الجمعة، 29 يناير 2010

أنا المدير !



العديد ممن هم في مستويات وسيطة هم رؤساء على إدارات أو أقسام أو فرق عمل وهم أيضا مرءوسون من المستويات الأعلى منهم، خبراتهم في الإدارة تلخص كيف يرون مشكلات العلاقة بين الرئيس والمرءوس وهم يتناوبون الجلوس على كرسي المدير ثم الجلوس أمامه كموظفين.

بعد مقابلات أجراها متقدما لوظيفة مدير لقطاع ما بشركة متعددة الجنسيات لم يوفق هاني فوزي، الصيدلاني الشاب الذي يقترب من منتصف الثلاثينات. ولكن أثناء لقائه مع إدارة الموارد البشرية بالشركة لمناقشة تقييمه قيل له إنه نال أعلى التقييمات فيما يخص الخبرات اللازمة لأداء الوظيفة، إلا أن سبب عدم نيله للوظيفة أنه لا يغير طريقة تواصله مع المستويات المختلفة فيعامل مديريه الأعلى كزملائه ومرءوسيه، كما أنه يتشبث برأيه ويدافع عنه بقوة.

يقول هاني: "لم أعرف تحديدا ما هي المشكلة، واعتبرت أن ذلك شيء إيجابي وقلت لهم أن تقييمهم لي أسعدني في كل النقاط.. ولكن إذا كنت لا أصلح للوظيفة فهناك مشكلة في التركيبة الذهنية المتعلقة بالإدارة".
قبل تقدمه للوظيفة كان هاني فوزي مهتما بالعلوم الإدارية ونظرياتها وفيما بعد ترك العمل في شركات الأدوية التي تمتزج فيها إدارة الأعمال مع الصيدلة- تخصصه الأساسي- وافتتح مع مجموعة من زملائه شركة تقدم خدمات إدارية بالأساس تشمل تقديم استشارات وخطط تطوير لمجالات الأعمال بالإضافة لخدمات التدريب على جوانب الإدارة المختلفة.

يرى هاني أن التركيبة الذهنية التي أعاقت حصوله على الوظيفة ساعتها هي ناتج عن مزيج من عقلية إدارية قديمة، متمسكة بفكرة "التحكم" وبأن هناك "مسافة" واسعة بين الدرجات الوظيفية يجب مراعاتها والدفاع عنها، بالإضافة إلى ثقافة عامة مجتمعية لا تزال تفكر في المكانة و"الكرسي" أكثر من تفكيرها في أشياء أخرى في سياق العمل. بعض أفكاره حول الإدارة تتعلق بتخصصه الحالي ولكن قدر كبير منها تعود لخبرته المزدوجة كمدير ومرءوس.

العديد ممن هم في مستويات وسيطة هم رؤساء على إدارات أو أقسام أو فرق عمل وهم أيضا مرءوسون من المستويات الأعلى منهم، الخبرة التي يعيشونها غالبا أشبه بتبادل الأدوار، هنا هم جالسون على كرسي المدير ومن الناحية الأخرى هم يتعاملون مع آخر هو الجالس على كرسي المدير. تأمل كلا من الخبرتين بعيون نفس الشخص مرة من هذه الزاوية ومرة من تلك قد يكون مفيدا.

من يضع القواعد ؟

يعتقد هاني فوزي أن إحدى أهم المشكلات التي تواجه العلاقة بين المدير والمرءوس هي عدم وضوح القواعد التي تحكم العلاقة بينهما، ففي معظم المؤسسات العلاقة متروكة للطرفين يحددونها بمعرفتهم، ويبدو أنه لولا ذلك ما كانت تجربة المهندس محمد أسامة ممكنة.
أسامة، مهندس إنشائي يقترب من عامه الثلاثين ويرأس الآن إدارة التصميم الإنشائي في إحدى شركات الاستثمار العقاري. يحكي عن تجربته منذ بداية عمله في الهندسة في مكاتب وشركات متفرقة مؤكدا أن الغالب عليها هو العلاقة الهلامية بين المدير والموظفين: "عندما تكون العلاقة بهذه العشوائية، لا يمكنني إلا أن أتصرف كرد فعل لكل موقف أو أن أبدأ أنا في وضع القواعد. ولكن تعلمت أنه في كل الأحوال لا يمكن أن تتعرض للظلم الفادح لو كنت كفؤا حقا في ما تفعل. ففي العادة أصحاب العمل سيقدرون من يخرج لهم منتجا جيدا، والمدير لن يضحي في الغالب بموظف يجعله يخرج فائزا عند تقييم عمل إدارته".
يرى محمد أسامة أن موقع الكفء الملتزم الذي يؤدي عمله جيدا والذي يضع قواعد لنفسه وإنجازه وتنمية نفسه إن لم يجد ذلك موجودا في المؤسسة هو الموقع الذي يمكن للموظف فيه أن يدخل في علاقة متوازنة مع المدير للتفاوض حول شروط العمل وقواعد التعامل، فسواء قوانين العمل أو لوائح المؤسسات عامة جدا ويمكن تفسيرها وتأويلها بأشكال مختلفة.
ناتج خبرة محمد أسامة هو بعض من رؤية جيفري جيمس في كتابه ذي العنوان المثير "كيف تدير مديرك". ملخص رؤية جيمس أن إدارة العلاقة بين المدير والموظف هي مهمتهما معا، وعندما يترك الموظف للمدير مهمة إدارة العلاقة وحده ينتهي به الأمر إلى التذمر. لذلك على الموظف أن يفهم طبيعة وحاجات وأهداف مديره من العمل، وعليه أن يظهر للمدير التفاصيل الكافية لكي يعرف أيضا طبيعته وحاجاته وأهدافه كموظف، لكي يمكن ضبط العلاقة التي ترضيهما معا.

السلطة والتأثير

ولكن الأمور ليست دائما وردية وبعض المديرين قد لا يقبل أي محاولة للتفاوض ولا يرضى بأقل من تسلط كامل. في رأي هاني فوزي أن كل المديرين الذي يبدون تشبثا كبيرا بالسلطة يكونون عادة أضعف من ناحية الشخصية أو الكفاءة المهنية. يروى أن أحد أفضل مديريه كان في معظم الأوقات يفتح أبوابه لموظفيه يستمع إليهم بانتباه، يتحاور معهم ويناقشهم حول مشاكل العمل وأسلوبه، ولكنه في نفس الوقت كان محتفظا في بعض اللحظات الحساسة بحقه في غلق بابه والقيام بدوره في اتخاذ قرار صعب أو سريع لا يمكن التشاور بشأنه مع تحمل كامل وشجاع للتبعات.
ينصح روبرت باكال- الرئيس التنفيذي لمؤسسة "باكال وشركاه" الأمريكية- كل المديرين في كتابه "كيف تدير الأداء" بأن يناقشوا موظفيهم ويستعملوا الحجة لا السلطة التي يجب أن تظل ملاذا أخيرا.
يقول هاني فوزي: "أثناء تدريب المديرين أردد دائما مقولة: المس قلبه قبل أن تطلب منه أن يمد يدا. هناك فارق بين التأثير والسلطة. وفي الإدارة هناك بون شاسع بين المدير الذي يستخدم السلطة ويتشبث بالكرسي صارخا: أنا المدير، وبين القائد صاحب التأثير العميق على موظفيه".
تميل معظم كتب الإدارة للتمييز بين مفهوم "المدير" الذي ينفذ إجراءات محددة معتمدا على سلطة صارمة وبين "القائد" الذي يضيف لعمله رؤية وأسلوبا ويجعل من حوله يساعدونه ويشاركونه العمل بحماسة وقناعة بفضل تأثيره على محيطه سواء رؤسائه أو مرءوسيه.
يعتقد محمد أسامة أن هناك مشكلة أخرى تتعلق بنظرتنا لفكرة الرئيس والمرءوس نفسها:"بالتأكيد السلطة ممتعة، وللترقي فرحة طبيعية، ولكن بعض المديرين لا يتخطونها ويعيشون هذه اللحظة أطول من اللازم ويذكرون من حولهم بها على الدوام. ولذلك في الجانب المقابل يعتقد بعض الموظفين أن كونه مرءوسا هي سبة أو إهانة وتجده على الدوام متذمرا وناقما ويعتبر أن وجود أحدا ما يرأسه هو نوع من الظلم في حد ذاته، ويكون ذلك أحيانا بسبب عدم قدرته على إثبات كفاءته أو بسبب تضخيمه لقدراته ومواهبه".

