الخميس، 30 أبريل 2009

البجعة الجميلة تذهب إلى العمل


عندما تدق الساعة الخامسة مساء ويهم المحاسب هشام عز الدين بمغادرة البنك، يخلع سترته ويضعها على كتفه ملتقطا طرفها بإحدى يديه وبالأخرى يخفف من إحكام ربطة عنقه وهو يتنفس الصعداء.
" الشغل في مصر بقى حاجة تخنق" كثيرا ما كانت تلك هي الجملة الأولى لهشام وهو يلقى بسترته على مقعده المفضل في المقهى القريب، حتى قبل ان يلقى التحية على أصدقائه من موظفي البنوك والشركات المجاورة الذين يلتقيهم بشكل يومي بعد مواعيد العمل ويتبادون أحاديث يدور معظمها حول هذه الفكرة وتفاصيلها..
صراعات ما قبل إعلان الترقيات، التنافس والغيرة والتقييم المتبادل، العلاقات مع الرؤساء والمرؤوسين، التفكير في تغيير مجال العمل أو مكانه، التذمر من المرتب المجحف بالمقارنة بالمجهود أو بآخرين في نفس المجال أو بالأقساط مستحقة الدفع كل أول شهر.
هذه الحالة ليست سمة "الشغل في مصر" فحسب. ليس فقط لأن البنك الذي يعمل به هشام هو فرع لبنك دولي، ولكن لأن هذه المشكلات تواجه كل من يعمل في كل مكان. وهو ما استدعى الإقبال العالمي من قبل كلا من الشركات والأفراد على مجال "التنمية الذاتية" أو "التنمية البشرية" لمعالجة هذه المشكلات ولتحقيق توازن مرضٍ بين أهداف المؤسسات وأهداف الأفراد العاملين بها. ومن جانب آخر الوصول لمعادلة للتوازن بين الحياة والعمل عند الأفراد.
"العمل قد يمنحنا الحياة ولكنه قد يقتلنا أيضا" هكذا تقول ميتي نورجارد، الكاتبة الدنماركية وخبيرة التنمية البشرية في كتابها "البط الدميم يذهب إلى العمل" الذي ترجمه د. شكري مجاهد ونشرته دار العبيكان. الاسم الغريب للكتاب نسبة لعنوان إحدى قصص الأديب هانز كريستيان أندرسون: "فرخ البط الدميم".
ففي كتابها تستلهم نورجارد خلاصة الحكمة التي تتضمنها قصص مواطنها الأديب الدنماركي، لتطبقها من وجهة نظرها على مشكلات العمل المعاصرة.
وجدت نورجارد في القصص الخيالية التي أحبها الملايين من الكبار والصغار مثل الإمبراطور المخدوع بالزي السحري أو الخنفس المتكبر أو شجرة الصنوبر، معان وأفكار تصلح للحياة والعمل معا. لذلك تهدي هذا الكتاب إلى من يبحثون عن الحياة والحيوية في العمل. من يريدون أن يعيشوا أثناء العمل، ولا يعتبرونه وقتا يبيعونه مضطرين من أجل أموال سيستمتعون بها باقي الوقت وهم يرددون أن "الشغل لا يطاق”.
وهذا ليس لصالحهم فقط، بل لصالح المؤسسات والشركات أيضا.ففي الأعمال التي تتطلب الإبداع والتفكير واتخاذ القرار، وليس تنفيذا آليا مكررا لمجموعة من الأفعال، بالتأكيد سيكون الأفراد الأقل تكيفا والأكثر ضجرا وتذمرا من العمل، أقل كفاءة وإنتاجية.
وكما يقول ستيفن كوفي- صاحب الكتاب الشهير "العادات السبع للناس الأكثر تأثيرا"- في تقديمه لكتاب نورجارد أن موضوعه له علاقة كبيرة بالمرحلة الانتقالية من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات، "في مؤسسات العصر الصناعي تصنع القرارات المهمة في قمة معزولة عن أفراد ينشغلون فقط بالمفكات والأدوات. أما في عصر المعلومات فالقيادة موزعة على الجميع".
