الجمعة، 30 أكتوبر 2009

الذين ينتظرون تحت السلم



الفقراء النازحون من الريف بحثا عن فرصة رزق لا يجدونها، يسكنون تحت سلالم عمارات الفئات الصاعدة من أبناء الطبقات الشعبية، ليكونوا بوابين حتى يأتي الفرج أو لا يأتي.

عم إبراهيم بواب العمارة القديمة الكبيرة في شارع شريف باشا بوسط القاهرة، وعم صابر بواب العمارة الصغيرة الحديثة نسبيا في شارع محمد عبده بإمبابة، كلاهما لديه دكة البواب الشهيرة في مدخل بنايته. وكلاهما يتكيء ويرفع إحدى قدميه أمامه ويثني الأخرى تحته وهو يعدل من وضع جلبابه ليتخذ وضع الانتظار طوال النهار. ولكن في المساء يصعد عم إبراهيم إلى غرفته في سطح العمارة، بينما يخطو صابر عدة خطوات ليدخل حجرته تحت السلم ويخفض رأسه قليلا في الجانب الذي ينخفض فيه مستوى السلم.
كلاهما قدم من الصعيد من القاهرة بحثا عن رزق أوسع، إلا أن الفارق هو الذي يتسع بين عم إبراهيم "البواب الموظف" عند الشركة المالكة لعمارة وسط البلد وصاحب المهنة التي ينظر لها السكان نظرة اعتبار، وفي عمارتهم مكان مخصص له ولو كان غرفة صغيرة فوق السطح، وبين عم صابر وغيره من البوابين الذين يعتبرون أنفسهم "على باب الله" في عمارة "ناس على قد حالهم" لن يتذمروا لو حرموا من ترف وجود بواب لم يستعد تصميم عمارتهم لاستقباله ولن يضحي ملاكها بأي شبر من أجل مكان ملائم له، لهذا فهم يعتبرون حجراتهم تحت السلم إحدى عطايا ومنح السكان التي لا يمكنهم أن يعيشوا بدونها إن ظلوا بوابين فقط.

مكان المبيت إذن ليس إلا عنوانا للاختلافات بين عم إبراهيم وعم صابر. فالأول أتى من مسقط رأسه في مركز إسنا بقنا مع أخواله عندما كان عمره 13 سنة، وظل لمدة 47 سنة بوابا وموظفا رسميا عند الشركة الأجنبية المالكة للعمارة، التي عمل أخواله طباخين عند ملاكها. ثم أصبح موظفا حكوميا كبواب تابع لشركة التأمين الكبرى التي تملك العمارة الآن. وحجرته فوق السطح دفع إيجارها طوال هذه المدة من مرتبه. وهو المرتب الذي كفل لأولاده الأربعة مستويات متفاوتة من التعليم وحصل أكبرهم على ليسانس أصول الدين من جامعة الأزهر ويفخر عم إبراهيم أنه إمام مسجد قريب منه في شارع عبد العزيز.
أما عم صابر فأتى قبل 25 سنة من ملوي، ليعمل فترة كعامل بناء. إلا أن حالته الصحية تدهورت، فعمل مع أبيه البواب في العمارة التي كانت حديثة آنذاك في منطقة أرض الجمعية بإمبابة، وهي المنطقة التي بدأت من ساعتها في التحول من أرض زراعية لتنتهي الآن لمنطقة سكنية خالصة.
لا يوجد أجرحقيقي يتقاضاه عم صابر، ولكن كل مستأجر شقة من شقق العمارة الثماني يدفع له 5 جنيهات أول الشهر. يؤكد عم صابر على أن "الأربعين جنيه مش فلوس، لكن عايشين على إحسان أهل الخير وأحيانا نفحات السكان". عم صابر يعذر سكان العمارة، "معظمهم موظفين على قد حالهم"، ويعذر أيضا صاحب العمارة لأن إيجار الشقة في العمارة لا يزيد عن 25 جنيها شهريا، لذا لا يمكن يطالبه بأي شيء ويكفي أنه يأويه هو وعياله الأربعة، الذين لم يتمكن صابر من الإنفاق على تعليم أي منهم.

بواب مؤقتا
يعتبر عم صابر مسكنه تحت السلم إحدى الهبات والنفحات التي يعتمد عليها في معاشه، بينما يعتبر ياسر فتوح بواب إحدى العمارات في حي الطالبية بمنطقة فيصل أن مسكنه المشابه لمسكن عم صابر هو مجرد مسكن مؤقت، فهو خريج معهد متوسط، وترك قريته في محافظة الدقهلية بسبب الديون التي تراكمت عليه بعد تأثيثه حجرة الزوجية في منزل أبيه.
يقول ياسر: "أتيت إلى القاهرة بعد أن توسط لي رجل طيب وحصلت على وظيفة فراش في جامعة الأزهر. مرتبي 150 جنيه، وأنفق أكثر من نصفه في المواصلات بين فيصل ومدينة نصر، ومن الصعب أن أدفع إيجار مسكن، ثم أجد ما يكفيني أنا وزوجتي وطفلي " وهذا بالطبع فضلا عن الأقساط والديون التي على ياسر سدادها كل أول شهر. قبل ياسر العمل كبواب، فهو من ناحية يوفر له ماوى مؤقتا، بالإضافة لبعض المال كل شهر وعطايا السكان نظير الخدمات. ويضيف ياسر أنه يحاول البحث عن وظيفة أفضل ليتمكن من تسديد ديونه، ثم سيفكر بعدها في إيجار شقة مناسبة في أي مكان.

