الجمعة، 25 سبتمبر 2009

"نحن نبيع الانطباعات"



هناك من قال أن الوعود، والوعود الكبيرة فقط، هي جوهر الإعلانات. ومن أجل ذلك يبتكر صناع الإعلانات شخصية وملامح وحضور لكل سلعة أو خدمة، لتصبح نجما يخطف عقول الجماهير ومشاعرهم، يدخل معهم في علاقة ويشعرون تجاهه بإعجاب أو ثقة، مهابة أو ألفة. يصدقونه وهو يعدهم بحياة متخيلة جذابة، كمشهد سينمائي يمكنهم - بعد أن يدفعوا - ترك مقاعد المتفرجين ليكونوا جزءا منه.

على الشاشة الكبيرة في المقهى تدور أحداث فيلم عربي، الزبائن مشغولون بأحاديثهم وربما بين حين وآخر يسترق أحدهم النظر ويرهف السمع إلى الصوت الخافت الضائع وسط الضجيج.
يتوقف الفيلم ويبدأ فاصل بمشهد رجل أمن في زي مدني يمسك بجهاز لاسلكي يتوجه إلى سيارة واقفة بداخلها شاب. يطلب أكثر من واحد من القهوجي أن يرفع الصوت بسرعة وقد ارتسمت ابتسامات على وجوههم، ينبه أحدهم صديقة "شوف الإعلان ده". يتوجه رجل الأمن إلى السيارة يخبط عليها ويأمر الشاب بفتح زجاج السيارة، يخبره بحزم وفظاظة: "ياللا يا حبيبي مافيش وقوف هنا" ويصرخ فيه: " ياللا اتحرك! ياللا!". الكاميرا مثبتة على الشاب الذي يبدأ في تشغيل السيارة وعلى ملامحه ضيق مكتوم وأسي وعتاب، نفهم أسبابهم عندما يظهر فجأة صوت معلق رياضي يعرفنا بالشاب "رقم 19 أحمد فتحي (بوجي) رأس حربة منتخب مصر للشباب... علشان تعرفوهم. روحوا شجعوهم" ثم ينتهي الإعلان بأن كوكاكولا هي الراعي الرسمي لكأس العالم للشباب.
ضحكات هنا وهناك وإطراء على الفكرة المبتكرة، ولكن ماذا في الإعلان قد يدفع هؤلاء أن يرفعوا أصواتهم ليطلبوا كوكاكولا التي أنفقت الكثير على سلسلة الإعلانات التي كان ذلك واحدا منها؟ عند درجة ما من الإبداعية والابتكار في الإعلان فإن الرسالة الإعلانية، التي تسوّق للسلعة أو الخدمة بشكل مباشر، قد تتراجع قليلا لصالح حسابات أخرى، يجب أن تصب في النهاية في صالح البيع والرواج للمعلن، ولكنها قد تسلك طرقا بعيدة لترتبط مع المستهلك بعلاقة أقوى وأعمق أثرا.
"صحيح أن زيادة المبيعات هي المعيار الأساسي لنجاح أي إعلان، ولكن من أجل ذلك تحديدا فالانطباع الذي يتركه الإعلان عند المتلقي هو الأهم لا الرسالة التي يوجهها " هذا ما يؤكده سامي عياد سمور، رئيس القسم الإبداعي Creative Department في وكالة "ستراتيجيز" Strategies للإعلان، الذي يوضح فكرته أكثر: "قد يحدثك شخص ما ويقول كلاما كثيرا، في النهاية قد تنسى كلامه لكن يبقى في ذهنك فكرة عنه، شخص فاهم أو مدعي، واقعي أو حالم، مثقف أو مخرف. وعلى هذا الأساس تتعامل معه. وكذلك الإعلان عن ماركة معينة فقد يمر بسرعة ويقول رسائل مختلفة ومتنوعة كل مرة، ولكن الخط الإعلاني الناجح هو ما يترك انطباعا جيدا وملائما يشكل فكرة المستهلك عن الماركة".
ويبدو أن هذه هي المهمة الأكثر تميزا لمبتكري الإعلانات الذي يشكلون الـ Creative team وهو التعبير الذي يمكن ترجمته إلى الفريق الإبداعي أو فريق الابتكار. ويشمل في معظم وكالات الإعلان: مدير الابتكار Creative director - وهو رئيس الفريق- ومساعديه والمديرين الفنيين Art director ومصممي الجرافيكس - وهم المسئولون عن الصورة في الإعلان- وكتّاب النصوص Copy writers.
تبدأ مهمة هذا الفريق بعد أن تتم أقسام أخرى عملها، وهي خدمة العملاء وقسم أبحاث ودراسات السوق. خدمة العملاء يعرفون طلبات العميل وخطته في السوق ومعلومات عن المنتج أو الخدمة، وقسم دراسات السوق يحدد حالة المنتج بين أقرانه في السوق، نسبة مبيعات كل منهم وما يميزه وآراء الناس فيهم. ويصل كل ذلك إلى الفريق الإبداعي في تصور مختصر ووجهة نظر لوجهة الحملة الإعلانية وفئة الجمهور المستهدفة وهو ما يسمى بالاستراتيجية الإعلانية.
يتابع سامي سمور: "الكثير من العملاء يفكرون في إعلان به أكبر عدد من الرسائل الواضحة المباشرة عن منتجهم، وبعضهم يقول أن الجمهور لن يفهم الأفكار الإبداعية غير المباشرة ويجب أن يشرب الفكرة بالملعقة. في حين نحاول نحن أن نقنعه أن ذلك ليس صحيحا. ونحاول أن نأخذ الأمر إلى مسار آخر ونحاول أن نقنعه أن الأهم هو رسم شخصية وهوية للماركة عند الناس تميزها عن غيرها من الماركات المنافسة. وهو ما نسميه الوضع أو Position".
يضرب سامي سمور مثلا بالأوضاع المختلفة في سوق الاتصالات مثلا، تتخذ موبينيل وضع الرجل الشعبي القريب خفيف الدم العاطفي والوطني، بينما تتخذ فودافون وضع رجل الحسابات التكتيكي الأنيق الخبير صاحب الأصل العالمي. ويتابع :"أتصور أن لكل ماركة ناجحة في أي مجال لها شخصية منطبعة في ذهن الناس. وهذه الشخصية يرسمها صانع الإعلان ويحدد من خلالها ما الذي يقال في كل موقف وكيف يقال، كما أنها تحدد الهوية البصرية للماركة أو الصورة التي تظهر فيها هذه الشخصية وكيف تكلم الناس وبأي طريقة".
يتم ذلك عادة عبر جلسات عصف ذهني ونقاش بين أعضاء الفريق الإبداعي يتبادلون فيها التصورات والأفكار قبل أن يستقروا على فكرة مميزة يبدأون في تنفيذها وصياغة النصوص وتصميم الصورة المعبرة عنها.

طبقات الصورة
يقول مصطفى أبو بكر، مصمم الجرافيكس في وكالة طارق نور: "فيما يخص الصورة، يختلف الأمر عن التصميم الفني الجمالي البحت، فكل تفصيلة لها دور وتقول شيئا. لذلك عندما نعرض تصميما مطبوعا على العميل نضع كل تفصيلة من التصميم المرسوم على شريحة لكي نشرح له دورها، كما نقدم له هذه التفصيلات مقارنة بتصميمات الماركات المنافسة، وفي الإعلان التليفزيوني يتم رسمه مشهدا مشهدا قبل أن يتم تمثيله ويتم دراسة كل لقطة وتفصيلة وبماذا توحي وما دورها في الإعلان".
الصورة الكبيرة المكونة من التفاصيل يجب أن تكون معبرة عن شخصية وهوية الماركة أووضعها المحدد في الاستراتيجية الإعلانية، ولو حادت عن ذلك تحدث مشكلة. يوضح محمد زكريا، المدير الفني في وكالة ستراتيجيز: "مثلا لا يمكن لمنتج غالي موجه للنخبة أن تكون صورته توحي بالرخص أو تكون ألوانه شعبية، يجب أن يكون موحيا بالرقي الطبقي والتميز والأناقة. والعكس، المنتج الرخيص الذي يتم تسويقه على نطاق شعبي لو كانت صورته موحية بأي تعالي يمكن أن يترك ذلك انطباع أنه غالي الثمن".
أحيانا ما تكون عند شركة واحدة أكثر من منتج، ولكن تبعا لثمنه يوجه كل منهم لطبقة معينة ولذلك يجب أن تكون لإعلاناتهم شخصيات مختلفة وتوحي بانطباعات مختلفة وهو ما تقول الصورة جزء كبير منه. يضرب محمد زكريا مثلا بشركة التكييف يونيون إير:"لديهم نوع تكييف رخيص نسبيا كانت إعلاناته بسيطة وعملية تخاطب الطبقة الوسطى وما دونها وتوضح ميزة المنتج وهو سعره الرخيص، أما النوع الفاخر "يونيفاي" حاولت الشركة أن توحي بأنه مميز ولكن بشكل خاطيء فلم يصل الانطباع الملائم للفئة المستهدفة".
في إعلان يونيفاي، كان الفنان أحمد الفيشاوي يستقل سفنية فضاء ويبتعد عن الأرض ولكنه يواجه مشاكل في التكييف فيتصل فورا بخبراء يونيفاي. يعلق سامي سمور: "الإعلان كان يحاول ترك الانطباع بأن الشركة لديها أفضل تكنولوجيا من خلال استخدام صورة سفينة الفضاء التي تستدعي في ذهن المشاهد فكرة التكنولوجيا الفائقة. ولكن ذلك لم ينجح".
المبالغة الهزلية للإعلان أوحت بالاصطناع والسذاجة ولم تقنع الطبقات "الراقية" أن هذا هو تكييفها المميز.
يقول محمد زكريا: "في الإعلان التالي مع شركتنا. لم نقل شيئا أبدا عن مميزات التكييف أو سعره، اعتمدنا فقط على ترك الانطباع بالصورة وبأقل كلام". كان الإعلان عبارة عن رجل يدخل شقة ذات ديكور مودرن بالغ الأناقة والرقي. يضع مفاتيحه فتستقر في الهواء في هدوء قبل أن تصل إلى المنضدة. يتمدد على أريكة ويضع اسطوانة هادئة ويرفع قليلا الأباجورة لكي تلقي أفضل ضوء على الكتاب فتستقر في الهواء أيضا في الوضع الذي يريده وكذلك الكتاب فلا يضطر لأن يبقي يديه مرفوعتان تحملانه، وبعد ثوان يرتفع جسد الرجل قليلا عن الأريكة وكأنه ممدد على الهواء في إيحاء براحة تامة. يبتعد المشهد قليلا ليظهر في الصورة تكييف يونيفاي يتوسط الحائط في أناقة وينتهي الإعلان بصوت هاديء يقول: جو خيالي.
يعلق محمد زكريا: "كان استقبال الإعلان جيدا، ونجحت الحملة الإعلانية ووصلت لجمهورها بشكل صحيح الذي وصله انطباع قوي بالشخصية المميزة والراقية للماركة".
في مقال "بلاغة الصورة" اهتم رولان بارت الناقد والفيلسوف الفرنسي بالطريقة التي تعبر بها الصورة في الإعلان وقام بتحليل دلالتها إلى 3 مستويات: الرسالة غير المشفرة للصورة، والرسالة المشفرة للصورة، والرسالة اللغوية. الرسالة الأولى هي تصميم الصورة كما هي، تناسق الألوان وتشكيل العناصر وكل ما يوجد ظاهرا في الصورة، الرسالة الثانية هي الإيحاءات الكثيرة التي توحيها، مثلا في حالة إعلان يونيفاي هناك إيحاءات الثراء والأناقة والذوق الرفيع، وهناك القدرة على التحكم في المحيط بما يحقق راحة وسعادة، وهناك الخصوصية والهدوء وهناك الاهتمام بالثقافة ( الكتاب والموسيقى) وقد يوحي ذلك أيضا بالترف وراحة البال، أما الرسالة اللغوية أي النص المكتوب أو المنطوق فهي - كما يقول بارت- تقوم بدور "الريموت كنترول" الذي يقوم بتوجيه المتلقي نحو دلالات بعينها، وتشترك مع الرسالة المشفرة للصورة في إنتاج الدلالة الكلية التي تترك الانطباع. كل دلالات وتفصيلات الإعلان تم دمجها في إعلان يونيفاي لتعبر عنها كلمة "الجو" واسعة الدلالة التي تلعب على ازدواج المعني: الجو يمعنى كل الظروف المحيطة والجو بمعنى درجة الحرارة التي يتحكم فيها التكييف. انطباع التحكم - الذي يشتريه مستهلك التكييف ليتحكم في الحرارة - يتم الإيحاء بتضخيمه كما في التفاصيل الفانتازية ليصل إلى حد أنه "خيالي".