مشاهير خبراءة التنمية البشرية عادة ما يكونون مستشارين لشركات رأسمالية كبرى، ونورجارد كذلك. إلا إنها تتمتع ببعض التوازن. فكما تقترح على المؤسسات بعض التعديلات في سياساتها لكي تساعد الأفراد على التحقق والإبداع، تقترح أيضا على الأفراد التكيف في إطار نظم العمل المعروفة وألا يندفعوا وراء الخيال والأحلام. القصص الخيالية لن تدفع نورجارد لأن تكون غير "عملية"، في النهاية محور الموضوع كله هو "العمل".

1- "إني أرى الامبراطور عاريا !"
يحدث أحيانا أن يقدم المدير إلى مرؤوسيه رؤيته لمشروع أو حله المقترح لمشكلة معينة. يعتقد بعضهم أن هذه الرؤية بها خطأ ما أوأن حله به ثغرة، ولكن لأن معظمهم يشيد بحكمة المدير بشكل أوتوماتيكي أو على الأقل يهز رأسه تخوفا من أن يكون اعتراضه هو الخاطيء، فإن المتأكدين من خطأ كلام المدير أو من لديهم رأي آخر متمسكون به سيجدون أنفسهم أمام خيارين: مجاراة المدير والزملاء أو الاعتراض والمغامرة بالخروج عن السياق.
هذا ما رأته ميتي نورجارد في قصة "ملابس الامبراطور الجديدة". في القصة يقنع نصابان الإمبراطور المهتم بزينته ومظهره أنهم سيصنعون له ثوبا بديعا من نسيج سحري لا يراه الذين لا يستحقون أن يكونوا في مناصبهم. وعندما يبدأ النصابان في النسج، يرسل الإمبراطور مستشاريه ووزرائه، وعندما لا يرون شيئا ينسج يكون عليهم إما التصريح بما رأوه والمغامرة بأن يكون ذلك اعترافا أنهم ليسوا جديرين بمناصبهم، أو التظاهر برؤية النسيج السحري والعودة للإمبراطور وطمأنته أن الثوب سيكون رائعا. يصل الأمر في النهاية إلى أن البلدة كلها تتظاهر بأنها ترى الثوب غير الموجود، ومنهم الإمبراطور نفسه. بل ويستسلم الإمبراطور للنصابين ويتركهما يلبساه الثوب الخفي ليسير في موكب حاشد عاريا تماما ولكنه يسمع إشادة الناس بمظهره. ويستمر الأمر حتى يكشف بعض الأطفال الأمر ببراءة وهم يرددون "الإمبراطور عار! الإمبراطور لا يرتدي شيئا!”. الأطفال ليس لديهم حسابات وليست لديهم مناصب يخافون ألا يكونوا جديرين بها.
في مثل هذا الموقف يتعرض الناس لاختبار: إيثار السلامة أم التزام الأمانة؟ هل يعلنون ما يرونه حقا ويتحملون تبعته لو كان خطأ أم يحافظون على مكانتهم مؤقتا؟
تحذر نورجارد من أن إيثار السلامة وراءه الاعتقاد أن رضا المدير أو الرؤساء الشركات هو سبب وجودننا في أماكننا، ولكن هذا ليس صحيحا دائما في رأيها. الرؤساء يتغيرون.والمؤسسات نفسها قد تتغير أويعاد هيكلتها. وعلى كل فرد أن يعتبر نفسه عاملا حرا ضمانه الوحيد هو كفاءته في هذا العالم المتغير. وعندها سيكون مجاراته للآخرين على ما يعتبرونه صحيحا هو خداع لنفسه أولا لأنه لن يسأل ولن يناقش ولن يتعلم، فقط سينفذ الأوامر ويعتمد على علاقته الحسنة برؤسائه.
