز ويتأسف أن الأسر الثلاثة في كلية الهندسة الناجية من الشطب والتي تحظى بحق "الجلسةالمغلقة": "شباب النيل" و"الفراعنة" و"فيو View" لم تتفق، وانتهى الأمر إلى التعيين الذي تجاهل معز هذا العام.
ولكن عضو نفس الأسرة محمد صبري، الطالب بالسنة الثالثة بقسم هندسة القوى الكهربية والأمين المساعد للجنة الفنية في اتحاد هذا العام "المعيّن"، يرى أن هذه "العلاقة التي تسهل ممارسة النشاط"- التي تحدث عنها معز- ضرورية ليتأكد المسئولين عن رعاية الشباب من أن هؤلاء الطلبة "مناسبون" ولن يسببوا أي مشاكل. صبري لا يرى الإقصاء والشطب قمعا ولكنه "حرص شديد" مشروع لحماية النشاط الطلابي. ويضيف صبري "من خلال هذه العلاقة أيضا نقوم بتعريف رعاية الشباب على الطلبة الجدد، نقيم حفلات استقبال ونضم "المناسب" منهم إلى أسرتنا ونعرفهم على أنشطة رعاية الشباب ".

شبكة أمنية وأخرى إخوانية
من الواضح أن شبكة العلاقات هذه، تحقق هدفها "الأمني" لدى إدارة رعاية الشباب وأمن الجامعة، لتمنع "تسلل" طلبة "مشاغبين أو مثيرين للقلق" في نظرهم. ولكن في الحقيقة هذه الشبكة لم تعد ذات معنى بالنسبة لطلبة الإخوان، فبعد سنوات من حصر النشاط الطلابي على هذه الشبكة وإقصاء ما دونها، لا يحاول طلبة الإخوان التعامل مع أنشطة رعاية الشباب، إلا في محاولاتهم المستمرة لتأسيس أسر. ولكن بخلاف ذلك فهم يدخلون إلى الجامعة ويصحبون معهم "شبكة علاقات" أخرى، يوفرها التنظيم خارج الجامعة كما يوفر هذا التنظيم دعما ماليا وبشريا لبدء الأنشطة الخاصة بطلبة الإخوان. ولكن يبقى في النهاية بلا داعم طلبة "الطريق الثالث"، إن جاز التعبير.
محمد عبد المحسن، الطالب بالسنة الثالثة بقسم الهندسة الكيميائية، من الأعضاء البارزين في فريق الغناء بالكلية وهو عضو أيضا في الفرقة القومية للموسيقى العربية. ورغم نشاطه الملحوظ وفوزه بالعديد من الجوائز في المسابقات الجامعية إلا أنه يشكو من أسلوب إدارة رعاية الشباب الذي يضعف النشاط الجامعي، ويرى أنه يلائم أكثر الطلبة ممن لديهم الوقت والرغبة في الدخول في شبكة العلاقات والقبول بشروطها، ويقول "هذه العلاقات أيضا تجعل الإدارة تركز على من يفيدونها، فتهتم باستقطاب الطلبة "الجاهزين" ممن لديهم قدرات ناضجة وليست مجرد مواهب، لأنهم مفيدون في المسابقات الجامعية ويحصدون الجوائز".
لهذا السبب، يحظى عبد المحسن بوضع خاص ويشترك في أنشطة وحفلات تنظمها رعاية الشباب، رغم أنه طالب ذو ميول ليبرالية وعضو في حزب الوفد، ولكنه لا يعول كثيرا على هذه الأنشطة وهامش الحرية المتاح من خلالها، ويرى أن النشاط الأفضل هو ما ينظمه الطلبة بشكل حر ومستقل، بعيدا عن الارتباط برعاية الشباب التي "تستسهل" وتريد تحقيق إنجازات وإقامة أنشطة في حدود هامش حرية ضيق، لذا فهي تجتذب بشكل أساسي الطلبة الراغبين في تحقيق "مصالح خاصة" من وراء النشاط.

