الأحد، 26 سبتمبر، 2010

أبناء الجماعة الذين يبحثون عن "أسرة" مختلفة


تصوير: أحمد سعد
في مواجهة ميل سلفي يرونه متوغلا في جماعتهم وفي المجتمع كله، يعلن بعض الشباب داخل الإخوان اختلافهم ورغبتهم في اتجاه الجماعة إلى وجهة أخرى أكثر انفتاحا وتجددا. داخل "الأسرة" التي تعد نواة النظام التربوي للجماعة يظهر الجدل والصدام فينسحب البعض ويستمر البعض متفائلا معتبرا نفسه طليعة تغيير قادم.

لا يبدو شابا صداميا حادا، بل على العكس. الانطباع الذي يعطيه الشاب أسامة درة أنه أكثر هدوءا من باقي أبناء مدينته النشطة الحيوية دمياط. أسامة المحاسب الشاب الذي تجاوز منذ عام منتصف العشرينات كان قبل أسابيع سبب أزمة داخل شعبة الإخوان في دمياط بسبب جمعه لكتابات كان ينشرها على صفحته على الفيس بوك ونشرها في كتاب.
"أنا في قاع الجماعة، و القاع بارد راكد. أنا أتعفن حيث أنا، التلف يتراكم بي، أنا أتـيـبـّّس هنا، و أخشى أن تأتي المعركة يوما فأعجز عن القيام لها، حتى الإخوة الأعزاء في أمن الدولة خذلوني... أنتظر مداهمتهم منذ تسع سنين على الأقل، و لا يأتون. هم أيضا يعرفون أن القاع كئيب غير مهم".
هذه الكلمات التي تظهر على ظهر غلاف كتاب أسامة درة الصادر مؤخرا "من داخل الإخوان أتكلم" لم تفلح وحدها في تبديد ركود القاع الذي يتحدث عنه. ولكن حواراته مع الصحف بشأن الكتاب، والتي أبرزت آرائه الناقدة للخيارات السياسية للجماعة وخواطره كشاب إخواني حول الجنس والعلاقات، هي التي نبهت مسئولي الإخوان في دمياط فأصدروا قرارا بأنه "موقوف” العضوية. ولكن تدخل القيادي عبد المنعم أبو الفتوح ثم أحمد البيلي مسئول المكتب الإداري أسفرت عن توجيهات بتجميد هذا القرار. ولكن الأمر لم يتم حله تماما حتى الآن.
بابتسامة هادئة يقول أسامة: “أنا لا أعرف معنى الإيقاف أصلا. باستثناء أني لم أعد أحضر اجتماع (الأسرة)، فأنا وسط الإخوان لا زلت. ورغم تدخل قيادات مثل عبد المنعم أبو الفتوح والبيلي فلابد أن يتم التشاور للوصول لحل مع قيادات شعبة دمياط وفق قواعد العمل المؤسسي داخل جماعة الإخوان. وأيضا لأنهما أوصيا أن يتم البحث عن (أسرة) أخرى تستوعب أفكاري ونشاطي بسبب عدم توافقي مع نقيب أسرتي الحالية".
(الأسرة) هي تجمع لعدد من الإخوة يلتقون أسبوعيا تحت إشراف مسئول يطلق عليه (نقيب) يتابع أحوالهم الشخصية والدينية ونشاطهم مع الجماعة، يتشاركون الذكر والدعاء والعبادة، ومناقشة الشئون العامة والقضايا الملحة. تشكل الأسرة النواة التنظيمية الأولى لـ"مجتمع" الإخوان وتهدف لتحقيق "التعارف والتفاهم والتكافل" كما قال حسن البنا مؤسس الجماعة في "رسالة التعاليم”. يستخدم أسامة في حديثه كثيرا كلمة "المجتمع"، يقصد المجتمع الإخواني، للإشارة إلى شيء أكبر ربما من الهيكل التنظيمي للجماعة لا يزال أسامة يشعر أنه وسطه رغم توقفه عن حضور (الأسرة).
"نعم، الإخوان مجتمع وليس فقط تنظيم سياسي أو توجه ديني" هكذا يرى أسامة درة ناتج التركيبة المختلفة لجماعة الإخوان التي أراد مؤسسها أن تكون جماعة شاملة لتناسب "شمول الإسلام" كما يراه. فهي "دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية" على حد تعبير حسن البنا في "رسالة المؤتمر الخامس".
وسط هذا المجتمع لا يرى أسامة درة نفسه مهمشا أو شاذا بل يعتبر كونه "إخوانيا" هي "صفة لازمة" ولذلك جعل عنوان كتابه "من داخل الإخوان أتكلم" فهو يرى أن معظم كلامه تعبير عما يجول بخاطر أغلبية شباب الجماعة وربما يرددونه في جلساتهم الخاصة، ولكنهم ربما لا يملكون نفس الجرأة للتعبير عن ذلك.
يعبر أسامة من زاوية شخصية عن نفس ما عبر عنه عدد من مدوني الإخوان وأثاروا الجدل. مناقشة جمع الجماعة بين الجانب الدعوي الديني والجانب السياسي والدعوة إلى فك الارتباط بين الكيان الديني وبين جانب سياسي يجب أن يتخذ شكل حزب، إبراز الانفتاح على الأدب والفن والفكر "غير الإسلاميين" بالضرورة، التعبير عن بعض الخواطر العاطفية أو الجنسية والتلميح إلى انتقاد الفصل الصارم بين الجنسين ومنع أي تواصل بينهما.
يكتب أسامة على صفحته في الفيس بوك ولم يتعامل مع عالم المدونات الذي خبا بريقه بعض الشيء. ولكنه بشكل ما يمثل امتدادا لموجة التعبير التي أطلقها شباب من الإخوان قبل خمس سنوات في مدوناتهم الشخصية. ويبدو أن بعض المشكلات متشابهة أيضا.