نهال عمران، المتخصصة في إدارة الأعمال، والتي عملت لفترات في منظمات المجتمع المدني المحلية أو الدولية تقول "للأسف، العلاقة الشخصية مع الرؤساء لا الموضوعية هي التي تحكم معظم علاقات العمل التي رأيتها، قيمة الخصوع هي الأعلى وبالتالي التملق وحفظ المقامات هما وسائل الترقي، وأن تكون حازما ومباشرا يهدد بخروجك خارج السياق وفقدانك للتجانس مع محيطك".
تؤكد نورجارد أن الميل للتلاؤم هو أمر فطري لدى الإنسان، إلا أن الإنسان في سعيه لذلك قد يخلط بين "جوهر وجوده" وبين "ظيفته الحالية". هوفي هذه الحالة يفتقد دور "مديره الذاتي" الذي يضع الحدود بين الاثنين. في قصة الامبراطور تظاهر كل الناس بأنهم يرون الثوب السحري لأنهم خافوا من أن يكونوا غير جديرين بمناصبهم، وكأنه هوكل وجودهم. العمل يشكل جزءا كبيرا من هوية الإنسان، ولكن ليس عملا بعينه أو وظيفة بعينها.
نمط الحياة المعتمد على الاستهلاك المفرط والديون والأقساط يهدد بافتقاد ذلك التمييز. الرعب من فقدان الوظفية الحالية يؤدي بالتأكيد إلى "إيثار السلامة". "الديون تذهب بالشجاعة" هكذا تقول نورجارد. ولنفس السبب تعتبر نهال عمران أن نمط حياتها المتحرر من الديون والأقساط المؤجلة له الفضل في تحررها لبعض الوقت من الوظائف التي لم ترق لها حتى عثرت على غيرها.
في بعض الأحيان، لا يكون "إيثار السلامة" سكوتا عن خطأ ما، ولكن إسكاتا لرأينا وتفضيلاتنا في مجالات تعتمد بالأساس عليها، مثل المجالات الفنية أو تلك التي تعتمد على التقدير بناء على الخبرة. مجاراة السائد في وسط ما قد يضمن أمان وظيفي مؤقت، ولكنه يحول بيننا وبين الترقي الحقيقي في المجال أو اختبار مقترحاتنا واتجاهاتنا وربما يحرمنا من فرص عظيمة ويجعلنا نخاف من الإبداع والتجديد. تحذر نورجارد: "المغالاة في صفة العملية والهوس بحساب تفاصيل حياتنا المهنية قد يجعلنا نفصل حياتنا لتناسب توقعات أناس آخرين".

2 - "هذا ليس مكاني!"
"فرخ البط الدميم"، في قصة أندرسون التي تحمل نفس الاسم، لم يكن يشعر بالتوافق والانتماء. أحس نفسه مختلفا عن البط، وهم أيضا أحسوا بذلك. وكانت رغباته وأحلامه أيضا مختلفة. ورغم تأنيب الدجاجة له على هذه الأحلام: "أنت فقط تشعر بالفراغ، عليك أن تجد شيئا يشغلك"، ورغم متاعب كثيرا واجهها، فإن فرخ البط قد استمر في التنقل يبحث عن مكان له وعن مجموعة ينتمي إليها. وبينما كان يهيم حبا في شكل البجع الجميل، اكتشف في لحظة عندما نظر في صفحة مياه البحيرة أنه أيضا بجعة جميلة.
أحيانا تكون المشكلة أننا لا ننتمي إلى هذا المكان أوهذه الوظيفة. قد يجعلنا الخوف من المغامرة نقبل بحالتنا المتواضعة أو السيئة في مكاننا الحالي. ولكن كماه هي العادة، فإن القبول بالمغامرة هو الطريق الوحيد لمكان آخر نتحقق فيه بشكل أفضل.