الخط المفتوح

المصالح الخاصة لا تنطبق فقط على الاتهامات لبعض طلاب الاتحاد بالتكسب المادي من تنظيم الرحلات والأنشطة الأخرى، وهي الاتهامات التي يظل معظمها مرسلا ولا يمس إلا أفراد بعينهم. ولكن "المصلحة الكبرى" تتمثل في الخط المفتوح الواصل بين الاتحاد والأسر المرضي عنها وبين الحزب الوطني.
محمد معز، عضو أسرة "شباب النيل" كان ينفي أن يكون للحزب الوطني دخلا في إتاحة الفرصة لأسر بعينها يصل أفرادها إلى اتحاد الطلبة وهو يقول "الحزب ليس طريقا إلى الإتحاد، ولكن العكس صحيح: الاتحاد طريق إلى الحزب"،ويضيف أن العلاقة بين الحزب وبعض الأسر واتحاد الطلبة هي علاقة دعم وتعاون وليس سيطرة. فهو يشكو أن ميزانية الاتحاد ضئيلة ولا تكفي ويشيد بدور أمانة الشباب بالحزب الوطني في دعم النشاط.
يؤكد محمد صبري عضو الاتحاد ذلك ويقول "لسنا كلنا أعضاء في الحزب، ولكننا من خلال بعض الطلبة من أعضاء الحزب نحصل على الاعتمادات المالية لبعض الأنشطة".
في ظل القمع لبعض الطلبة ودعم آخرين، لا يمكن بالطبع الحديث عن نشاط طلابي حر ومستقل. يزيد الأمر صعوبة في نظر بعض الطلبة هو وقوعهم بين مطرقة الإدارة والأمن –أضف الحزب الوطني - وسندان الإخوان. وهي المشكلة التي يشير إليها محمد عبد المحسن عندما يقول أن الإخوان يريدون فرض ضوابطهم الخاصة التابعة لرؤيتهم الدينية على النشاط الطلابي وخاصة النشاط الفني، ويضيف أنه في الوقت الذي يتم فيه قمع طلبة الإخوان فأنهم يقومون أحيانا يقمع بعض الأنشطة و يعترضون عادة على إقامة حفلات غنائية مختلطة ويحكي أنهم قاموا قبل 3 سنوات بإفساد حفل غنائي، فأخذ أحدهم الميكروفون ووعظ الطلبة، بينما احتك آخرون بمنظمي الحفل.

" من حقنا أن نعترض، ولكن ليس من منهجنا إفساد أنشطة الآخرين" يرد محمد محيي الدين، الطالب بكلية الصيدلة والمتحدث الرسمي باسم طلبة الإخوان في جامعة القاهرة، ويقول" نحن نعلن اعتراضنا وننصح الآخرين وندعوهم للالتزام بالضوابط، التي ليست ضوابطنا الخاصة، ولكنها الضوابط التي يؤمن بها أغلب الناس الذين يمنحنوننا أصواتهم عندما تحدث انتخابات حرة". يستنكر محيي اعتبار الإخوان سببا في المشكلة "لا يمكن أن نسوّي بين الجاني والضحية، نحن نتعرض للقمع والشطب والفصل، ونحن نحترم الطلبة من كل التيارات والاتجاهات ونسعى للتعاون معهم، ولكن الطبيعي أن يقاوم الكل القمع والحجر على الطلبة ومن واجبهم أن يعترضوا على ما يحدث لطلبة الإخوان".
يعبر محيي الدين عن تفهمه لما يعانيه الطلبة المستقلون عن الكتلتين المتصارعتين مؤكدا: "الحرب ليست ضد الإخون أو غيرهم، الحرب على الوعي الطلابي وأي نشاط يحمل رسالة ما".

ممنوع الكلام !

إذا عدنا لكلية الهندسة كنموذج، فما يقوله محيي الدين يبدو منطبقا. فالنشاط السياسي والثقافي والفني المستقل عليه قيود شديدة، لا ينجو منها إلا الأنشطة التي تركز على الجانب الخيري وجانب تنمية المهارات الشخصية. ففي كلية الهندسة بدأ نشاط أسرة "رسالة" للأعمال الخيرية التي توسعت لتصبح جمعية "رسالة" الخيرية التي تنشط في مناطق متعددة، كما بدأ مشروع "ستب STP" الذي يهدف لتنمية مهارات الطلبة وتأهيلهم لسوق العمل، الذي انطلق من كلية الهندسة ليصبح مشروعا لكل طلبة الجامعات من مختلف المحافظات. ولكن حتى هذه الأنشطة تتعرض لمضايقات وعوائق إذا بدا للإدارة أنها بصدد توجيه أي "رسالة" أخرى موازية لعملها. فأسرة "رسالة" تم تجميد نشاطها في كلية الهندسة، ويعتقد معظم الطلبة أن ذلك جاء بسبب محاولة بعض أفراد الأسرة توجيه رسالة دعوة دينية بجانب النشاط الخيري وهو ما أدي للتجميد الذي يرفض قادة الأسرة الحديث عنه وعن أسبابه أملا في التوصل لحل ودي مع الإدارة.