المسافة الواسعة

يرى عالم النفس الهولندي الشهير هوفستيد، المهتم بدراسة العلاقة بين ثقافة المجتمع وطريقة تنظيم المؤسسات فيه، أن لكل ثقافة مستوى معين من "درجة استعلاء السلطة" Power Distance تجعل الناس أكثر قبولا وتعايشا مع فارق كبير في النفوذ داخل المؤسسة الواحدة بين الدرجات الوظيفية المتتالية. ويعلق هاني فوزي أن مثل هذه المسافة الكبيرة التي تؤدي إلى فارق كبير في الأجور والمميزات تتسبب في وجود توتر بالغ وهوس بفكرة الترقي، في حين أن المسافة الأقل والفارق الأقل تجعل فكرة فريق العمل أقرب للأذهان وتجعل الكل يعمل باتساق ولا يجعل من الترقي درجة واحدة فحسب قفزة ضخمة في حياة الموظف.
يكمل محمد أسامة تجربته قائلا: "عندما كنت مرءوسا تجاوزت التذمر حتى عندما شعرت أن مديري كان ظالما، وكنت لا أكتفي بمعرفة تقييمي في الأوراق، بل أذهب إليه وأسأله عن عيوبي ومواطن القصور. وكان ذلك يفيدني في المرة التالية".
ينقل جيري جيفرسون في كتابه "القائد المعاصر" قول ريتشاد باش: "تحدث عن أوجه قصورك، تجدها لا محالة"، وينصح الموظف أن يسأل مديره عن عيوبه إن لم يخبره بها وأن يتحدث عنها ويحاول تطويره بدلا من إنكارها. يحذر روبرت باكال أيضا في "إدارة الأداء" المدير من مخاطر التقييم عبر أرقام ونسب لأنها مجرد مقاربات تختزل الأشخاص، وينصحه بمناقشة تفاصيل الأداء مع الموظفين بشكل يجعلهم متفهمين للتقييم وبشكل يمكّنهم من تعديله وتصويبه.
يقول محمد أسامة:"عندما أصبحت مديرا كان أول ما فعلته هو محاولة وضع أهداف واضحة للعمل وقواعد محددة للتقييم وأناقشها باستمرار مع المهندسين وأجعلهم يطبقونها بأنفسهم على أنفسهم وأناقش معهم الأهداف والمشكلات وأوجه القصور وفي نهاية النقاش نكون قد وصلنا لقناعة ما تجعل من قبولهم لتقييمي أمرا مفروغا منه".

من التجارب التي قام بها محمد أسامة وهو مدير محاولا تجنب المشكلات التي وجدها في مديريه، هو أنه حاول قدر الإمكان ابتكار طرق للتحفيز حتى لو كانت قدرات المؤسسة لا تحتمل حوافز مالية. فوعيه بأهمية التحفيز والإثابة على الإجادة ومدى تأثير ذلك عليه وهو مرءوس جعلته يضع نظاما لإدارته يجعل من حق الموظف الأفضل تقييما كل شهر الحق في 3 أيام إجازة لأن إدارة الموارد رفضت تخصيص مكافأة مالية شهرية رغم أنها تقوم بالخصم من المقصر.
يعلق هاني فوزي: "عندنا ميل كبير للأسلوب السلبي من التحفيز ومضمونه:السلوك الجيد يمنع العقاب. وميلنا أقل من الأسلوب الإيجابي: السلوك الأفضل يتم مكافأته. أعتقد أن ذلك له علاقة بالثقافة التي يكون فيها الالتزام بالأساس هربا من العقاب مثلما هو الحال في الخطاب الديني الذي يركز على العقاب ثم بدرجة أقل الثواب".
ربما يعكس ذلك أيضا توقع المؤسسات من الموظفين بأنهم بالكاد يحققون ما هو مطلوب منهم لا أن يبدعوا أو يفعلوا أفضل مما هو متوقع. عند هاني فوزي اهتمام بأسلوب من الإدارة لا يزال يتشكل يركز على جانب الإبداع و يستفيد من طرق إدارة الصناعات الإبداعية التي يتعامل فيها المديرون مع مبدعين، تجعلهم قدراتهم ومكانتهم قادرين على المشاركة في الإدارة وتشكيل أسلوبها من أسفل.

إدارة الخلاف لا تجنبه

يستحضر هاني فوزي خبرته كمرءوس ليقول أن شعوره بكفاءته وحماسته من أجل العمل، مثل حماسة المبدع الذي يبدع لأنه يحب ذلك لا لأن أحدا يطلب منه أو يأمره، هي التي تجعله يتشبث برأيه ويناقش مديريه ويحاول تنبيههم إلى مشكلات تعترض سير العمل. يقول هاني فوزي: " بعض المديرين كان يرد علي ملاحظة من جانبي قائلا: لا تنتقد عملنا ولا تنتقد الإدارة. وكنت أندهش وأقول أني أنتقد الخطأ. ولم أكن أفهم لماذا يجعل من مديره نفسه "صاحب المحل"، وكأنه هو والعمل واحد. هذه الطريقة هي السبب في أن الموظف يتصرف بطريقة: اربط الحمار مطرح ما يحب صاحبه أو إياكش تولع!".
يوجه روبرت كال كلامه للمديرين وينصحهم: "دفاع الموظف بشدة عن وجهة نظره إشارة لاهتمامه بالعمل وحماسته. لا تقتل الخلاف بل أدره بكياسة".
بعض المديرين يرون أن الخلاف بينه وبين موظف موهوب أو واعد هو نوع من الصراع ولذلك يقاومه بشراسة وهو يضع عينه على كرسيه، وقد يدفعهم ذلك للتردد في تعيين موظفين لديهم شخصية قوية أو"مقاتلة" رغم موهبتها وكفاءتها. يعتبر هاني فوزي أن ذلك ما حدث معه في وظيفة الشركة متعددة الجنسيات: "هناك قاعدة في الإدارة عندما نريد تقييم مدير ما ندخل في تقييمنا لكفاءة وموهبة من معه. ودائما نجد أن الموهوب وصاحب الشخصية القيادية يشكل فريقه من موهوبين وأصحاب شخصيات قيادية ولا يخشى منهم. يوزع عليهم المهام والسلطات ويجعل كل واحد منهم يحقق ذاته ويشعر أنه في مكانة جيدة. بينما قليل الموهبة يحيط نفسه بمتواضعي الموهبة ويقلل على الدوام من شأنهم وتقليل صلاحياتهم لكي يبرز مدى الجهد الذي يقوم به في إدارتهم".
يتفق محمد أسامة وهاني فوزي أن أشد ما كان يضايقهما وكلاهما يعتبر نفسه موظف مجتهد ومتحمس هو عدم شفافية المديرين معهم حول الخطة الكلية للمؤسسة أو حول مبررات قرارات معينة. ولذلك يعتمد كلاهما في عمله كمدير على إشاعة جو من الشفافية مع المرءوسين. ربما يتحفظ هاني قليلا على تفصيلة تخص بعض الموظفين الذين لا يتمتعون بالنضج الكافي لإطلاعهم على بعض التفاصيل التي قد يكون إشاعتها مؤثرا بالسلب على المؤسسة في عالم الأعمال. ولكنه يؤكد أنه لا ينبغي للمدير أن يحكم على الموظف حكما واحدا وللأبد بل إن دوره هو تحسين كفاءته، ويضيف : " العلوم الإدارية تتحدث دائما عن التحكم ولكنها أيضا تتحدث عن دور المدير في تدريب وتحسين الكفاءة، ولذلك عدلت في الصيغ التي أقدمها في دورات الإدارة وقلت أن دور المدير ليس أن يتحكم أولا بل أن ينمي أولا وساعتها سيدير المدير فريقا من الأكفاء المبدعين لا يحتاج أن يتحكم فيهم بل أن يستمع إليهم ويتعاون معهم".


إدارة الإبداع

يتحمس هاني فوزي، مؤسس إحدى شركات الاستشارات والتدريب في مجال الإدارة، عند ذكر كلمة "الإبداع". يخرج من حقيبته مجموعة كتب حديثة تتحدث عن إدارة الصناعات الإبداعية. يتحدث عن كتب أحدث موضوعها هو تعميم تجربة إدارة هذه الصناعات لتصبح الإدارة نفسها إبداعية ومتمركزة حول مفهوم الإبداع.
يقول أن هذه المفاهيم لا زالت تتبلور في الولايات المتحدة وأوروبا ولذلك بالطبع نحن بعيدون عن مناقشتها :”عندما نتحدث عن إدارة إبداعية، فإن"المبدع" يحل محل "الموظف". يجب أن ينسى المديرون هوسهم بمواعيد ومكان العمل كلما أصبح ذلك ممكنا، يجب أن يكون الموظف على درجة عالية من التأهيل والكفاءة، ولديه مساحة حرية ليختار ويجرب، عادة ما يقايض المبدعون استقرارهم المهني وضمانات بقائهم بتقدير عال ومجز، لأن لديهم دائما طموح ورغبة في الانتقال عبر المستويات والتجارب المختلفة".
الأفكارالتجريبية عن الإدارة الإبداعية تقف في العالم الأول على أرض استقرار الإدارة بالأساس في كل مجالات الإعمال وتحاول الاستفادة من روح الإبداع، ولكن ربما يتعلق بهذه الروح نفسها مشاكل إدارية.
رضا فايز، مخرج ومنتج الأفلام الوثائقية انتقل من مؤسسات صحفية وإعلامية كبيرة إلى تأسيس شركة خاصة به لإنتاج الأفلام، وعندما بدأ في إدارة مشروعه وإدارة مبدعين ضمن فريق عمله بدأت تتضح له بعض الجوانب التي كان يراها بشكل مختلف بعض الشيء من الناحية الأخرى وهو مبدع يتعامل مع إدارة.
يقول رضا فايز: "في أي عمل عمل إبداعي، التوافق المطلوب بين أطرافه أعلى منه في مجالات أخرى ليخرج عمل جيد ومتناسق. ولكن في مواجهة ذلك هناك الحساسية الشخصية الزائدة عند كل مبدع. هناك مشاكل عند عديدين في الالتزام وفي تقبل النقد".
يحكي رضا عن نفسه أنه ترك بعض المؤسسات التي يعمل بها على أثر انتقاد لعمله، ويبرر ذلك بأن الإعلامي يختلف عن أي مهنة أخرى في أنه لا يملك إلا مجموعة من وجهات النظر، ولو حدث خلاف رآه يخدش تقدير مكان العمل لوجهات نظره فإن الاستمرار غالبا يكون صعبا.
"أي مبدع يعمل بطاقة ما يستمدها من التقدير بكافة أشكاله أو الحماسة للعمل" يرى رضا فايز أن هناك جانب عاطفي لا يمكن تجاهله، ويراه متداخلا في مسألة أخرى في مزاج الفنان الذي يرواح بين الرغبة في "علاقة رخوة" نوعا ما فيما يتعلق بالوقت والأطر المحددة للعمل وبين ضرورات الإنتاج التي تجعل من العمل ممكنا.
أخرج رضا أحد أفلامه متحررا بعض الشيء فيما يخص عامل الوقت بسبب العلاقة الودية بينه وبين المنتج، ولكنه الآن بعدما أصبح مديرا ومنتجا يعتقد أن الالتزام بإطار أكثر تحديدا هو الضروري، ولكنه يحاول أن يراعي أن يكون الإطار مرنا ويراعي الضرورات لكي لا يضحي بجودة العمل وفنيته وإن كان في حدود الإمكانات الإنتاجية المتاحة.
يعتقد رضا أيضا أن الظروف الإنتاجية الضاغطة ولهاث الجميع من أجل تحقيق عائد جيد يؤثر على جانب مهم من علاقة الرئيس والمرءوس تتعلق بتدريب وتعليم الكوادر الجديدة. ويضيف: "استفدت من بعض رؤسائي، ولكني افتقدت علاقة الأستاذ والتلميذ طوال عملي في الصحافة والإعلام. تأثرت بتعبير قرأته عن صلاح أبو سيف أنه كانت لديه شهوة تعليم الموهوبين الذين يلاحظهم. ولكن الآن قل لي أي مؤسسة في مجالات مستقرة ومربحة توفر إمكانات وتعطي براحا للناس من أجل تعليم وتدريب آخرين بشكل حقيقي؟".