يحب ياسر أن يؤكد أنه يحمد الله على حاله لأنه "لا مكان أفضل للغلابة" ففي النهاية لن يتمكن إلا من توفير حجرة واحدة في بيت صغير هنا أو هناك، ولكنها على الأقل ستكون أفضل من الحجرة التي يشكو من أنه لا يستطيع رفع رأسه في نصفها ، أما النصف الآخر الذي يقع تحت "المنور"، تفشل الملاءة التي يعلقونها في أن تلعب دور السقف لتحميهم من الأمطار شتاء. ورغم ذلك يتعايش ياسر مع مكانه الصغير ويضع فيه بعض الأجهزة الكهربائية، بل ويزين الحائط بلوحة لآيات قرآنية، كما يضع تليفزيونا صغيرا فوق دولاب قصير كان أحد مكونات جهازه الذي استدان لأجله.

عم صابر في أرض الجمعية أقل اهتماما بغرفته رغم أنها تبدو أوسع من غرفة ياسر، ولكنهما يتشابهان في أن الغرفتين تتقاسمهما مساحة تحت السلم وأخرى في المنور. البنايات متشابهة تقريبا في أحياء فيصل وأرض الجمعية وسائر الأحياء التي تقطنها شرائح من الطبقة الوسطى من أبناء الطبقات الشعبية، أو أبناء الجيل الثاني من النازحين من الريف،الذين حصوا على خلاف آبائهم على شهادات جامعية أو نجحت أعمالهم، فسكنوا في هذه التجمعات الأحسن حالا، ولكنها على كل حال ليست كمناطق الشرائح العليا من الطبقة الوسطى.

مساكن هذه التجمعات متوسطة المستوى، لا تزال فقيرة معماريا، فهي بخلاف الناحية الجمالية، لا تحظى بمساحات كافية من مناطق الخدمات كمساحات السلالم والمناور، بالإضافة إنها بالطبع لا تحسب حسابا لمكان بواب أو حارس. مهنة البواب في هذه الأحياء ليست أساسية، هي مهنة عرضية، وربما ينظر السكان إليها كفرصة للبواب وعطف عليه، وفي الغالب يكون البوابون من النازحين الجدد من الريف ممن يبحثون عن أي مسكن وأي وظيفة، فينتهي بهم الأمر في غرفة تحت السلم، مثل غرفتي عم صابر وعم ناصر.

لنكن واقعيين
لا ينكر سيد حسنين صاحب إحدى العمارات وفي الوقت نفسه مهندس مدني، سوء حالة هذه الغرف وافتقارها للإضاءة والتهوية والخدمات اللازمة لمسكن إنساني، ولكنه في الوقت نفسه يراه مسكنا عمليا وملائم مؤقتا. "لنكن واقعيين، إيجار العمارات هنا لم يتحرك منذ زمن، ولا يمكن أن يضحي صاحب عمارة بالإضافة إلى ذلك بمساحة لغرفة بواب على حساب مساحة شقة إضافية في الدور الأرضي أو محل تجاري" ويؤكد المهندس سيد أيضا على أن معظم البوابين لهم مهن أخرى، وأن مسكنهم هذا مرحلة مؤقتة إلى حين أن "يفتح الله عليهم" . ويضيف"بعضهم أصبحوا سماسرة ويكسبون أكثر منا !".

وهذا ما فعله عم أبو ناصر البواب والسمسار الشهير في أرض الجمعية. وربما لا يكسب أبو ناصر أكثر من المهندس سيد، ولكنه على الأقل لديه شقة خاصة في مكان آخر غير تلك العمارة التي يداوم على حراستها. أبو ناصر رفض التعامل معه كبواب واعتبر ذلك نوعا من الإهانة. يبدو أن غرف البوابين في هذه المناطق ليست وحدها التي يوحي أن المهنة هنا ليست على قدر من الأهمية. هذا على خلاف مناطق أخرى يعتبر سكانها أن مهنة البواب ضرورية لأداء خدمات ليست ترفا بالنسبة إليهم، وهو ما ينعكس على تصميم بعض هذه العمارات في أحياء مثل الزمالك والمعادي والمهندسين ومدينة نصر، التي يراعى فيها وجود غرفة أو مكان لأفراد أمن مناوبين، أو غرفة ملائمة لبواب مقيم في الدور الأرضي أو فوق السطح ، أو على الأقل إن ظل البواب فيها تحت السلم، فإن مساحة هذه العمارات تنعكس على مساحة السلالم والمناور، وهو ما يعطي البواب مكانا أفضل قليلا لو ظل "تحت السلم".