بلاغة الإعلان

دور النص المكتوب أو المنطوق هنا يبدو أبعد من مجرد صياغة شعار لكنه إبداع لمفهوم أو فكرة تكون عنوانا للانطباع المرغوب والشخصية المتخيلة للماركة، يؤكد ذلك حمدي نجيب، كاتب النصوص Copy writer في شركة ستراتيجيز: " كل المنتجات المتنافسة تدعي نفس المميزات، والإنسان بطبعه يقاوم محاولة إقناعه بالدفع والشراء، عندما يأتي إليك مندوب مبيعات فأنت تتشكك في كلامه وتعرف مقدما أنه تجميل للسلعة ومبالغة فيها، لذلك على كاتب النص أن يكلم المتلقي وفي نفس الوقت يتسلل إليه بسرعة وذكاء. مندوب المبيعات يحاور شخصا واحدا ويجرب هذا المدخل ثم يجرب آخر. ولكن كاتب نص الإعلان التليفزيوني أمامه 30 ثانية وعليه أن يقنع 70 مليونا متنوعين".
في الحملة الإعلانية الأخيرة التي قدمتها الشركة لزيت عافية كان الشعار "جدد قلبك"، مع صورة تركز على الأسرة والعائلة المفعمة بالصحة والحيوية والنشاط وبالتالي السعادة، في مشاهد تتكرر فيها صورة القلب، في المفارش وفي الكعك وفي نظارات البنات وحتى في الأطباق. يشير الإعلان إلى أن الكوليسترول أقل حفاظا على صحة الأسرة. ولأن الفئة المستهدفة هي ربات البيوت. فالأم تبدو في قلب المشهد، بينما تركز الكاميرا على انطباعات باقي أفراد الأسرة، انطباع التلذذ بالطعام، ويلعب النص بفكرة "تجديد القلب" بمعناها القريب: الحفاظ على الصحة، والمعنى الأبعد: تجديد الحب في الأسرة. الأم تحرص عليهم وتقدم لهم أكلا صحيا ولذيذا وهم يعبرون عن امتنانهم وتقديرهم لها. الإعلان هنا يسوق الحاجة الاستهلاكية للزيت من خلال التذكير والتلويح بحاجات معنوية وإنسانية أخرى يربط المشاهد نفسيا بها.
كتاب النصوص أيضا هم المسئولون عن كتابة فكرة أو نصوص الأغنية أو الجنجل Jingle المصاحبة للإعلان، وهي من أكثر الأشياء التي تلفت الانتباه وتعلق في أذهان الناس.
"ولكن أحيانا تكون الأغنية لافتة وجميلة ولكن لا علاقة لها بشخصية المنتج أو الانطباع المرغوب" يضرب حمدي نجيب مثالا "في فترة كان الأطفال ينتظرون إعلان لانشون شيكي دودو ويرددون معه: عاوزين الشيكي دودو. ولكن الإعلان لم يربط المشاهد بالمنتج بأي انطباع فحفظ الناس اللحن ونسوا المنتج، لكن نص إعلان: رايحة فين يا فاطمة، رايحة أجيب أومو. ربط المشاهد باسم المنتج وربطه نفسيا بمشوار التسوق، لدرجة أن النساء يمزحن وهن خارجات للتسوق ويقلن: رايحة أجيب أومو. قمة النجاح أن تربط النشاط أو الحاجة باسم الماركة".
كلما كانت الفكرة التي يعتمد عليها مبتكرو الإعلان موجهة بدقة للفئة المستهدفة كلما كان نجاحها مركزا. فحملة "استرجل واشرب بيريل" حققت نجاحا رغم أنها كسبت عداوات وانتقادت بسبب "النزعة الذكورية" المهينة للمراة أحيانا كما في إعلان: "استرجل! آخر حاجة في البنت تفكر فيها شخصيتها"!. فالمبتكر كان يفكر وهو يعلم أن جمهور مشروبه هم الرجال لا النساء أو الأطفال، فخاطبهم بمزاح خشن يشبه مزاج الجلسات الرجالي. كما أنه حوّل ما يمكن أن يكون عيبا في المشروب وهو طعمه المر القوي إلى شيء إيجابي، وعلى الشاب أن "يسترجل" ويتحمل الطعم وإلا واجه السخرية.

أفكار الإعلانات غير التقليدية ضرورة تتطلبها المنافسة الشرسة. وسط طوفان الإعلانات الذي يجتاح الإعلام لن يظهر إلا الإعلان الذي يقدم شخصية مختلفة وانطباعا جريئا مفاجئا أو مبدعا. بعض الإعلانات تلجأ إلى وضع مختلف تخاطب به المشاهد فتتصنع التواضع لتوحي بالصراحة والمصداقية كما في إعلان مطاعم "مؤمن" عن الساندوتش المكسيكي الذي يقول: "هو مش مكسيكي قوي يعني" أو السيارة التي تسير رأسيا على الحائط ثم ينتهي الإعلان بالتأكيد أنها سيارة "جامدة لكن مش بتمشي على الحيطة". أو يفجر الإعلان الكوميديا من المفارقة بين كون أبطال الإعلان من لاعبي منتخب مصر للشباب مغمورين ويتعرضون للمعاملة السيئة رغم أنهم سيصبحون في دائرة الضوء قريبا لأن مصر ستستضيف كأس العالم للشباب هذه السنة. الإعلان يسخر مع المجتمع أو منه بعدما أصبح اللطف فيه معاملة خاصة واستثناء لا يحصل عليه إلا المواطن الذين يثير في من حوله الانطباع أنه مواطن غير عادي. لذلك تبتعد الإعلانات عن كل ما هو "عادي" وتعد الناس بكل ما هو خيالي ومميز ومختلف ولا مثيل له. فكما يقول صمويل جونسون:"الوعود، والوعود الكبيرة فقط، هي جوهر الإعلانات".



"أخيرا فهمت يا وديع !"



ما الذي يفعله معظم الشباب المطلعين على السينما الأمريكية عند مشاهدة معظم الأفلام العربية بدائية الفكرة والتنفيذ؟ عندما لا يكون الفيلم مقنعا فالسخرية هي البديل لقضاء الوقت أمام مثل هذه الأعمال. إذن لا جدوى أن تحاول قناة للأفلام العربية أن تضحك على نفسها وعلى جمهورها وتحاول أن تعدهم بأفلام فذة، فكان الحل البسيط والمبتكر الذي لجأت إليه قناة ميلودي أفلام أن تجتذب القناة المشاهدين عبر السخرية من الأفلام العربية كلها وطريقة إنتاجها. الإعلانات ابتكرتها وكالة ليو بيرنت المرموقة في عالم الإعلان وتجاوزت مدتها أقصى مدة لإعلان لتقترب من فيلم قصير. وهي تروي قصة هزلية يرفض فيها تهامي باشا المنتج المصري “الأريب” اقتراح وديع المخرج المتملق إنتاج أفلام "روكي" و"تيتانك" لأن النهايات غير جماهيرية في رأيه لينتج "فيفا زلاطا" و"لحم رخيص". واللحظة الوحيدة الذي اتفق فيها تهامي مع وديع عندما قدم الأخير إليه الوجه الجديد رشا التي خلعت ملابسها فورا لتقدم بروفة فصاح منتشيا :"أخيرا فهمت يا وديع!".
الجدل الذي أثارته هذه الحملة الإعلانية كان امتدادا لجدل كبير حول إعلانات مجموعة قنوات ميلودي. الانتقادات تركزت على استخدام العنف والجنس في الإعلان عبر البطلين: السوبرمان البدين ذو الزي الأصفر الذي يضرب المملين والتقليديين والعجائز، ورفيقته "الفاتنة" بوبي جوليا التي تشتت انتباه أعداء رفيقها لكي يتمكن منهم. الجدل بين معجب بالإبداعية والابتكار في أفكار الإعلان وبين منتقد لـ"ابتذال الإعلان" واحتوائه على "قيم سلبية"، هو نفسه الجدل الذي شهده الفكر الاجتماعي الغربي منذ منتصف القرن الماضي حول تأثير للإعلانات.
فكما ينقل د. شاكر عبد الحميد في كتابه "عصر الصورة" وجد ميشيل فوكو في الإعلان شكلا من أشكال السلطة- المرتبطة بسلطة رأس المال- ترسخ الصور النمطية للتفوق والنجاح والجمال والأنوثة والذكورة والحب، وتتحكم في سلوك المستهلكين الذين يحاولون محاكاة هذه النماذج والاقتراب منها من خلال الاستهلاك. لكن جان بودريار وجد أن السلطة نفسها أصبحت مفككة ومبعثرة، وأن صراع السوق يدفع المنافسة إلى درجة قصوى يتم فيها تخطي كل الحدود والقيم والنماذج، وتستخدم الإعلانات بشكل مفرط قيم القوة والمتعة المتحررة وخاصة الجنس، لتتماهي مع الرغبات المتجددة والمنطلقة للجمهور. لذلك يرى بودريار أن فن الإعلان سيكون هو الشكل المعاصر للتعبير الفني الذي سيدمج داخله كل الفنون، وسيصير الفن الأكثر استهلاكا، ولكنه سيظل دائما فنا سطحيا بلا عمق مهمته الإغواء عبر الصور السطحية. يكمل جي ديبور الصورة بما قاله من أن وعود الإعلان بمتعة الاستهلاك هي التعويض عن غياب التلقائية والحرية في عصر المؤسسات الكبرى والتقسيم المفرط للعمل الذي يدفع لتنميط أساليب الحياة. ولأن الإنتاج والاستهلاك لا يتوقفان والوعود بالجديد لا تتوقف، يصبح الإنسان مستهلكا للصور والماركات ونهما دائما للمزيد لينتهي بنا الحال إلى ما سماه "مجتمع الاستعراض".
في المقابل وبشكل متزامن كان اتجاه آخر يصعد، ويعتبر أن الإعلان هو قلب اتجاه فني جديد هو البوب آرت Popart الذي يرى أن العمل الفني ليس عملا أصيلا ومتفردا ولكنه جزء من عملية الاتصال العادية وتبادل الأفكار والسلع بين الناس. وأن متعة الشكل الحسية هي أساس الفن بعيدا عن أوهام العمق النخبوية. الرمز الأشهر لهذا الاتجاه هو الفنان الأمريكي آندي وارهول الذي كان رساما وصانع أفلام ولكنه بدأ حياته وشهرته كمصمم إعلانات وحملت عبوات السلع وشعاراتها إبداعاته الأولى.


-نشر في "الشروق" الخميس 24 سبتمبر 2009.
-PDF
-الصورة: "جو خيالي" في إعلان تكييف، التحكم في الجو وانطباع التحكم في كل ما يحيط بك لتحقيق الراحة والسعادة.
تصوير: أحمد عبد اللطيف.

المزيد

الخميس، 24 سبتمبر 2009

التقاء النماذج

تنمية بشرية .. وإسلامية

محاكاة "النماذج الناجحة" هو أساس أفكار ومهارات التنمية البشرية ودورات التدريب عليها. والاتجاه المتزايد للاهتمام بها تزاوج مع الاتجاه الصاعد اجتماعيا للاقتراب من "نموذج الالتزام الديني"، لنشهد إقبال الدعاة على تعلم واستخدام مهارات التنمية البشرية في الدعوة واتجاه الدورات لتكون في قالب إسلامي أو على الأقل بديباجة دينية.


في ساحة صغيرة مغطاة بجوار حمام السباحة في نادي القاهرة الرياضي، يقف المدرب محمد الطيب، مؤسس فريق "بداية" للتنمية البشرية، أمام المتقدمين للتدريب في الدورة الحالية للفريق وأفراد من أسرهم وبعض أعضاء النادي. يسألهم محمد الطيب إن كانوا يعتقدون أنه يمكن حمل شخص بواسطة إصبعين فقط، ثم يحاول بالفعل هو وثلاثة متقدمين يختارهم عشوائيا ويفشلون. ولكنه يؤكد أن الأمر ممكن مع الاستعانة ببعض مهارات التنمية البشرية. يأخذ الفتيان الثلاثة إلى جانب لدقائق ثم يعودون وقد اتفقوا على شيء ما، يقفون لثوان حوله بلا حراك في إيحاء بالتركيز ثم يتشاركون بكيفية معينة في حمله من على الأرض وينجحون.
هذا التدريب الاستعراضي كان ختام حفلة السمر الاحتفالية التي تسبق بدء الدورة التي ينظمها فريق بداية مع لجنة الشباب بنادي القاهرة. ويبدو أن هذا التدريب يريد أن يجتذب المتقدمين من خلال عرض تأثير الفكرة الرئيسية للتنمية البشرية وهي أنه يإمكان كل فرد أن ينجز ما يريده. ولكن من أجل ذلك هناك متطلبات معينة منها "قوة الاعتقاد" في قدرات الذات التي يعتقد منظرو التنمية البشرية أن لها دور فعلي – وليس فقط معنويا – في القدرة على الإنجاز. بالإضافة لأهمية "الأسلوب" في إنجاز أي شيء. فالتنمية البشرية ليست علما ولكنها تقدم نماذجا لأساليب فعالة اتبعها الناجحون في حياتهم وعملهم.
بحماسة ينهي محمد الطيب الاحتفالية وهو يعد المتقدمين أن فريق "بداية" سيقدم لهم التنمية البشرية كما قدمها علماء الغرب وكما أسسها النبي (ص)، وسيدرسون العادات السبع للنجاح كما قدمها ستيفن كوفي وكما طبقها النبي في سيرته. ويضيف الطيب الذي يعرف نفسه بأنه مدرب مصري استرالي :"أنا طفت العالم كله، وتعلمت التنمية البشرية وعلّمتها في الغرب، ولم أجد مثل معدننا الفريد. نحن لنا إله وعندنا منهج، ولدينا قرآن وسنة. ويمكن لكل مسلم أن ينجح ويكون رأسه برأس بيل جيتس".
قبله كان محمد كروم، المدرب بالفريق، يتحدث عن أن بداية الاهتمام بمجال التنمية البشرية جاء بعد الحرب العالمية الثانية وهدفه "نمذجة" السلوك البشري الفعال، من خلال ملاحظة أساليب الناجحين وخبراتهم ونقلها للآخرين لكل يسلكوا نفس الطريق. وقبلهما تحدثت رشا الشهيد، المدربة بالفريق والداعية الإسلامية ومساعدة الخبير الشهير د.إبراهيم الفقي، عن أن التنمية البشرية ليست فقط مهارات إدارة الذات بل في تنميتها داخليا فهي أسلوب حياة.
تمزج مهارات التنمية البشرية بين التخطيط للحياة وتحقيق التوازن النفسي التواصل الفعال مع الآخرين وبين مهارات العمل مثل الإدارة والتسويق والقيادة والعمل في فريق. ويبدو أن كونها تقدم مقترحا لأسلوب الحياة يجعل بينها وبين الدعوة الدينية مساحة تقاطع.
تؤكد ذلك رشا الشهيد وتقول أنها بالأساس تعرفت على مجال التنمية البشرية عندما كانت تبدأ طريقها كداعية إسلامية ومقدمة برامج منها برنامج "على طريق الصالحات" على قناة النجاح. وجدت في مهارات التنمية البشرية وخاصة "البرمجة اللغوية العصبية" أسلوبا فعالا ومنهجيا في التواصل والتأثير. تقول: "من أهم من تأثرت بهم هو الأستاذ عمرو خالد، فرغم أنه ليس عالما دينيا لكن له أسلوب فعال ومؤثر وقريب من الناس،وعرفت أنه درس مهارات التنمية البشرية والبرمجة اللغوية العصبية ويطبقها في دعوته، وكانت نقطة فارقة في مساره"، وتضيف أنه من بعد عمرو خالد يستخدم كل الدعاة الشباب مثل معز مسعود ومصطفى حسني بشكل واضح تقنيات التنمية البشرية وهو واضح في أسلوبهم.