سلطة بلدي

"يخني عجب !" هو التعبير الذي يلخص به د.أحمد عبد الله، الطبيب النفسي، رؤيته للنمط الغالب على أسلوب الإدارة والقيادة المصرية:”أساليب وشخصيات المديرين والقادة عندنا تحتوى على مؤثرات مختلفة، أو فلنقل أخلاط أو روائح أو لمسات من مصادر ومنابع مختلفة".
يتابع د. أحمد عبد الله الانتشار الكبير لدورات العلوم والمهارات الإدارية، الموجهة بالأساس للمؤسسات والشركات ذات الطابع الحديث والتي تكون في الغالب شركات أجنبية أو ذات علاقة بها. ويلاحظ ذلك المدير الذي يحاول أن يحاكي النموذج الغربي الذي يتعلمه ولكن اللمسات والروائح المميزة النابعة من أنماط القيادة المنتشرة في الثقافة تظهر بنسب مختلفة في "خلطة" كل مدير.
يقول د.أحمد عبد الله:”هناك نمط القائد العسكري. الذي يعني في مخيلتنا الضبط والربط. العلاقة بينه وبين مرءوسيه هي أمر وطاعة، ولا نقاش في الأمر. هذا النمط يبدو جذابا في مقابل حالة الفوضى والتفكك واللا نظام. وهناك نمط قريب منه وهو القائد الفرعوني الذي يرفع شعار:ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. رؤيته وإلهامه فوق كل القواعد. وقريبا منهما هناك القائد الأب، كأنه كبير العائلة، يتدخل ويعاتب ويعاقب بأبوية. سلطته مصدرها أنه أدرى بالمصلحة ورؤيته لا يجب مراجعتها وإلا يعد عقوقا وخروجا عن الأدب".
في إدارة بعض التجمعات ذات الطابع الديني يلاحظ د. أحمد عبد الله منبعا آخر وهو نمط الشيخ الصوفي أو الأب المسيحي، صاحب السلطة الروحية والقداسة بدرجة أو أخرى. وبعيدا عن ذلك هناك نمط القائد البيروقراطي، وعندما يأتي إليه يقول أنه يفضل دائما الحديث عن هذا النمط من خلال النكتة التي يدخل فيها المواطن إلى جمعية لشراء دجاجة فيسألونه عن تفاصيل ما يريد بدقة ويحيله كل واحد إلى القسم المختص ليجوب المكان ويصعد ويهبط الأدوار وعندما يصل للمكان الذي يفترض أن يجد فيه طلبه يقول له المسئول بابتسامة:”مافيش عندنا فراخ! بس إيه رأيك في النظام؟". يرى د.أحمد في هذه النكتة تلخيصا لنمط المدير البيروقراطي الذي يهتم بتنفيذ اللوائح والقواعد واستيفاء الأوراق بدون اهتمام بهدف الإدارة أو علاقتها بحاجات الناس ومصالحهم. أخيرا يذكر د.أحمد نمط القائد الديمقراطي متسائلا إن كان موجودا حقا أو بنسبة يعتد بها.
لمسة من هنا ولمسة من هنا تشكل خلطة كل مدير وقائد، بحسب القيم والخبرات التي يتلقاها أثناء التربية والتعليم. وكذلك المرءوس يتربى ويتعلم على قبول لمسات معينة في أسلوب الإدارة بحسب تربيته وتعليمه، فينصاع لها ويتكيف معها و يرفض غيرها أو يتذمر منها.


مصدر الصورة
نشر في "الشروق" الخميس 28 يناير 2009
PDF

المزيد

الاثنين، 25 يناير 2010

"ربما تحل عليه البركة !"


وسط مشاركة سياسية ضعيفة لعامة المصريين وللمسيحيين بوجه خاص.. يواجه المسيحي الذي ينشط في المجال العام العديد من الخيارات الصعبة: التوجه والأسلوب، تحمّل العلاقة المعقدة بمحيطه، وكيف يظل داخل مجتمع الأقباط مستقلا عن الكنيسة وناقدا لها أحيانا وهي التي تعلم رعاياها أن "ابن الطاعة تحل عليه البركة!".

بعد ساعات من الاعتداء على كنيسة نجع حمادي كانت هالة المصري، الناشطة القبطية والمدونة، أمام المستشفى وسط أهالي الضحايا والمصابين. بلغها النبأ بينما كانت تشاهد عظة البابا شنودة في منزلها بمدينة قنا، على الفور اتصلت بزوجها وتوجهت معه بصحبة أطفالهما إلى مدينة نجع حمادي.

بمجرد دخول هالة المصري وأسرتها إلى ساحة المستشفى، تدافع عدد من المحتدين عليها ليقولوا معا: "كتبتِ كثيرا وصورتِ كثيرا، ولكننا مازلنا نقتل! لم تغيرى لا أنت ولا غيرك شيئا فى حالنا!". ثم اندفعوا في عتاب حاد على كل النشطاء الاقباط فى الداخل والخارج وعلى كل أجهزة الدولة التى وصفوها بالظالمة. ولكن في النهاية هدأت أعصابهم وتحدثوا معها وحكوا لها طوال الليلة التي قضتها معهم قبل أن تعود وتدون تفاصيل تلك الليلة على مدونتها "أقباط بلا حدود" وترفقها بصور للمصابين في المستشفى وصور شخصية للضحايا أضافت إليها شريطا أسود في الزاوية ووكتبت عليها أسماء المفقودين مسبوقين بـ"الشهيد"، وفي النهاية كتبت صارخة: "آه! يا النار! الصبر من عندك يارب!".

تكرس هالة المصري مدونتها في الأغلب لقضايا الأقباط، تنتقل لمواقع الأحداث والمشكلات. تعبر عن رأيها وتنقل آراء الناس، تنتقد الدولة كثيرا والكنيسة أحيانا. موقفها المستقل يجعلها دائما وسط مشكلات وانتقادات وجدل، تعرضت للاعتقال والفصل من عملها. ولكن رغم ذلك فإنها أنها ليست وحدها، بل هي واحدة من العديد من نمط جديد ومتزايد من "النشطاء الأقباط" الأكثر استقلالا وفردية، رغم اشتراك بعضهم في مجموعات سياسية أو حقوقية، بالمقارنة بالنشطاء الأقباط المعروفين أكثر والذين يعملون من خلال منظمات قبطية هنا أو في الخارج تعمل وسط تخالفات كبيرة، على وفاق مع الكنيسة أو في خصام معها.
تقول هالة المصري: "عام 2006 عندما وقع حادث العديسات كنت وحدي في الصعيد تقريبا الذي ينشط ويدون. ولكن الآن هناك عشرات من النشطاء الأقباط والمدونين الذين يعلنون عن نفسهم. بالإضافة إلى المئات من غير الظاهرين الذين يساعدونهم ويتمنون أن يكونوا مثلهم. في البداية تعرضت لهجوم وعدم تفهم. ولكن الآن الكثيرون يقولون لي: نريد أن نكون مثلك. ندون ونتحدث عن مشكلات الأقباط".

ترى هالة أن أهم ما يقدمه النشطاء الأقباط هو التعبير عن نبض عامة المسيحيين، بينما ترى الكنيسة محكومة بتوازناتها مع الدولة وحساباتها مع الأمن، وترى الصحافة تنقل مشكلات الأقباط من خلال تحريات الشرطة وتصريحات رجال الكنيسة. ورغم أنها تعرضت لفترات طويلة من هجوم بعض الصحف بسبب خلافها مع مركز "الكلمة" القبطي لحقوق الإنسان بعد فترة تعاون إلا أن النقاشات في المنتديات- مثل منتدى الأقباط الأحرار- كانت في صفها وداعمة لها وتذكر جهودها وجرأتها.