ويبدو أن الأمر يتجه بالبوابين إلى "تحت السلم" في معظم المناطق، فالقاهرة التي تتوسع في داخلها، تضن بكل شبر على كل ما لا يدر ربحا. حجرة السطح تهدر فرصة تعلية أدوار جديدة، أو تأجير السطح لشركة محمول لإقامة محطة تقوية، وحجرات الدور الأرضي ذات المساحة المناسبة يمكن تأجيرها لأنشطة تجارية مختلفة أو توفيرها لصالح مساحة المحلات والجراجات.
وحتى "البوابين الموظفين" مثل عم إبراهيم يبدو أن عصرهم ينتهي.

في نهاية حديثه يشير عم إبراهيم إلى أنه تخطى سن المعاش لتوه وتوقف مرتبه، ورفضوا أن يجددوا له عمله بعقد. يواصل عم إبراهيم العمل في العمارة بشكل ودي، ويعتمد دخله على عطايا السكان إلى جانب معاشه. لا يزال عم إبراهيم يسكن فوق السطح، ولكن، بعد عمر طويل له، ستؤول الحجرة إلى أولاده، أو سيستعيدها الملاك ويؤجورنها بإيجار كبير لواحد من ينبشون عن أي متر في وسط البلد للإقامة فيه. وبعد ذلك إما أن تظل العمارة بلا بواب، أو أن نازحا جديدا من الريف سيقبل بمخزن تحت السلم مسكنا لأنه لا بديل لديه، أو سيقبله مؤقتا في انتظار الفرج.


نشر في "الشروق" 29 أكتوبر 2009
PDF

المزيد

الأربعاء، 21 أكتوبر 2009

هل أصبح "الأزهريون" أقلية في الأزهر؟


مهما كانت تفاصيل ما حدث بين شيخ الأزهر والطالبة المنتقبة في المعهد الأزهري، أوما سينتهي إليه الجدل والاحتجاج الذي وصل للقضاء بعد قرارمنع النقاب داخل فصول المعاهد والكليات والمدن الجامعية، فإن المشهد يثير التساؤلات: هل فشل مشايخ الأزهر ومناهج التعليم الأزهري في ربط تلاميذهم بـ"الوسطية الأزهرية" كما يرونها، أم أن الأزهر ضاق صدره بأحد الاجتهادات التي يدرسها في مناهجه بسبب شعوره بالاختراق من "تيارات وافدة" ؟