"تمرد يا مجدي ؟!"
في مدونته "يلا مش مهم" كتب مجدي سعد تدوينة بعنوان "علموا أنفسكم التمرد والدهشة ورمي الأحجار"، دعا فيها شباب الإخوان إلى التمرد على الأفكار القديمة والقوالب النمطية في التفكير وانتقد "المغالاة في تطبيق السمع والطاعة" في العلاقة بين المربي والشباب ودعاهم إلى القراءة والاستماع إلى المختلفين ورمي الأحجار في البرك الراكدة.
"تمرد يا مجدي؟!” كان هذا هو رد نقيب أسرة مجدي سعد. بالرغم من أنه أبدى تفهما لما كتبه إلا أن مصطلح التمرد كان صادما بالنسبة له. ولأن مجدي سعد كان ناشطا في قسم الطلبة في الجماعة، فإن بعض المسئولين نبهوه إلى أن بعض كلامه قد يساء تفسيره وتطبيقه من بعض الشباب المتحمسين.
يحكي مجدي سعد أن إساءة التفسير حدثت من جهتين. الأولى هي الصحافة التي أحبت أن تصور دعوات "التمرد" كأنها دعوة إلى انشقاق تنظيمي في حين أنه كان يدعو إليها في سياق فكري، بل وأكد بوضوح أن الدعوة إلى تغيير الأفكار والاجراءات التنظيمية ليس مدعاة للتخلي عن مسئوليات العمل والحركة داخل الجماعة حتى يحدث التغيير. الجهة الأخرى التي تسيء تفسير الدعوة إلى الأفكار المختلفة هم نقباء الأسر، يعلن مجدي سعد شكواه من أن بعض نقباء الأسر المسئولين عن التربية لا يجيدون استيعاب الشباب وعالمهم الجديد. ولكنه لا يعتبر ذلك صداما يوجب الانسحاب والابتعاد، فهو طلب مرتين تغيير الأسرة لخلافه مع نقباء اعتبروا أفكاره انحرافا وليست اختلافا. وحدث ذلك بالفعل و نجح مجدي في إقناع المستويات الأعلى بإلحاقه بأسرة مختلفة واستمر مجدي مع نقباء آخرين متفهمين.

يبدو أن "الأسرة" تمثل احتكاكا مباشرا بين جيلين تختلف خبرة كل منهما ومزاجه. في دراسته عن شباب الإخوان التي نشرها مركز دراسات الإسلام والديمقراطية التابع لمعهد هدسون في أكتوبر من العام الماضي، قسم الباحث خليل العناني الجماعة إلى أربعة أجيال. جيل الحرس القديم الذي يتسم بالمحافظة نظرا لمعايشته الصدام بين الجماعة والنظام الناصري في الخمسينات والستينات، ولا يزال هذا الجيل على رأس تشكيلات الجماعة، الجيل الثاني هو جيل أكثر عملية وانفتاحا شهد علاقة أحسن نسبيا مع نظام السادات في السبعينات ومنه عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح. الجيل الثالث يسميهم العناني "التقليديين الجدد" الذين شهدوا عودة الصدام العنيف مع النظام والمحاكمات العسكرية منذ التسعينات ويميلون للانغلاق والمحافظة على تماسك التنظيم، وأخيرا جيل الشباب في العشرينات والثلاثينات الذين يميلون أكثر للانفتاح على الآخرين ولديهم مشكلات مع البنية التنظيمية للجماعة ويضغطون من أجل الاستماع إلى أصواتهم.
بين الجيلين الأخيرين في الغالب يحدث الاحتكاك في الأسر. التدوين أو النشر يختصر الطريق ويقيم حوارا علنيا ينقله الإعلام بين الشباب الأكثر اختلافا وتطلعا وبين مستويات عليا في الجماعة. ولكن تحت السطح تظل تفاصيل العلاقة داخل الأسرة هي المجال الأهم للمواجهة واختبار الأمل في التغيير.
يحكي هشام عبد الله، الطبيب الشاب، أنه كان مسافرا إلى الدنمارك عقب الجدل الذي أثارته "الرسوم المسيئة" ضمن برنامج للحوار بين الشباب المسلم والشباب الدنماركي. وعندما أثار ذلك في لقاء الأسرة واجه انتقادا عنيفا من نقيب الأسرة وبعض زملائه. كانت حجتهم هي ضرورة المقاطعة التامة لهؤلاء القوم الذين أساءوا لنبينا بينما كان يحدثهم عن التنوع داخل كل مجتمع وعن اختلاف الثقافات وعن ضرورة إقامة جسور للتفاهم والحوار.
المفارقة أنه لم يكن بين هشام وبين نقيب أسرته جسر للتفاهم والحوار رغم أن هذا هو أحد أغراض تقليد "الأسرة". ولكن يبدو أن الطابع الأبوي العائلي الذي يحمله لفظ "الأسرة" يطغى أحيانا على فكرة التفاهم لصالح فكرة التربية من أعلى، وهو ما يختلف عن أجواء الحرية النسبية التي يتسم بها النشاط في الجامعة وسط الأقران من الشباب وهو ما اجتذب هشام إلى الإخوان وشجعه على الاقتراب.
يعرف هشام أنه لم يصل إلى مرحلة أخ عامل. المراحل التي يترقى فيها الفرد داخل الجماعة هي أخ محب ثم أخ مؤيد ثم أخ منتسب ثم أخ منتظم ثم أخ عامل. وفي الغالب يبدأ المنضم إلى الجماعة في حضور أسرة خاصة بإخوة مؤيدين ثم يرتقي ويتنقل في المستويات حتى يصل إلى مرتبة الأخ العامل.
لم يكمل هشام الطريق وفضل الابتعاد، بعد انتهاء مرحلة الجامعة كان انتقاله للنشاط في المنطقة عبر "الأسرة" محبطا. كما أنه يقول أن تطوره الفكري استمر مبتعدا تماما عن المشروع السياسي الإسلامي. يعتبر نفسه الآن ليبراليا بالمعنى العام للكلمة وإن كان يميل لبعض المحافظة فيما يخص الخيارات الأخلاقية.