على خلاف هالة، يعبر مايكل نبيل، الناشط بحزب الجبهة الديمقراطية في أسيوط عن أسفه لأن نفس التقدير لا يلقاه النشطاء الأقباط الذين لا ينشطون بهذه الصفة ويفضلون أن ينشطوا سياسيا أو حقوقيا: "قد ينحاز الناس ويتعاطفون مع ناشط يتحدث بشكل مستمر عن مشاكل الطائفة ومطالبها. ولكن حين يكون ناشطا سياسيا يدافع عن خقوق كل الأقليات، بما فيها مثلا حق ماكسيموس وأتباعه في تأسيس طائفة، ينظر إليك الوسط المسيحي بعداء أو توجس على الأقل. هذا بخلاف رأيهم بعدم جدوى النشاط السياسي بالأساس مثل باقي المصريين. واعتباره مضيعة للوقت والجهد و"بهدلة" ونحتا في الصخر".

الكنيسة تفهم أكثر

الموقف من الناشط يتأثر أيضا بعلاقته بالكنيسة. فكما يقول مايكل نبيل أن معظم المسيحيين يرون أن البابا والأساقفة ومؤسسة الكنيسة هي الأكثر قدرة على التعامل مع مشاكلهم وتمثيلهم سياسيا.

يتهم مايكل الكنيسة بأنها تتخذ موقفا سلبيا من انضمام الشباب إلى أحزاب، لأنها تحشد الأقباط خلف الحزب الوطني وتخوفهم بفزاعة الإخوان المسلمين. يقول أن بعض أصدقائه قاموا باستشارة أساقفة فنصحوهم بالعدول عن ذلك. كما أن تعبيره عن رأيه بشكل ما ظهر فيه موقفه السياسي تسبب في طرده من أحد الأديرة.

أما الموقف من النشطاء الأقباط ممن لهم شعبية وسط المسيحيين بسبب تركيزهم على القضية القبطية فمعقد بعض الشيء. يقول مايكل أن الكنيسة تلعب معهم لعبة تقسيم الأدوار:" بعض النشطاء يبدون بعض التطرف والحدة، فتكون ذريعة للكنيسة لأن تحكم سيطرتها على كل أحوال المسيحيين بدعوى أنها تحجز المتطرفين وتمنعهم من إثارة الأقباط. كما أن غضب مجموع الأقباط وارتفاع صوت بعض النشطاء حتى بما لا يعجب الكنيسة يكون مفيدا لها في التفاوض مع السلطة وفي لعبة التوازنات معها".

تروى هالة المصري أنها انتقدت أسقف كبير وفي اليوم التالي كانت في القداس فسلم عليها فظنت أنه لم يقرأ فأخبرته فقال لها: أعرف، اكتبي كما تحبين. تقول ذلك لتشير إلى أن الكنيسة تتخذ موقفا معقدا منهم: "أمام السلطة والأمن تتبرأ الكنيسة منهم، ويقولون لا نعرفهم. لكنهم راضون عن جهودنا وتعبيرنا. يرضون لو أنها كتبنا وأشدنا بجهود الكاهن فلان والأسقف علان. ولكن أن ينسب الفضل لنا وتكون لنا شعبية تجعلنا نتحرك باستقلال فهذا ما يقلقهم. هم رجال دين ونحن أبناء كنيسة ونحن نحترم ذلك ولكنهم يريدون أن يكونوا أيضا ناشطين وزعماء".

الخروج من الشرنقة

بعد عودته من مظاهرة للأقباط المصريين أمام السفارة المصرية في السويد، يستعيد مينا ذكري، الناشط والباحث الحقوقي الذي انتقل مؤخرا للعمل هناك، الشعارات التي ترددت فيقول أن المظاهرة انتقدت بجرأة الدولة المصرية والرئيس مبارك. ولكن الهتاف المنتقد للكنيسة والذي يتهمها بالتخاذل لم يظهر إلا مرة واحدة وأحجم الجميع عن تكراره.

يرى مينا ذلك دالا على السلطة القوية للكنيسة خاصة في عهد البابا شنودة، ويتذكر أن جيله تربى على مقولة غير موجودة في الكتاب المقدس ولكنها تمثل تقليدا راسخا وهو "ابن الطاعة تحل عليه البركة". ومن يخرج عن طاعة الآباء يكون مهددا بالحرمان من البركة وهو ما يعني للبعض كارثة ونهاية للعالم.

ولكنه يرى أيضا أن هناك جرأة من البعض تكاد تفلت من هذه السطوة، كان ذلك متاحا فقط خارج مصر ولكن الآن بسبب الإنترنت أصبح هناك دور أكبر للفرد ومساحة تحرر من كل سلطة مركزية.

هالة المصري أيضا متفائلة بذلك، وتقول أن خلف النشطاء والمدونين الذين يقدرون بالعشرات الآن، هناك مئات ممن يتعاونون معهم: "الناس أصبحوا يتصلون بي ويطلعوني على آخر الأخبار لأنشرها ولكنهم يقولون: لا تخبري أبونا أننا من قال لك!".

مايكل نبيل من جهته يعتقد أن تزايد عدد النشطاء الأقباط حتى لو تضمن شعارات طائفية فهو ربما يكون مفيدا، فهو نفسه كان يعتبر نفسه ناشطا قبطيا بالمعنى الضيق عندما بدأ نشاطه بعد أحداث طائفية استفزته، ولكن مع بعض الوقت والنضج والقراءة طور تفكيره ورأي أن هذه المطالب يجب أن يتم العمل عليها من خلال مطالب سياسية عامة. ولكنه من ناحية أخرى يرى أن الغضب من الانتهاكات والمظالم تزيد جاذبية النشطاء الأكثر طائفية والأكثر ارتكازا على خطاب ديني يشبه نفس خطاب المتطرفين من المسلمين وكل فريق يحشد الناس ويروج لكراهية الطرف الآخر.

ترد هالة بأن معظم المدونين والنشطاء الأقباط الذين ينشطون باسمهم الحقيقي ويضعون صورهم على مدوناتهم هم مسئولون في خطابهم ويحترمون الآخر، بينما يأتي التطرف ممن يكتبون وينشرون بأسماء مجهولة. تضرب المثال بـ"الأب يوتا" وهو اسم متعار نشر ردا على رواية "عزازيل" رأى فيها البعض ازدراء للدين الإسلامي، واتهم البعض مدونا هو المدون هاني نظير بانه من يستخدم هذا الاسم، وتم اعتقال نظير ولم يطلق سراحه حتى الآن.

تبدي هالة المصري أسفها على ذلك وتقول أن هاني كان يدون باسمه ويضع صورته وأنه كان مدونا مسئولا ولديه رغبة في المشاركة رغم أنه من نجع صغير داخل قرية صغيرة داخل مركز أبو تشت، وأنه كان جادا جدا والتحق بعد معهد الخدمة الاجتماعية بقسم الصحافة بآداب جنوب الوادي ليطوّر أسلوبه وتستبعد أن يتورط في مثل هذا.

"وحتى لو وقع بعض النشطاء الأقباط في بعض التجاوزات التي لا ترضيني فهذا لا يمنع التفاؤل" هكذا يرى مينا ذكري ويشرح رأيه: "من الأفضل للقبطي أن يتجاوز الصورة النمطية التي تريد دائما أن تنفي المشاكل. البعض يقول مادحا: لم أعرف لسنوات أن زميلي أو جاري قبطي ! أو العكس. وكأنه لا فرق بينهم، لا بل هناك فوارق واختلافات، وهواجس ومخاوف عند العامة من الناس وعلينا ألا نتجاهلها. من الجيد أن يسمع المسلمون نشطاء يتحدثون بتعبيراتهم اللاهوتية الخاصة ويعبرون عن هواجسهم وأفكارهم. وعلى الطرفين أن يحاولا تفهم الاختلافات وسوء التفاهم بدلا من تجاهله".

الأكثر أهمية في ذلك في رأي مينا هو خروج عموم الأقباط من حال التقوقع والصمت وأيضا بدء فاعليتهم الفردية بدلا من ترك كل شئونهم للكنيسة:" لنضع كل شيئ على الطاولة، لنخرج من الشرنقة، لنكسر لعبة التوازنات والصفقات، ولننظر فيما بيننا من مشاكل بوضوح. هذا ما أريده أن يحدث".


نشر في "الشروق" الأحد 24 يناير 2010
الصورة: من مظاهرات أمام الكاتدرائية المرقسية بالعباسية بعد اعتداء نجع حمادي -تصوير: محمد حسن

المزيد

السبت، 16 يناير 2010

المساكن الشعبية على الإنترنت


الاستهلاك السريع للأخبار والكثيف للأغاني والأفلام والصور، التعارف والتواصل عبر النقل والشكر المتبادلين، البحث عن البروز الشخصي وبعض السلطة. هذه هي خلطة وقود الكثير من المنتديات العامة، المساحات الأكثر شعبية على الشبكة.