ميتي نورجارد نفسها مرت بهذه التجربة، فقد كانت طبيبة علاج طبيعي. ولكنها كانت تشعر بأن تحققها ونجاحها هو في مكان آخر. فتركت الطب واتجهت لمجال الإدارة والتنمية الذاتية. وانتقلت من الدنمارك إلى الولايات المتحدة لتحقق نجاحا كبيرا وتعمل في أشهر المؤسسات في هذا المجال "مؤسسة فرانكلين كوفي، قبل أن تفتتح مكتبها الاستشاري الخاص في نيويورك.
ترى نورجارد أن "الإنصات إلى شغفنا الداخلي" هو الطريق إلى "اكتشاف الذات". بشرط أن نمارس ذلك بنضج، وأن نخوض المغامرة بحساب وأن نكون على استعداد لتحمل تبعاتها. والأهم ألا نخدع أنفسنا هروبا من مشكلات تواجهنا، وهو ما يمكننا أن نعرفه حين نواجه أنفسنا بصدق.
إيمان عبد الرحمن، مهندسة الاتصالات التي تعمل في شركة متعددة الجنسيات، تشعر أحيانا بالملل من الوظيفة التي تتضمن الاهتمام بتفصيلة صغيرة بشكل مكرر إلى حد الملل أحيانا. وبعض أحلام التغيير تراودها في عمل أكثر إبداعا تديره هي من أوله وتخطط له. لا تنكر أن بعض الأحلام تكون كالمسكن وقت الإحباطات: "نهرب من الواقع للحظات حتى نستطيع استكماله". ولكن تحفزها لفرصة مناسبة لتحقيق بعض أحلامها قد يجعل من تلك الأحلام واقعا يوما ما.
تحذر نورجارد من أن بعض أفكار التغيير هي أحلام الحياة المثالية، مثل الرغبة في الاشتغال في الفن أو احتراف الكتابة، وقد لا تكون الظروف أوالقدرات ملائمة:"قد يمنحنا أسلوب الحياة المثالي الحلم والإلهام، إلا أنه لا يبنى سقفا فوق رؤوسنا".
قد تمثل الرغبة في التغيير خروجا إلى فضاء العالم الواسع بدلا من حصر أنفسنا في طريق بدأناه أوقرار اتخذناه في لحظة معينة. ولكن قد يكون التغيير الأهم أحيانا هو "تغيير أنفسنا لا وظائفنا". وأمام هذه المعضلة يظل "الإنصات إلى صوت الشغف الداخلي" و"قبول نتائج المغامرة" هما الفيصل. هل نستمع إلى قول جوناثان يانج: "التمسك بالوظيفة الحالية، والبحث عن سبل لبعث حياة جديدة فيها لا يقل بطولة وإبداعا مؤثرا عن قرار ترك العمل"، أو إلى قول جيم كولنز ونتبع إجابة السؤال:"ما الشيء الذي أحبه إلى درجة تخلق عندي الدافع والانضباط اللازمين لتحقيقه؟ ما الشيء الذي أحبه إلى درجة تجعلني أطمح إلى العظمة؟"

3- "هذا ليس مقامي!"
قد يكون وراء قرار "هذا ليس مكاني" هو دافع آخر: عندما نشعر أننا لا نلقى المكانة والتقدير الذي نستحقه.
في قصة أندرسون ترك الخنفس إسطبل الإمبراطور غيرة من الحصان حصل على حدوات ذهبية مكافأة له على إنقاذه الامبراطور في إحدى المعارك. فقد طلب تقديرا مماثلا وعندما رفض طلبه قال: "حسنا! إنها إهانة. أنا خارج إلى العالم الواسع". وبعد سلسلة من المواقف التي استمر فيها الخنفس يرى نفسه في مكانة أرفع من التي تتاح له.وعندما يتم تقديره يتعالى على من قدروه. وفي النهاية عندما لم يجد ملجأ إلى الإسطبل وعاد إليه مرة أخرى أنقع نفسه أن تقدير حصان الإمبراطور هو تقدير له أيضا لأنه ساعتها سيمكنه أن يعتلي ظهر حصان ذي حدوات ذهبية.