كانت نادية يوسف، مدرسة التاريخ بالمعهد الليبي الأزهري في مدينة مصر، إحدى من شهدن خروج شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي من أحد فصول المعهد غاضبا وهو يقول أنه سيصدر قرار بمنع النقاب في الفصول، بعد الحديث المنفعل الذي نقلته الصحف بينه وبين طالبة تمسكت بتغطية وجهها في حضوره ومدرِّسة بررت موقف الفتاة. تقول نادية يوسف أن المنتقبات لا يمثلن نسبة كبيرة في المعاهد الأزهرية ولكنهن موجودات: "في المعهد الذي أعمل فيه أجد طالبتين أو ثلاث في كل فصل منتقبات، وهناك 10 مدرسات منتقبات بين ما يقرب من 150 مدرسة"وتضيف: "أنا لست مؤيدة لارتداء النقاب، وأحيانا ما أتناقش مع مرتدياته، وحتى إن كنت أراهن متشددات قليلا في هذه المسألة لكنهن أغلبهن نساء وفتيات فضليات ملتزمات. مجتمع المدرسات والطالبات في المعهد هن مثل باقي المجتمع المصري، فيهن غير متدينات ومتدينات ملتزمات ومتشددات بعض الشيء ولكن لا شيء أبعد من النقاب ولا أوافق على اتهامهن بأنهن يتبعن تيارات معينة".
تعبير "التيارات المتشددة" تكرر من رموز جامعة الأزهر عقب تفجر الجدل حول النقاب، فأثناء جولات د.أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر ومعه نوابه في كلية البنات حرص الطيب على أن يتطرق لأمر النقاب مؤكدا أنه ليس فرضا على المرأة ومحذرا الطالبات من الانسياق وراء التيارات الدينية المتشددة ثم قال أنه "تم إعداد منهج دراسى جديد هذا العام بدأ تدريسه للوافدين، عن نقد التيار السلفى والتيارات البعيدة عن وسطية الإسلام". فيما كان تعليق أحمد الحسيني، نائب رئيس الجامعة أن "خريجي الأزهر هم سفراء للدين الإسلامى الوسطى المعتدل فى مصر والخارج ولن تسمح الجامعة لأية جهة بأن تخترق فكرها الوسطى وهويتها الإسلامية الأزهرية".
يبدي أحمد سعد، المدرس بأحد المعاهد الأزهرية الثانوية، اندهاشه أن يتفجر كل هذا الجدل عن التيارات والاختراق من موقف طالبة في معهد للمرحلة الإعدادية: "سبب دهشتي أن الطلبة في المعاهد الأزهرية مهما كانت ميولهم يكونون بعيدا عن جدل التيارات الفكرية والسياسية كما يحدث في المرحلة الجامعية، فهم لا زالوا صغار السن اللهم إلا تأثيرات الأسرة. أحيانا أعرف من طريقة كلام بعض التلاميذ أنهم أبناء أسر إخوانية أو سلفية وهناك أعداد كبيرة من أبناء الأسر المصرية العادية المتدينة التي تتابع الدعاة المشاهيرالسلفيين على الفضائيات وغيرها وهناك أبناء أسر أدخلت أولادها معاهد أزهرية لأنها الأقرب للمنزل أو لأنها تقبل سنا أصغر. من المؤسف فعلا أن عددا كبيرا من الطلبة لا يتأثرون بالتعليم الديني الأزهري إلا كمثل تأثر الطلبة في مدارس وزارة التعليم بمادة الدين، هي بالنسبة لهم مجرد مناهج تعليمية يتلقونها، وقلة فقط تشعر أنهم طلاب أزهريون حقيقيون يهتمون بما يدرسون ويتمثلونه في حياتهم" ويضيف "ابني في جامعة الأزهر وأعرف منه أن الأمر نفسه هناك: انقسام الطلبة الملتزمين بين الاتجاه السلفي والإخواني وقلة فقط تشعر أنهم أبناء التقاليد الأزهرية، أما الكارثة التي تهدد الهوية الأزهرية كلها هي الأغلبية التي تتلقى التعليم بروتينية وبغير اكتراث، وهذا هو الاختراق الأخطر".
ولكن يبدو أن ما يقلق الأستاذ أحمد سعد لا يمثل التحدي الأخطر بالنسبة لقادة الجامعة، ففي مقال كتبه د. محمد عبد الفضيل القوصي، نائب رئيس جامعة الأزهر، ونشرته "الأهرام" في مايو الماضي بعنوان "الأزهر ومحاولات الاختراق" عدد التيارات التي تهدد الأزهر بأنها أولا التيار الوافد من بلدان مجاورة يغلب عليه الحرفية والتشدد ( التيار السلفي) والتيارات التي ترفع لافتات سياسية (الإخوان) ثم تيار التشيع وأخيرا تيار التغريب الذي يريد أن يغير ثوابت الأزهر تحت دعاوى "التنوير والحداثة".
هناك فارق شاسع بين التيارين الأخيرين الهامشيين واللذين يقتصران أحيانا على عناصر فردية أو مجموعات محدودة داخل جامعة الأزهر وبين التيارين الأولين اللذين يمثلان الاتجاهين الأكثر بروزا ونشاطا داخل الجامعة. يقول محمد الميموني، الطالب بكلية التجارة بالجامعة والقائد الكشفي في عشيرة الجوالة: "أثناء تنظيم الجوالة لحفل استقبال الطلبة الجدد في بداية العام الدراسي وتعريفهم بالكليات وأنشطة الجامعة وجدت طالبا يسألني: أين مقر أسرة الجيل المنشود؟ وهو اسم الأسرة غير المسجلة رسميا في الجامعة والتي ينشط فيها طلاب الإخوان المسلمين. وعندما استفسرت منه عن السبب، قال أن أخاه الطالب السابق بالجامعة نصحه بالذهاب إليهم لأن ملتزمون ولأنهم يقدمون خدمات للطلبة مثل ملازم الامتحانات". يروي الميموني ذلك كدليل على النفوذ الكبير والمتجدد للإخوان داخل جامعة الأزهر مؤكدا أنهم يجتذبون نسبة لا تقل عن ثلث الطلبة ويأتي بعدهم بقليل السلفيون غير المنظمين في جماعات أو أسر ولكنهم يشكلون تيارا فكريا وسط الطلبة.