"ستب" واجهت أيضا مشكلة العام الماضي بسبب دعوتها لأفرادها لتجمع في حديقة الأزهر وقيام أحد الطلبة بإلقاء كلمة عامة. التخوف من أن يتم جمع الطلبة خلال نشاط ما "مسموح" وتوجيه رسالة ما إليهم خارج نطاق "الرقابة"، سبب بعض المشاكل لـ"ستب" واضطرهم لنقل اجتماعهم السنوي العام الماضي إلى قاعة القبة داخل الحرم الجامعي بعد فشل تسوية هذه المشكلة مع عميد كلية الهندسة.
بدو كلية الهندسة بجامعة القاهرة أرضا خصبة للعديد من الأفكار والمبادرات المستقلة التي تنطلق خارجها إلى مجال أوسع. وربما كانت أحدث هذه المبادرات هي أسرة "عشاق الحياة" التي أسسها هذا العام طلاب مستقلون لهم اهتمامات مختلفة وبعضهم له ميول سياسية ليبرالية أو يسارية ومعظمهم مهتم بممارسة نشاط مختلف. مؤسسو "عشاق الحياة" ينطلقون من فكرة الاستقلال والرغبة في تأسيس تيار ثالث يعبر- وفقا لبيان تأسيس الأسرة - "عن جموع التجارب الجديدة و الطلبة غير الممثلين وغير القادرين على التعبير عن أنفسهم في ظل مناخ الجامعة الحالي". ويكون بديلا عن الاتجاهين الذين يسيطران على الحياة الجامعية، وهما – بحسب البيان أيضا – تيار محافظ يضم التيارات الدينية وبعض المجموعات الخيرية وتيار آخر يضم الأسر التي تخدم مصالح أفرادها الذاتية او مصالح إدارة الكلية أو جهات أخرى.

"معانا ولا مع التانيين !"

ولكن يبدو أن الكثير من العوائق تنتظر الطموح الكبير لـ"عشاق الحياة"، حيث يقول مجد زهران، الطالب بالسنة الثالثة بقسم الهندسة المعمارية وعضو "عشاق الحياة": "واجهنا مشاكل متعددة في تأسيس الأسرة و اضطررنا لدفع كل من نعرفه من أساتذة الجامعة للتوسط من أجل قبول أوراق الأسرة بعد مماطلة رعاية الشباب، وفي انتخابات هذا العام تم شطب كل طلاب الأسرة .. إنهم يحاربون كل تجربة جديدة بـ"الزهق"، يردوننا أن نمل ونتعب وننسى التفكير في الأمر".
يوضح محمد أنور، الطالب بالسنة الرابعة بقسم الهندسة الطبية وعضو الأسرة دور شبكة العلاقات إياها التي حاولت احتوائهم أو مواجهتهم "لقد فوجئت الإدارة بنا وبعددنا الكبير مقارنة بأسرة حديثة، فحاولت من خلال الأسر القريبة أن تحتوينا عن طريق دفعنا للاشتراك في لعبة تقسيم المقاعد بالتزكية ولما رفضنا كان نصيبنا الشطب بعد "قعدة الأمن" التي تعقب تقديم أوراق الترشيح، وفيها يحضر ممثلون عن رعاية الشباب والأمن وقادة الأسر المقربة ويقوم كل قائد أسرة بتحديد أوراق الطلبة المرشحين عن هذه الأسرة، والأوراق الباقية تخص الطلبة المستقلين ومنهم طلبة "عشاق الحياة"، لأن الإخوان لم يرشحوا أحدا هذا العام" ويضيف "كل اللي مش معاهم تم شطبه".
الاستبعاد من الانتخابات كان متوقعا من قبل طلبة المجموعة الوليدة، وكذلك عدم الاعتراف بهم وتسجيل الأسرة حتى الآن، ولكنهم بدأوا بالفعل في العمل كمجموعة مستقلة ترفض القبول بالهامش الضيق من الحرية، و تقاوم سياسة "من ليس معنا فهو ضدنا" بلغة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش أو "إنت معانا ولا مع التانيين" كما تقول النكتة. فالمجموعة بدأت في التعاون مع أعضاء هيئة التدريس القريبين منها ونظمت على مدار العام الدراسي الحالي عشر عروض لأفلام قصيرة أنتجها شباب ضمن خطة لنادي سينما أسبوعي، وبدأ نادي هواة التصوير الفوتوغرافي التابع للمجموعة نشاطه برحلة تصوير إلى جزيرة القرصاية ويعد لورش تصوير يشرف عليها فنانون ومحترفون، وتخطط المجموعة لتخصيص يوم ثقافي دوري يتضمن عروضا موسيقية وقراءات أدبية.