ٌقبيل منتصف عام 2009 وفي إحدى الكافيهات الحديثة في مدينة طنطا، نظم أحمد مصطفى الطالب بكلية التجارة حفلا لمجموعة كبيرة من أصدقائه. الحفل كان بمناسبة تجاوز عدد أعضاء المنتدى الذي أسسه أحمد المليون عضوا. تورتة كبيرة مرسوم عليها شعار منتدى "أصحاب كول" ومكتوب عليها الاسم المستعار لأحمد ( Mr.Having Fun) ، التف حولها هو وأصدقاؤه والتقطوا الصور ثم أجهزوا عليها.
في عام 2004 عندما أسس أحمد المنتدى كان عمره يتجاوز السادسة عشرة بقليل. بعد سنتين بدأ نجم المنتدى يعلو وتأتيه بعض الإعلانات، والآن تجاوزت عضويته المليون و115 ألف عضوا ليحتل المركز 41 بين المواقع التي يزورها المصريون- وفق إحصاءات موقع ألكسا Alexa.com بداية يناير 2010- والمراكز الأربعون المتفوقة عليه تضم 24 موقعا عالميا مثل جوجل وياهو وفيس بوك وغيرهم.
المنتدى يلي مباشرة موقع جريدة الأهرام العريقة وينافس مواقع الصحف الخاصة الجديدة ويتفوق على معظمها. لا وجود لأي مدونة في المراكز المتقدمة، مدونة "الوعي المصري" ذات الشعبية الكبيرة تحتل المركز 2678. ورغم ذلك منتدى "أصحاب كول" ليس المنتدى الأول في التصنيف، تسبقه ثلاثة منتديات أخرى.

هذه المؤشرات المبدئية تقول أنه إذا شبهنا الإنترنت بمدينة واحدة كبيرة، فإن مواقع الشركات والمؤسسات هي تجمعات نخبة ما لها حضور بين الملايين بواسطة سلطتها وقوتها، وتشكل المدونات وبعض التطبيقات الاجتماعية التي يستخدمها الناشطون تجمعا لنخبة مختلفة وإن كانت أوسع من سابقتها، ولكن المنتديات العامة هي التي تمثل فعلا "المساكن الشعبية" الأكثر ازدحاما ونشاطا.

يتابع الإعلام المتخصص أخبار الشركات والمواقع الكبرى، وتتابع الصحافة الخاصة والمعارضة باهتمام شديد نشاط "النخبة الأخرى" على المدونات وتويتر ومجموعات الفيس بوك التي تناقش الشأن العام. ولكن المنتديات يصعب متابعتها، أولا لأن ما يحدث فيها يتميز بقدر من الكثافة والغزارة يكاد يقارب كثافة الأحداث اليومية في الشارع، وثانيا لأن ما يحدث فيها يعبر عن "العادي" في حياة معظم الناس وما يتداولونه من أخبار وأفكار، بشكل قد يكون محبطا لتصورات كل نخبة عن "الشعب" و"الجماهير"، تماما كما تعبر هذه النخب، كل واحدة بأسلوبها، عن قلقها من "عشوائية" الأحياء الشعبية - في رأيها- مكانا وسلوكا.

التكوين
قبل أن يؤسس أحمد مصطفى المنتدى، قضى فترة تقترب من الثلاثة أعوام كما يقول منجذبا لعالم المنتديات والدردشة، وبدأ في الاهتمام بتصميم المواقع. وما دفعه لتأسيس المنتدى كما يقول هو الرغبة في امتلاك موقع مشهور بغض النظر عن محتواه: "المنتدى مثل أي قناة تليفزيون تريد أن تشتهر وتجذب الإعلانات".
هناك قوالب مجانية متاحة على الإنترنت للمنتديات العربية، يمكن لكل مستخدم أن يعدلها ويغير في تصميمها لتلائم غرضه. معظم الشباب يستخدمون هذه القوالب وينشئون المنتديات بسهولة. تشترك معظم المنتديات العامة على الإنترنت في أنها تحتوي على أقسام نمطية معتادة تمثل الساحات الأساسية والاهتمامات الأكثر شعبية التي يريد مؤسس المنتدى أن يجذب المهتمين بها. أولا قسم عام للحوار أو للتعارف ثم القسم الإسلامي - الذي قد يأتي أولا أحيانا- وهناك أقسام تحميل الأغاني بأنواعها المختلفة ثم أقسام تحميل الأفلام والمسرحيات والمسلسلات ثم أقسام تحميل الصور المختلفة ثم قسم للشكاوى والاقتراحات. هذه الأقسام هي السمات الرئيسية الطراز المعماري الأشهر للمساكن الشعبية على الإنترنت.
مالك المنتدى ومؤسسه يملك بالطبع السلطة المطلقة في إدارته مهما اتسعت العضوية، هو يختار مشرفين على المنتدى وعلى الأقسام ويحدد صلاحياتهم، وهو الذي يضع قوانين المنتدى ولوائحه ومحاذيره ويحدد سقف الحرية ويقرر ما هو مقبول وما هو غير مقبول.
تصميم شكل المنتدى فيه حس شعبي شبابي، بعيد عن الاحترافية في أغلب الأحيان، يميل للألوان الفاتحة وأحيانا الفاقعة ومملوء بالإعلانات ذات الألوان الصارخة أو التي تضم أشكال تتحرك بسرعة تجذب الانتباه.
يعلق أحمد مصطفى على تشابه المنتديات:"شباب كثيرون يفتحون مواقع ومنتديات ويقلدون بعضهم. وبسبب الكثرة أصبح من الصعب أن تجني مكاسب مادية، يجب أن تكون متميزا. ولذلك حرصت على أن يكون تصميم منتداي جاذبا وأن أضيف محتوى جديد وروِّش، أن أتعاون مع مواقع أخرى وأتبادل الخبرات. حرصت على وجود أقسام جديدة تغطي كل المجالات التي تهم كل الناس".
في منتدى أصحاب كول بالفعل قسم لكل اهتمام يحظى بشعبية ما: أخبار الرياضة والمصارعة وصور السيارات وقسم الألعاب وتحميل البرامج مجانا وقسم تعلم مهارات القرصنة الإلكترونية "الهاكينج" وأقسام أخبار الفنانين وفضائحهم وقسم للحوار حول العلاقات العاطفية وأقسام لتبادل أفلام البلوتوث ونشر نصوص قصصية مختلفة.

منقول ومشكور
السمة العامة للنشاط في المنتدى هو نقل المحتوى، سواء كان فيلما أو ألبوما غنائيا أو برنامجا أو خبرا أو صورة، ونشره. الإضافات قليلة ومعظمها في أقسام الحوار حول المشكلات العاطفية أو نشر القصص. ولكن في هذه الأقسام يضا هناك نقل من منتديات ومواقع أخرى. أصبح من تقاليد المنتديات الإشارة إلى ذلك بكلمة "منقول" وربما بغير إشارة إلى المصدر، لأن ذلك ربما يساهم في الدعاية لمنتدي آخر منافس. بعد الانتشارالكبير للقوالب السهلة للمواقع والمدونات أصبحت الأخيرة أكثر جاذبية لمن لديه إنتاج جديد خاص به. ولكن تظل المنتديات سوقا لاستهلاك المواد المنقولة وبناء عالم من العلاقات حول هذا الاستهلاك.
الردود التي تهنيء على الموضوع الجميل وتشكر وتحيي، لا النقاشات والجدل، هو الطابع الأكثر شيوعا في المنتديات. أصبحت كلمة "مشكور" تقليدا آخر نمطيا بفعل التأثير الخليجي، الذي كان نشطا جدا في المنتديات التي تكسر عزلة بعض المجتمعات المغلقة قبل أن تظهر الفضائيات.
بين النقل والشكر يستمر نشاط شباب المنتديات لتخلل ذلك حوارات شخصية بينية تشهدها الساحات العامة أوالرسائل الخاصة. المشاركة النشطة هي طريق أيضا إلى التميز والبروز وبالتالي صورة شخصية أفضل وعلاقات أقوى. وفي معظم المنتديات يكون مكافأة ذلك ألقاب تخص العضو وتصفه بأنه عضو نشط أو ذهبي أو مميز أو يتم ترقيته من قبل مالك المنتدى إلى منصب مشرف ليمارس بعض السلطات على أقسام معينة، يقول أحمد مصطفى: "معظم الشباب يحب السلطة والريادة وأن يقال عنه أنه مشرف في منتدى شهير مثل أصحاب كول. ولذلك أختار المشرفين من موضوعاتهم المميزة ونشاطهم البارز".
ذلك يفسر لماذا يقوم الشباب بتكبد مشقة تسجيل بعض الأفلام من السينما بالموبايل أو نسخها من اسطوانات إلى الإنترنت ونقلها للمنتدى. بعض المنتديات أيضا تتبع سياسة تجعل بعض المواد المميزة حصريا للأعضاء المميزين ممن لهم نشاط وإضافات بقدر معين، وفي بعض المنتديات الخليجية يتم دفع مقابل مادي للاشتراك في المنتدى الجماهيري أو للتمتع بمحتويات أقسامه المميزة، التي تكون في الغالب كلها منقولات من السينما أوالتليفزيون أو مواد إباحية.
ولكن في النهاية هناك دائما حافز للنشاط في النقل والشكر هو ما يجعل المنتديات مستمرة ولو بدون أي إضافات حقيقية من إنتاج أعضائها. كل عضو يريد جذب النظر إليه ويتمنى أن يحصل موضوعه على أكبر عدد من الردود. نادرا ما تكون الجدية هي الطريق إلى ذلك، البحث عن الغريب والطريف أحد أهم الطرق التي تحظى بشعبية كبيرة. يأتي بعد ذلك الفضائح أو الإيهام بها.
يكتب أحمد مصطفى مؤسس المنتدى موضوعا عنوانه: "تقبل حبيبها في الطريق في الشارع بلا خجل" وفي التفاصيل تجد صورة لزوج من الشمبانزي في قبلة طريفة أمام جمهور، موضوع آخر: "فضيحة زوج وزوجته في الحمام بالصور" وفي التفاصيل صورة لقط وقطة بملابس الحمام.
هذا أو أن يكون الموضوع فضائحيا بالفعل. ينقل موضوع صورا ملتقطة من شاشة تليفزيون لفتاة مشاركة في ستار أكاديمي بملابس اعتبرها ناقل الموضوع فاضحة. المشاركات كلها تسجل الشكر والإعجاب مع إدانة وشتم الفتاة صاحبة الصورة والقائمين على البرنامج مع التباكي على الأخلاق والدين في هذا الزمان السيء!
بسبب هذه الروح الفضائحية يظل معظم الأعضاء مستترين تحت أسماء مستعارة وصور رمزية. هذه الروح محافظة بالطبع، وتختلف عن نقل المحتوى "الإباحي" باعتباره ممتعا أو لذيذا، ولكنه ينقل تحت عنوان "فضيحة" وربما يبرر الناقل نقله صارخا ومعترضا على هذه المسخرة التي تحدث في بلاد المسلمين !
العناوين الفضائحية بجانب أسماء أحدث الأفلام والألبومات الغنائية لهم أهمية استراتيجية في المنتديات لأنها ما يجذب القادمين من محركات البحث يتطلعون إلى الفيلم أو الألبوم الجديد أو إلى فضيحة سمع عنها أو يتمناها. ولكن يحرص مؤسسو المنتديات على تطعيمها بهذا المحتوى أوحتى مجرد عناوين وهمية وخادعة. ولذلك من المهم دائما أن يتناثر اسم هيفاء وهبي بكم كبير في كل منتدى عام يطمح في أن يكون جماهيريا!