أحيانا ما يتعلق بصرنا بالمكانة: اسمنا الوظيفي ومناصبنا وتراتبنا مقارنة بالزملاء. بغير أن نتطلع بشكل صادق إلى إمكاناتنا أو نحاول الاستفادة من مواقعنا الحالية في تطويرها. وذلك بالتأكيد يؤثر على العمل الجماعي في فريق واحد.
يعترف المحاسب هشام عز الدين بذلك: "في فترة سابقة سيطرت عليّ الرغبة في ضرورة الترقي بأي شكل، كان هناك بعض من هم أصغر مني سنا في مناصب أعلى وكان ذلك يعكر مزاجي جدا. وانتهى الأمر بأني طالبت رؤسائي بما أظنه حقي في الترقي، وفعلت ذلك ببعض الحدة. ساءت علاقتي بهم وتركت هذه الشركة بعد فترة وضاعت علي فرصة تعلم خبرات كثيرة وندمت على ذلك".
أحيانا ما تتعارض الرغبة في المكانة مع الرغبة في التعلم. بعض النرجسية مضر جدا، ولكن نورجارد ترى أن بعضها ضروري بشرط أن يكون الشخص متمكنا من نقاط قوته ومدركا لنقاط ضعفه. لا تمانع في أن يظهر البعض قدراته على نحو جيد. يستخدم البعض أحيانا تعبير "يعرف كيف يسوّق نفسه". وترى نورجارد أن هناك ثلاثة أشياء ضرورية لكل فرد عامل: التمكن من تخصصه، وشبكة علاقات عمل في المجال، و"تسويق ذاته" في الوسط المحيط وهذه الشبكة بشكل جيد. لا مانع من أن نصور تاريخنا المهني بشكل جذاب، ولكن لابد أن يكون ذلك مبنيا على حقائق لا أكاذيب. ولكن يمكن لبعض اللمسات الإبداعية أن تحسن عرض الجوانب المضيئة وربما تحسن أيضا عرض التجارب الفاشلة أو المتعثرة.
ولكن تحذر نورجارد من أن بعض النرجسية قد يمنع بناء علاقات عمل جيدة مع الزملاء، وقد يسبب نقصها أيضا مشكلة. توضح نورجارد أن هناك توازنا ضروريا بين التنافس والتعاون في كل فريق عمل. لا تدع التنافس يفسد التعاون الضروري، ولا تدع التعاون يجعلك تتنازل عن حقك في تأكيد ذاتك وإنجازك الشخصي.
المهندس طارق عبد الله يرى أن نظام الشركة التي يعمل بها تتجاوز هذا الأمر، فبرغم توسع الشركة وتنافس الأفراد على الترقي إلا أن نظام العمل بها يجعل الفرد من جانب مثابا على إنجاز الفريق ككل، ومن جانب آخر يثاب على عمله الفردي.
النرجسية قد ترتدي ثوبا آخر في رأي نورجارد وهو ثوب "الاستعلاء الأخلاقي". عندما يرى البعض المنافسة على أشدها ينزوي ويقول:"أنا المحترم الوحيد في هذا المكان". ترى نورجارد أن "الأخلاقيون أحاديو البعد" يقابلهم "واقعيون أحاديو البعد" لا يرون أي مشكلة في أي طريقة للوصول إلى أهدافهم وأن تضمنت التملق أو التسلق. نورجارد تدعونا ألا نكون من هؤلاء أو هؤلاء. وتدعونا لان نستدعي مرة أخرى "مديرنا الذاتي" لكي يضبط التوازن بين رغبتنا المشروعة في تحقيق الذات عبر التنافس وبين ضرورة التعاون مع الآخرين والتعلم منهم.