مفترق طرق
يعترف مجدي سعد بأنه يلاحظ ، بحكم موقعه في قسم الطلبة بالجماعة، الفاقد الذي يحدث بين مرحلة الجامعة التي تمثل مرحلة خصبة للنشاط وتشهد إقبالا كبيرا من الشباب الذين يقتربون من الإخوان ويرغبون في الانضمام، وبين ابتعاد بعضهم في مرحلة ما بعد الجامعة التي يعد الانتظام في "أسرة" أهم معالمها لكي ينضم إلى إخوان الحي أو المنطقة التي يسكن فيها.
يرد مجدي سعد السبب في ذلك إلى اختلاف طبيعة الحياة الشخصية والالتزامات بين المرحلتين، ولكنه لا ينكر أيضا أن هناك مشاكل تتعلق بالناحية السلطوية في نظام "الأسرة".
ولكن من جهة اخرى قد يمثل بعض الجانب السلطوي عنصرا جاذبا يدعو بعض الشباب للتريث قبل رفض لقاءات الأسرة والابتعاد عن الجماعة. يقول هشام عبد الله أن هناك الكثير من الشباب داخل الإخوان يتبنون آراء مختلفة ويضيقون ذرعا ببعض توجهات قيادات الجماعة وخطابها السياسي ولكنهم يؤثرون البقاء داخل الجماعة من أجل البقاء داخل جماعة مؤمنة تعين على الطاعة وتجمع أبناءها بانتظام في أجواء إيمانية وروحانية بل وتحاسبهم بشأن ذلك وهو ركن أساسي من لقاءات الأسرة. يقول أن ذلك بالأساس هو دافع الكثير من الشباب للانضمام إلى الجماعة وليس الدافع السياسي، ويضيف أنه نفسه ظل لفترة مؤثرا البقاء على لقاءات الأسرة لأنه كان يحب وقتها أن يجد من يسأله ويحاسبه إن كان صلى صلاة الصبح في جماعة أم لا.
ولكن في جماعة تتبنى العمل السياسي من منظور ديني يتقاطع مستوى الأفكار السياسية والاجتماعية مع المستوى الديني، ويكون المناخ خانقا بالنسبة للشباب الذين يتوقون إلى بعض التحرر بينما يجدون في طريقهم مزاجا سلفيا صاعدا. يتفق أسامة درة ومجدي سعد وهشام عبد الله أن المزاج الديني السلفي الذي يؤثر على المجتمع ككل يؤثر على الإخوان أيضا لأنهم جزء من المجتمع. يوضح مجدي أن البنا عندما تحدث عن البعد السلفي عند الإخوان كان يقصد العودة إلى المنابع والأصول الأولى للدين، وليس المقصود هو الاتجاه السلفي الذي تشكل مع ابن تيمية وفقهاء الحنابلة وأهل الحديث ثم محمد بن عبد الوهاب وينتمي إليه مشايخ السلفية الحاليون ويتبنون خيارات أكثر تشددا وتضييقا.
يعتقد هشام عبد الله أن الإخوان مرنون ويتأثرون بميول المجتمع، وعندما يكون المجتمع منفحتا يميلون للاجتهادات الأكثر يسرا وعندما يكون المتدينون في المجتمع أكثر ميلا للآراء المتشددة فإن ذلك ينعكس داخلهم.
على عكس خيار هشام بالابتعاد، يعتقد أسامة درة ومجدي سعد أن الجدل بين هذا الميل السلفي والميل المقابل نحو الانفتاح والتجديد لا يدعو لليأس بل على العكس يبدو أنهما متفائلان بل ويعتقدان أن اعتبارهما “مختلفان” داخل الجماعة يستند في جزء كبير منه إلى اختلافهما، مثل كثير من الشباب داخل الإخوان، عن الصورة النمطية التي يكرسها الإعلام للشاب الإخواني أو المنتمي لتيار إسلامي بشكل عام.
يحكي درة أنه اعتاد كسر حالة التلقي داخل لقاءات الأسرة بفتح نقاشات حول قضايا اجتماعية أو فكرية، ويرى أن شباب الأسرة ينقسمون عادة إلى 30% من الموافقين له و30 % من المعارضين و40 % يبدون حيادا أو قلة اهتمام بالجدل.
يعتقد درة أن نظام التربية في الجماعة خلق جوا من التوجس من الأفكار الجديدة تجعل الأخ يشم رائحة الفكرة المختلفة ويحذر منها ولكنه يعتقد أن ما يقوم به هو وغيره من تعبير بحرية وجرأة سيدفع المزيد من الشباب لفعل ذلك وسيجعلهم ينخرطون أكثر في الجدل والحوار وسيفتح كل ذلك أبوب التغيير الذي يأمله. وحتى ذلك الحين لا يبدو أبدا أنه قلق بشأن تأخر إلحاقة بأسرة أخرى، يعتقد أن تلك مشكلة بسيطة في طريقها للحل. قد لا تكون كذلك بالنسبة لآخرين ولكن ما يظهر يقول أن "الاسرة" وهي الساحة التربوية والتنظيمية الأساسية تشهد جدلا كبيرا وأن المختلفين الذين يرفعون أصواتهم كل فترة ليسوا قلة أو هامش متمرد بل هم تعبير عن ميل صاعد متفائل بالمزيد من الصعود.



هكذا تحدث سمسم

أسامة درة

صعد أسامة درة المنبر أكثر من مرة خطيبا للجمعة في مساجد الحي الذي يسكن فيه في دمياط. في كل مرة كان التحضير للخطبة يتطلب وقتا طويلا لكي تخرج الخطبة جيدة ومضبوطة. ولكن في النهاية الخطبة تتخذ شكلها التقليدي ولم يكن المنبر مكانا مناسبا لكي يعبر أسامة عن نفسه بأريحية وانطلاف مثلما يعبر في صفحة المعجبين الخاصة به على الفيس بوك التي أنشأها تحت اسم "سمسم" بعد القبول والشعبية التي يقول أن كتاباته لاقتها وسط جمهور معارفه فجمعها فيما بعد في كتاب "من داخل الإخوان أتكلم".

يبتسم أسامة معلقا على الاندهاش المتوقع من الاسم: “ما كنتش عارف إني هابقى مشهور!” ثم يضيف جادا:”الحقيقة أني أعتبر هذا جزء من إجادة العرض. هذا الاسم أقرب لقلوب الشباب. أي داعية أو سياسي يقدم نفسه ويعرض ما عنده بشكل ما. وأعتقد أن الأفضل أن تمتع الناس وتجذبهم إليك ثم توجه إليهم رسالتك".
يستخدم أسامة عرضه لفيلم "باتمان" أو الرجل الوطواط عندما يريد أن ينتقد الاستقطاب الحاد بين الإخوان والنظام. فهو يرى أن الإخوان يتحملون جزءا من المسئولية لأنهم أنشاوا كيانا عقائديا يدين أفراده بالولاء والسمع والطاعة لقيادة وهو ما لا يتماشي مع لعبة السياسة العصرية كما يقول. يعتقد إن الإخوان ارتكبوا خطأ الرجل الوطواط الذي عبر عن قوة خارقة مفرطة في مدينة جوثام استدعت وجود قوة مقاومة لها فكان الجوكر. يكتب : "ولو كان باتمان ترك الآليات المجتمعية الطبيعية تعمل لحوصرت الجريمة في جوثام. لكنه كان كلما خطا، أشعل النار من خلفه، وكلما اشتعلت النار، أصرّ أكثر على إطفائها والسؤال: هل نفعل-نحن الإخوان- مثلما فعل باتمان و نحن لا ندري؟".
ينتقد ارتكاز تجربة أربكان في تركيا على الجانب الديني بشكل فج، بينما يمدح تعبير أردوغان عن نفسه بأنه "علماني محافظ".