ما يقال في القسم الإسلامي يظل في القسم الإسلامي
حتى لو كان المنتدى ذو طابع فضائحي فإن وجود المنتدى الإسلامي في أوله أصبح من قبيل البروتوكول المتعارف عليه. طبيعة القسم الإسلامي لا تختلف كثيرا عن غيره، معظمه منقول ومشكور، النقل هذه المرة لكتابات وصوتيات مرئيات أشهر المشايخ من الشعراوي إلى الدعاة الجدد مرورا بالدعاة السلفيين الأكثر تشددا. والباقي محاولات للوعظ المتبادل ورواية قصص مكررة عن الالتزام والتوبة.
في القسم الإسلامي في أصحاب كول، يتغير شكل المنتدى تماما فله تصميم مستقل، لأن التصميم الأساسي المنتدى به صور شباب وبنات كول وهو ما لا يناسب قدسية هذا القسم. ولكن ظلت هناك بعض المشاكل، منها مشكلة التوقيع. يختار كل عضو في المنتدى توقيعا يذيل كل موضوعاته أوتوماتيكيا. وعادة يجب الأعضاء وضع صور لنجومهم في التوقيع مع كلمات أغاني يحبونها. ولذلك فلا يصح أن يضع عضو صورة لإليسا بفستان مكشوف مع كلمات أغنية "عايشالك" توقيعا له. ثم يشارك بمنقول أو مشكور في القسم الإسلامي فيظهر توقيعه هناك.
نجح مشرفو المنتدى في وضع آلية ما توقف ظهور التوقيعات عند المشاركة في هذا القسم.
المشكلة الأخرى المتوقعة هي أن يعترض البعض داخل النقاشات الدينية على محتويات المنتدى الفضائحية الأخرى. ولذلك تحمل قائمة قوانين القسم الإسلامي تحذيرا صارما من أن القسم الإسلامي بالإضافة إلى أنه لا يجوز فيه انتقاد أي عالم ديني أوفتوى أو مناقشة أمر ديني متفق عليه، فإنه لا يجوز أيضا مناقشة سياسات إدارة المنتدى العام !
يقول أحمد مصطفى عن هذا الأمر وهو يستشعر بعض الحرج: "يكون هناك أحيانا بعض المشكلات.ولكن أصحاب كول موقع ترفيهي لجميع المجالات. نحاول أن نرضي الجميع ولكن أيضا في حدود الأدب".

وضع القسم الإسلامي الموازي للمنتدى والمنفصل عنه وغير المتوائم ولا المتجانس معه، يشبه نمط التدين الشعبي الذي يسير بالتوازي مع الحياة وينتج أفكارا تدين معظم جوانبها، بينما ضرورات الحياة أو متعها تقتضي أن نبقى هذه الأفكار داخل إطار التدين ولحظاته الخاصة. وفي هذا الإطار يمكنه أن يتبنى بلا قلق أكثر الأفكار تشددا باعتبارها الأصح والأفضل. وفي النهاية تبقى المساحة الدينية تحت حراسة "قانون طواريء" لأن "السلطة" تراه قابلا للانفجار في وجه باقي المجتمع إن خرج الدين وناقش "السياسات" .. ولو كانت سياسة منتدى شبابي !

سياسة الفتور وعدم الاكتراث
تكتب "منى" مشرفة القسم السياسي موضوعا تقترح مناقشته خلال الأسبوع: تعديل الدستور ليتمكن البرادعي من الترشح لرئاسة الجمهورية، وسألت: "ما رأيكم؟".
بخلاف الأعضاء المبرمجين الذين ردوا كما اعتادوا "جهد مشكور أختي" أو "تسلم إيدك" باحثين عن زيادة في رصيد مشاركاتهم، فإن بعض التعليقات التي انتبهت إلى غرضها ردت منددة بترشيح البرادعي وتراوح منطقها: "ماذا يعرف هذا الرجل عن الحكم ومنصب رئيس الجمهورية؟" أو أنها ترى أنه "مالأ اليهود على حساب المسلمين في وكالة الطاقة الذرية" !
على خلاف الميل العام في المدونات والمجموعات السياسية على الفيس بوك المتعاطف على الأقل مع حقه في الترشيح، الروح العامة الفاترة أولا تجاه هذا الموضوع أو المنددة به قد تسبب الإحباط لمن يعتقد أن هناك تجاوبا "شعبيا" مع الفكرة بينما قد لا يعدو الأمر تحمس النخبة الأخرى الساخطة والمعارضة.
قسم الأخبار السياسية هو القسم الوحيد الذي تجد فيه معظم الموضوعات بدون ردود. من في النهاية الشاب الكول الذي سيدخل إلى منتدى أصحاب كول للنقاش في السياسة؟
الفتور وعدم الاكتراث قد يختفيان ويظهر بعض النشاط في الموضوعات التي تقترب من الدين وتكون فرصة جيدة لإظهار بعض الحماسة تجاه حماس أوضد اليهود، تعاطفا مع شهيدة الحجاب وإدانة لأي تصريح ضد الحجاب والنقاب.
الاختلاف في الرأي وسط الفتور المتراخي لا يسفر غالبا عن جدل محتدم أو نقاش. يسجل الطرفان آرائهم في كلمات قليلة ولا ينفقان الكثير من الكلمات لتوضيح الرأي، يقفزان بسرعة إلى الشكر والتحيات. في النهاية كل شيء منقول يجب أن يكون مشكورا وتستمر العلاقات والتواصل وهذا هو الهدف.
المشاكل التي تحدث أحيانا كما يقول أحمد هي الخلافات الشخصية بين الأعضاء بسبب استخدام ألفاظ مهينة أوقاسية، أوبسبب تذمر البعض من سلطة المشرفين أوطريقتهم في استخدامها. في النهاية مالك المنتدى هو المرجع ومصدر السلطات ومن لا يعجبه ذلك يمكنه أن يصرخ في قسم الشكاوى بلا مجيب أو أن يتلقى ردودا حاسمة من مشرف فإما يرضى أو ينهي نشاطه في المنتدى.
الروح السلطوية التي تحكم إدارة معظم المنتديات لا تترك الخيار لأعضائها: إما أن تنصاع وتتحرك في الحدود أو تخرج من اللعبة. الذين يرفضون هذا الشكل من السلطة في السياسية تركوا المنتديات بكل أنواعها من زمن واتجهوا إلى المدونات أو إلى صفحاتهم على الفيس بوك للتعبير بحرية.
لتظل المنتديات ساحة خالصة للكتلة الكبيرة الغامضة التي ترضى بدفء المجموع ولو كان "شلة افتراضية" وتذعن للقيود وتتحرك داخلها. الكتلة التي يتحدث الجميع عنها، يودون معرفتها ويشكون من سلوكها، يخطبون ودها ويعلقون عليها الأمل.


ليست شبكة واحدة!