4- "الآن وهنا"
في قصة أندرسون مالت أشعة الشمس على شجرة الصنوبر الصغيرة المنتصبة في الغابة وقالت لها: "اسعدي بشبابك النصر وبالحياة المتدفقة داخلك". ولكن شجرة الصنوبر كانت مشغولة عن ذلك بالتطلع إلى الأشجار الأكبر التي تقطع وتذهب لتكون صوار للسفن أو لتكون شجرات عيد الميلاد. وعندما كبرت قليلا وقطعت من جذورها وذهبت إلى منزل دافيء وتم تزيينها بالألعاب والحلوى ظلت قلقة: "ماذا سيحدث لي بعد ذلك؟". ما حدث أنها انزوت بعد انتهاء الاحتفال في صندرة علوية ورغم أنها حظيت بصحبة عدد من الفئران الذين اهتموا بحكاياتها عن أيام الغابة، إلا أن صحبتهم لم تسعدها وظلت تحن للأيام الماضية حتى قطعت أجزاء وألقيت في المدفأة وانتهى كل شيء.
"السخط يجعلنا نتمنى ما ليس في أيدينا" تحذرنا نورجارد "بالرغم من أننا نعيش عصرا أغنى بالفرص عن ذي قبل، فإننا أقل رضا.عقولنا زائغة خشية أن يفوتها شيء".
من يتعجل المراحل لا يعيش أي مرحلةبحق، يظل بصره متطلعا إلى مرحلة لاحقة أو حنينه يربطه بمرحلة سابقة. في العمل نتعلم من المرحلة الحالية ما سيؤهلنا إلى ما بعدها. حتى مراحل الفشل والتدهور نتعلم منها، "التدهور معلم قاس" كما تقول نورجارد. ولكن في الوقت نفسه علينا أيضا ألا ندع السعي لتحقيق إنجاز في العمل "الآن وهنا" يستحوذ على كل اهتمامنا. تدعونا نورجارد إلى أن يكون لدينا دائما "منتجعنا الصغير"، الذي لا يلزم أن نسافر إليه. فهذا المنتجع ليس إلا حرصنا على مساحة من التأمل والاسترخاء واستعادة تدفق الحياة داخلنا وسط زحام الالتزامات.
“الآن وهنا" يمكن أن يكون تحقيقا مؤقتا أوخطوات قليلة نحو تغيير بعيد. المهندس طارق عبد الله لن يترك عمله ليتفرغ لما يحلم به: إنجاز تطبيقات ويب مختلفة تحقق نجاحا كبيرا على غرار الفيس بوك، ولكنه يعمل على مشروعه هذا بجانب عمله. وكذلك المهندسة إيمان عبد الرحمن، فالمشروع الإبداعي الخاص الذي تحلم إليه وينتمي إلى "النيوميديا" ويبدو بعيدا الآن ولفترة قادمة. تسعى إليه "الآن وهنا" من خلال تطوعها في مشروعات مماثلة، فهي تكتب وتحرر في موقع "أصوات عالمية" Global Voices.
لما توقفت شجرة الصنوبر عن التعلم والعمل والاستمتاع بما لديها "الآن وهنا" وقالت: "غدا سأستمتع بحياتي، بكل ما لدي من بهاء". لم يأت ذلك الغد أبدا، ولم تعرف أبدا متى كانت أكثر بهاء بما يكفي ليجعلها تسعد.

المزيد

الأحد، 26 أبريل 2009

صورة جديدة بدون حجاب

sharzaad_hijab
الصورة نقلا عن News from Iran

فيما يخص مظهرهن، اختيارت كثيرة تنتظرالفتيات غير المحجبات أو المحجبات، باستنثاء اختيار وحيد يعد سيرا عكسيا في طريق اتجاه واحد: التخلي عن الحجاب بعد ارتدائه.

لا تنسى شاهندة ذلك اليوم أبدا. حدقت فيها أمها عند خروجها من باب الشقة واضطربت مشاعرها بين الدهشة والغضب، في الشارع صاحبتها نظرات كل من يعرفها حتى مرت، في الكلية لم يرد بعض زملائها سلامها وتجاهلوها غاضبين. ولكنها لا تنسى أيضا أنه في ذلك اليوم الذي خرجت بدون غطاء رأس بعد سنوات طويلة من ارتدائه لاحظت تغير شكل ظلها على الأرض وفاجأها إحساس ملمس هواء الصباح البارد على عنقها.