أسرة "عشاق الحياة" واحدة من تجارب مماثلة أو قريبة تتناثر هنا وهناك في الجامعات المصرية، ربما تنجح في فترة قصيرة في اجتذاب العديد من الشباب الذين يريدون التعبير بحرية، ليس بالضرورة تحت شعار سياسي، ولكن عن طريق التجمع حول ما يحبونه من الفنون والثقافة وطريقة التعبير. ولكن المعركة القاسية التي لا يقوى تنظيم قوي وعريق مثل الإخوان على مواجهتها، تجعل كثيرا من تلك التجارب تنتهي بعد قليل من مولدها إن لم يكن لديها أكثر من حرارة الأمل والحماسة. لننتظر ونرى.

من ليس معنا فهو ضدنا - الشروق 12 مارس 2009
المزيد

الجمعة، ١٣ مارس ٢٠٠٩

أول فيلم وثائقي عن البطل المنسي أحمد عبد العزيز

قائد المتطوعين الذي منعوه من التقدم نحو القدس وقتلته "نيران صديقة"البطل أحمد عبد العزيز وموشى ديانصورة نادرة للبطل أحمدعبد العزيز يتفاوض مع موشى ديان واقفا رافضا أن يجلس معه على طاولة واحدة.

لم تكن المرة الأولى التي يحاول فيها سائق التاكسي أن يمزح وهو يتجه إلى شارع "البطل أحمد عبد العزيز" في المهندسين، فيتساءل مستنكرا أنه لا أحد يعرف في أي رياضة كان ذلك البطل! ولكن مجرد ذكر شيء من تاريخ البطل الراحل قائد كتائب المتطوعين في حرب فلسطين عام 1948، يعيد الجدية إلى الحوار، ومعها أحيانا بعضا من الأسى.
بالتأكيد كانت الجدية ستزيد وسيخفت الأسى مؤقتا ليحل محله بعض الاعتزاز، لو أن هؤلاء الذين لا يعرفون البطل، رأوا صورته النادرة وهو يتفاوض مع موشى ديان- قائد قوات قطاع القدس آنذاك- من الوضع واقفا، رافضا أن تجمعهما طاولة واحدة. وذلك بعد أن تكبدت القوت الإسرائيلية خسائر كبيرة في معركة "جبل المكبر" قرب القدس أمام قوات المتطوعين، فكانت الهدنة التي دعت إليها هيئة الأمم، وقالت مصادر عسكرية أنها بطلب من الجانب الإسرائيلي.
الصورة هي إحدى الوثائق النادرة التي يكشف عنها الفيلم الوثائقي "الطريق إلى القدس" الذي أنتجته قناة "الجزيرة" الوثائقية ونفذته شركة "إيمدج باور" المصرية وأعده وأخرجه رضا فايز.الفيلم الذي يعد الأول من نوعه عن البطل، تم الانتهاء منه في مناسبة مرور 60 عاما على نكبة فلسطين ومقتل أحمد عبد العزيز.
يلقى الفيلم الضوء على جوانب هامة من حياة البطل الراحل، منذ ولادته عام 1907 في الخرطوم لأب عسكري كان في مهمة للجيش المصري هناك، ثم اعتقاله شابا بتهمة قتل ضابط إنجليزي انتقاما لمقتل أخيه عمر أمام عينيه برصاص الإنجليز أثناء اشتراكهما في مظاهرات 1919، ثم الإفراج عنه بعد عفو عام عن المعتقلين السياسيين. وكونه أول ضابط في الجيش المصري يطلب إحالته إلى الاستيداع ليصبح قائدا للقوات الخفيفية الكوماندوز التي تضم متطوعين وتتبع جامعة الدول العربية، والمتجهة إلى فلسطين بعد قرار التقسيم عام 1947.