باقي الطلبة في ملاحظة الميموني هم إما يدرسون بلا توجه فكري محدد ومعظمهم وعيهم الديني والسياسي محدود، ومنهم طلبة ريفيون أقصى آمالهم استكمال تعليمهم بأي طريقة للعودة إلى قراهم والعمل في الخطابة أو التدريس في المعاهد الأزهرية المنتشرة هناك، وإما قلة فقط تمثل "الملتزم الأزهري" بحق.
أنس السلطان الخريج الحديث من كلية الشريعة والقانون هو بالتأكيد من هؤلاء، فهو يقول أنه كان الطالب الوحيد في الكلية الملتزم بالزي الأزهري طوال سنوات الدراسة رغم الطابع الشرعي للدراسة كما أنه يعتبر نفسه من قلة تريد الالتزام بما يعتبره "الفكر الأزهري". وهو أيضا يؤكد على ملاحظات المدرس أحمد سعد وطالب التجارة محمد الميموني ويقول أنها صحيحة أيضا داخل الكليات الشرعية بالأزهر: " قلة فقط لا تزيد بأي حال عن 2 أو 3 % يمكن أن نعتبرهم أبناء الفكر الأزهري المتأثرون والمتتلمذون على العلماء الأزهريين مثل على جمعة وأحمد الطيب وأسامة السيد وغيرهم".
يقول أنس السلطان أن ارتداءه للزي الأزهري على الدوام جعله يشعر كيف ينظر الناس إلى الأزهري هذه الأيام: "هناك إكبار واحترام شديدين من جانب البسطاء ولكن يقابله أيضا شعور أن هذا الشخص ذو فكر قديم بعض الشيء، قد يكون في نظرهم ضليعا في جوانب الشرع من الناحية العلمية ولكنه من ناحية أخرى أقل فهما لكل ما هو حديث. ومن جانب آخر هناك النظرة للأزهري باعتباره قريب من السلطة وهو ما يجعلهم يعتبرون السلفيين أكثر صدقا وإخلاصا وقربا من الله".
يشير أنس إلى أن هناك العديد من الطلبة داخل الأزهر ينظرون إلى التعليم الأزهري نفس النظرة فيرونه تعليما قديما ومتحجرا نوعا ما كما أنه مرتبط بالسلطة وكثيرون منهم يعتبرون أساتذتهم مجرد أكاديميين لديهم حصيلة علمية ويعتبرون قلة منهم فقط في مصاف العلماء الحاملين لتقاليد الأزهر ويحرصون على طلب رأيهم.
يرى أنس أن الفكر الأزهري له ملامح مميزة منها أنه يتبنى العقيدة الأشعرية باعتبارها عقيدة أهل السنة والجماعة وفي الفقه يتمسك بدراسة فقه المذاهب المختلفة ولا يوجد أزهري لم يدرس على مذهب معين على خلاف السلفيين وفي جانب السلوك والأخلاق هم إما متصوفة مثل جمعة والطيب أو قريبون من التصوف مثل أسامة السيد ولكنهم متمسكون بالتصوف المعتدل وليس ما ينسب إليه من ضلالات وخرافات وبدع.
يستدرك أنس أن هناك بعض الاختلافات داخل هذا الفكر الأزهري فهو ليس تيارا واحدا فهناك علماء أزهريين يميلون ناحية السلفية قليلا وهم أبعد عن التصوف ومتسمكون بالعقيدة السلفية المخالفة للمذهب الأشعري وهم العلماء الذين يعلتون منابر الجمعية الشرعية. ويؤكد أيضا أن هناك تعدد داخل الأزهر فهم يدرسون الفقه على المذاهب الأربعة، ومنهم المذهب الحنبلي الذي يرجح علماؤه وجوب النقاب على المرأة وهو محل الجدل الحالي.
الأساتذة الأزهريين المتبنين للمذهب الحنبلي - الأقرب للاتجاه السلفي - قلة داخل الأزهر، وعلى منتديات السلفيين يسأل طلاب الأزهر السلفيين بعضهم بعضا عن الأساتذة الحنابلة لكي يتواصلوا معهم كأنهم يبحثون عن إبر في كومة قش. والمعاهد الأزهرية التي تلتزم كل منها تدريس الفقه على مذهب معين، منتشرة في كل مصر على المذاهب الثلاثة: الشافعية والحنفية والمالكية. لكن هناك معهدان فقط في كل مصر يدرسان المذهب الحنبلي.
الحضور القليل للميل السلفي في المعاهد الأزهرية وبين أعضاء التدريس في الجامعة غير كاف لكي يكون وراء الحضور الكبير لهذا الميل بين طلبة الأزهر، وهو يؤكد أن دور الأزهر يتراجع في تخريج رموز جماهيرية مؤثرة، ليس فقط للجمهور العادي ولكن أيضا بين طلبته والدراسين فيه الذين لم ينجح التعليم الأزهري الذي ينخرطون فيه طوال حياتهم في جعلهم يتبنون التقاليد التي تمثل الفكر الأزهري الذي يشكل هوية المؤسسة. وقد يحمل الأمر وجها آخر إذا اعتبرنا الأزهر يخوض معركة ضد أحد تنوعاته وضد مدرسة من الاجتهادات موجودة بداخله ولو على الهامش. ولكن في كلتا الحالتين فقد يصدق رأي أنس السلطان الذي يرى أن الأزهر مثل معظم المؤسسات في هذا البلد تفتقد للتواصل الجيد بين قيادتها ورموزها من جهة وأبنائها أوجمهورها من جهة أخرى.
قد يكون توصيف أنس السلطان الأزهري الغيور على الهوية الأزهرية والفكر الأزهري هو الأقسى، فافتقاد التواصل بين طرفي مؤسسة تعليمية ودعوية بالأساس يعني انهيارا في وظيفتها الأساسية ومعنى وجودها.