أهم من مجرد أداة
دورات التنمية البشرية أصبحت واحدة من أهم الأنشطة التي ارتبط بها جمهور الدعاة الجدد، وتبنها مراكز إسلامية. ففريق "زدني" -الذي يعد واحدا من أشهر فرق التنمية البشرية - بدأ نشاطه من خلال مسجد رابعة العدوية ولا يزال مقره هناك.وجمعيات "صناع الحياة" المنتشرة في المحافظات تعد دورات التنمية البشرية من أهم أنشطتها.
ولكن التنمية البشرية لم تعد وسيلة أو أداة بالنسبة للدعوة الإسلامية، فالكثير من مشاهير الخبراء والمدربين يقدمونها من خلال ربطها بالثقافة الإسلامية، ومنهم إبراهيم الفقي وبشكل أكبر طارق السويدان وصلاح الراشد.
تؤكد على ذلك رشا الشهيد :"بالفعل معظم خبراء ومدربي التنمية البشرية العرب يقدمونها من خلال الثقافة الإسلامية، القليل فقط يأخذها من علمائها ويقدمها كما هي. ولكن الجمهور يلاحظ أن مباديء هذه المهارات والأفكار موجود في الإسلام، فالنزعة الدينية لدى الجمهور قوية حتى لو بدا غير ذلك أحيانا. وملاحظتهم صحيحة فالغرب أخذ بضاعتنا وأعاد تقديمها لنا كما فعل في أشياء كثيرة".
يمكن أن نضع هذا التوجه ضمن نزعة "الأسلمة" التي يتبناها منظرون في مجالات العلوم الاجتماعية وأحيانا في العلوم الطبيعية فيما يسمى بالإعجاز العلمي. وهذا الاتجاه المثير للجدل تواجهه استفسارات من نوع: إذا كانت هي بضاعتنا وأصولها في ثقافتنا فلم لم ننتجها نحن من البداية، ولماذا لا يقدم المنظرون والخبراء الإسلاميون إسهامات أصيلة في هذا المجال.
اتجاه "أسلمة التنمية البشرية" يعبر عن نفسه من خلال أدبيات كثيرة لا تجيب على السؤال بل تزيد الجدل حدة، فهي تبدو وكأنها تنقل الأفكار الجديدة لتلبسها غطاء إسلامي أو تربطها بأي أفكار قريبة منها أو تتصل بها في الثقافة الإسلامية. كتاب مثل "إدارة الوقت من المنظور الإسلامي والإداري" لخالد الجريسي يربط بين طلب النبي موسى :"واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري" وبين القاعدة الإدارية التي تحبذ تفويض المرؤوسين في بعض لتوفير الوقت. وكتاب "السلوك الإداري في صحيح البخاري" لهناء يماني يربط بين فكرة شفاعة النبي محمد للمؤمنين عند الله يوم القيامة ليتجاوز عن سيئاتهم، وبين كون رحمة القائد أوالمدير بمرؤوسيه ولينه معهم يؤديان لتماسك فريق العمل ويعد حافزا لهم على التقدم نحو الهدف المنشود. ويربط طارق السويدان في سلسلة مقالات عن "الإدارة والتوحيد" بين مفاهيم العقيدة والإدارة الناجحة، مثل إشارته للعلاقة بين الثواب والعقاب في العقيدة وبين المبدأ الإداري الذي يربط العمل بالحافز.
"أشعر أحيانا بالمبالغة والربط المتعسف" هكذا يرى هشام عبد الله، الصيدلي الشاب الذي اتجه لدورات التنمية البشرية لتحسين مهاراته في التسويق الذي أصبح مجال عمله في إحدى شركات الأدوية،وتلقى عدد من الدورات في جمعية خيرية إسلامية قريبة من منزله قبل أن يتجه للمراكز المتخصصة. ولكنه يتابع :”في أحيان أخرى أجد هناك ضرورة لوجود القيم الإسلامية لتوازن روح النجاح المادي المنتشرة في أفكار التنمية البشرية، ولكي يكون هناك جانب أخلاقي، وجانب من التوكل على الله يوازن فكرة الإيمان بقدرات الذات".

تسويق ونهضة
يعتقد هشام أيضا، ويشاركه آخرون، إن دمج الثقافة الإسلامية في التنمية البشرية يتم أحيانا لضرورات تسويقية لكي تلقى رواجا كبيرا وسط الجمهور الواسع وربما هو أسلوب ناجح لتقريب الأفكار للشباب ولكي تلهمهم وتثير حماستهم. في حفل سمر فريق بداية وقف الطالب محمد المهدي لكي يقول أنه اتجه لدورات التنمية البشرية لأنه يعتقد أنها علم "يعيد بناء جيل لا يعرف قدراته جيدا ويعيد بناء الأمة بأسرها".
ولكن هشام يعود ويقول أنه يشعر بالتوجس من بعض فروع التنمية البشرية مثل علم الطاقة- الذي يقدم بعض المهارات القريبة من الرياضات الروحية الشرقية – والتنويم بالإيحاء- الذي يهدف للحد من تأثير الخبرات السيئة ومعاجلة بعض المشكلات النفسية والصحية- وبعض ممارسات البرمجة اللغوية العصبية- التي تهدف للتحكم في تفكير الآخر أو توجيهه - ويشعر أن فيها بعض الغيبيات التي لا تستند إلى علم أو دين.
رغم الحماسة في أوساط المتدينين لهذه المجالات إلا أن الأمر لم يخل أيضا من بعض علماء الدين – خاصة السلفيين- الذين أبدوا تشككهم فيها. الشيخ يوسف القرضاوي أيضا ذم البرمجة اللغوية العصبية في إحدى خطبه - المنشور نصها في موقعه الرسمي- واعتبرها نوعا من الغزو لعقول المسلمين.
تدافع رشا الشهيد عن هذه المجالات من التنمية البشرية، فهي حاصة على دبلومة البرمجة اللغوية العصبية و درجة ممارس لعلمي التنويم والطاقة البشرية. تعترف أن هذه المجالات ليست مبنية على تجارب علمية ولكنها خبرات تم نقلها وتعتبر أن الإنسان هو الحكم والتجربة العملية هي الأساس في مصداقيتها، وتربط بين بعض مباديء هذه الخبرات وبين بعض الأفكار الروحية في التصوف الإسلامي.
رشا الشهيد، وهي أيضا إحدى بنات الطريقة الخليلية، تقول أن إمكانية التخاطر والتفاهم بدون لغة مشهورة عند المتصوفة، وتعود وتؤكد أن التربية الصوفية بأركانها الثلاثة: التخلي (عن الخلق المذموم) والتحلي( بالخلق السليم) والتجلي (التخلق بأخلاق الله) تعتبر أحد المنابع الرئيسية للأفكار التربوية والنفسية والروحية في التنمية البشرية.
صحيح أن الإقبال على التصوف عند الأجيال الجديدة لم يعد كما كان بعكس الإقبال على التنمية البشرية، فالتصوف يركز على البعد الروحي وربما في بعض مدارسه لا يتجاهل أهمية النجاح العملي. ولكن الشباب يهتمون في الغالب بالتنمية البشرية تحديدا من أجل النجاح العملي. يقول هشام عبد الله: “أهم ما أراه جيدا في دمج الجانب الديني في التنمية البشرية هي أنها تدفع قطاعات كثيرة من الشباب نحو التدين وتوظف طاقاتهم لا في صراع سياسي كما عند الإخوان أو في جدل فقهي وتفصيلات مثل السلفيين ولا في تهويمات روحانية غير منضبطة مثل الصوفية. ولكنها تدفعهم لكي يكونوا الأنجح والأقوى في المجتمع. وهذا أفضل طريق نحو المجتمع الإسلامي المثالي".
ربما لا يسعى كل من يهتم بالتنمية البشرية مثل هشام إلى "المجتمع الإسلامي المثالي"، ولكن جاذبية أن يجدوا أمامهم طريقا محددا يعدهم بالنجاح ويجعلهم "نماذج" ناجحة بمعايير الكثير من الشركات والمؤسسات التي أصبحت ترعى هذه الدورات وتقدمها لموظيفها أحيانا.
أن تقترب من الشباب بما يريدونه هم لا ما تريده أنت منهم هوما تعتبر رشا الشهيد أنها اختارته، عندما دمجت رغبتها في الدعوة داخل تدريبها للتنمية البشرية. في النهاية هي الآن تخاطب شبابا في بيئات غير تقليدية، مثلا تلك الدورة في نادي القاهرة الرياضي، وغير ذلك.
ورغم أسفها أن وقتها لم يعد يتسع لتقديم الدروس والبرامج الدينية لكنها تعتبر أن دورها في التنمية البشرية أصبح أيضا رسالة، بالإضافة أنه أسلوب دعوي ناجح يتبع على - حد تعبيرها- الإجابة المنطقية لسؤال: من يريد أن يصيد سمكة، هل يضع لها طعما مما يعجبه هو أو طعما هي تريده؟


نشر في "الشروق" الأحد 20 سبتمبر 2009
PDF

في الصورة: رشا الشهيد مدربة التنمية البشرية مع رئيس مجلس إدارة نادي القاهرة في حفل تخريج إحدى الدورات.

المزيد

الأربعاء، 9 سبتمبر 2009

عن "قصة الحب" بين الشباب ودعاتهم الجدد


الجمهور المتنوع للدعاة الشباب ينفي الفكرة النمطية التي تصفهم بدعاة الطبقات الثرية، ويقول أن نجاحهم جاء لأنهم صنعوا بشخصياتهم وحضورهم - وليس فقط خطابهم الدعوي- نموذجا مجسدا لتدين قريب من الشباب وممكن لا صعب المنال، متفهم لأخطائهم وليس متعاليا عليها، متوائم وليس نضاليا، يوظف طاقتهم ويشجع على الطموح والنجاح لا العزلة والصدام والتضحيات، وأيضا بعيد عن أي تجديد مقلق ومحير في الفكر الديني.

قبل أيام من بداية رمضان ومع انطلاقة أذان المغرب من ميكروفونات مسجد "يوسف الصحابي" بميدان الحجاز بمصر الجديدة، كانت سيارات صغيرة كثيرة تحاول أن تجد لها مكانا حول المسجد، ينزل منها شباب وفتيات تدور أعمارهم حول منتصف الثلاثينات، وأخرون كانوا يتوافدون على المسجد بكثافة مختلفة عن المعتاد تفسر انهماك شباب آخرين في فرش سجاد في الساحة المحيطة بالمسجد لتكفي الأعداد الكبيرة.

بعد انتهاء الصلاة بقليل، يدخل شاب في أوائل الثلاثينات يرتدي جينز وقميص شبابي ياقته مفتوحة قليلا ليبدو من تحته تي شيرت أبيض، لحيته قصيرة نابتة وابتسامته واسعة وواثقة. يهم الشباب لمصافحته والحديث السريع معه بينما هو في طريقه إلى الكرسي الموضوع أمام القبلة ليجلس عليه ويحيي الحاضرين بود.

كهل بدين يحمل حذائه وحقيبته استعدادا للرحيل يسأل الشاب الجالس بجواره وعلى وجهه بعض التشكك :"مين ده؟"، يرد الشاب: "الأستاذ مصطفى حسني". لا يبدو على الكهل الاقتناع فيعيد سؤاله بصيغة أخرى:" أيوه يعني هايعمل إيه؟". يبدو على الشاب بعض الضيق ولكنه يجيب بلهجة سريعة: ا"الأستاذ مصطفى داعية وله برنامج على قناة "اقرأ" وده درسه الأسبوعي هنا".

يعيد الكهل النظر إلى مصطفى حسني وهو واقف، لحظات ثم يستدير ويخرج من المسجد ليجد شابا يوزع أوراقا على باب المسجد، يتناول منه واحدة فيجدها باللغة الإنجليزية فيسأل الشاب مستغربا :"إيه ده كمان؟" يرد الشاب وهو يكتم ضحكته :"دي دعوة لدورات تنمية بشرية". يعيد الكهل الورقة إلى الشاب "أنا كنت فاكر بتوزع أذكار. امسك!" يعيد الورقة إلى الشاب ويخرج سريعا وهو يهز رأسه.

يبدو أن الكهل العابر لم يجد ما اعتاده عن "دروس الدين" تلك الليلة، رغم أن آخرين من أعمار متقدمة اتخذوا أماكنهم وسط الغالبية الساحقة من الشباب، تلك التي تبرر أن مصطفى حسني يخاطب الجمع دائما: "يا شباب". مضمون الدرس أيضا كان واضحا في توجهه للشباب وإظهاره التفهم والإحاطة بتفاصيل حياتهم رغم توجيه النقد إليها. يقول مصطفى حسني على لسانهم محاكيا تفكيرهم :"غض البصر صعب جدا هذا الصيف"، مشيرا إلى أزياء الفتيات و"الفتن" في الشوارع والمصايف. ولكنه يحث الشاب على ألا تدفعه معاصيه لليأس من أن يكون ملتزما ويدفعه لأن يستمر في أداء الطاعات ومحاولة الالتزام مهما أحس أنه ضعيف ومخطيء. عندما يتطرق لنموذج عن المعصية المتمكنة من القلب يذكر "الصحوبية" بين الفتيان والفتيات وتعلق قلب الشاب بـ"صاحبته" فيأكل ويشرب وهي في خياله.ينتقد مصطفى حسني ذلك بالطبع رغم أنه لا ينكر صعوبة تركه على نفس الشاب، ولكنه يقول أنه بالاستعانة بالله يمكن أن يحل مكان ذلك حب الله وطاعته.

يبدو أن العلاقات بين الجنسين كانت تشغل ذهن مصطفى حسني كثيرا وهو يعتذر للحضور عن عدم انتظام درسه الأسبوعي في المسجد لأنه سيسافر إلى مدينة ساحلية ليتفرغ للإعداد لموضوع برنامجه اليومي في رمضان والذي وصفه بأنه صعب ويحتاج لكثيرمن الإعداد، وكان هذا البرنامج "قصة حب".