يتحدث أسامة بهدوء وتأن وبعد تفكير مثل ديبلوماسي، بينما في كتاباته يظهر الشاب الأكثر جموحا ومرحا. يجري حوارا متخيلا مع فرويد عن رغباته الجنسية، يتحدث عن "سمسم العاطفي" والبنت التي كانت تحبه وبكت عندما انضم إلى الإخوان، ويتحدث أيضا عن البنت التي ظنت أنه يتجاهلها لأنه متدين بينما يعبر بأسف – مازحا أو جادا- أنه فقط لم يلاحظ عندما كلمته وإلا فكيف يتجاهل البنت التي كانت "ًصاروخ" على حد تعبيره.
يكتب: "أنا عطشان، أفتقد الأنثى في حياتي، وكلما اقتربَت مني واحدة و بدأت تتعلق بي..أنسحب. أقول لنفسي: أنا مـحـتـرم..و طالما مش جاهز للجواز، يبقى أبعد. لكنّ حالة الاحترام هذه مؤلمة..مؤلمة فعلا".
بعض أصدقاؤه يندهشون كيف يكتب أسامة ذلك، ويجدون أنه من غير اللائق على من يتصدى للدعوة أو السياسة أن يفصح عن مثل هذه الأفكار. يرد أسامة: "لا أؤمن بالتكلف في رسم صورة الجيل المتوضيء المثالي لكي يتسق ذلك مع مهمة الشباب الإخواني في الدعوة. لماذا لا يروننا كشباب كما نحن، بأفكارنا الجادة وهواجسنا العادية".

يعبر أسامة في مقال آخر من الكتاب عن عدد من أمنياته بشكل عفوي:” ِنفسي أكتب في صحيفة مهمة بانتظام.. نفسي أشوف فيلم حلو أندمج فيه، و يكون جنبي حد بحبه.. نفسي أظهر في (العاشرة مساء) بس لوحدي، مش ومعايا ضيوف تانيين .. نفسي كل الستات تحبني، وأنا أحب واحدة بس.. نفسي لو اعتقلت-ربنا يستر يعني-أكون في المعتقل مع أكابر الإخوان ..نفسي ربنا مايكونش زعلان مني، أنا ماكانش قصدي.. نفسي أوظف داخل الإخوان بشكل يرضيني.. نفسي ماتعرّضش للتعذيب في حياتي أو في الآخرة.. نفسي أضرب صاحبي اللي اتأخر عليا وسايبني قاعد أكتب الكلام ده!”.



نشر في "الشروق" الأحد 26 سبتمبر 2010
PDF
المزيد

الجمعة، 17 سبتمبر، 2010

لقاء الوادي والصحراء

الراي بصوت مصري


بخلاف العديد من الفرق الموسيقية الشابة اختار مؤسسو فرقة "صحرا" اتجاها موسيقيا نشأ بالأساس في دولة عربية مجاورة ثم أصبح له جمهور في كل العالم.


في تلك الليلة من نوفمبر الماضي، كان حي الزمالك الهاديء في القاهرة يضج على غير العادة. مظاهرات صاخبة وعنيفة بالقرب من السفارة الجزائرية، على خلفية "المعركة" التي بدا أنها اشتعلت إعلاميا بين البلدين بسبب أحداث الشغب الكروي التي صاحبت مبارياتهما في تصفيات التأهل لكأس العالم. ولكن أيضا كان مركز شباب الجزيرة يشهد حفلا موسيقيا من سلسلة حفلات SOS التي تقدم فرقا شابة مستقلة، ومن بينها فرقة "صحرا" لموسيقى "الراي" ذات الأصول الجزائرية.
لم يكن حشد الشباب المحب للموسيقى ولا أعضاء فرقة "صحرا" بعيدين تماما عن "المعركة". فقد ظهرت قبل الحفل بعض التعليقات العدائية على ساحات الإنترنت لا تتقبل غناء "الراي" في هذه الظروف، مع بضعة تعليقات مهاجمة لمغني الفرقة أحمد عز ذي الأصول المغربية الذي ظنه البعض جزائريا!
وقبل أن تبدأ الفرقة عرضها أصر أفرادها في مزيج من الجد والمزاح على التأكيد أنهم جميعا مصريون وأنهم سينظرون في أمر استمرارهم في غناء موسيقى "الراي" بعد ما حدث!
حتى هذه اللحظة لا تزال فرقة "صحرا" تقدم أغانيها الخاصة مع أغاني "الراي" الشهيرة في اثنين من أشهر النوادي الليلة في وسط القاهرة، وخصص أحدهم للفرقة فقرة ثابتة منتصف ليل الخميس، أكثر الليالي إقبالا.
تبخرت آثار "المعركة الكروية" إلا قليلا، واستمرت مسيرة "صحرا" في تقديم موسيقى "الراي" على مسارح المراكز الثقافية وبعض النوادي الليلية ولقى ألبومها الأول الذي أطلق في إبريل 2009 وحمل أيضا اسم "صحرا" نجاحا معقولا.

أكثر من تسع سنوات مرت على بداية مسيرة "صحرا" سنة 2000 وهو ما يعني أن مغامرة اختيار موسيقى "الراي" تحديدا لتمثل خط الفرقة الأساسي كانت مغامرة ناجحة. بخلاف العديد من الفرق المستقلة الشابة التي تختار اتجاهات موسيقية واسعة وغربية بالأساس مثل الجاز والروك والراب، اختار مؤسسو "صحرا" اتجاها موسيقيا نشأ بالأساس في دولة عربية مجاورة ثم أصبح له جمهور في كل العالم.
يقول أحمد عز، مغني الفرقة، أن فكرة تأسيس "صحرا" كانت فكرة مشتركة لسعيد عبد الرحمن المغني السابق للفرقة وأحمد الوحش، عازف الكيبورد. وأطلقوا على الفرقة اسم "صحرا" وهو اسم أغنية للشاب خالد.
اشتهر سعيد عبد الرحمن، مغني الفرقة، بلقب "سعيد راي" لشغفه بغناء "الراي" الذي تعلق به وتعلمه أثناء إقامته لفترة في ليبيا وسط مجتمع من الجزائريين.
يؤرخ لبدايات ظهور موسيقى "الراي" في ثلاثينيات القرن الماضي في غرب الجزائر، وتحديدا في ميناء أوران، الذي تعرض تاريخيا لموجات من التأثير الأسباني والفرنسي والإفريقي. وكان "الراي" في البداية أسلوب أداء البدو لما يعرف عندهم بـ "الملحون" أي الشعر الملحن.
عرف في البداية على يد مغنيات أطلق عليهن "الشيخات" وكانت معظم كلماته تدور حول المديح الديني والشكوى من مصاعب الحياة ومشكلات المجتمع. ولكنه فيما بعد تطور في مدينتي بلعباس ووهران وابتعد عن "الملحون" ليمزج تأثيرات موسيقية عديدة أوروبية وأفريقية بفضل الآلات الحديثة. وأصبح الأسلوب الغنائي المفضل لتعبير الشباب عن مشاكلهم وهمومهم وأيضا عن تمردهم وجموحهم وارتبط لقب "الشاب" أو "الشابة" بمغني "الراي".