- نشر في "الشروق" الأربعاء 21 أكتوبر 2009
-PDF
- الصورة من موقع "حماسنا"

المزيد

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2009

"كلنا كده عاوزين صورة"



هل الوطن صورة واحدة كبيرة لنا جميعا أم صور صغيرة كثيرة تفرقنا. صورة مهيمنة وصور مقاومة تتصارع في ساحة السياسة أم صور مختلفة تتباهي وتتجمل في ساحة الفن والثقافة. جزء من جماعة أكبر أم جماعة واحدة خالدة أم أفراد متفرقون لا يجمعهم إلا مكان واحد ؟


لم يكن يتوقع أحمد القمحاوي، طالب الهندسة بالجامعة الألمانية، أن تدمع عين إحدى الحاضرات بينما كان يقدم لزملائه باللغة الإنجليزية العرض الذي أعده عن "تراجع الشعور بالهوية المصرية عند الشباب" أثناء الفصل الدراسي الماضي. رد الفعل الدرامي المبالغ فيه كان مفاجئا لأحمد رغم حماسته الشديدة التي يقول أنه اضطر لتقليصها كثيرا بسبب المحاذير داخل الجامعة من التطرق للتابوهات الثلاثة: السياسة والدين والجنس. ربما كان ذلك بسبب صورة القارب الممتليء عن آخره بمهاجرين غير شرعيين يبدون في مظهر بائس، تعاطفا معهم وأسفا على مصيرهم المرتقب. أو ربما تأثرت بما اقتبسه من المفكر الراجل جمال حمدان عن ملامح "شخصية مصر" وما استخلصه من أن مصر من أعظم الأمم في التاريخ إن لم أعظمها، رغم أن شبابها الآن يسخرون من هذه الفكرة وكل تجلياتها في الدراما والأغاني الوطنية.
معظم طلاب فصله الدراسي تحمسوا وصفقوا لعرضه وأفكاره، لكن فكرة أحمد عن معظم زملائه غير ذلك فهو يقول أن طلاب الجامعة الألمانية هم من أبناء الشرائح الأغني في المجتمع المصري، ورغم ذلك فهم يشتركون مع الأشد فقرا في أنهم أقل شعورا بالانتماء لهذا البلد، وحسب تفسير أحمد أن معظم الأغنياء منفصلين عن المجتمع متطلعين للغرب يظنون أنه جنة على الأرض وينظرون نظرة دونية للبلد ولأغلبيته الفقيرة، الذين لا يجدون لهم مكانا أو حقوقا ولا يقومون بأي جهد للمطالبة بهما.
لا أحد يستثني الطبقة الوسطى من تهمة "فقدان الإنتماء" التي أصبحت نمطية ومكررة نوعا، وتنتهي إليها معظم الأبحاث التي تجتهد في تعداد أسبابها ومظاهرها، ولكن ما لمسه أحمد قد يكون مدخلا جيدا للتساؤل حول ما يمكن أن يكون صالحا ليجمع الفريقين اللذين رصدهما يجعلهما يشعران بالانتماء إلى نفس الوطن أو يشكلان جماعة واحدة. لا يبدو أن الكلام عن شخصية مصر في التاريخ والجغرافيا مقنع بما يكفي، بدليل ما لمسه أحمد من أن ذلك أصبح موضوعا دائما للسخرية عند الشباب. بالمثل لا تبدو ناجحة محاولات استنهاض الروح الوطنية في إعلانات الحكومة الأخيرة التي تتحدث عن "المصري اللي على حق". في الواقع أن كلمات "المصري" أو "البلد" لم تعد تذكر في سياقات حماسية أو حتى جادة بل أصبحت دائما في سياق انتقاد ممتعض أو هزل مستهتر. أما "علشان مصر" فهي العبارة الأكثر سخرية عندما يتسرب احتمال أن يكون أحدهم قد فعل شيئا بدافع التزامه تجاه المجتمع.
"فكرة الانتماء للبلد فكرة محيرة فعلا" يبتسم المهندس خالد حمدي وهو يقول:"لا أذكر شيئا من كلمات أغنية (يعني إيه كلمة وطن) لمحمد فؤاد. لكن ما أعرفه أنني حتى الآن لا تفسير لدي لهذا الأمر سوى أنني ولدت فوجدت نفسي هنا. ومعنى آخر أنني أنتمي لمكان ما أنني شريك فيه، أفعل شيئا ما وأشارك في تشكيله". يفكر قليلا قبل أن يكمل: "لهذا أنا لا أعرف تحديدا إن كان عملي لساعات طويلة في شركة مقاولات يعتبر كذلك أم لا. ولكن ساعات عملي الطويلة لا تمنعني فقط من أهتم بالسياسة، بل يمنعني مثلا أن أهتم بشئون مجلس إدارة العمارة أو أهتم بشئون الشارع الذي أسكن فيه، أنا حتى لا أعرف كل أسماء جيراني. لا أعرف إن كان وطني بالمعنى الحقيقي أصبح في مكتبي هنا وسيارتي وشقتي وعائلتي ومجموعة أصدقاء نلتقي على مقهى أو اثنين، أعني الأماكن والأشخاص التي أشعر بينهم أني فاعل ومؤثر وبيني وبينهم علاقة حقيقة".
ما يتحدث عنه المهندس خالد هو تقلص مساحة المجال العام الذي يجمع الناس حتى في علاقات الجيرة، وهو لا يبدو مقتنعا بأن البلد ستكون بخير لو "كل واحد أدى واجبه على أكمل وجه"، يشعر أن ذلك مجرد تبرير واه: "هناك الكثيرون يؤدون واجبهم جيدا وزيادة، وآخرون فاسدون ومقصرون، لكن المشكلة فعلا أن معظم الناس- وأنا منهم- نسمع ونقرأ عن البلد، نحن نعيش فيها ولكن كل واحد يعيش وحده أو في أحسن الأحوال مع أسرته ودائرة معارفه، ما الذي يحرك البلد ويشكلها، يحدث ذلك في مستوى آخر بعيد عنا".