قلب أحمر يتوسطه اسم البرنامج وبجواره يقف مصطفى حسني متأنقا بجانب عمود نور، هو شعار البرنامج الذي يتناول في حلقاته الأولى فكرة الحب باعتبارها أساس الإيمان ويستعرض حياة النبي محمد من خلال علاقات الحب التي تجمعه بالله وصحابته والمؤمنين. محاولة لـ"التسامي" بفكرة "الحب" الأكثر إلحاحا في الأغاني والدراما، وإبعادها عن نطاق العلاقات بين الجنسين قبل الزواج.
يحذر مصطفى حسني مرارا الشباب من "الحوار غير المبرر" بين الجنسين سواء في الحياة اليومية أو على الإنترنت ولو كان في الدين وفي عمل الخير، مؤكدا أن الحوارات في تلك الموضوعات الجادة هو مدخل فتنة الشباب الملتزم !

"كلام مضبوط تماما" يعلق حسن سيد، موظف التسويق بإحدى شركات المحمول، وأحد الحاضرين في المسجد "أهم ما يميز الأستاذ مصطفى حسني أنه شاب غير منفصل عن تفاصيل حياة الشباب ولذلك هو قادر على التخاطب معهم، مثلا بعض الشيوخ السلفيين الأفاضل عندهم علم غزير ولكنهم يتحدثون ويعظون ويحذرون مما هو موجود في النصوص الدينية فقط: الزنا مثلا! رغم أن فئة قليلة تسقط في هذا الأمر أو معرضة له، بينما هناك علاقات كثيرة يدخل فيها الشيطان من هذه المداخل الخفية".

منذ بدايات صعود نجم عمرو خالد وإلى الآن، هناك مقارنة ومنافسة واضحة بين الدعاة السلفيين التقليديين وبين الدعاة الشباب الجدد الذين يتبعون أساليبا وطرق غير تقليدية في الدعوة. أحيانا تتحول هذه المنافسة إلى هجوم، يكون غالبا من جانب السلفيين الذين يتهمون الدعاة الجدد بقلة العلم الديني والرغبة في مجاراة المجتمع والشباب لنيل رضاهم وتحقيق جماهيرية كبيرة والتذرع بالتقرب إلى فئات وطبقات مختلفة. هذه الحساسية موجودة بين الدعاة الأقدم في ساحة الدعوة، مثل انتقاد محمد حسان العنيف لعمرو خالد، ومع الدعاة الأحدث نسبيا، مثل انتقاد الشيخ السلفي مسعد أنور لمصطفى حسني ومعز مسعود، فتثور أعصاب الشيخ مسعد وهو ينتقد برامجهما التي يتحدثون فيها عن الدين بين مقدمة وخاتمة فيهما موسيقى، ويصيح غاضبا في إحدى برامجه: "دين إيه ده اللي بالدربكة والزمارة!".

علماء وعمليون
تزعج هذه الانتقادات، محمد عبد المنعم، طبيب الامتياز الشاب، فهو مثل كثيرين من الشباب لا يعتبر نفسه منحازا إلى طرف منهم، فهو يتابع برامج ودورس دعاة من الطرفين ويأسف لما يقع بينهم :"الدعاة السلفيين آخذ منهم العلم الشرعي والتربية، ولكن الدعاة الآخرين مثل عمرو خالد ومعز مسعود ومصطفى حسني أشعر أنهم عمليون".

رغم أن محمد يوافق على بعض انتقادات الشيوخ السلفيين، في مسألة الموسيقى مثلا ويقول أن حرمتها مما اتفق عليه الأئمة الأربعة فلا جدال في ذلك: "بالطبع ينبغي الإقرار بحرمتها لكن لا أنتقد الدعاة الذين يستخدمونها في برامجهم فهم لهم جهدهم المشكور والفعال في التزام الكثيرين".

ربما كان تسامح محمد مع ذلك راجع لمزاجه الشخصي وطريقته في التدين، فهو يقر أيضا أنه لا يعد نفسه ملتزما صارم التدين وأحيانا ما يستمع إلى الموسيقى والأغاني، ولكن الإقرار النظري ينبغي في رأيه أن يستند لعلم شرعي راسخ كما يقدمه السلفيون. ربما لذلك يجد محمد صورة تدينه في دعاته "العمليين"- كما يصفهم- فهم يقدمون الانسجام والتواؤم على الاختلاف والتناقض مع ما يعتاده المجتمع. فهؤلاء الدعاة الذي يقدمون أنفسهم في مظهر معتاد مثل معظم الجمهور، لا يرتدون الجلابيب والعمائم ولا يعفون لحاهم. بينما ذلك المظهر الذي يتلزم به الدعاة السلفيون وكثير من جمهورهم - بالإضافة لنقاب النساء- كان وحده مساحة صدام وجدل بين الشباب السلفي الملتزم وباقي المجتمع في الشارع والجامعة والعمل. فمظهرهم يشير إلى التميز والانفصال بينما يحرص الدعاة الشباب الجدد على التقارب والانسجام كلما كان ذلك ممكنا وفي حدود الاجتهادات الإسلامية المتاحة.

الاتهام الآخر الذي يطارد الدعاة الجدد هو أنهم يتبنون اجتهادات متساهلة لتناسب مزاجا طبقيا معينا يناسب توجه خطابهم إلى الشرائح والطبقات العليا في المجتمع التي يراهنون عليها. يبتسم حسن سيد ويشير إلى نفسه قائلا: "أقدم لك نفسي، أنا من أسرة متواضعة الحال تسكن في منقطة دار السلام، ورغم ذلك قطعت مسافة طويلة إلى هنا، لا أشعر أنه يتحدث إلى طبقة معينة، ولكني أشعر أنه متوازن ولا يركز على الزهد والورع بل يحيي الطموح والنجاح في الحياة العملية".

كان درس مصطفى حسني تلك الليلة عن زينب بنت جحش إحدى زوجات النبي، وكان يتحدث عن أن ابتلائها الأكبر هو زواجها من زيد بن حارثة رغم أنها كانت من نسب شريف في قريش، أي في مستوى اجتماعي أعلى من زوجها بمفاهيمنها الحالية. اعتبر مصطفى ذلك ابتلاء قاسيا عوضها الله عنه بزواجها من النبي نفسه بعد طلاقها من زيد، الذي تعلو مكانته فوق كل مستوى اجتماعي. يوضح مصطفى حسني أن تفاوت المستوى الاجتماعي، خاصة لو كان الزوج أقل، مشكلة كبيرة في الزواج. إلا إن كان الشاب طموحا ومجتهدا وينوي أن يستدرك هذا الفارق.

مرآة الطموح
أحيانا يبدو في خطاب مصطفى حسني والدعاة الجدد الآخرين بعض لمحات وألفاظ توحي بأن خطابهم ينطلق من طبقة معينة وإليها، وفي ذلك بعض الصحة ولا ينكر هؤلاء الدعاة أصولهم الاجتماعية التي تنتمي لشرائح عليا من طبقة متوسطة وهوما سينعكس في أسلوبهم وحضورهم. فهم مختلفون عن الحضور المتأثر بأصول ريفية عند الشيخ الشعراوي والشيخ كشك مثلا. ولكن أسلوب وحضور الدعاة الجدد لا يعكس ميلا طبقيا مغلقا على أصحابه، بقدر ما يعكس جاذبية طموح الالتحاق بهذه الطبقة وهذه الفئة الاجتماعية التي تجمع النجاح المهني والعيش الرغد والتدين الذي لا يتناقض مع الحياة السعيدة الممتعة .. في حدود الالتزام بالطبع.

أحد النماذج المتكررة ضمن جمهور الدعاة الجدد يمثله الشاب حسن سيد الذي يعمل في مؤسسة حديثة ويريد أن ينال توزانا بين طموحاته في الترقي التي تطلب انسجاما وتكيفا وبين رغبته في التدين والالتزام مما يعني ذلك بعض الانفصال والتحفظ عن محيطات اجتماعية بعينها.هذا الشاب يجد في مصطفى حسني أو معز مسعود نموذجا شخصيا قريبا منه يقول له بشكل مجسد أنه يمكن الجمع بين الالتزام الديني وبين النجاح حتى لدرجة أن تكون "نجما" في الفضائيات مثلهما، تتسابق الشركات الكبرى على رعاية برامجهما والإعلان فيها.

في سيرته الذاتية المنشورة على موقعه الإلكتروني، حرص مصطفى حسني على ذكر خلفيته كموظف تسويق وأنه ترقى في وظيفته إلى أن حصل على لقب أفضل موظف في الشركة قبل أن ينتقل إلى منصب مدير تسويق في شركة أخرى.

التعلق الشخصي بالداعية، بحضوره وصورته وسيرته، هو بالتأكيد أحد أسباب جاذبيته واتساع جماهيريته، بحسب رأي نهى شمس الدين، الصيدلانية الشابة التي تؤكد أولا أنها لا تتابع بكثافة أيا من الدعاة الموجودين حاليا مفسرة ذلك أنها مسلمة ملتزمة منذ صغرها وتلقت ثقافة دينية عميقة وتشعر الآن أن ما يقدمه الدعاة ليس بالعمق الذي تحتاجه. فهي تقرأ للشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي وللمفكرين الإسلاميين مثل عبد الوهاب المسيري.

نهى ترى أن ما يقدمه الدعاة الجدد مهم جدا للشباب الذين يريدون أن يخطوا الخطوات الأولى في عالم الالتزام والثقافة الدينية، ولكنها من جانب آخر تعتقد أن هناك ظاهرة متفشية عنوانها هو التعلق العاطفي بالداعية وميعاد درسه أو برنامجه. تنتقد نهى ذلك وتراه انعكاسا لثقافة الدرس الخصوصي والتعلق بالنجوم وتراجع القراءة وروح البحث الذاتي عن المعرفة. يشتد انتقاد نهى عندما تتحدث عن الدعاة السلفيين وجمورهم مؤكدة أن الدعاة السلفيين يستغلون هذا التعلق فيهاجمون أفكار وأشخاصا ويتبعهم جمهورهم بدون تفكير وبحث ونقد. ومن ذلك انتقاد السلفيين للدعاة الجدد رغم دورهم المؤثر في رأيها.

يختلف عبد العزيز علي، المهندس بإحدى شركات الاتصالات، مع رأي نهى. فهو يتابع عبر الإنترنت العديد من الدعاة من مختلف الاتجاهات، ويرى على العكس أن الجيل الحالي، ضاربا المثل بنفسه وخطيبته، يستمعون إلى دعاة مختلفين وآراء مختلفة، ليسوا تلاميذا لوحد بعينه أو من أتباعه، على حد تعبيره :"نسمع ونفكر، ننتقي وننكر".

الوسائط الحديثة التي تحمل صوت الدعاة إلى جمهورهم بدءا من شرائط الكاسيت والإسطوانات ومواقع الإنترنت، ساعدت بعض الشباب على الاطلاع على الاتجاهات المختلفة داخل ساحة الدعوة وكسر حاجز المكان والمحيط الاجتماعي، وتكوين ثقافة دينية مختلطة تجمع بين عناصر مختلفة، أحيانا تبدو متناقضة. ولكنها تعكس روح التركيب والاعتماد على أكثر من مصدر.

عبد العزيز علي وفقا لهذه الروح يحب بعض التشدد عند الشيوخ السلفيين، ويقول أن التشدد هو التمسك بالأحكام والشرع والسنة بينما المذموم هو الغلو. لكنه في الوقت نفسه يعتقد أن بعض التساهل والتيسير يكون مطلوبا في لحظات معينة وعند فئات معينة عندما تكون حالتهم بعيدة للغاية عن الالتزام الديني. ثم يعود ويقول أنه في اللحظة الحالية كثر المتدينون ومظاهر التدين تنتشر بقوة بشكل لا يبرر التساهل، ثم يستدرك مادحا الدعاة الجدد وقدرتهم على ربط الدين بالواقع وبالحياة وتفاصيلها بالمقارنة بالمشايخ السلفيين الذين يؤكد في نفس اللحظة على علمهم وفضلهم. وفي النهاية ينتقد الجميع- باستثناء قلة منهم وجدي غنيم- بسبب الصمت على قضايا الأمة الكبرى وتجنب السياسة خشية المنع مضيفا: "في النهاية هم يمنعون بغير سبب، ما الذي ينتظرونه إذن ليتكلموا؟".

بعيدا عن التجديد
في نوفمبر 2007، كتب المفكر الإسلامي الراحل عبد الوهاب المسيري مقالا عن عمرو خالد وسط انتقادات عديدة تعرض لها وقال أنه "نقلة مهمة يحتاجها المجتمع" وأثنى على ابتعاده عن المبالغة في الترهيب والغيبيات، وعلى تركيزه على القيم الأيجابية وأهمية التنمية البشرية وبناء الإنسان الفرد والتشجيع على الطموح والنجاح لكنه في نهاية مقاله وجه بعض الملاحظات إليه منها أنه يرجع قضية البطالة بالكامل إلى تكاسل الأفراد وهو ما رآه المسيري "تأكيدا متطرفا للإرادة الفردية على حساب الظروف الاجتماعية" كما نبهه إلى جانب دعوته الأفراد إلى الاجتهاد الفردي إلى ضرورة "توكيد بعض الجوانب الأخرى في المنظومة الإسلامية مثل العدل، وهو القيمة القطب في الإسلام، والذي يجب أن يترجم إلى عدل اجتماعي".

الخلفية الاشتراكية عند الوهاب المسيري واضحة حتى في "فكره الإسلامي"، بينما يميل الدعاة الجدد للتواؤم مع تيار الليبرالية الصاعدة بكل مكونات عالمها، يظهر ذلك مع الشركات الكبيرة التي ترعى برامج الدعاة ومواقعهم، في التركيز على الميل الفردي في النجاح والتحقق، وفي اعتماد الدعاة أنفسهم على علوم التنمية البشرية والإدارة والتسويق وعلى كون دورات هذه المهارات هي واحدة من أهم نشاطات جمهورهم والجمعيات التي ينشطون فيها مثل "صناع الحياة".