من الجزائر إلى فرنسا
"ولكن الميلاد الحقيقي للراي المعاصر الذي شد أنظار العالم كان في فرنسا وبمشاركة فرنسيين" يقول أحمد عز أن "الراي" في بداياته ربما كان أسلوبا تراثيا محببا لكن الغناء كان طابعه بدويا والموسيقى كانت فقيرة: "كانوا يعتمدون بالأساس على نغمات الـ" رتم بوكس" Rythem Box التي يقدمها جهاز الكي بورد فكانت الموسيقى فقيرة وغير جذابة. هناك أغاني جميلة قدمت على هذه النغمات ولكن التحول الحقيقي كان مع الشاب خالد في فرنسا عندما امتزج صوته المميز مع أغاني تراث "الراي" وألحانه التي يحفظها مع التكنولوجيا الحديثة والإنتاج الموسيقي الفرنسي الذي وظف ذلك في قالب جذاب أبهر العالم".
انتقل الشاب خالد للحياة في فرنسا عام 1986، وتعد مسيرته هناك من المنعطفات الرئيسية لتاريخ موسيقى "الراي". فكان صدور ألبومه "خالد" عام 1992 هو الحدث الأكثر لفتا للانتباه إليها. ونجاحه هو الذي مهد الطريق لآخرين مثل الشاب فاضل والشاب مامي ورشيد طه لكي يصبحوا نجوما عالميين ولكي تصبح موسيقى "الراي" مسموعة في معظم أنحاء العالم.
وقد تعرف أحمد عز، الذي يدرس في كلية التربية الموسيقية قسم غناء أوبرالي، على موسيقى "الراي" مع أغاني الشاب خالد، الذي يعتبره "ملك الراي". ولكنه كان قبلها يميل لأساليب غنائية يراها مقاربة مهدت لاهتمامه بغناء "الراي": " انجذبت للأسلوب التراثي المطرز والغني بالتفاصيل مثل الذي يقدمه صباح فخري وناظم الغزالي ونور مهنا، وغناء "الراي" يميل لكثرة العُرب أوالتلوينات الصوتية، كما انجذبت للأسلوب التونسي مثل الذي يقدمه لطفي بوشناق، وهو يتميز بالتسلسل النغمي الأسرع من الأسلوب الشرقي التقليدي، بالإضافة للاهتمام بالموسيقى التركية التي تمزج الأسلوب الشرقي بالموسيقى الغربية التي تطورت تكنولوجيا".
بالإضافة إلى ذلك هناك أسلوب مميز في استخدام الحلق والأنف يحبه عز عند مشايخ الطرب التراثيين ووجد أسلوب "الراي" قريبا منه. كل هذه الملامح وجدها عز في موسيقى "الراي" الحديثة ممتزجة بتأثيرات موسيقية حديثة وجذابة تستفيد من كل الاتجاهات الموسيقية مثل الجاز والبلوز والروك، فجعلته مهتما بغناء "الراي". لا يعتقد عز أن أصوله المغربية سبب لاهتمام ب"الراي"، فوالده ووالدته عاشا كل حياتهما في مصر وكذلك هو. يضيف:” إلا لو كان ذلك بسبب الجينات، ربما كان لذلك تأثير!”.
وفي الفترة من 1997 إلى 2004 غنى عز مع فرقة "شرقيات" التي يقودها الموسيقي فتحي سلامة، وهي واحدة من أقدم وأشهر الفرق المصرية التي تقدم الجاز وتمزجه بتيمات تراثية من ثقافات مختلفة. مع "شرقيات" غنى عز بعض الموشحات والمواويل الطربية بالإضافة لأغاني "الراي"، كما غنى مع فرق مستقلة أخرى منها "فلامنكا".
بعدما رحل سعيد عبد الرحمن أو سعيد راي مغني فرقة "صحرا" إلى خارج مصر، انضم عز إلى الفرقة وأصبح مغنيهم الأساسي وسجل معهم أغاني ألبومهم الأول.
“لا يزال جمهورنا هو جمهور الشباب الذي يتابع الفرق المستقلة وليس الجمهور الواسع الذي يتابع الموسيقى التجارية" لا ينكر عز أن التسعينات شهدت رواجا لأغاني "الراي" وسط الشباب، إلا أنه يعتقد أنها كانت لحظة خاصة وهناك أسباب تحول دون المزيد من الانتشار التجاري لها.
“رغم ثراء وجاذبية أسلوب "الراي" وتقاطعه مع التراث الشرقي إلا أنه يسير في اتجاه معاكس للموسيقى التجارية أو البوب التي تميل للبساطة في الأداء الغنائي والاعتماد على الكلمات" كما أن البعض تعامل مع "الراي" كتقليعة جديدة وغريبة مثلما فعل أحمد آدم في فيلمه "فيلم هندي" الذي ظهر فيه البطل حلاقا يحب غناء "الراي" في الأفراح ويواجه دهشة وسخرية الجمهور أحيانا. يعتقد عز أن الهدف الرئيسي كان منح بطل الفيلم لقب"شاب" التي تميز مغني "الراي" ليصبح الشاب "سيد" أو "بطل" مثل الشاب خالد والشاب مامي.
أما النجوم الجماهيريون، فقد استغلوا لحظة بروز "الراي" أيضا وقدموا أغاني مشتركة معهم. فكانت تجارب عمرو دياب وخالد في "قلبي" في ألبوم قمرين وسميرة سعيد مع مامي في "يوم ورا يوم".
يضيف عز أن أسلوب موسيقى "الراي" تم الاستفادة منه حتى قبل ظهوره كموضة :”في أغنية "روحي تروح" لعلي الحجار في الثمانينات تم استلهام لحن زويت رويت من الفلوكلور الجزائري لكن تم إبطاء التمبو قليلا. كما استلهم عمرو دياب أسلوب "الراي" في لحن وتوزيع أغاني "حنيت" و"لو عشقاني" وغيرهما".