بطاقة هوية
محاولة اقتحام ساحة السياسة من قبل الشباب المهتم قد تكون مكانا آخر لصنع معنى الانتماء. والانتماء للوطن تحديدا وليس إلى أمة كبيرة قومية أودينية كان مشتركا بين مشروعات عدة لتيارات ليبرالية تحاول أن تتشكل. مايكل نبيل، العضو الحالي في الهيئة العليا لحزب الجبهة الديمقراطية، كان قبل ذلك عضوا في أحزاب "مصر الأم" و"الحزب المصري الليبرالي" تحت التأسيس.
"في حزب مصر الأم وبدايات الحزب المصري الليبرالي كانت هناك فكرة إحياء القومية المصرية، والقومية المصرية مثل القومية العربية تقوم على الأصل العرقي المشترك، لكن أنا تخليت عن القومية لأنها عنصرية عرقية، وأرى الآن أن الدولة تبنى على الهوية والمواطنة، باختصار، الهوية هي البطاقة وشهادة الميلاد والباسبور. أن تكون معك الجنسية المصرية وتدفع الضرائب وتحترم القانون إذن أنت مصري بغض النظر عن دينك أو ثقافتك أو أصلك العرفي".
يقول مايكل أن المجموعات الليبرالية الداعية للهوية المصرية لاقت قبولا بين الشباب الذي مل الفكرة القومية التي تقول له أنت عربي وليس مصريا، ولكن باستثناء القلائل الذين تجتذبهم ساحة السياسة يرى مايكل أن أمام الفكرة الوطنية عقبات كثيرة: "نحن دائما نفكر في المفهوم الشوفيني للوطنية، أي أن تضحي بمالك وجهدك وحياتك من أجل بلدك، ثم تكتشف في النهاية أنك كنت تضحي من أجل الحاكم وأسرته، ومن الطبيعي أن تنهار الوطنية بهذا الشكل. ولكن المفهوم الليبرالي للوطنية يقوم على أساس تعاقدي، الدولة تلتزم ناحية المواطن بحقوق وعليه واجبات، وعندما لا يحصل المواطن على حقوقه لا يقوم بواجباته ومن غير المستغرب أن يحدث انخفاض في المشاعر الوطنية ".
بالإضافة إلى ذلك، الهويات الدينية منافس قوي لأي دعوة لإحياء الهوية الوطنية. يحكي مايكل أنه أحيانا ما يدعو بعض الشباب إلى العمل السياسي بدافع أنهم أبناء مصر فيصطدم برد بعض الشباب المسيحي أنهم "أولاد المسيح" ولا ينتمون إلا إليه. يرى مايكل أن طريقة التدين الحالي عند المسيحيين حولت بعضهم إلى رهبان بالمعنى المعنوي مهتمون بيوم الحساب ولا يهتمون بمشكلات بلدهم، والبعض الآخر يهرب إلى هذه الفكرة ويفقد انتمائه إلى بلده كرد فعل على ما يعتبره "اضطهادا".
الهوية الدينية عند المسلمين بالطبع أكثر وضوحا في صعودها، واستخدامها في المجال السياسي قد يتزاوج مع الفكرة الوطنية أو يفترق عنها. عبد الرحمن منصور، طالب الإعلام ذي الخلفية الإخوانية، الذي يفضل أن ينصف نفسه الآن كـ"إسلامي إصلاحي" يرى أن الإسلاميين التقليديين يفضلون تحريك مشاعر الناس بالإنتماء الرمزي إلى الأمة الإسلامية والقضايا الكبرى بدلا من أن يكونوا عمليين ويبدأون بالعمل في الوطن الواحد مع أصحاب باقي الأفكار والتوجهات.
يعبر منصورالذي يقضي حياتها متنقلا بين القاهرة والرياض عن قناعاته "أنا ضد التقوقع داخل الأوطان، وخططي للإقامة والحياة لا تتعلق بوطن معين. ولكن عندي إلتزام تجاه هذا الوطن، بعيدا عن التعصب الأعمى لكل ما يتعلق به. أحيانا ما تعمي فكرة حب الوطن الأبصار. وأحيانا تكون فكرة مبتذلة في خطاب عاطفي يتغنى بالأرض والنيل والسماء والرموز".