الميل للتواؤم والانسجام يمنع أيضا انفتاح الدعاة على اجتهادات إسلامية جديدة، ربما لانشغال الدعاة بدور إعلامي وتربوي أكثر منه فكري ونقدي. وربما بسبب الميل المحافظ عموما للجمهور والمتوجس والمهاجم للاجتهادات الجديدة، كما يبدو في استقبال معظم الشباب المتدين لكتابات جمال البنا مثلا، وربما بسبب ترصد الشيوخ السلفيين لخطابهم. عندما تحدث مصطفى حسني بشكل أكثر تحررا عن مفهوم "البدعة" اهتم أكثر من عشرة شيوخ سلفيين بالرد عليه في حلقات مطولة بلغ بعضها حدا متطرفا من العنف اللفظي تجاهه. ويبدو أن ضغط حديث الدعاة السلفيين عن "الحجاب المنفلت" للفتيات والنساء من جمهور الدعاة الجدد أدى بمصطفى حسني أن يقوم في حلقة مثيرة للجدل - انتشر تسجيلها على موقع يوتيوب- بالوقوف ممسكا بعصا ومشيرا إلى مانيكانات خشبية عليها الأنماط الشائعة لأزياء المحجبات ومفصلا في أن هذه الأزياء ليست "ملتزمة" ومتحدثا بالتفصيل عن "مكمن الفتنة" في كل تفصيلة في الزي والجسد! بعض الفتيات اعتبرن ذلك تجاوزا وميلا مفرطا في التحكم، ولكن هناء سعيد، الطالبة بكلية الطب، تخالفهن الرأي وتقول أنها لم تغضب من هذه الحلقة رغم أنها لازالت ترتدي نفس أنماط الأزياء التي انتقدها: "أعتبره زي أخويا الكبير اللي عاوز مصلحتي حتى لو مش مقتنعة برأيه" وتضيف مبتسمة أن ذلك ليس رأيها وحدها. ويبدو أن ذلك صحيحا فالحضور النسائي تلك الليلة في مسجد "يوسف الصحابي" قسم كبير منه يرتدي تلك الأنماط التي انتقدها ولكن يبدو أن "قصة الحب" أوثق من أن توثر فيها مضمون حلقة مثيرة للجدل.



نشر في الشروق الأحد 6 سبتمبر 2009
PDF

المزيد

الجمعة، 4 سبتمبر 2009

حلم السراي



هل هناك ما يجمع بين الأنماط المعمارية للفيلات الفاخرة في المجتمعات العمرانية المغلقة الجديدة، وأنماط بناء العمارات "اللوكس" في الأحياء العشوائية؟

في الطريق من وسط القاهرة إلى مدينة 6 أكتوبر، تمر السيارات سريعا وهي تقطع الطريق الدائري ثم طريق المحور وسط مساحات يختلط فيها الأخضر بلون الخرسانة المسلحة والطوب الأحمر للبنايات التي تركت دون طلاء. وبين الحين والآخر تظهر بناية مرتفعة أو فيلا وحيدة بالألوان الفاقعة والتفاصيل المعمارية الضخمة والصارخة.

بعد قليل تبدأ رمال الصحراء في احتلال المشهد والأفق، تمهيدا لظهور العالم المختلف من المجتمعات العمرانية المغلقة Gated Communities ذات الأسماء الأجنبية في الغالب: يوتوبيا، دريم لاند، بيفرلي هيلز وبالم هيلز، التي لا تحجب أسوارها مشهد الفيلات الفاخرة وسط المساحات الخضراء الواسعة.

دائما ما يشار إلى المجتمعات المغلقة التي تنتشر حول القاهرة، في مقابل الأحياء العشوائية التي تتمدد داخل المدينة وعلى أطرافها، باعتبارهما عالمين بعيدين منفصلين يمثلان تباينا صارخا، بحيث لا تبدو أن علاقة ما قد توجد بينهما.

ولكن من ناحية أخرى، الأنماط المعمارية لبنايات كلا العالمين قد توحي ببعض الارتباط. ففيلات الطبقات الأعلى دخلا التي هربت إلى الصحراء بعيدا عن زحام المدينة التي تحاصرها العشوائيات، بحثا عن التميز والخصوصية والترف، تحمل تيماتها الكلاسيكية بقايا حلم السراية المشيدة وسط المزارع الفقيرة، التي تؤكد في شموخ عمارتها وتفاصيلها المنمقة على انفصال وتميز هذا الكيان عن محيطه، ليعكس تميز صاحبه ومكانته. وهو الشيء نفسه التي تحاول العمارات المنتصبة وسط المزارع والمباني الفقيرة المتقشفة، مستخدمة نفس التيمات الكلاسيكة وإن كانت بألوان فاقعة صارخة.

يشير المهندس المعماري أحمد السحيلي، مدير المشروعات بإحدى شركات الاستثمار العقاري، إلى أن النمط المعماري الغالب على التجمع العمراني الذي تبنيه الشركة في مدينة 6 أكتوبر كان مختلفا عما أراده المخططون والمعماريون في البداية. ويقول "النمط المستخدم حاليا هو المشهور بالنمط الأسباني spanish. وتقريبا تم فرضه علينا بسبب رغبات العملاء وتصوراتهم".

يشير هذا النمط إلى الفيلات ذات الأسقف المائلة المغطاة بالقرميد، والتي تستخدم الأعمدة المستديرة والأقواس في المداخل. ويعتمد على الحليات والتفاصيل مثل البرامق في أسوار البلكونات أو السلالم. وهو مزيج بين نمط فيلات البحر المتوسط وبين النمط الكلاسيكي للقصور القديمة.

يتابع المهندس أحمد السحيلي "لسنا وحدنا، بل معظم المجتمعات المغلقة الجديدة تستخدم هذا النمط. فهو يمثل للعملاء صورة المنزل الفخم مثل القصور التي يراها في الأفلام. فهو يحاول محاكاتها لكي يشعر بالتغير في مستوى معيشته مع الانتقال من شقة سكنية إلى فيلا خاصة". ويضيف ”أذكر أن أحد العملاء طلب سلما مميزا داخل فيلته قائلا: أريد واحدا مثل ذلك الذي كانت تنزل عليه ليلى مراد في فيلم "قلبي دليلي"!،،.

فكرة التميز هي الفكرة الأكثر إلحاحا وتكرارا في تسويق وحدات المجتمعات المغلقة، التي بدأت في الانتشار في الثمانينات على طول الساحل الشمالي وساحل البحر الأحمر في صورة منتجعات للصفوة، ثم انتقلت منذ أوائل التسعينات لتصبح نمطا لمجتمعات سكنية فاخرة حول القاهرة.

يرى إيريك دينيس في دراسته "من المدينة ذات الأسوار إلى المجتمعات المغلقة ذات البوابات" - التي نشرت ضمن الكتاب الجماعي "القاهرة الكوزموبوليتانية" الصادر عن منشورات الجامعة الأمريكية بالقاهرة في 2007- أن أنماط العمارة في المجتمعات المغلقة الجديدة تحاول التواصل مع العمارة الخديوية في العصر الملكي، الذي يوصف أحيانا بأنه عصر ليبرالي.

فكرة التميز كما تظهر في عمارة هذه المدن هي محاولة لاستعادة الماضي المرتبط بفكرة الأصالة والفخامة واحترام تراتب المكانة الاجتماعية، وهي سمات فترة ما قبل ثورة يوليو 1952 التي أرادات أن تتخطى ذلك كله وارتبط عهدها بالعمارة الحديثة البسيطة.

وبينما يميل معماريو المجتمعات المغلقة للأنماط الأكثر حداثة، التي تتميز بفخامة ذات ملامح أكثر عصرية وتختلف عن عمارة الستينات التي توصف أحيانا بأنها "عمارة اشتراكية"، تقفز تصورات الطبقات الصاعدة من ساكني هذه المجتمعات إلى ما قبل الستينات لتظهر تفضيلاتهم في هذا النمط المعماري الذي لا ينكر مصمموه أن بعض عناصره تم استيرادها بشكل غير رشيد فهي لا تمثل العناصر الأكثر ملائمة للبيئة ولثقافة السكان.

يوضح ذلك المهندس أحمد السحيلي قائلا "الأسطح المائلة المغطاة بالقرميد هو تصميم يلائم البيئات الممطرة. والحليات والتفاصيل الكثيرة تناسب الفيلات التي تبني وسط مزارع شاسعة أو غابات كثيفة، وليس تلك الموجودة في إطار تجمع سكني. وبالطبع هذه التفاصيل لا تخصنا أو تلائمنا"

يضيف إيريك دينيس في دراسته بعدا آخر بإشارته إلى أن أنماط العمارة في المجتمعات المغلقة الجديدة في مصر- التي يرصد أن عددها تجاوز الثمانين- ليست فقط استيرادا لأنماط عالمية بدأت في الانتشار منذ منتصف القرن الماضي، ولكنها أيضا لا تستطيع أن تخفي تأثيرات ذوق ملكيات النفط في الخليج، والتي تظهر في زخارف الباروك الفخمة المذهبة والبلكونات البارزة والأعمدة الكلاسيكية.

يؤكد المهندس أحمد السحيلي أيضا على أن العائدين من الخليج يميلون إلى هذا النمط شبه الكلاسيكي الذي يفصل بين مساحات المعيشة ومساحات استقبال الضيوف، بل أحيانا يطلبون مساحات استقبال منفصلة باستخدام مصطلحات المجتمعات الخليجية: مجلس للرجال ومجلس للنساء.

إذا انتقلنا إلى "العالم الآخر"، فالعائدون من الخليج أيضا، ولكن بثروات أقل، يمثلون قطاعا كبيرا من بناة وساكني العمارت الفاخرة في الأحياء الشعبية إلى جانب الفئات الأخرى التي حققت ثروات وارتفع مستوى معيشتها لكنها تفضل البقاء في نفس محيطها الاجتماعي.

يقول د. أشرف بطرس، أستاذ العمارة بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب MSA، أن نمط البناء في الأحياء العشوائية يتميز بأنه يحقق أقصى استغلال لكل الموارد المتاحة، ولا ينفق مليما على ما لا ضرورة ملحة له. فالعمارات تشيد بأقصى ارتفاع، وتستخدم أبعاد الغرف الموفرة من حيث التكلفة الإنشائية، وتعتدي على مساحات المناور والفتحات ومساحات الخدمات، لذا يمكن أن نرى غرفا دون نوافذ أحيانا. ولكن عندما يتمتع الباني ببعض الترف فإنه ينفق ذلك على واجهة واحدة على الشارع، ففي الغالب تكون هذه العمارت ملتصقة بمثيلاتها من جوانبها الثلاثة الأخرى.

ما يمكن أن نسميه "العشوائيات الجديدة" التي تتمدد فوق المناطق الريفية حول مناطق الملك فيصل والهرم وبولاق الدكرور وإمبابة والوراق، تشهد مزيدا من الرواج للعمارات "اللوكس" ذات المساحات الأكبر والواجهات التي لا يدخر المقاولون وسعا في جعلها تصرخ بأنها فاخرة. ولكن لا زالت هذه العمارات تحافظ على تقاليد البناء المتقشف من حيث إهمالها لمساحات الخدمات وفتحات التهوية والإضاءة المناسبة.

يقول المهندس المعماري ماجد عزيز" ما يحدث في هذه العمارات هو ما يحدث في المجتمعات المغلقة، فالعمارة في كل مستوى هي تكامل واتفاق بين ثقافة واحتياجات العميل، وثقافة واحتياجات المستثمر في البناء". ويضيف"أحد احتياجات العميل هي الشعور بالنقلة الاجتماعية، والاستمثار في اقتناء العقارات. الجمال والكفاءة المعمارية هما آخر ما يشغله".

يداعب المقاولون رغبة عملائهم في الشعور بالنقلة الاجتماعية، أو فكرة التميز نفسها في مستوى آخر، من خلال إستيراد التيمات الكلاسيكية المميزة للسرايات التي مثلت هذه الفكرة في النطاقات الريفية، أوالاستعارة من تيمات الفيلات الفاخرة، مثل الأعمدة المستديرة والقرميد فوق النوافذ والبرامق في أسوار البلكونات، لتشكل كرنفالا من التيمات المستعارة غير المتناسقة.

حلم التميز والترقي الاجتماعي يجعل مثل هذه التيمات تنتقل تباعا من التاريخ أومن بيئات أخرى إلى الطبقات الأكثر يسرا ثم إلى الأقل فالأقل. ولكن فكرة "التميز" لا تزال تعمل لتجاوز هذا العلاقة التي تربط العالمين. فيقول المهندس أحمد السحيلي: "الأجيال الجديدة والعملاء الأكثر إطلاعا على الاتجاهات المعمارية في العالم أصبحوا يميلون أكثر لنمط العمارة الحديث "المودرن" الذي لا يعتمد على التفاصيل والحليات، بل يعتمد على الوضوح والبساطة في الكتلة المعمارية" ويضيف "كما أنه يوفر استخداما أمثل للمساحة. فالتقسيم الداخلي وأنماط الأثاث المقترنة به لا تفصل بين مساحات المعيشة ومساحات الاستقبال، وتكلفته مماثلة تقريبا لتكلفة النمط الأسباني الكلاسيكي" ويضيف"منذ خمس سنوات بدأنا في استخدام نمط يوفق بين "المودرن" و"الكلاسيك". وهناك مراحل كاملة من المشروع، مثل مرحلة الجولف، يتم إنشائها على هذا النمط".

مرحلة الجولف التي بيعت معظم وحداتها قبل إنشائها، تشهد أن فكرة "التميز"، حتى وهي تحاول تجاوز حلم السراية الكلاسيكي، فهي لا تزال بعيدة عن الرشد، تستعير من بيئات أخرى "حليات" غير ملائمة، تماما مثل العمارات "اللوكس" في الأحياء الشعبية. فبينما يأتي كل صيف حاملا معه أزمة مياه جديدة في الأحياء الشعبية للقاهرة والمحافظات، في مصر الآن العشرات من ملاعب الجولف محاطين ببحيرات صناعية ظهرت في الصحراء وفوق هضبة المقطم.