ما يقوله "الراي"
يعتقد أحمد عز أن مدى ألفة كلمات أغاني "الراي" لها دور أيضا في انتشارها:”أغاني "الراي" التي انتشرت إما كانت ذات إيقاع جذاب راقص مثل "ديدي" لخالد أو كانت ذات كلمات مفهومة وقريبة مثل "عيشة" و"عبد القادر" و"انسي انسي" ولكن اللهجة الجزائرية تقف أحيانا عائقا من التفاعل مع روح الأغنية".
يروى عز أنه اهتم أكثر بأغاني "الراي"، قبل أن يبدأ غنائها، عندما تعرف على معاني كلماتها. كان ذلك بسبب صدفة عرفته بصديق درس في مدارس فرنسية مع جزائريين، وعندما لاحظ اهتمام عز بموسيقى "الراي" شرح له معاني كلمات الأغاني ونطقها الصحيح. ساعتها لاحظ عز مدى جرأة وتميز كلمات "الراي" بالإضافة لموسيقاها.
كلمات "الراي" شهدت تحولا مهما في السبعينات وسببت معركة اجتماعية وثقافية في الجزائر استمرت حتى التسعينات. فقد شهد كورنيش وهران وملاهيه وأعراس منطقة غرب الجزائر تحول موسيقى "الراي" إلى كلمات غاية في الجرأة والجموح والتعبيرعن التجارب الجنسية والتغني بالخمر والمخدرات مما جعلها محط جدل اجتماعي وانتقاد الأسر المحافظة.
ومع نمو الاتجاهات الإسلامية واجه بعض مغنيي "الراي" تهديدات بالقتل فهرب كثير منهم إلى فرنسا، والذين ظلوا في الجزائر عاشوا مهددين حتى شهدت التسعينات مقتل الشاب حسني في أوج شهرته.
يعتقد عز أن اسم "الراي" يعني "الرأي" لأن ذلك الأسلوب الموسيقي كان مرتبطا بالتعبير الحر والجريء عن الموقف: "في أغاني الراي تعبير حسي عن الحب و ذكر لتفاصيل حياة الشباب المليئة بالمتع والتجارب مثل (الليلة تيلي كحول وتيجي) أي هاتي الخمر وتعالي. بعض الأغاني تروي تجربة السجن بعد الاعتقال بسبب جريمة. وبعض الأغاني فيها بعض العنف، فقد يهدد حبيب حبيبته التي هجرته بالقتل (تستاهلي مني الرقبة تقطع)”.
هناك تفسير آخر لمسمى "الراي"أنه بسبب انتهاء أغاني الراي القديمة بالمقطع الصوتي" يا رايي، و"الراي" في العامية الجزائرية معناها أقرب للقرار والاختيار، وبالتالي يعبر المقطع الصوتي عن الحيرة أو الندم والتحسر.
غنى أحمد عز مع فرقة "صحرا" خمسة من الأغاني الجديدة الخاصة بهم. في بعضها حاولوا التوفيق بين موسيقى "الراي" بشكلها المميز مع كلمات نمطية نوعا ما باللهجة العامية المصرية مثلما في "سهران وياكي"، وفي أغاني أخرى مثل "حلي الباب" كان هناك مزج بين "الراي" والروك على كلمات باللهجة الجزائرية ذات طابع غير نمطي، يطرد فيها حبيب حبيبته قائلا أنها لو كانت نسيت ما فعلته فهو لم ينس.
يؤكد عز على أن أهم عوامل نجاح فرقة صحرا المستمر لأكثر من 9 سنوات هو أن الفرقة تستلهم تراث "الراي" وأسلوبه الثري وفي نفس الوقت يمكن للتجربة أن تنفتح على كل الاتجاهات الموسيقية وتمزج بينها ويمكنها أن تتنقل بحرية بين كل أنواع الكلمات، تماما كما كان "الراي" دائما مزيجا مبدعا ومدهشا من تيمات تنتمي لثقافات مختلفة.


نشر في "باب المتوسط" سبتمبر 2010

المزيد

الخميس، 16 سبتمبر، 2010

الأفراح النوبية لم تعد سبع ليال


يحاول أبناء النوبة الحفاظ على تقاليد الزواج القديمة الخاصة بهم والتي نشأت في قراهم الأصلية، ولكن ضرورات المكان والزمان الجديدين يدفعان بعض التقاليد للتكيف وأحيانا للتراجع أوالاختفاء تماما.

قرر تامر علي، المحاسب النوبي الشاب، وخطيبته ألا يقيما حفل زفاف. القرار لا يزال يثير اعتراض الأسرتين اللتين تحاولان الضغط عليهما، فالفرح عند أهل النوبة أكبر من مجرد احتفال، بل هو تقليد تتجمع فيه الكثير من ملامح الثقافة النوبية.
لا يعرف تامر حتى الآن إن كان سيتمكن من الاكتفاء بعقد القران في مسجد أم سيضطر إلى إقامته تحت ضغط رغبة الأجيال النوبية الأكبر في التمسك بتقاليدها المميزة.
يعتبر تامر نفسه معتدلا في التعامل مع التقاليد النوبية، فهو لا يحب النزوع إلى العزلة والتقوقع والتمسك الشديد بكل التقاليد الموروثة لأبناء النوبة بغض النظر عن الظروف الاجتماعية الجديدة وفي الوقت نفسه يرى وجاهة الكثير من هذه التقاليد ويلتزم بها.

"طقوس الزواج واحتفالاته تعد من أبرز التقاليد النوبية التي لا تزال تحمل ملامح الارتباط ببيئة القرى النوبية ثم بعض ملامح القرى التي تم تهجيرهم إليها أثناء مراحل تطوير خزان أسوان ثم إنشاء السد العالي" هكذا يرى مصطفى عبد القادر، الباحث في التراث النوبي، مؤكدا أن التقاليد تحاول الصمود في المدن التي يتجمع النوبيون فيها بالقرب من بعضهم البعض، ينشئون جمعيات للحفاظ على رابطتهم القديمة وتراثهم الذي يعتزون به.