من خلال وثائق ودراسات متخصصين وشهادات أفراد من أسرته ومتطوعين كانوا ضمن قواته ومعاصرين له أهمهم الفريق سعد الدين الشاذلي، يسجل الفيلم جوانب من يوميات معاركه ضد العصابات الصهيونية التي أصبحت فيما بعد قوات دولة إسرائيل. ويكشف عن الوثيقة التي يأمره فيها قائد الجيش المصري النظامي بوقف التقدم نحو القدس الغربية قبل يوم من قبول الحكومات العربية للهدنة الثانية، بعد أن كانت قواته تكبد القوات الإسرائيلة خسائر كبيرة وتقطع خطوط اتصالاتهم، وبعد أن طلب عبد العزيز أن يمهلوه يوما واحدا لكي يستولي على كل المستعمرات الصهيونية وتصبح كل القدس في أيدي القوات العربية.
تظل قوات المتطوعين مرابطة ما بين بيت لحم وصور باهر قرب القدس، إلى حين الحادث الغامض الذي قتل فيه أحمد عبد العزيز في أغسطس 1948، بعد ساعات من اجتماعه مع موشى ديان، وأثناء توجهه في سيارة جيب مع صلاح سالم إلى مقر قيادة الجيش المصري في غزة لينقل لهم ما دار في الاجتماع، وكان صلاح سالم موفدا من الجيش المصري لكن عبد العزيز أصر على العودة معه ليبلغ القيادة بنفسه ماحدث.
تتعدد الروايات حول مقتله، وما نشر في "الأهرام" من روايات رسمية ومنها رواية صلاح سالم أن السبب نيران صدرت بالخطأ من كتيبة مصرية كانت تعسكر في منطقة "عراق المنشية" واشتبهت في السيارة. بينما تشير رواية أخرى أنها مجموعة فلسطينية مقاتلة تقوم بعمليات عشوائية واشتبهت أيضا في السيارة. ويلمح البعض إلى دور قيادة الجيش المصري الغاضبة من أحمد عبد العزيز وحماسه وعدم التزامه التام بالأوامر، وهناك روايات عديدة تلمح إلى أنها عملية اغتيال ورائها الملك فاروق الذي خشي من تصاعد نجم أحمد عبد العزيز الذي بدأت الصحافة تصفه بـ"البطل" متابعة لمحمد حسنين هيكل الذي نشر بعضا من يومياته وصوره في الجبهة في "أخبار اليوم"، وبدأت الناس تنتظر أخباره. هناك رواية أخرى تلمح إليها بعض المصادر من مؤرخي الإخوان المسلمين عندما تنقل إشارة حسن التهامي إلى أن كتيبة"عراق المنشية" كانت في ذلك الوقت تحت قيادة جمال عبد الناصر.
يشير الفيلم إلى بعض الروايات ويلمح إلى أخرى، وبعض الروايات توفر تفسيرات مبدئية لحالة النسيان والتجاهل لسيرة البطل الراحل. يضاف إليها أن قسم كبير من قوات المتطوعين كان من جماعة الإخوان المسلمين، وأن البطل لم يكن ضمن تنظيم الضباط الأحرار رغم أن كمال الدين حسين- عضو مجلس قيادة الثورة لاحقا- كان من بين قواته ورغم اعتراف أغلبهم بأستاذيته والإشارة لمكانته فيما بعد.
مما يسجله الفيلم نقلا عن مذكرات كمال الدين حسين أن أحمد عبد العزيز قال له ذات مرة، بعد تعرضه للإحباطات، أن الجهاد الحقيقي يبدأ من مصر، وتحديدا من قصر عابدين.الفيلم الذي استغرق إعداده عشرة أشهر مرشح للاشتراك في مهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقية ومن المنتظر عرضه بعد انتهاء المهرجان الشهر القادم. وتبلغ مدة الفيلم 100 دقيقة تنتهي بمشهد النصب التذكاري المشيد عند قبر البطل الراحل في قبة راحيل شمال بيت لحم بفلسطين، قبل أن يتم نقل جثمانه إلى القاهرة لاحقا.
ويبدو أن الإسرائيلين لم ينسوا بعد البطل الراحل، فشاهد قبره القديم لا يزال محاطا بأسوار عالية وأسلاك شائكة تظهر من ورائها أبراج مراقبة يقف فيها حراس مسلحون ويرفرف فوقها العلم الإسرائيلي.


نشر في" الشروق" - 12 مارس 2009 - صفحة 5 أول فيلم وثائقي عن البطل المنسي أحمد عبد العزيز - الشروق 12 مارس 2009
المزيد