اقرأ أيضا: "طرازنا المعماري السائد هو الفشخرة والبعزقة والعك"

نشر في الشروق الخميس 20 أغسطس 2009
PDF
تصوير: أحمد عبد اللطيف

المزيد

"طرازنا المعماري السائد هو الفشخرة والبعزقة والعك !"


هكذا يرى المعماري أحمد حامد أزمة العمارة المصرية. تلميذ المعماري الرائد حسن فتحي صاحب "عمارة الفقراء"، يؤكد أن العمارة ليست ذوقا فرديا بل تعبير عن ثقافة واقتصاد وتوجه حضاري، وعندما نفتقد لكل ذلك، فمن الطبيعي أن تعاني العمارة أزمة.

لم يستطع المهندس المعماري أحمد حامد إخفاء ضيقه وغضبه وهو يجيب عن السؤال عن وجود طراز معماري مصري يواكب الطفرة في مجال الاستثمار العقاري. صمت قليلا ثم أجاب :”نعم،هناك طراز معماري سائد، وهوالفشخرة والبعزقة والعك. طراز "انظر كم أنا جميل" مع أطنان من طلاء الشفاه والمسكرة وبالشعر المستعار".
يوضح المهندس أحمد حامد أن العمارة ليست ذوق فردي: "أنا أحب الأحمر وأنت تحب الأصفر". العمارة الحقيقية هي مجال تلاقي الثقافة والاقتصاد والتوجه الحضاري العام. يشير إلى فيلات المجتمعات المغلقة الجديدة ويقول "إنهم يتبارون في التباهي، يقدمون فيلات نمط كاليفورنيا وفيينا وفينيسيا، ويزرعون نباتات مستوردة ويخصصون آلاف الأفدنة ملاعبا للجولف. من يدلني على علاقة نسب المصريين بالإسكتلنديين؟" ويضيف "رياضة الجولف نشأت في اسكتلندا لأن الطبيعة حبتهم مراع تفوق حاجة الثروة الحيوانية، فاستخدموها كملاعب جولف، ولكن هل يمكن تخيل وجود أي توجه حضاري واقتصادي وثقافي وملاعب الجولف تنتشر بهذا الشكل في الصحراء وفوق المقطم".
لا يعفي أحمد حامد المعماريين من المسئولية، رغم أنه يرى المعماري الآن مغلوب على أمره فاقد للتوجه، المناهج التعليمية قاصرة، والطلبة يصممون مشاريعا تخيلية للتخرج مثل متحف نصفه تحت الماء، بينما تطور ماليزيا أكواخا من جريد النخل، ويرى المهندسون في الشركات عاجزون أمام طلبات أصحاب الملايين والمليارات.
ولكنه يحمّل أصحاب المال المسئولية، فهم الأجدر بتبني الاتجاهات التنموية الاقتصادية في العمارة. ومن عندهم يبدأ التأثير الذي ينتقل إلى كل المجتمع في رأيه. يبدي هنا تعاطفه مع عمارة الأحياء العشوائية وألوانها الزاهية، فهي في رأيه تعويض عن غياب الحديقة والنباتات التي تركوها ورائهم بحثا عن حلم "المسلح" والتمدن.
“لم يفكر أي من الرأسماليين الذين درسوا في أحسن الأكاديميات الغربية، في إنشاء وتسويق مجتمع عمراني موفر للطاقة لأنه يعتمد على تكنولوجيا متوافقة مع البيئة والهواء والشمس"يقول أحمد حامد ويضيف "الانسياق وراء رغبات العملاء في الترف والتباهي مثل بيع الحشيش أمام مدارس المراهقين، والتبرير بأنهم يشترون بمحض إرادتهم”.
يحذر أحمد حامد من أن البناء بالطريقة الحالية يسبب كارثة، فما يبنى الآن في رأيه يفتقد لأي قيمة معمارية حقيقية وعمره الافتراضي 50 عاما على أكثر تقدير وبعدها تظهر مشكلات الصيانة. بينما عمارة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تمثل ثروة عقارية يعيش وارثوها من خيرها للآن ، ويؤكد "عمارة هذه الأيام ستورث الأجيال القادمة الفلس".
“لا أريد أن أرسم صورة بالكحلي الغامق" يقول أحمد حامد "لدينا نماذج قليلة جيدة مثل فيلات منطقة المهندسين، وكانت مصممة في الستينات على نمط حديث جميل وبسيط، ويسكنها كبار الموظفين. وهي الآن تهدم تباعا ويحل محلها عمارت، ولم يتبق منها إلا 10 فيلات تقريبا. ولكن هناك أيضا نماذج جميلة جديدة في الإسكان المتميز في مدينة 6 أكتوبر".
حظي المهندس أحمد حامد بفرصة العمل مع المعماري الرائد حسن فتحي صاحب نظرية "عمارة الفقراء" التي تستلهم خامات البيئة وتتوافق معها اقتصاديا وجماليا وتحقق راحة واستخدام أمثل لساكنيها. ولكنه يؤكد أن50 عاما مضوا على طرح حسن فتحي ويحتاج الأمر لتجديد.
ولكن "طراز التباهي والإسراف" لا يزال عائقا، حتى في مواجهة أي اقتراح مختلف في العمارة الداخلية أو الأثاث. يحكي أحمد حامد عن اقتراحه خط إنتاج أثاث أنيق ورخيص على أحد صانعي الأثاث، الذي رفض قائلا أنه صاحب الإنتاج الفاخر ولا يمكنه أن يسوّق شيئا رخيصا.
ويحكي عن حلوله الاقتصادية الجمالية لشقة صغيرة، التي أزعجت والدتي العروسين، لأن التصميم لم يكن به أي فوتيه أونيش أو صالون أو سفرة أو أنتريه بالمعنى السائد. ويضيف "كادت الزيجة أن تفسد، ولكني بذلت جهدا لطمأنتهم بأن الشقة ستكون مبهرة. وفي النهاية طلبت 3 مجلات أجنبية منهم تصوير تصميم هذه الشقة التي لم تتكلف مثل غيرها المصمم على طراز الفشخرة والبعزقة”.


المعماري أحمد حامد
1977 تخرج من كلية الهندسة جامعة القاهرة
1984 عمل مع المعماري حسن فتحي متتلمذا عليه
2000 حصل على جائزة FullBright في العمارة من جامعة "برات" في نيويورك
2004 عمل مستشارا لجهاز التنسيق الحضاري
2008 حصل على جائزة "فرانك ويزنر" للامتياز الأكاديمي
حاضر في جامعات لندن وكاليفورنيا وبيركلي وماسوشتيس وجنيف، وفي الجامعة الأمريكية بالقاهرة وجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب، ومستشار لعدة هيئات أجنبية.

اقرأ أيضا: حلم السراي

نشر في الشروق الخميس 20 أغسطس 2009
PDF

المزيد

الأربعاء، 2 سبتمبر 2009

بيت الراحة .. وأشياء أخرى !



عادة لا نحب الحديث عما نفعل في الحمام، ولكن لا يجب أن نتجاهل أن معظمنا الآن يستخدمون الحمام لفعل أشياء كثيرة ليست كلها مدعاة للخجل!


يدخل حمام العمل، يغلق الباب ورائه ويتأكد جيدا من أنه أغلق بالقفل، لأنه يعرف جيدا أننا كلنا نطرق أبواب الحمامات ويدنا تدير المقبض بدون انتظارلرد محتمل من الداخل! يذهب إلى المرحاض، لا يفتح غطاءه العلوي، بل يجلس عليه مغلقا ويضع رجلا فوق أخرى، ربما يشعل سيجارة ويدخنها باستمتاع وهو يفكر، يحاول ألا يتمادي في الاسترخاء والتأمل لكيلا يقضي وقتا أطول من اللازم خاصة إن عرف أن أحدا غيره ينتظر. وفي الغالب يعرف ذلك عندما يهتز الباب ويزمجر القفل في مواجهة محاولة اقتحام لا تنتظر نحنحته !

لا يظن أنه وحده من يبحث عن لحظة استرخاء وهدوء وخصوصية في الحمام وسط ساعات من التوتر وزحام الأصوات والطلبات في شركته التي يدور العمل فيها بديناميكية مذهلة، ولو بدت منه لحظة سكون سيواجه نظرات مشرفه المتسائلة أو المستنكرة. ولكنه في كل الأحوال لا يحب أن يكشف عن هويته، من يحب أن يكشف عن أي شيء يفعله بين جدران حمام على صفحات جريدة!

الحمام هو الحصن الأخير للخصوصية عندما تنهار كل الحصون الأخرى. هي الغرفة الوحيدة التي لا يوجد- ولو نظريا- مبرر لاقتحامها، وغير مسموح أن تغلق أبوابها على شخصين معا.

تشهد جدران الحمامات العامة على حالة الخصوصية والحرية والأمان التي يستشعرها الناس فيعبرون عن آرائهم بمطلق الحرية وربما بفائض منها وبالألفاظ الأكثر تحررا. وإذا نطقت جدران حمامات المنازل ستخبرنا عن أنها حفظت أسرار الكثيرين. فهي كانت ملاذ المراهقين الذين لا يحظون بغرفة خاصة، أو لا يأمنون اقتحامها في أي لحظة، فحفظت داخلها دخان السجائر - أوغيرها من الممنوعات- وطيرتها من نافذة المنور، وشهدت تصفح المجلات الإباحية- المخفية بين طيات الملابس- وفوران الشهوة وتسربها في سرية.

لهذه الأسباب يشعر بعض الآباء بالقلق من طول مكوث أولادهم في الحمام، ولكن الحالة التي يمنحها الحمام للإنسان لا تدفع فقط لفعل ما يحب أن نخفيه سواء كان ذلك لياقة أو هربا من رقابة. القراءة في الحمام هي عادة عالمية.

يلمح هنري ألفورد ساخرا في مقاله في نيويورك تايمز في 23 يوليو 2006 إلى أن أتباع فرويد ربما يردون عادة القراءة في الحمام إلى رغبة الإنسان في الانشغال عن فعل قضاء الحاجة لكي يبعد عن ذهنه الشعور بالذنب الذي تولد لديه في الصغر من تعبيرات والديه المنزعجين منه لأنه كان لا يتسطيع التحكم في فعله ذلك.

هل يرتبط ذلك بأن الناس يفضلون عادة أن يبقى وجودهم في الحمام سرا، ولا يحب أحد أن يواجه من يدخل الحمام بعده تحسبا لأي إهمال منه في النظافة. من اللياقة أن تكتفي بإعلان نيتك الذهاب إلى الحمام، وتعتبر وقاحة أن تعلن عما ستفعله بالداخل، يستثنى من ذلك أن تقول مزاحا أنك ستفعل "زي الناس"، كأنك تتهرب من تهمة وتؤكد أن كل الناس يفعلون ذلك مثلك !

ولكن بعيدا عن "العقد"، وعلى الجانب الآخر، ترى ريتا وينكلر العالمة البريطانية في بحث نشرت عنه مجلة دير شبيجل الألمانية أن الحمامات عادة أماكن تمد الإنسان براحة العقل وصفاء البال بالفعل وليس فقط راحة الجسد.

وربما كان ذلك مرتبطا براحة الجسد، فلا أحد يخجل من جسده في الحمام، نتحرر من الملابس وفي نفس الوقت لا يشغلنا أن يبدو جسدنا جميلا في عين أحد. قد يجعل هذا لحظات الحمام لحظات التفكير الأكثر صفاء وتحررا. نختلي فيها بأفكارنا عن أنفسنا بدون أن ننشغل بماذا ترى أي عيون أخرى. لحظة الصفاء هذه مناسبة جدا للقراءة، لذلك من لا يقرأون أبدا قد يقرأون في الحمام. ومن يقرأون بجدية مستعدون أن يقرأوا أشياء أكثر بساطة وإمتاعا. فقط قراءة للقراءة! نحن مستعدون حتى لقراءة الصحف القديمة في الحمام، أليس كذلك؟

لهذا السبب، يحتفظ العديدون منا في ركن ما في الحمام - فوق الغسالة الأوتوماتيكية أو سلة الغسيل- بصحف حديثة أو قديمة، خاصة صحف المنوعات وأخبار المشاهير والمجلات المصورة. وفي الولايات المتحدة استثمر البعض الفكرة ونشروا كتبا خاصة بالحمام، أشهرها The Great American Bathroom Book "الكتاب الأمريكي الأكبر للحمام" ويحتوي على ملخصات، كل واحد من صفحتين، لأهم الكتب في تاريخ البشرية في مختلف المجالات. وكذلك Uncle John's Bathroom Reader "كتاب العم جون للحمام" الذي يحتوي على اقتباسات من أقوال مشاهير، نكت، حقائق وأحداث طريفة، خدع، ألغاز وقصص قصيرة.

البعض استهوته الفكرة وصنع رفا للكتب في الحمام، والبعض يواصل القراءة والكتابة على اللاب توب من الحمام. يمكنه أن يواصل الدردشة على الإنترنت لو كانت لديه خدمة الاتصال اللاسلكي.
وفي الواقع أنه لا ضرر على الإطلاق من قضاء وقت أطول في الحمام بسبب ذلك، ففي عام 1998 نشر تشارلز جربا- أستاذ الميكروبيولوجي في جامعة أريزونا- دراسته ليطمئن العالم أن معظم الحمامات أنظف من معظم المطابخ والمكاتب، وأن احتمال التعرض للإصابة بأمراض هي أكبر في كل مكان في المنزل عنها في الحمام، لأن الحمام ببساطة هو المكان الأخير الذي يمكن أن نأكل فيه، وربما قلقنا من نظافته تجعله المكان الأكثر تعرضا للمياه.

يتبقى فقط تصورنا عن الحمام، لسبب ما اعتبر علماء الدين المعاصرون حمامنا الحديث النظيف هو فقط شكل حديث من "الخلاء"، المكان البعيد عن السكن في الصحراء الذي كان الناس يخرجون إليه ليقضوا حاجتهم وهو إما أن يكون مكانا موحشا ومخيفا أو مكانا أقرب للخرائب القذرة. بعض الناس لا يزالون يكرهون التفوه بأي كلمة في الحمام، وعند آخرين ينتشر الاعتقاد بأن الجن يصبح أكثر قدرة على تلبس الإنسان في الحمام، و بعض المشايخ حذروا من إدخال الصحف إلى الحمام لأنها تحتوى على لفظ الجلالة. ويبدو أن التحذير الأخير لم يجد قبولا شعبيا.