حصل مصطفى عبد القادر نهاية إبريل الماضي على درجة الماجستير من المعهد العالي للفنون الشعبية عن دراسة ميدانية مقارنة ترصد طقوس وعادات الزواج عند الفاديجا والكنوز، وهما السلالتين اللتين تنحدر إليهما أصول معظم النوبيين.
في الدراسة يرصد مصطفى عبد القادر تطورات الفرح الذي كانت عاداته تحتل مساحة زمنية أطول ويشترك فيها عدد أكبر بشكل تعاوني وطوعي. فمنذ بداية القرن الماضي كان الإعداد للفرح النوبي يتم قبل أسبوعين من الزفاف، وقد تستمر الاحتفالات أسبوعا ينتهي بالحنة ثم الفرح. يقول مصطفى عبد القادر:”قبل أسبوعين كان يحدث إعلان أو (سما) نسبة لتسمية ميعاد الفرح لكي تتفرغ كل القرية لمساعدة العروسين. كان الناس يلجأون لفقيه القرية أو العارفين بالنجوم لكي يحددوا موعدا يتجنب أيام النحس بحسب معتقدهم. الفرح كان مناسبة جماعية تعاونية. وكانت الأدوار تقسم على الجميع بحسب السن والخبرة والتخصص. والجميع يقدم مساعدات عينية مثل الشاي والخبيز والفيشار. لم تكن هناك أي تكاليف. وكان الاحتفال يقام في مساحة واسعة عادة ما تكون في مدخل القرية".

أراجيد في الوسعاية
في الفرح النوبي التقليدي تعزف الموسيقى الإيقاعية بالدف أو الطار، على ألحان السلم الموسيقي الخماسي يؤدي الجميع "الأراجيد" (وهو ما يطلق على الرقصات النوبية المميزة بينما تعني الكلمة مجرد الرقص باللغة النوبية). هناك قائد للفرح ينظم الصفوف ويختار الإيقاع المناسب للوقت بحسب النشاط أو الفتور. يرقص الجميع في صفين متقابلين بينما يرقص أهل الفرح والمقربين وسط الصفوف.
يشرح مصطفى عبد القادر أن بعض الاختلافات في طقوس الاحتفال ترجع إلي الأصول السلالية. ففي أفراح الكنوز الذين ترجع أصولهم لقبائل عربية هاجرت من شبه الجزيرة هناك رقص بالسيف وهناك بعض الشدة وأحيانا فصل بين الرجال والنساء. ولكن الفاديجا الذين ترجع أصولهم لسكان وادي النيل فالرقص هاديء ويستوحي الموج الرتيب المتهادي للنيل ويختلط فيه الرجال والنساء ويتنافس أهل العريس مع أهل العروس في ابتكار الرقصات وأدائها.
بعد انتهاء الفرح كان من المعتاد أن يقيم العروسين لمدة أسبوع في بيت أهل العروس، ليتفرغ أهلها لخدمتها وتتفرغ هي لزوجها. بيوت القرى النوبية كان بها مكان مخصص لمبيت الضيوف ومضيفة لاستقبالهم. ولكن الآن في المدينة تحاول العائلات التي تعيش في بيت به أكثر من شقة استعادة الطقس بدعوة العروسين للمبيت في إحدى الشقق التي يتركها سكانها مؤقتا.
يوضح مصطفى عبد القادر أن طبيعة المساكن والبيئة اختلفت والكثير من التقاليد لم يعد متاح الالتزام بها. لم تعد المساهمات العينية ممكنة فلكل شيء تكلفة. الوسعاية اختلفت وحل محلها الشارع أو المسرح الذي أصبح موعد حجزه يحدد موعد الفرح. اندثرت معظم الإيقاعات والرقصات إلا إيقاع واحد هو "الكومباك" وهو الإيقاع الأشهر. الفرق النوبية التي تحيي الأفراح تنوّع بين الأغاني النوبية والأغاني السودانية باللغة العربية. لم تعد الأفراح سبع ليال ولكن غالبا ما تستمر حتى صباح اليوم التالي.
يوضح مصطفى عبد القادر أن التقاليد تحاول التكيف أو مجرد التواجد بشكل صوري قبل أن تختفي تماما: "كان هناك طقس أثناء زفاف العروسين. أن يهتف هذا معلنا أنه يهديهم نخلة أو طرحها هذا الموسم، وذاك يهديه قيراط من الأرض أو جزءا من المحصول. كان تلك هدايا حقيقية ولكن بعد التهجير أو الانتقال للمدينة لم يعد لدى الكثيرين أرض ولا نخل، فاستمر الطقس يؤدي. فيهتف هذا ويهتف ذاك والجميع يعرفون أن تلك ليست هدايا حقيقية بل مجرد تحية".
في رأي تامر علي أن المجتمع النوبي أحيانا ما يتمسك بتقاليد فيها بعض التمسك بالمظاهر، يركز اللوم على الكنوز المولعين على وجه الخصوص بالذهب ويبرزونه في أفراحهم. ولكن بشكل عام يعتبر أن استمرار تقاليد الفرح النوبي الحاشد لم تعد مناسبة: "الكثير من الأسرتعتقد أن الفرح يعبر عن قيمتهم وقدرهم. ولكن التكاليف تتجاوز قدرة معظم الشباب والأسر الآن. ولذلك انتشر نوعا ما الاكتفاء بعقد القران في مسجد أو إقامة احتفال صغير أمام البيت قد يتضمن موسيقى ورقصات نوبية مميزة".
رغم انتقاداته تلك إلا أن تامر التزم بشكل كبير بالتقاليد النوبية الخاصة بالزواج، فهو لم يفكر في الزواج من غير نوبية ولا حتى نوبية من الكنوز بينما هو من الفايجا، بل تقدم لخطبة بنت خالته. يقول تامر أن زواجه من بنت خالته يرجع بالإضافة للألفة بينهما إلى التقاليد النوبية التي يعتز بها والتي تجعل أبناء القرية النوبية الواحدة كأنهم إخوة، فما بالك بالعائلة الواحدة، وبالتالي يشعر هو أن الزواج داخل نفس العائلة مريح ولن يضطر للتعامل مع آخرين مختلفين.
لا ينفي تامر أن الخيار الآخر صعب جدا، فالعائلات النوبية لا تتقبل حتى الآن الزواج من غير النوبيين، وبعضهم لا يفضل الزواج من السلاسة النوبية الأخرى. ونظرا للترابط الكبير والدور الكبير للعائلة في حياة النوبي أو النوبية فإن صعوبات كثيرة تكون في مواجهته ومواجهتها لو اختارا الزواج من شريك غير نوبي.
ينفي مصطفى عبد القادر أي دور للعنصرية أوالتعصب العرقي في هذا الأمر، ولكنه يرجعه إلى تميز التقاليد النوبية التي تملأ كل جوانب وتفاصيل الحياة وتعد التزامات واجبة على كل فرد نوبي، ولذلك يكون من الصعب على من لا يعرف هذه الثقافة ولم يعش تفاصيلها أن يلتزم بها.
يقول مصطفى عبد القادر أن التقاليد تغيرت من أوائل القرن الماضي إلى الآن، بسبب اختلاف الزمان والمكان والبئية، والتقاليد والعادات تتكيف مع البيئة الجديدة. فتقليد الزواج من نوبية أو نوبي كان بالأساس تقليد يؤثر الزواج داخل العائلة الواحدة، بسبب الملكية الزراعية المحدودة والتي تخشى العائلة من تفتتها بالميراث.