اكتب اسم أي فيلم حديث أو ألبوم غنائي في محرك بحث على الإنترنت، ستجد في صدارة النتائج نسخا مقرصنة منها في المنتديات ذات الشعبية الكبيرة. رغم أن ذلك يمثل نقمة كبيرة على المنتجين إلا أنه يمثل خدمة كبرى لمعظم مستخدمي الإنترنت وربما يمثل لهم أهمية الإنترنت بشكل كامل.
استطلاع رأي الشباب حول الإنترنت الذي أعده مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء في 2008 يقول أن 68% من مستخدمي الإنترنت من الشباب يستخدمونه بشكل أساسي في تحميل الأغاني والأفلام، بينما 39% فقط من الشباب سمعوا عن المدونات و23 % ممن سمعوا عنها قرأوا أو علقوا على مدونة.
في تقرير "شبكة اجتماعية واحدة ذات رسالة خالدة" الصادر عن "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان" نهاية 2009، لا ذكر للمنتديات ضمن أدوات النشطاء العرب التي تضم المدونات، تويتر، فيس بوك، يوتيوب وفليكر. ولا ذكر لدورها أوتأثيرها في ساحة النشاط في مصر إلا في سياق اشتراكها في الاحتجاج خلال أغسطس الماضي ردا على قرار وزارة الاتصالات بتطبيق سياسة الاستخدام العادل للإنترنت والذي يحدد حدا أقصى للتحميل.
المنتديات وأصحابها وروداها هم الأكثر تضررا من هذه السياسة بسبب الحجم الكبير للأفلام والأغاني التي تمثل مادة جذبها الرئيسي، بينما يرى خبراء الاتصالات أن التحميل المجاني المقرصن لها وشيوعه وكثافته هو ما يسبب مشكلة تقنية لشبكة الإنترنت في مصر.


نشر في "الشروق" الخميس 14 يناير 2010
PDF

المزيد

الأحد، 10 يناير 2010

دوائرنا الافتراضية التي تتسع وتتلاقي وتتصادم

ثقافة استخدام الشبكات الاجتماعية على الإنترنت: عالم واحد أم جزر معزولة؟

كيف يشترك تصميم الشبكات الاجتماعية على الإنترنت مع طريقة استخدامنا لها في التأثير على رؤيتنا وتفاعلنا مع قضايا وظواهر وأزمات مجتمعاتنا ؟


لمدة أسبوع ظل يتلقى دعوة إثر أخرى من أصدقائه على الفيس بوك للانضمام إلى إحدى المجموعات. المجموعة تدعو كل عضو فيها للتبرع بمتر قماش لصناعة علم مصري يحطم الرقم القياسي ويصبح الأكبر في العالم. فاروق سلامة، الطالب بالسنة الأولى في كلية الإعلام، لم يكن محبذا للفكرة ولكنه ملّ من استمرار اضطراره للدخول على حسابه ورفض الدعوة التي يبدو أن دائرة أصدقائه على الفيس بوك قد أغرمت بها بسبب فورة الحماسة الوطنية التي أعقبت أحداث "المعركة الكروية" بين مصر والجزائر. لذا فإنه وجد أن الحل الوحيد الذي يمنع أوتوماتيكيا وصول أي دعوة جديدة هو أن يقبل بالفعل الانضمام إلى المجموعة.

يقول فاروق أنه لن يتبرع بمتر قماش وغير مهتم بالفكرة، ولكن عضويته في المجموعة هي جزء من الرقم الذي سينقله الإعلام للدلالة على تحمس الشباب للمشاركة في هذه الحملة. لا أحد يعلم بدقة كم مشارك هو متحمس بالفعل ومهتم، ولكن فاروق مثل كل شاب مستخدم للفيس بوك يعلم أن دوافع ضغط زر الاشتراك تعني أيضا مجرد الفضول، الرغبة في متابعة أخبار الحدث لا المشاركة فعليا، مجاراة الأصدقاء والمعارف في الاهتمام بشيء جديد ومثير، وربما للمشاغبة والاعتراض على الفكرة أو السخرية منها في ساحات حوار المجموعة.
العلم الذي سيدخل موسوعة جينيس ليس الأهم، ولكن هناك الحفاوة الضخمة بحركة 6 إبريل وبدعوتها للإضراب العام وحشدها ما يقرب من 80 ألف عضو على الفيس بوك واعتبار ذلك انتصار مظفر على كل الحركات والأحزاب والجماعات السياسية القديمة، السيل الجارف من الصور والفيديوهات التي تحمل كراهية وعنصرية بين مجموعات من المصريين والجزائريين والتي جعلت - بالتعاون مع الإعلام التقليدي- مباراة في كرة القدم سببا في تراشق شعبي وشبه رسمي أحيانا بين دولتين "شقيقتين"، وأخيرا أعداد أعضاء مجموعات الفيس بوك المؤيدة لترشيح الدكتور محمد البرادعي رئيسا للجمهورية والتي تصدرت معه الصفحات الأولى، كما في عدد "الشروق" الجمعة 4 ديسمبر، بينما يحاول الصحفيون عبثا في تقاريرهم استجواب "النخبة" السياسية والثقافية عن رأيهم في ترشيحه.

من المألوف أن نتحدث عن الفاعلية التي أتاحها انتشار استخدام تطبيقات الشبكات الاجتماعية Social Networks على الإنترنت، مثل الفيس بوك Facebook وتويتر Twitter ويوتيوب Youtube، والصوت الحر الذي منحته للشباب والحركات الجديدة، ولكن قد يكون مفيدا أن نتحدث كان في هذه التقينات وتصميمها وطريقتنا في استخدامها ما يؤدي إلى التضخيم المبالغ فيه
لأحجام مجموعات أو فاعلية رموز أو المساعدة على احتدام أزمات، بشكل قد يكون محبطا فيما بعد لهذه المجموعات أو هؤلاء الرموز أو مسيئا ومؤذيا لأطراف الأزمات.

عالم جديد واتصالات جديدة
التطبيقات الاجتماعية على الإنترنت هي أهم خصائص ثورة الـويب2.0 أو web 2.0، وهو مصطلح ظهر في مؤتمر تقني عام 2004 ويبدو أنه كان يحاول أن يبشر بنمط مختلف للإنترنت، ولكن التطورات التراكمية في طريقة تصميم المواقع خلال عامين تقريبا استولت على المصطلح فأصبح يشير إلى الخصائص التي تتيح فاعلية أكبر للمستخدمين وتفاعلية بينهم، التصميمات خاضعة لاختيارات المستخدمين وتتيح لهم الإرسال لا مجرد الاستقبال، وتكوين شبكات من الأصدقاء والمعارف والتواصل معهم.

التطور التقني لم يكن مجرد ابتكار منفصل عن التطورات الاجتماعية في العالم، مانويل كاستلز عالم الاجتماع الأمريكي، الذي يعد الأشهر الآن في ربط البحث الاجتماعي بعلوم الاتصال والإعلام، يصف التطور الذي حدث بأنه انتقال للمجتمعات من نمط وسائل إعلام الجمهور Mass media (الذي تنتقل فيه المعلومة من مركز أو مراكز إلى الجموع) إلى نمط الاتصال الشخصي الجماهيري Mass self-communication (شخصي لأن كل شخص هو مرسل ومستقبل وجماهيري لأن الرسالة تصل إلى الجمهور الذي يختار بشكل شخصي أيضا استقبال هذه الرسالة أو تلك من بين بدائل لا حصر لها). وبالتالي تتحول المجتمعات من نمط المجتمع الصناعي إلى مجتمع الشبكة بخصائص مميزة لكل منهما في الاجتماع والاقتصاد والسياسة.

ربما يكون مصدر جاذبية الفيس بوك وشعبيته الجارفة هو أنه أكثر التطبيقات قربا لفكرة مجتمع الشبكة، فهو شبكة اجتماعية على الإنترنت تحاكي الشبكات الاجتماعية المنسوجة بين الأفراد في الواقع، فهو يركز بشكل جيد على الذات أو"الفردية" ويتيح لها أن تعبر أو تستعرض نفسها بشكل جيد، كما أنها توفر وسيطا سهلا لـ"الجماعية" من خلال تطبيقات التواصل وتبادل التعبير والتعليق والنشر ضمن شبكة الأصدقاء.