فعلى العكس تماما، البعض خطرت له فكرة أن يجعل الحمام مكانا جميلا، ليس فقط فيما يتعلق بالديكور ولون السيراميك. ولكن بتحويله إلى معرض فني، مثل الحمام "الشهير" لاستديو المونتير أمير أحمد. أصدقاء أمير وشوا به وأنشأوا مجموعة على الفيس بوك تدعو الناس لتنظيم رحلات لزيارة الحمام/ المعرض الذي يحتوي على بوسترات وصور لأهم فناني الستينات مثل البيتلز وبوب مارلي ومعها مقتطفات ونصوص تحمل أفكار هذه الحقبة الثورية المتمردة، وهو ما يجعل تجربة دخول مثل هذا الحمام - على مستويات عديدة جمالية وفكرية - أبدا "مش زي خروجه"!



نشر في الشروق الثلاثاء 18 أغسطس 2009
PDF

الصورة لحمام المونتير أمير أحمد - تصوير: محمود عزت
المزيد

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2009

أمريكا .. الحلم أم العدو ؟



يتوجه هذه الأيام مايزيد عن 4800 مصري إلى السفارة الأمريكية لإتمام اجراءات حصولهم على فرصة الإقامة في أمريكا ضمن برنامج "قرعة فيزا من أجل التنوع" الذي انتهت إعلان نتائجه بداية هذا الشهر. كثيرون من هؤلاء راودتهم صور الحلم الأمريكي ولكن من المحتمل أيضا أن البحث عن لقمة عيش أتى ببعض من هتفوا ضدها في مظاهرات ورفعوا المصاحف. الحلم الأمريكي أم العدو الأمريكي ؟


راحة وبراح .. تنافس شرس وقلق ثقافي

بين هنا وهناك، يوازن البعض بين الفرص الأوفر والخيارات المفتوحة والحريات في "أرض الأحلام" وبين العودة إلى الوطن هربا من نمط الحياة التنافسي والمتحرر.

بالرغم من أنه بدأ إقامته في الولايات المتحدة مع بداية الأزمة المالية العالمية ولم يحظ حتى الآن بفرصة عمل ترضيه، إلا أن محسن سعد يعتبر نفسه سعيد الحظ وأن قراره كان موفقا.

محسن سعد واحد من 50 ألف من سعداء الحظ الذين اختيروا في القرعة السنوية لبرنامج فيزا من أجل التنوع "Diversity visa program"، من بين أكثر من 6 مليون من كافة أنحاء العالم تقدموا للحصول على فرصة الإقامة والعمل في الولايات المتحدة وفرصة الحصول على الجنسية الأمريكية بعد مرور 5 سنوات ووفق بعض الشروط.

عدد المصريين المقبولين السنة الماضية كان 4392 وهو سادس أكبرعدد مقبولين من دولة واحدة، هذه السنة ارتفع إلى ما يزيد عن 4800، وهو ليس المؤشر الوحيد على الإقبال المصري على هذه القرعة. عدد كبير من شباب عائلة محسن يتقدمون كل سنة لها، ولكنه لم يتقدم إلا هذه المرة ولم يفكر كثيرا في القرار عندما تم اختياره بعد سلسلة من الإحباطات.

في سن مبكر بدأ محسن الاهتمام ببرمجة الكمبيوتر، وعندما التحق بكلية الهندسة وكان ترتيبه الأول في مادة الكمبيوتر في السنة الإعدادية لم يستطع الالتحاق بقسم الكمبيوتر لأن مجموعه الكلي أقل من المطلوب بسبب مواد أخرى مثل الرسم الهندسي والميكانيكا. ولكن ذلك لم يكن مانعا من أن يكون القسم الوحيد المتاح له هو قسم الهندسة الميكانيكية!

رغم ذلك أكمل محسن دراسة البرمجة بشكل حر، بل وبدأ في التعاون على الإنترنت مع شركات أمريكية تبحث عن مبرمجين جيدين بأجور قليلة كانت بالنسبة له جيدة جدا. فحقق دخلا جيدا أنفق منه على نفسه بشكل كامل طوال عشر سنوات رفض والده خلالها الإنفاق عليه لأنه ظل يرسب في كلية الهندسة إلى أن تم فصله منها!

ورغم ذلك، ادخر محسن ما يكفي ليطور نشاطه ويؤسس شركة صغيرة لبرمجة الكمبيوتر، ولكنه أصيب بالإحباط من المعوقات والفساد، ومن الشباب خريجي هندسة الكمبيوتر الذين عملوه معه ويفضل معظمهم - كما يقول- العمل في شركات تنتج برامج سهلة عبارة عن إعداد اسطوانات دينية ومواد تعليمية بدلا من بذل الجهد في تعلم المزيد لإنجاز برامج متقدمة يمكن تسويقها في أمريكا حيث يوجد عملاؤه.

ترك محسن كل ذلك ليرحل فورا إلى ولاية فيرجينيا، ليعمل في خدمة العملاء في إحدى شركات استضافة مواقع الإنترنت، ولا يزال يبحث عن فرصة في البرمجة مجاله المفضل ولكن فرص العمل الآن نادرة بسبب أجواء الأزمة المالية.

يقول محسن: "مهما كان، الحياة هنا ممكنة مع حد أدنى من الدخل، والتفاصيل اليومية والعلاقات في الشارع والعمل مرتبة نوعا ما وأقل استهلاكا للأعصاب، هناك احترام للخصوصية وقواعد محددة لحقوقك وحدود حريتك وحرية الآخرين وليس عليك أن تناضل يوميا من أجل ذلك".

يروى محسن كيف أنه حصل خلال شهور قليلة على أساسيات الحياة هناك، شقة جيدة وسيارة، بينما قد يتطلب ذلك قصة كفاح في مصر. هناك يتاح للناس أن يوفروا جهدهم للمنافسة والبحث عن فرص أفضل، ورغم أن التنافس قد يكون شرسا إلا أن في رأيه تنافس أخلاقي جدا مقارنة بمصر بحسب رأيه.

ورغم أنه قلق نسبيا من أن التنافس في استعراض مظاهر الحياة الاستهلاكية هناك تسحب الناس وتزيد من أعبائهم المالية إلا أنه من جانب آخر متفائل بانتخاب أوباما وبالذات عندما يقرأ في الصحف عن محاولاته توسيع مظلة التأمين الصحي وتيسير فرص التعليم الجامعي.

"معظم الناس هنا أكثر راحة لقدوم أوباما بعد بوش" كما يعبر محسن ولكنه لا يخفي قلقه الآخر "ولكن من ناحية أخرى ما زالت أمريكا دولة تهيمن على العالم وتمنع الآخرين بأشكال مختلفة من اللحاق بها، وأشعر بالتأثم من أن أكون بجهدي مساهما في هذا الجانب".

محسن- المسلم المتدين المتمسك بالمرجعية الدينية في سلوكه - يفكر أن هذه الصراعات نتاج مصالح أقلية، بينما معظم الشعب الأمريكي طيب وودود ومنشغل بتفاصيل حياته ولا يفكر كثيرا من الأصل في العالم الخارجي، ويحترم التنوعات والاختلافات الثقافية التي يشهدها المجتمع خاصة مع الوافدين الجدد.
ولكن ما يقلقه بشدة هو ثقافة التحرر:"يقولون أن ولاية فيرجينيا محافظة، لكن أكيد مفهوم المحافظة هنا مختلف، تعال وانظر ماذا تلبس النساء هنا!". يوضح أنه لا يتضايق من حريات الغير، ولكنه قلق من أن المجتمع يعلي حق التحرر الفردي على حق الأسرة أحيانا. وهو يفكر أن أبناءه يمكن أن يتحولوا عن الإسلام أو يسلكوا بشكل يراه إباحيا، وإذا تجاوزا سن معين تدافع الدولة رسميا عن حقهم وربما تعاقب الأب قانونا لو أساء إلى ابنه أو ابنته. "إذا شعرت أن ذلك يمكن أن يحدث، وإذا كنت قد أسست عملا خاصا بي يمكنني إدارته بين مصر وأمريكا يمكن أن أفكر في أن أعود بأبنائي إلى مصر لتستقر الأسرة هناك بشكل أساسي".

موائمة بين القيم والتجربة
"القلق الثقافي" يشغل جانبا كبيرا من تجربة العديدين في "أرض الأحلام". فأشرف الشريف، الأكاديمي الذي يعد رسالته للدكتوراة في جامعة بوسطن، يلاحظ أن ذلك يستهلك ذهن وأعصاب العديد من المصريين عند إقامتهم فترات طويلة في الولايات المتحدة وربما تعوقهم عن الإنجاز مقارنة بوافدين من ثقافات أخرى يستمعون بحياتهم ويعملون بلا قلق. يقول :"هناك مثلا الخمر جزء من الحياة الاجتماعية وجزء من أي سهرة ومناسبة. كما أن العلاقات الجنسية جزء من تجربة العلاقة مع الجنس الآخر".

هو نفسه كان عليه أن يقضي فترة من القلق والتفكير قبل أن يحقق نوعا من الموائمة بين قيمه وبين رغبته في التجربة والاكتشاف والتفاعل مع المجتمع الجديد. "لم أحب أبدا أن أكون مثل بعض المصريين الذين يعيشون في أمريكا من سنوات طويلة وتشعر أنهم لم يتعلموا شيئا من تجربتهم الجديدة لأنهم تقوقعوا على أنفسهم وفرضوا عزلة على أسرهم لحماية تقاليدهم".

لكنه يرجع ويشير إلى أن ما يميز الحياة في أمريكا، أو معظم مناطقها، هو حالة البراح والخيارات المفتوحة: "نظام الحياة هناك يتيح لك الاندماج والعزلة وفي نفس الوقت، يتيح لك أن تكون استهلاكيا أو تعيش نمط حياة ضد الاستهلاك وستجد من يشاركك. يمكنك أن تتقوقع وتعيش كأنك لم تخرج من بلدك الأصلي أو أن تكون "أمريكيا نموذجيا". هناك كيانات ضخمة وكيانات بديلة صغيرة في السياسة والإعلام والثقافة والفن وأسلوب الحياة. لا دولة ولا عقيدة أو تقاليد سائدة تضغط عليك لكي تحدد موقفك حالا، مع أوضد. هناك يمكنك أن تنعم بما أسميه "حالة الأنتخة الشاملة" التي لها جانب إيجابي وهو الاستمتاع بالحرية والتجربة، ولها جانب سلبي وهو أن يتم تفريغ حياتك وتدجينها - كما يعبر عبد الوهاب المسيري- وتصير كائنا لا هم لك إلا التنافس في الاستهلاك".

عندما عاد أشرف إلى مصر بعد فترة طويلة، بدأ يلاحظ أن نسخا "استهلاكية" من نمط الحياة الأمريكي تنتشر في مصر، فهو يرى ظواهر ثقافية مثل الدعاة الجدد وامسلسلات السيت كوم وفن الـ"ستاند اب كوميدي" نسخا بدائية لأصول أمريكية.

يقول أشرف :" بالإضافة إلى ذلك أني انتبهت بعد تجربة البراح لحالة الزحام والخنقة وحرب الأعصاب في كل مكان في مصر، لذلك عندما عدت إلى أمريكا أحسست أني لا أسافر بل أعود إلى الوطن". بعد أكثر من ذهاب وعودة بدأ يتخلص قليلا من هذا الشعور ويعود للتوازن، خاصة أن استمتاعه بتجربة التدريس في الجامعة الأمريكية في القاهرة وازن بعض الشيء استمتاعه بثراء الحياة الأكاديمية والثقافية في أمريكا. ولكنه لم يحسم بعد قراره بالاستقرار هنا أو هناك بعد انتهائه من الدكتوراة، ولا يزال يفكر: "الحياة هنا فيها بالتأكيد ما أحبه، ولكن أكثر ما أخشاه من الاستقرار في مصر أن أستسلم هنا لحالة مختلفة من "الأنتخة" في مواجهة الضغوط والظروف السيئة، أنتخة أقرب إلى البلادة ترضى بما حولها وتتكيف معه ولا تستاء منه".


أوباما ملهما

هناك شباب يدركون جيدا أن الفرص في "أرض الأحلام" ليست مجانية، فوراءها تاريخ من التمسك بقيم الحرية واحترام التنوع والمشاركة الاجتماعية الواسعة، وهذا ما أتى بأوباما وما جاء من أجله.

الجدل حول أوباما الذي تصاعد منذ خطابه في جامعة القاهرة لم ينته بعد. صيحات "نحبك يا أوباما" التي ترددت أكثر من مرة في فضاء قاعة احتفالات قاعة احتفالات الجامعة أثناء الخطاب، أثارت موجات من الجدل وربما الاستخفاف والسخرية من قبل كتاب ومعارضون كبار، ولكن بين الجيل الأصغر بقليل كان الأمر مختلفا.

المهندس الشاب أكرم إسماعيل، الناشط اليساري وعضو مجموعة "المهندسون الديمقراطيون"، فاجأ من يعرفونه بملاحظة على صفحته في الفيس بوك بعنوان "المقاومة والحب" يحيي فيها من أعلنوا عن حبهم لأوباما بلا خجل !

كتب أنه يفهم تماما الطابع الاحتفالي لزيارة أوباما ويعتبره "احتفال الأمة الأمريكية بأجود وأنقى ما فيها وأجمل أبنائها"، وأن جزء مهم من جوهر رسالة الخطاب هي: "وماذا عنكم؟" ويعتبر أن استقبال النخبة العربية "المسنّة" - في رأيه- كان فيه شعور بالدونية تجاه هذا التحدي. في حين أنه حيا الذين هتفوا "نحبك يا أوباما" معتبرا أنها كانت تعبيرا عن رد مختلف يقول: "أنا لا أخشى حبك ولا أخشى حب الآخر ورسالتك لا تمدنى بشعور بالدونية ولكن بالتفاؤل والأمل".