معظم الفتيات اللاتي أقدمن على هذا الاختيار وسرن عكس الاتجاه، يتمنين لو أن من يعرفونهن ينسون هذه اللحظة. يكفيهن أن يقاومن النظرة المستنكرة إلى المسلمة غير المحجبة، أما النظرة إلى التي خلعت الحجاب بعد ارتدائه فيبدو أنها أشد استنكارا بكثير.
"كأنها ردة عن الدين" كما تقول شاهندة حسين، خريجة كلية الفنون الجميلة "معظم الفتيات غير المحجبات وحتى المتحررات يعتذرن عن حالهن ويبررن عدم تحجبهن بأن اللحظة المناسبة لمن تأت بعد ويرددن: ربنا يهدينا. وعندما تتحجب واحدة منهن يهنئنها ويباركنها. ولكن خلع الحجاب بعد ارتدائه فيه تسجيل موقف".
الموقف العنيف من معظم الناس تجاه أي رأي نظري مختلف عن كون الحجاب فرض على كل مسلمة ورفض أي جدل بهذا الشأن مؤشر على مدى العنف الذي يمكن أن يواجه موقفا عمليا لفتاة تتخلى عن الحجاب وتدافع عن وجهة نظرها وقناعتها الجديدة.
قبل سنوات كان الموقف مختلفا، اضطرت شاهندة أن تدافع عن قرار ارتدائها الحجاب أمام والدتها وخالها. كانت طالبة في نهاية المرحلة الإعدادية وكانت مرتبطة بشدة بمدرسة اللغة العربية التي قالت لهم أنه حان الوقت، بينما رأت والدتها وخالها أنها لا زالت صغيرة على الحجاب ولكنها أصرت وارتدته.
تقول شاهندة :"كنت من المحجبات الملتزمات. لم أكن مقتنعة بالموائمة والحلول الوسط لكثير من المحجبات اللاتي يظهرن زينتهن بالتحايل على الحجاب ويفعلن كل شيء مع الحفاظ على غطاء الرأس. ولم أكن من أولاء اللاتي يخلعن الحجاب في الأفراح والمناسبات". وتضيف أن عادتها تلك في الحفاظ على موقف متسق تلتزم به ووجهة نظر تقنتع بها هو ما أدى إلى موقفها الجديد أيضا.
لم يكن هذا الموقف وليد شك ديني، ولكنها تراه قناعة دينية مختلفة.
خلال السنتين الأخيرتين من دراستها الجامعية، كانت تقضي وقتا طويلا وحدها مع أعمالها ومشروعاتها الفنية تتأمل في صور الأشياء، وفي صورتها أيضا. تعتقد أن شخصيتها واختياراتها في الحياة بدأت في التبلور في هذه المرحلة. تقول: "بدأت أعيد التفكير في أمر الحجاب، وعندما فضفضت لأمي مرة لم تأخذ كلامي مأخذ الجد. لم يكن تغيير رأيي مقترن بقراءة كتاب معين أو التأثر بكلام أحد. في هذه الفترة تغيرت نظرتي للعالم ولنفسي، لما أريد أن أفعله وما أريد أن أكونه، وعندما رسمت نفسي مرة بالحجاب لم أجد نفسي في الصورة".
ولكن لم تأخذ قرارها إلا بعد التفكير الطويل، فقناعتها الجديدة أن الحجاب جزء من نظام سائد أصبح مفروضا على الجميع، رجالا ونساء. نظام يحاول أن ينمط الجميع وأن يحافظ على موقف جماعي، يكون فيه السلوك الشخصي وكأنه جزء من موقف سياسي. تشير إلى الأدبيات الدينية التي تناشد المرأة أن تتحجب لأن ذلك يجعل الأمة الإسلامية أقوى. وترى أن هذا النظام يصور جسد المرأة وجمالها وكأنه مشكلة أو عبء عليها أن تقوم بحراسته طوال الوقت إلى الدرجة التي جعلتها تتمنى في لحظات أن تكون ذكرا لا أنثى لكي تحرر من هذا العبء.
