الجمعة، 4 سبتمبر، 2009

حلم السراي



هل هناك ما يجمع بين الأنماط المعمارية للفيلات الفاخرة في المجتمعات العمرانية المغلقة الجديدة، وأنماط بناء العمارات "اللوكس" في الأحياء العشوائية؟

في الطريق من وسط القاهرة إلى مدينة 6 أكتوبر، تمر السيارات سريعا وهي تقطع الطريق الدائري ثم طريق المحور وسط مساحات يختلط فيها الأخضر بلون الخرسانة المسلحة والطوب الأحمر للبنايات التي تركت دون طلاء. وبين الحين والآخر تظهر بناية مرتفعة أو فيلا وحيدة بالألوان الفاقعة والتفاصيل المعمارية الضخمة والصارخة.

بعد قليل تبدأ رمال الصحراء في احتلال المشهد والأفق، تمهيدا لظهور العالم المختلف من المجتمعات العمرانية المغلقة Gated Communities ذات الأسماء الأجنبية في الغالب: يوتوبيا، دريم لاند، بيفرلي هيلز وبالم هيلز، التي لا تحجب أسوارها مشهد الفيلات الفاخرة وسط المساحات الخضراء الواسعة.

دائما ما يشار إلى المجتمعات المغلقة التي تنتشر حول القاهرة، في مقابل الأحياء العشوائية التي تتمدد داخل المدينة وعلى أطرافها، باعتبارهما عالمين بعيدين منفصلين يمثلان تباينا صارخا، بحيث لا تبدو أن علاقة ما قد توجد بينهما.

ولكن من ناحية أخرى، الأنماط المعمارية لبنايات كلا العالمين قد توحي ببعض الارتباط. ففيلات الطبقات الأعلى دخلا التي هربت إلى الصحراء بعيدا عن زحام المدينة التي تحاصرها العشوائيات، بحثا عن التميز والخصوصية والترف، تحمل تيماتها الكلاسيكية بقايا حلم السراية المشيدة وسط المزارع الفقيرة، التي تؤكد في شموخ عمارتها وتفاصيلها المنمقة على انفصال وتميز هذا الكيان عن محيطه، ليعكس تميز صاحبه ومكانته. وهو الشيء نفسه التي تحاول العمارات المنتصبة وسط المزارع والمباني الفقيرة المتقشفة، مستخدمة نفس التيمات الكلاسيكة وإن كانت بألوان فاقعة صارخة.

يشير المهندس المعماري أحمد السحيلي، مدير المشروعات بإحدى شركات الاستثمار العقاري، إلى أن النمط المعماري الغالب على التجمع العمراني الذي تبنيه الشركة في مدينة 6 أكتوبر كان مختلفا عما أراده المخططون والمعماريون في البداية. ويقول "النمط المستخدم حاليا هو المشهور بالنمط الأسباني spanish. وتقريبا تم فرضه علينا بسبب رغبات العملاء وتصوراتهم".

يشير هذا النمط إلى الفيلات ذات الأسقف المائلة المغطاة بالقرميد، والتي تستخدم الأعمدة المستديرة والأقواس في المداخل. ويعتمد على الحليات والتفاصيل مثل البرامق في أسوار البلكونات أو السلالم. وهو مزيج بين نمط فيلات البحر المتوسط وبين النمط الكلاسيكي للقصور القديمة.

يتابع المهندس أحمد السحيلي "لسنا وحدنا، بل معظم المجتمعات المغلقة الجديدة تستخدم هذا النمط. فهو يمثل للعملاء صورة المنزل الفخم مثل القصور التي يراها في الأفلام. فهو يحاول محاكاتها لكي يشعر بالتغير في مستوى معيشته مع الانتقال من شقة سكنية إلى فيلا خاصة". ويضيف ”أذكر أن أحد العملاء طلب سلما مميزا داخل فيلته قائلا: أريد واحدا مثل ذلك الذي كانت تنزل عليه ليلى مراد في فيلم "قلبي دليلي"!،،.

فكرة التميز هي الفكرة الأكثر إلحاحا وتكرارا في تسويق وحدات المجتمعات المغلقة، التي بدأت في الانتشار في الثمانينات على طول الساحل الشمالي وساحل البحر الأحمر في صورة منتجعات للصفوة، ثم انتقلت منذ أوائل التسعينات لتصبح نمطا لمجتمعات سكنية فاخرة حول القاهرة.