صور الوطن
"يجب أن نفرق بين جانب الاستخدام التجاري الذي يتغنى بالوطن وبين الجانب العاطفي في فكرة الوطن والانتماء إليه" هذا ما يؤكد عليه محمد الحاج، الذي يعمل في مجال إنتاج الأفلام الوثائقية، كما يرى أن جانب من فكرة الانتماء هو قدرك الذي يربطك بتراث وتقاليد في منطقة معينة من العالم ومع جماعة بعينها، وفي هذا الارتباط جانب عاطفي لا يمكن إنكاره. لكن محمد الحاج يرى أن الانتماء الوطني لا ينفصل عن الانتماء للمحيط العربي كثقافة ممتدة نحن جزء منها، ويرى في محاولة الانفصال عن هذا المحيط سذاجة ومحاولة لتغيير قدرنا بعمليات تجميل ستجلعنا نمشي مشية الغراب.
بالنسبة لشاب مثل محمد الحاج يطمح أن يكون صانعا لأفلام روائية يعبر فيها عن أفكاره ومشاعره، فإنه قد يجد فرصة الدراسة والعمل في الخارج لفترة محدودة شيئا إيجابيا، ولكن انتماءه للوطن هنا هو انتماءه للجماعة التي يمكنه أن يخاطبها بفنه، بينه وبينهم مشتركات، يمكنهم أن يفهموا نفس النكت، وفيهم من قرأوا مثله لنفس الكتاب وشاهدوا نفس الأفلام.
ولكن إذا كان الانتماء هو للمحيط الذي يتيح القدر الأكبر من التفاهم والتجمع حول هموم ومشاغل مشتركة، فإن ثورة الاتصالات تساهم في أن تجعل العديد من الشباب مواطنين عالميين بمعنى ما بشكل يربطهم معا بأفكار وقيم ومشاغل مشتركة، ويجمعهم في تذوق نفس الفنون وتبادل نفس المعارف. لا ينكر محمد الحاج أن فيلمه القصير الأول الذي كتبه له السيناربو يمكن أن يفهمه شاب مديني من أي مكان في العالم بترجمة لغوية بسيطة. وصحيح أنه يعترف أنه يستمتع بالسينما الأمريكية ويفهم تلميجاتها ونكاتها، لكنه يعتقد أن الفن الأمريكي استثناء ربما لأنه أصبح النموذج المهيمن حضاريا، بالإضافة أن الفن المعبر عن المدينة يمكن أن يصبح عالميا. ولكن ذلك ليس إيجابيا في رأيه، بل هو من مثالب العولمة التي تمارس التنميط على أشكال الحياة لتجعلها مدنا متشابهة وقريبة من نموذج واحد.
ولكن أحمد ناجي، الصحفي والروائي الشاب، يرى رأيا آخر معاكسا ضاربا المثل بالأديب التشيكي الشهير ميلان كونديرا الذي غادر وطنه للإقامة في باريس، بل وتحول إلى الكتابة بالفرنسية بدلا من لغته الأصلية. في مدونته "وسع خيالك"، كتب ناجي ساخرا أن الوطن ضرورة إنسانية يتمنى أن يتخلص منها التقدم العلمي في المستقبل.
يوضح ناجي فكرته بأن الوطن هو صورة مختلفة عند كل فرد يرسمها من زاوية وضعه الطبقي والاجتماعي. يقول ناجي :" التراث المشترك ليس إلا تراث تخيلي أو صورة ترسمها مجموعة من الناس وتسميها الوطن".
فهو مثلا يرى أن شباب الطبقة الوسطى المثقفين يكونون رموزهم الوطنية من ثقافتهم الخاصة، بينما شباب الحرفيين يكونون رموزهم الوطنية من ثقافتهم المختلفة تماما وخبرتهم اليومية ليحتل فيها منتخب مصر والنادي الأهلي الجانب الأكبر. الحكومة تصدر خطابا وطنيا فيه صور ورموز رسمية، الأهرامات والنيل والقلعة، وصورا تبرز الإنجاز والاستقرار، بينما المعارضة تقلب هذه الصور لتبرز القمع والفقر. في رأي ناجي أن التعبير الأصدق عن الوطن الذي يعيشه الإنسان قد نجده في بعض الفن الشعبي الذي يغني للمكان المحيط الذي يعيشه الإنسان فعلا وخبراته فيه، ويرى مثالا جيدا لذلك في أغنية "شبرا وبنات شبرا" التي يغنيها ريكو!
"المثل بيقول: بلدك إيه يا جحا، قال اللي فيها مراتي" يضحك جابر صبحي، فني كهربائي، وهو يقول ذلك ساخرا من الحديث عن الانتماء قبل أن تتحول لهجته إلى الجدية: "الصح بقى إن بلدي وبلد مراتي هي اللي فيها رزقي ورزقها. أنا مستعد أروح آخر الدنيا لو فيها شغل كويس وعيشة كويسة، بس برضه هافضل أحب بلدي اللي فيها أهلي وناسي وأحبها تبقى أحسن في كل حاجة" ويضيف ضاحكا "وهاشجع منتخب مصر برضه، أمال يعني هاشجع نيجيريا". يستدرك جابر مرة أخرى أن تشجيع الكرة ليست كل شيء لكن على حد تعبيره: "ده اللي موجود دلوقتي، لكن لو قامت حرب يا أستاذ، الشباب اللي مش عاجبهم ده هو اللي بيحارب في أول صف والناس اللي بتتكلم عن البلد في التليفزيون والجرايد دول هم بيبقوا المشجعين في المدرجات ولا مؤاخذة".
كل طرف يدافع عن صوره "يشجعها" ويشعر أنه فعلا مرتبط بها. وحتى أحمد ناجي الذي يهاجم بدرجة من العنف فكرة "الوطنية" وتجلياتها في الفن والثقافة فإنه يكتب في مدونته موضوعات معظمها ساخر تحت تصنيف "خالتك مصر"- في سخرية من "مصر هي أمي" - والكتابات الكثيرة والمتنوعة تحت هذا التصنيف مهما كان ما تقوله فهي تقول لنا أن الوطن رغم كل شيء هو ما لم نقرر بعد الهروب منه أو لم نتمكن من ذلك لذا فلا يمكننا أن نتوقف عن الاهتمام به والتفكير فيه، وتخيله في صورة ما نراها واقعا أو صورة أخرى نراها حلما والانزعاج من صوره التي لا تعجبنا أو حتى السخرية من صوره المتوهمة.


- نشر في الشروق الأحد 4 أكتوبر 2009
- PDF
- رسم وليد طاهر
المزيد