من جلسة المشورة إلى شريط الفيديو
يشرح مصطفى عبد القادر: "أوائل القرن كانت البنت لابن عمها بشكل صارم، وبعده ابن الخال ثم ابن العمة ثم ابن الخالة. وكانوا إذا تخلف قريبها عن التقدم لها وتقدم لخطبتها واحد آخر يضطر الأب لدعوة العم إلى جلسة (مشورة) يشاروه فيها بشأن خطبة ابنته ليتأكد من أنه لا يريد التقدم لها ويتحلل من هذا الالتزام".

تغير الأمر مع تطور المجتمع، ومع هجرة بعض الكنوز الذي غرقت أراضيهم أولا مع التطوير الأول لخزان أسوان إلى بعض قرى الفاديجا حصل تزواج بينهم.
حسن عبد المجيد، خريج معهد التعاون الذي ينتمي إلى الكنوز، يقول أن بعض الحساسيات موجودة الآن بين الكنوز والفاديجا حالت بينه وبين الزواج من فتاة من الفاديجا: "أهلي رفضوا وقالوا لي: كل أولاء البنات من عائلاتنا لا يعجبونك؟ .. سافرت فترة للعمل في الكويت، فكانت أمي ترسل لي شرائط فيديو لأفراح نوبية لأشاهد البنات أثناء الرقص وأختار إحداهن. وفعلت ذلك".
الفرح النوبي يمثل موعدا هاما للتواصل بين أبناء القرية الواحدة الذين يتم دعوتهم كلهم لأي فرح لواحد منهم ، وبحسب حسن عبد المجيد فإن الذين لا يحرصون على حضور الأفراح تقل فرصتهم في الزواج، خاصة الفتيات. يشير تامر علي إلى أن الأسرة النوبية التي تتشكل في كل جامعة ومعهد بها عدد معقول من النوبيين أصبحت أيضا وسيطا للتعارف والتلاقي وتحدث بين أفرادها الكثير من الزيجات.
ذهبت والدة حسن وحادثت والدة الفتاة التي اختارها وعندما وجدت قبولا ذهبت أسرة حسن كلها لزيارة أسرة الفتاة. في الزيارة الأولى لا يتحدث أي منهم عن الزواج والخطوبة. يقضون فترة الزياة في كلام عام ويتركون الشاب والفتاة في جانب يتحدثان معا في أي شيء. يتذكر حسن:"أعتقد تحدثنا عن أحب الأغاني إلينا". بعد هذه الجلسة ينتظر الأهل رأي الشاب والفتاة فإن كانا منسجمين تبدأ اجراءات الخطوبة.
سيناريو مشابه تكرر مع تامر، الذي كان في السعودية عندما ذهبت والدته وفاتحت أختها في رغبته بالزواج من ابنتها: “لم نكن نحتاج إلى تلك الزيارة الأولى لأني كنت أعرف بنت خالتي جيدا. حتى وأنا مسافر كنت أتواصل معها على الإنترنت، كما أني كنت تقريبا اتفقت مع أبيها عبر التليفون على كل شيء قبل عودتي. لكن خالي أصر عندما عدت على أن نقوم بهذه الزيارة كأنها طقس. ولأنه يجب أن يأتي معي (كبير) ويجب أن يشعر الجيران بطقوس الخطوبة وفقا للتقاليد".
يقول مصطفى عبد القادر أن التقاليد القديمة في القرى النوبية كانت تمنع الخاطب من رؤية خطبتها أول ما يتقدم إليها، وكان عليه أن يتحايل لرؤيتها من بعيد. الآن يخرج المخطوبان معا ويحضران الأفراح معا، وهناك طبعا اختلافات تخص كل فئة اجتماعية.
أوائل القرن الماضي كانت التقاليد تحتم على الزوج أن يتحمل كل نفقات الزواج بينما تضطر معظم الأسر الآن إلى تقاسم الأعباء المادية. يوضح مصطفى عبد القادر أن التكاليف أوائل القرن الماضي في القرى النوبية كانت يسيرة جدا: "كان المهر رمزيا والرجل يبني بيته من الطين على قطعة أرض تملكها عائلته ولم يكن هناك جهاز للعروس بالمعنى الموجود الآن ولكن كانت تساعدها العائلة بأشياء تبدأ بها حياتها. أطباق الخوص التي تعلق في بيت أسرتها للزينة تأخذها وتستعملها. وهناك عادة أخرى وهي أن يزور العروسين بعد الزواج مجموعة من أقرب أقربائهم والأطباق والأدوات التي تقدم لهم أثناء ضيافتهم تهدى إليهم".
يقول حسن عبد المجيد: "الآن تقاليد الجهاز أصبحت مثل تقاليد أي أسرة مصرية عادية. ولكن المشكلة الحقيقية هي في الفرح النوبي الذي يعد تقليدا هاما جدا تتمسك به العائلات بينما هو مكلف جدا وفوق طاقة معظم الشباب الآن. أسرتي تكلفت كثيرا من إقامة فرح في مسرح ناد يسع ما يزيد عن 1000 فرد لنتمكن من دعوة كل أهل قريتنا ومعارفنا".
يعترف تامر أن الفرح يمثل طقسا اجتماعيا هاما له دوره في التواصل بين أوسع نطاق من المجتمع النوبي ولكنه سيحاول أن يتمسك بوجهة نظره وأن يكتف بعقد القران في المسجد، بينما سيعبر عن تقديره للثقافة النوبية بشكل آخر وسيحرص على تعليم أولاده اللغة النوبية التي لا يعرف هو عنها الكثير.


نشر في "الشروق" 15 سبتمبر 2010
PDF


المزيد