يرى إيريك دينيس في دراسته "من المدينة ذات الأسوار إلى المجتمعات المغلقة ذات البوابات" - التي نشرت ضمن الكتاب الجماعي "القاهرة الكوزموبوليتانية" الصادر عن منشورات الجامعة الأمريكية بالقاهرة في 2007- أن أنماط العمارة في المجتمعات المغلقة الجديدة تحاول التواصل مع العمارة الخديوية في العصر الملكي، الذي يوصف أحيانا بأنه عصر ليبرالي.

فكرة التميز كما تظهر في عمارة هذه المدن هي محاولة لاستعادة الماضي المرتبط بفكرة الأصالة والفخامة واحترام تراتب المكانة الاجتماعية، وهي سمات فترة ما قبل ثورة يوليو 1952 التي أرادات أن تتخطى ذلك كله وارتبط عهدها بالعمارة الحديثة البسيطة.

وبينما يميل معماريو المجتمعات المغلقة للأنماط الأكثر حداثة، التي تتميز بفخامة ذات ملامح أكثر عصرية وتختلف عن عمارة الستينات التي توصف أحيانا بأنها "عمارة اشتراكية"، تقفز تصورات الطبقات الصاعدة من ساكني هذه المجتمعات إلى ما قبل الستينات لتظهر تفضيلاتهم في هذا النمط المعماري الذي لا ينكر مصمموه أن بعض عناصره تم استيرادها بشكل غير رشيد فهي لا تمثل العناصر الأكثر ملائمة للبيئة ولثقافة السكان.

يوضح ذلك المهندس أحمد السحيلي قائلا "الأسطح المائلة المغطاة بالقرميد هو تصميم يلائم البيئات الممطرة. والحليات والتفاصيل الكثيرة تناسب الفيلات التي تبني وسط مزارع شاسعة أو غابات كثيفة، وليس تلك الموجودة في إطار تجمع سكني. وبالطبع هذه التفاصيل لا تخصنا أو تلائمنا"

يضيف إيريك دينيس في دراسته بعدا آخر بإشارته إلى أن أنماط العمارة في المجتمعات المغلقة الجديدة في مصر- التي يرصد أن عددها تجاوز الثمانين- ليست فقط استيرادا لأنماط عالمية بدأت في الانتشار منذ منتصف القرن الماضي، ولكنها أيضا لا تستطيع أن تخفي تأثيرات ذوق ملكيات النفط في الخليج، والتي تظهر في زخارف الباروك الفخمة المذهبة والبلكونات البارزة والأعمدة الكلاسيكية.

يؤكد المهندس أحمد السحيلي أيضا على أن العائدين من الخليج يميلون إلى هذا النمط شبه الكلاسيكي الذي يفصل بين مساحات المعيشة ومساحات استقبال الضيوف، بل أحيانا يطلبون مساحات استقبال منفصلة باستخدام مصطلحات المجتمعات الخليجية: مجلس للرجال ومجلس للنساء.

إذا انتقلنا إلى "العالم الآخر"، فالعائدون من الخليج أيضا، ولكن بثروات أقل، يمثلون قطاعا كبيرا من بناة وساكني العمارت الفاخرة في الأحياء الشعبية إلى جانب الفئات الأخرى التي حققت ثروات وارتفع مستوى معيشتها لكنها تفضل البقاء في نفس محيطها الاجتماعي.

يقول د. أشرف بطرس، أستاذ العمارة بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب MSA، أن نمط البناء في الأحياء العشوائية يتميز بأنه يحقق أقصى استغلال لكل الموارد المتاحة، ولا ينفق مليما على ما لا ضرورة ملحة له. فالعمارات تشيد بأقصى ارتفاع، وتستخدم أبعاد الغرف الموفرة من حيث التكلفة الإنشائية، وتعتدي على مساحات المناور والفتحات ومساحات الخدمات، لذا يمكن أن نرى غرفا دون نوافذ أحيانا. ولكن عندما يتمتع الباني ببعض الترف فإنه ينفق ذلك على واجهة واحدة على الشارع، ففي الغالب تكون هذه العمارت ملتصقة بمثيلاتها من جوانبها الثلاثة الأخرى.

ما يمكن أن نسميه "العشوائيات الجديدة" التي تتمدد فوق المناطق الريفية حول مناطق الملك فيصل والهرم وبولاق الدكرور وإمبابة والوراق، تشهد مزيدا من الرواج للعمارات "اللوكس" ذات المساحات الأكبر والواجهات التي لا يدخر المقاولون وسعا في جعلها تصرخ بأنها فاخرة. ولكن لا زالت هذه العمارات تحافظ على تقاليد البناء المتقشف من حيث إهمالها لمساحات الخدمات وفتحات التهوية والإضاءة المناسبة.