وفي النهاية وصلت شاهندة لقناعتها الجديدة التي تلخصها ببساطة :"لم أعد أعتقد أن الله الذي أحبه يمكن أن يفرض عليّ نظاما عنيفا كهذا".
ولكن عنف معنوي كان بانتظار اختيارها الجديد، ولم تجد من يتفهمه. أمها ظلت غاضبة لفترة طويلة، أخوها الأكبر السلفي لم يحتمل الأمر وأخذ حقيبته وترك المنزل احتجاجا على السماح لها بذلك. وأخوها الأصغر كاد أن يضربها لأول مرة، وهددها وتوعدها إن تجاوزت وارتدت زيا قصيرا أو مكشوفا. إخوتها الذكور كانوا الأشد عنفا، كانوا يشعرون بالمسئوية نظرا لوفاة الوالد. لم يكن هذا الصدام الوحيد معهما ولكنه كان الأعنف. قبله كان دخولها كلية الفنون الجميلة – الحرام في رأيهما – ثم إصرارها على أنها مستقلة وغير تابعة لهما لأنها أنثى. وجاء اختيارها ذلك في ظل "تبعيتها" لهم – كما يعتقدون- ليهز صورتهم أمام الأقران والأقارب والجيران.
الأقارب حاولوا إثنائها عن قرارها وفي النهاية قالوا: مجنونة. الجيران في منطقتها الشعبية ظلوا يحدقون بها مستنكرين لفترة. تقول شاهندة :"الغريب أن بعض الجارات قلن لي ساعتها: مبروك يا عروسة، فلم أفهم. فيما بعد علمت أنهن ظنن أنه تمت خطبتي لأحدهم وهو الذي اشترط أن أخلع الحجاب، فلا يعقل أنني يمكن أن أقوم بشيء كهذا من تلقاء نفسي، بدون أن أكون تابعة لرجل يرضى عني".
وحتى في كليتها – الفنون الجميلة- والتي تتسم بانفتاح نسبي قابلها جفاء كبير من الزملاء والزميلات في الكلية. حتى غير المحجبات أو الزملاء الذين لا يكترثون بالدين قالوا أن تلك خطوة متهورة. بعض العابثين وجدوها فرصة مناسبة للبدء في "معاكستها"، ألم تصبح "متحررة"؟
تقول شاهندة: "صرت حديث الكلية لفترة، وبعض الزميلات تناقلن أنني بالتأكيد وقعت في "الغلط"، ومعيدة انتحت بي جانبا وقالت لي: فيه مشكلة في حياتك؟".
باستثناء أستاذ واحد أشاد بقرارها بينه وبينها، كان كل المحيط حولها عدائيا وعنيفا. تقول شاهندة: "رغم أن ملابسي لم تختلف أبدا، فقط غطاء الرأس لم يعد موجودا. لم أكن أهتم بالمبالغة في زينتي أو تغيير شكل شعري. ورغم ذلك استمر هذا الموقف لفترة واضطررت أن أكون حادة تجاه التعليقات والتلميحات".
في الأيام الأولى، فكرت شاهندة أن تعاود ارتداء الحجاب لتتجنب ردود الأفعال تلك، ولكنها الآن تقول أنها لا يمكن أبدا أن تندم على هذا القرار، هي تشعر الآن أنها متسقة مع نفسها. وما واجهته كانت ستواجهه على أية حال، وكانت بالفعل تواجه بعضه من قبل لأنها اختارات ألا تكون مطيعة لذلك "النظام" الذي يفرض على المرأة إما الخضوع التام أو التحايل والتواؤم والحلول الوسط.


نشر في الشروق 26 إبريل 2009

المزيد