يقول أكرم :"رغم أن لدي موقف سياسي مختلف ونظرة مختلفة لما يجب أن تكون عليه السلطة وتوزيع الثروة في المجتمع، لكن المجتمع الأمريكي يعبر من خلال أوباما عن الديناميكية والحيوية والتنوع الموجود فيه والذي يفيد المجتمع وقت الأزمات ويمده ببدائل مختلفة وهذه أشياء يمكن أن نتعلمها منهم بلا مشاكل".

يتفق مع ذلك أشرف الشريف، مدرس العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية الذي كان في ولاية بوسطن ينهي الجزء الأول من رسالته للدكتوراة وقت انتخاب أوباما. ولمس كيف اعتمدت حملته على التجمعات الصغيرة وحماستها للتغيير لا رغبة المؤسسات الكبرى في الاستقرار.

يقول أشرف: "هناك شيء مميز في أمريكا، فالتعدد والحرية- المقدسان هناك -سمحا بوجود كل من الكيانات الضخمة مع التجمعات الصغيرة والمبادرات الفردية. هناك الإعلام الذي يقف ورائه رأس مال ضخم، وهناك إذاعات محلية صغيرة وبعضها على مستوى رفيع جدا من الحرفية. هناك الحزبان الكبيران وهناك جماعات سياسية ومدنية كثيرة جدا ومتنوعة، وذلك مرتبط بملمح آخر. هو أن روح المبادرة والارتياد المتجذرة في الروح الأمريكية وتاريخها تتحول في المجتمع إلى روح التجمع الأهلي الذي يؤسس جمعية لكل مشكلة تواجهه ويتضامن لحلها ولا ينتظر تدخل الحكومة المركزية، وربما لا يحب تدخلها في شئونه أصلا، ولذلك فأمريكا فعلا أكبر ديمقراطية في العالم خاصة على مستوى الإدارات المحلية المنتخبة التي تتسم بالحيوية الشديدة".

تلك الحيوية التي ربما لا تطمح لتغيير جذري ولكن تكتفي بطموح التغيير النسبي، هي الروح التي دفعت لبنى درويش، التي تدرس علم الاجتماع في كاليفورنيا، مع رفاقها من جماعات يسارية صغيرة ناشطة ضد الحرب، لأن يتحمسوا لأوباما والديمقراطيين في مقابل الجمهوريين، وأن يشارك كثير منهم في الحملة الانتخابية لأوباما رغم اختلاف طموحاتهم السياسية عن الاثنين.

ولكنها الآن لا تخفي قلقها مع بعض رفاقها من أن الحماسة الجارفة لشخص أوباما يمكن أن تؤثر على حركاتهم الصغيرة لأنهم بحاجة باستمرار للضغط على أوباما والاحتجاج في الشارع من أجل المزيد من التغيير.

ما تعبر عنه لبنى، هو ما يراه أشرف الشريف ميزة أخرى يمكن تعلمها من المجتمع الأمريكي، لأن المشاركة السياسية والاجتماعية هناك ليست من خلال أحزاب وتنظيمات صارمة فيها قيادة وأتباع، بل من خلال شبكات تتقاطع اهتماماتها وطموحاتها فتنشط وتتكاتف وتتجمع المساهمات الجماعية والفردية. يقول أشرف :"لقد شاركت أيضا في الحملة وشعرت أن ممارسة السياسة هناك فيها شيء ملهم. كنا نجمع بين استخدام التكنولوجيا الحديثة وما بين الاتصال الشخصي المباشر ومناقشة الناس في الشوارع والجامعات".

روح الحماس لما فيه الخير العام وصالح الجماعة الذي يعود في النهاية لصالح الأفراد، ربما ما يلهم أشرف، وهوأيضا ما يشير إليه أكرم مؤكدا أن بعض الشباب يظن الحلم الأمريكي هو مجرد فرصة وظيفة جيدة ومسكن جيد وسيارة وحرية فردية، ويحلم بفيزا تحمله إلى هناك ليجد الحلم جاهزا بانتظاره، لكن القيم التي يمكن أن تتيح لنا فعلا أن نحلم بنفس الحلم، هو أن مجتمع الفرص تحقق من خلال مشاركة اجتماعية في صنعه، وليس انكفاء كل واحد على حلمه الخاص فقط. ينسى الناس أن هناك نقابات وجمعيات واتحادات عمال قوية خاضت نضال قوي ضد محاولات الاستبداد وتمسكت بحريتها وحلمها، ولا تزال تحاول وهذه المشاركة هي التي أتت بأوباما إلى السلطة ويحق لها أن تحتفل وتفخر بذلك.

يضيف أكرم :"لا مشكلة في أن نعتبر أمريكا حلما وعدوا في نفس الوقت، وليس معنى أن أحب أوباما لما يمثله ألا أقاومه في لحظة أخرى، المشكلة في من يحاولون نقل الحلم مبتورا إلى مصر. فتجد أن النخبة في الحكومة أو بعض الليبراليين من رجال الأعمال يظنون أن توفير الفرص للشباب يكون من خلال كورسات كومبيوتر ولغة فقط لا تتيح إلا فرصة صعود اجتماعي لقلة، في حين يشيخ الشاب المصري ولم يعش أي تجربة حقيقة للمشاركة الاجتماعية، حتى في انتخابات اتحادات الطلبة في مدرسته وجامعته".


"أمريكا لن تغرر بنا !"

شباب الليبراليين والناشطين في منظمات المجتمع المدني يردون على اتهامهم التبعية لأمريكا، بأنهم اختاروا الانفتاح على العالم والاستفادة منه بعيدا عن أوهام المؤامرة.


ترك محمود صابر جامعة الأزهر بعد أن شعر أنه لا ينتمي لهذا المكان. هو يقول أنه واجه مشاكل عديدة بسبب إصراره على حريته في اختيار ملابسه ومظهره بشكل رأوه غير مقبول، فقرر تغيير الجامعة، ولكن يبدو أنه كشاب يعرف نفسه كليبرالي لم يشعر بالتكيف من نواح عديدة.

المشكلة أنه عندما انتقل إلى جامعته الجديدة حيث يدرس علم الاجتماع وجد نفسه مضطرا لأن يدرس مقررا في تاريخ الفكر الاجتماعي يرى أستاذه أن العولمة هي الهيمنة الأمريكية على العالم بما فيه الدول العربية، بل اضطر أن يكتب هو نفسه ذلك الكلام الذي لا يقتنع به في ورقة إجابة الامتحان لأن ذلك رأي الأستاذ.

يؤمن محمود صابر أن الليبرالية في الأساس هي طريقة حياة تقوم على أساس الحرية الفردية التي تشمل حترام الآخر وحريته وقبول التنوع والتعدد والاختلاف، ويرى العولمة هي مشاركة كل البشر بلا حواجز في إثراء الحضارة الإنسانية. في حين أن النظرة المقابلة لما يقول والمهاجمة له ولرفاقه ترى أن الحلم الأمريكي المستحوذ عليهم يجعلهم تابعين بشكل ما للمخطط الأمريكي للهيمنة تحت دعاوي العولمة الإنسانية - كما عبر أستاذه في المقرر- كما ترى هذه النظرة في تعاملهم كشباب ليبراليين مع مؤسسات غربية وأمريكية شكل واضح من التبعية أو ربما يستخدم الأكثر عدوانية تعبير "العمالة".

هذه الفكرة تواجه العديد من شباب التيارات الليبرالية والشباب الناشط في منظمات المجتمع المدني التي يستمد كثير منها التمويل والدعم والتدريب من منظمات أجنبية أغلبها أمريكية. وتطارد تجاربهم، ومنها تجربة مركز حياة للإبداع والثقافة الذي يشارك محمود صابر في تأسيسه وإدراته.

يدافع محمود صابر عن وجهة نظره: "شعار مركزنا : الليبرالية طريقة حياة، فهي ليست فقط مذهبا سياسيا، كما أنها ليست مرتبطة بأمريكا أو غيرها فهي اتجاه إنساني عام. ونظرية المؤامرة هي التي توهم أن انتشار التيارات والمراكز الليبرالية ورائهم أمريكا أوغيرها".

شهدت الفترة الأخيرة تأسيس أكثر من مركز للشباب الليبرالي منهم "اتحاد الشباب الليبرالي" و"حياة" بالإضافة لمراكز أخرى قيد الإنشاء، كما كان "حزب الغد" بداية اتجاه لتأسيس أحزاب ليبرالية جديدة مثل "حزب الجبهة الديمقراطية" وفي الطريق "الحزب المصري الليبرالي" و"الإصلاح والتنمية" تحت التأسيس.

يتابع صابر : "ليس في الأمر مؤامرة، ولكن هذا كان اختيارنا بعد فترة من سيطرة تيارات أخرى حتى على مجال الثقافة والفن كان من نتيجتها أن أصبح ما هو جدير بالتصفيق والتحية في المسرح على سبيل المثال هو فقط الإشارة إلى قضية فلسطين أو الوحدة العربية أو تحية جمال عبد الناصر".

يركز مركز "حياة" على جانب الثقافة والفن وليس الجانب السياسي المباشر، ويعكس ذلك وجهة نظر محمود صابر ورفاقه التي ترى أن الثقافة الليبرالية هي ما ينقص مجتمعنا، ويظهر نقصها في معظم المشكلات وأبسطها مثل معاكسة الفتيات في الشارع لأن الشباب لا يحترمون خصوصيتهن واختيارهم لملابسهن . يضيف صابر :"الليبرالية ثقافة، وهذه الثقافة هي التي تقف وراء الديمقراطية وهي التي تفتح باب التغيير، وهذا ما أتى بأوباما وهو سبب انبهار الشباب به لأنه جسد فكرة التغيير"

أما عن فكرة التبعية فيرى صابر أنها فكرة تقوم على منطق غير متوازن، فمن ناحية كل دولة قوية لها مصالحها وتحاول السيطرة على من هو أضعف منها وفي نفس الوقت الأضعف يحاول دائما الاستفادة من الأقوى. ولذلك فلا مشكلة عنده في التعاون مع أي جهة دولية حتى لو كانت أمريكية بشرط أن يكون ذلك في العلن وبشفافية وأن يعلن متلقو الدعم عن تفاصيل التعاون ونقاط الالتقاء بين أجندتهم وأجندة الجهة الداعمة. يضرب صابر مثلا بمركز حياة نفسه الذي يحضر لمشروع عن إنتاج "الإعلانات الاجتماعية" وهو مدعوم من منظمة أمريكية معروفة وهم يعلنون ذلك.

الرأي نفسه عند رندا أبو الدهب، التي تعمل في مركز الجزويت في مجال التدريب على إنتاج الأفلام، فبرغم أنها كانت في رحلة علنية أتيحت لها من خلال المنظمة الأمريكية "بيت الحرية Freedom house"، إلا أنها تشعر بحساسية كبيرة عن الحديث عن هذا الأمر مع معظم وسائل الإعلام بسبب ما تصفه بالمزايدة والاتهامات الجوفاء.

تضحك رندا وهي تقول :"أشعر أحيانا أنهم يتخيلون أن أمريكا تجندنا على طريقة الأفلام، يورطوننا ويصورون لنا أفلام إباحية لكي نكون لهم عملاء سريين رغم إرادتنا". وتضيف أن فكرة المجتمع المدني أصلا تقوم على عدم التبعية لأي حكومة، ولكن يلزمها قدر من الانفتاح على العالم وإقامة العلاقات مع أطرافه والاستفادة من ذلك، وفي هذه العلاقات يختار كل فرد أن يكون مستقلا أو يكون تابعا ولا أحد يجبر أحدا على شيء ولا يمكن التعميم.

تضرب مثالا بنفسها، في هذه الرحلة كان هناك ناشطون وصحفيون طلبوا أن يتم تدريبهم على مهارات خاصة بالسياسة والإعلام، بينما طلبت هي أن تتلقى تدريبا في مجال السينما، وكان عليها أن تقدم نموذجا من عملها في هذا المجال وتم بالفعل التنسيق مع مؤسسة في نيويورك وتلقت التدريب الذي طلبته.

تضيف أن فكرة "التبعية" حاضرة في كل علاقة، حتى في الدورات التدريبية في أي مؤسسة في مصر، فكل مؤسسة لها أجندتها واتجاهها، وهذا مقبول. ويمكن للفرد أن يحدد موقفه من ذلك.

لا تعتبر رندا نفسها ليبرالية، ولكنها تقدر أن المجتمع هناك فعلا حافل بالفرص ويقدر الكفاءة، بينما المجتمع المصري متورط في علاقات الواسطة والمحسوبية: "ولماذا نذهب بعيدا، لقد حصلت على فرصة تدريب في مؤسسة مهمة في نيويورك بمجرد إثبات كفاءتي في حين أن الأمر نفسه في مصر محكوم في الغالب بمن تكون وابن من أنت وقريب من ومن تعرف في المجال".

تعتقد رندا أن مصدر قوة وحيوية أمريكا يكمن في ثقافة الناس وعلاقاتهم، الفساد موجود كما في كل مكان، ولكن ثقافة الرشوة والمحسوبية ليست منتشرة ولذلك فالنزاهة واحترام الكفاءة يعطيان دائما الأمل في الفرصة مما يدفع الكل للاجتهاد.

رغم تقدير محمود صابر ورندا أبو الدهب للمجتمع الأمريكي، فكلاهما لا يتمنى فرصة للحياة في أمريكا، فمحمود لا يجد تحققا لذاته في الاستمتاع بثمرة الحلم الأمريكي، بل في العمل من أجله حلم مماثل هنا كما يراه، ورندا تقول أنها لا تريد ترك مصر مهما كانت المشاكل، فالصورة هنا ليست مظلمة والمجتمع المدني الذي تعمل في مجاله ينير في رأيها شمعة ضرورية :" لم أستطع دخول معهد السينما هنا ولا يمكنني بسهولة أن أدخل مجال إنتاج الأفلام مثل كثير من الشباب لكن من خلال "الجزويت" نتعلم ونتدرب وننتج أفلاما قصيرة في حدود إمكانياتنا".


نشر في الشروق الخميس 13 أغسطس 2009
PDF

اللوحة للفنانة هبة خليفة
المزيد