يقول المهندس المعماري ماجد عزيز" ما يحدث في هذه العمارات هو ما يحدث في المجتمعات المغلقة، فالعمارة في كل مستوى هي تكامل واتفاق بين ثقافة واحتياجات العميل، وثقافة واحتياجات المستثمر في البناء". ويضيف"أحد احتياجات العميل هي الشعور بالنقلة الاجتماعية، والاستمثار في اقتناء العقارات. الجمال والكفاءة المعمارية هما آخر ما يشغله".

يداعب المقاولون رغبة عملائهم في الشعور بالنقلة الاجتماعية، أو فكرة التميز نفسها في مستوى آخر، من خلال إستيراد التيمات الكلاسيكية المميزة للسرايات التي مثلت هذه الفكرة في النطاقات الريفية، أوالاستعارة من تيمات الفيلات الفاخرة، مثل الأعمدة المستديرة والقرميد فوق النوافذ والبرامق في أسوار البلكونات، لتشكل كرنفالا من التيمات المستعارة غير المتناسقة.

حلم التميز والترقي الاجتماعي يجعل مثل هذه التيمات تنتقل تباعا من التاريخ أومن بيئات أخرى إلى الطبقات الأكثر يسرا ثم إلى الأقل فالأقل. ولكن فكرة "التميز" لا تزال تعمل لتجاوز هذا العلاقة التي تربط العالمين. فيقول المهندس أحمد السحيلي: "الأجيال الجديدة والعملاء الأكثر إطلاعا على الاتجاهات المعمارية في العالم أصبحوا يميلون أكثر لنمط العمارة الحديث "المودرن" الذي لا يعتمد على التفاصيل والحليات، بل يعتمد على الوضوح والبساطة في الكتلة المعمارية" ويضيف "كما أنه يوفر استخداما أمثل للمساحة. فالتقسيم الداخلي وأنماط الأثاث المقترنة به لا تفصل بين مساحات المعيشة ومساحات الاستقبال، وتكلفته مماثلة تقريبا لتكلفة النمط الأسباني الكلاسيكي" ويضيف"منذ خمس سنوات بدأنا في استخدام نمط يوفق بين "المودرن" و"الكلاسيك". وهناك مراحل كاملة من المشروع، مثل مرحلة الجولف، يتم إنشائها على هذا النمط".

مرحلة الجولف التي بيعت معظم وحداتها قبل إنشائها، تشهد أن فكرة "التميز"، حتى وهي تحاول تجاوز حلم السراية الكلاسيكي، فهي لا تزال بعيدة عن الرشد، تستعير من بيئات أخرى "حليات" غير ملائمة، تماما مثل العمارات "اللوكس" في الأحياء الشعبية. فبينما يأتي كل صيف حاملا معه أزمة مياه جديدة في الأحياء الشعبية للقاهرة والمحافظات، في مصر الآن العشرات من ملاعب الجولف محاطين ببحيرات صناعية ظهرت في الصحراء وفوق هضبة المقطم.

اقرأ أيضا: "طرازنا المعماري السائد هو الفشخرة والبعزقة والعك"

نشر في الشروق الخميس 20 أغسطس 2009
PDF
تصوير: أحمد عبد اللطيف

هناك تعليقان (2):

  1. مقالة رائعة يا عمرو
    اعتقد ان العمارة هي انعكاس للمجتمع لذا فالعمارة الان تتميز بالعشوائية والطبقية وفقدان قيمة الاحساس بالجمال بعيدا عن نوع الطراز المعماري المستخدم.
    http://mohamedosamahassan.blogspot.com/

    ردحذف
  2. مقال جيل للغاية و الاجمل الاستعانة باراء المتخصصين
    انا حقا من المهتمين بفن المعمار و يعحبني فعلا و اشعر انه من خلال تأمل البنايات يمكنك ان تحدد ثقافة صاحب العقار و للاسف كنت استشعر ما تقول و لكن لاني غير متخصصة فلم اكن امتلك مثل هذا التحليل العميق

    هي ازمة في كل المستويات , انعدام هوية جعلنا نتشبه بالغرب لنكون منهم و نسينا خصوصية بيئتنا و المكان ككل

    من يملك مال هم ليسوا اعلي الفئات ثقافة و ذلك انعكس و شوه كل شئ

    مقالات مكيز كالعادة :)

    ردحذف