انهيار السياق
ولكن هل يظل فعلا ما نرسله من رسائل وتعليقات أو كتابات أوصور ضمن نطاق الأصدقاء؟ وإذا خرج فماذا يكون معناه خارج سياق علاقاتنا وفهم من يعرفوننا لطريقة تعبيرنا عن الهزل والجد؟ هذه إحدى مشكلات الشبكات الاجتماعية بشكل عام. علاء عبد الفتاح، مطور البرمجيات مفتوحة المصدر وأحد قدامي المدونين المصريين المهتمين بتقنيات الإنترنت وتأثيراتها الاجتماعية، يشير إلى مصطلح "انهيار السياق" الذي أطلقه مايكل وش، الباحث في الأنثروبولوجيا الثقافية بجامعة كانساس الأمريكية، ضمن بحث كان بالأساس على اليوتيوب. يقول علاء: "المصطلح يشير إلى حالة مشهورة وهي الأشخاص الذين ينظرون إلى كاميرا الكمبيوتر ويتحدثون إلى العالم، ليصل ذلك إلى كل العالم بدون معرفة أي معلومات عن المتحدث وهويته ومكانه ومتى قال ذلك تحديدا وبماذا تأثر وعلى من كان يرد.
هناك مشهد فيديو انتشر على الفيس بوك واليوتيوب الأسابيع الماضية، فيه رجل مصري يقف وهو ولديه يرتدون فانلات فرق كرة قدم مصرية ويسبون الجزائر وشعبها وفريقها الكروي. هذا الفيديو صالح للاستخدام قبل كل مبارة مقبلة أو بعدها. وبالمثل فيديو الشاب الجزائري الذي يحاول السيطرة على أعصابه وهو يتهم عمرو أديب بأنه تسبب في شطب مصر من خارطة دماغه. هذا الفيديو قابل للتكرار إن استمر عمرو أديب في الحديث عن مشكلات مباريات كرة القدم بنفس الطريقة. وساعتها سيستقبل أحدهم الفيديو ولا يعلم إن كان ذلك الشاب الجزائري فقد أعصابه هذه السنة أو من سنوات ماضية.
يشير علاء أيضا إلى أن انتقال بعض نواتج هذا الإعلام الشعبي إلى الإعلام المؤسسي سبب مشكلات مصداقية، مثل فيديو المشجعين الجزائرين وهم يلوحون بالأسلحة البيضاء والذي تبين فيما بعد أنه في سياق آخر زماني ومكاني. كما أنه يشير إلى أن افتقاد السياق الثقافي قد يسبب تأزما في استقبال هذه المواد: "المقلب في الشبكات الاجتماعية هو أن السياق ينهار بدون أن تنتبه لذلك، فالتصميم الأصلي افترض أنك لن تتعامل إلا مع معارفك، ولذلك فأنت تظن أنك تتواصل مع عائلتك وأصدقائك بالأساس ولكن رسائلك تصل لمستقبلين آخرين. مثلا الكلام عن أننا سنزعج المنتخب الجزائري في القاهرة أو تلويح جزائري بأنه سيذهب ليشتري سكاكين وسيفعل كذا وكذا، هي أشياء يقولها الشباب المتحمس على المقاهي والنواصي من باب "التهييس" العادي. ولكن استدعاء هذا الكلام بعد فترة أو أن ينقله أحد عبر برنامج تليفزيوني يضعه خارج سياقه ويتسبب في نوع المشكلات الذي حدث بين الشعبين المصري والجزائري".
ربما يكون التوعد بمثل هذه الأحداث قد حدث بالفعل ولكن لا أحد يعلم إن كان المتحدث الجزائري إلى كاميرا كمبيوتره المحمول هو الذي حمل السكين في الخرطوم أم أن رسالته ألهمت آخر حين تناقلتها المواقع والمجموعات، وبالمثل هل من هددوا بإزعاج المنتخب الجزائري من وراء شاشاتهم هم من طاردوا الباص ورشقوه بالحجارة أم لا. ولكن بالتأكيد أن تداعيات الحدث التي عادت لتتناقلها المواقع والمجموعات بمنتهى السرعة قد ألهمت المزيد والمزيد من هنا وهناك للانخراط في معركة التطاول والكراهية والعنصرية.

اللحظة المرهقة
"أنا مرهق يا تويتر! أنا فعلا مرهق!" هكذا اختتم سيمون دومينيكو، الكاتب المتخصص في التكنولوجيا في موقع Advertisingage.com ، مقالته الشهر الماضي التي كان عنوانها"10 أشياء علمني إياها تويتر عن الإعلام.. وعن نفسي!" وكان سبب إرهاق دومينيكو من تويتر- تطبيق تبادل الرسائل القصيرة لحظيا والذي وصفه بأنه تطبيق عام 2009 - هو أن تجربه استخدامه علمته أن رغبتنا التي تقول: "يجب أن نعرف الآن وفورا ماذا يحدث في الخارج من آخرين" وإصرارنا على أن نكون ضمن "أول من يعرف" ليست إلا شيء مرهق، لا يفيدنا حقيقة في معرفة شيء، ما نعرفه أسرع يكون عادة خطأ أو أقل دقة، مسبب لنوع إدمان، ويجعلنا متحفزين أكثر، سماعنا لتعليقات الناس على كل شيء لا يجعلنا أذكى بل ربما أغبي في التعامل مع ما هو حقيقي حولنا. كما يقول أنه تعلم أيضا أيضا أن يخرج بنفسه ليعرف ماذا يحدث كلما كان ذلك ممكنا.
قد يكون ذلك إحدى مشاكل السياق وفق وجهة نظر دومينيكو. ربما يوافقه قول ماكلوهان، رائد علوم الاتصال، أن "المعرفة اللحظية تعني المشاركة والتورط". فالكثير من المعلومات والأخبار عن العالم قد لا تفيدنا كل لحظة، وكذلك الكثير من الآراء والتعليقات. وقد تجعلنا متورطين ذهنيا في أزمة سياسية بعيدة بدون أي قدرة حقيقية على المشاركة. ولكن من ناحية أخرى تكون هذه الوسائل مفيدة إذا كنا ننوي فعلا المشاركة والتورط، تضامنا مع مظلوم قريب أو بعيد بشكل ما، أو اشتراكا في حدث اجتماعي ضمن محيطنا أو تفاعلا مع نصيحة أو ردا على استفسار. يبدو دومينيكو متحاملا بشكل كبير لو لم يتعلم ذلك من تويتر. ولكن يمكن أن نتفهمه في حالة أن هناك العديد من المتعصبين المتوثبين للشغب أو لإهانة الآخر والمستعدين للتورط والمشاركة في استكمال معركة سمعوا خبرا عن أحد فصولها ! والنتيجة أن الخبر يتحول - صحيحا كان أو خاطئا - في لحظة من حدث إلى فصل في معركة بفعل من ينتظرون المشاركة والتورط !
ولكن كل ذلك يتوقف على كيف نحكم على مصداقية ودقة ما يصلنا، وكيف سنقيم ماحدث ونراه، وأي معارك نحن مستعدون أو منتظرون أن نخوضها. وهذه أشياء قد يحسمها كل فرد مع نفسه أو يقوم بها بشكل اجتماعي ضمن شبكته التي يتبادل معها التفكير بصوت عال.

شبكات من الأشباه؟
قد تساعدنا الشبكات الاجتماعية على التفكير بشكل نقدي مع أقراننا، ولكن من جانب آخر قد تؤدي إلى تكريس الأفكار السائدة والمنشترة أكثر عند مجموعات بعينها. في رأي علاء عبد الفتاح أن التصميم الأصلي للفيس بوك افترق أنك لن تتواصل إلى مع معارفك، ولذلك فتصميم الفيس بوك يكرس لشبكتك أكثر فأكثر ويضم المزيد من نفس الطبقة ومن نفس الدائرة التي تنتمي إليها بالفعل. وهو في رأي علاء يسهل انتشار الأفكار بين المتشابهين ويؤدي لتفاقم مشكلة مثل الأزمة مع الجزائر. وكلامه يتفق مع نظريات علم النفس التي تحدث عن الميل للمجاراة الاجتماعية لأن الفرد العادي لا يجب أن يكون معزولا بل يجب أن يكون مقبولا ومشاركا الجماعة الرأي ولو كان شططا.
يبدو وكأن هذه الفكرة تجعلنا نرى الفيس بوك كجزر منعزلة وليس شبكة اجتماعية واحدة وفق الوطن أو وفق اللغة أو حلم المجتمع العالمي المتشابك كله. وفي هذه الجزر نفع تحت تأثير بعض الأوهام عن العالم، يقول علاء: "يحدث على الشبكات الاجتماعية كما في الواقع أن نسارع إلى الاعتقاد بان كل الناس الآن تتكلم عن كذا لأننا سمعنا كل من حولنا يتكلمون عنه، وكأنهم هم كل العالم". هكذا تنمو في كل جزيرة أوهام مختلفة. بعض الناشطين في وسط زخم نشاطهم قد تتصاعد حماستم وكأن "الشعب المصري" كله متحمس للتغيير لأن كل من حولهم من الأقران المشاركين ينبضون حماسة، أو قد يظن البعض أن الشعب لا ينقصه إلى الصندوق لينتخب البرادعي لأن دائرة معارفه من الشباب أعجبتهم الفكرة ويرفعون أكفهم بالدعاء أن يتمكن من الترشح.
ولكن في الفيس بوك أيضا مساحات جماعية مفتوحة مثل المجموعات وصفحات المعجبين برموز أو أفكار ومنتجات قد تؤدي إلى بعض التداخل ورؤية آراء وميول أخرى.
يقول طارق عمرو، مصمم شبكات الاتصالات والمهتم بتقنيات الشبكات الاجتماعية، أن مؤسس خدمة "جايكو"- التي تشبه تويتر- قدم فكرة هي "الموضوع الاجتماعي" الذي يكون واسطة التواصل بين الأفراد. "الموضوع الاجتماعي" هو أي شيء نتحدث عنه ويصلح أن يكون مادة حوار: طبخة، أغنية، مباراة أو خبر سياسي أو مشهد من فيلم. وعلى الشبكة الاجتماعية يكون رأينا وتعليقنا أيضا "موضوعا اجتماعيا" يجمعنا مع آخرين. يرى طارق أن ذلك يكرس أيضا فكرة الجزر المنعزلة بين الثقافات المختلفة والبيئات المختلفة المهتمة بموضوعات مختلفة. بين الجزر الروابط موجودة لأن هناك أحيانا تداخل موضوعات ولكن هذه الروايط عادة تكون ضعيفة.

صدام الأغراب
هناك الملايين ممن يتشاركون استهلاك الجينز والبرجر تحت تأثير العولمة، ولكن هل كلهم يتشاركون نفس الأفكار عن الجنس أو الدين، أومستعدون على الأقل لخوص حوارات هادئة حولها؟ تبدو الروابط بين الجزر قوية على مستوى بعض "الموضوعات الاجتماعية" مثل السلع والنجوم العالميين. ولكن على مستوى الأفكار والثقافة هناك جزر قريبة أو بعيدة وربما بين بعضها قطيعة كبيرة.
ولذلك فبعض "الموضوعات" قد تمثل لقاء غير مرغوب في نتائجه. قد تكون كتابات وصور ومشاهد من مجموعات دينية أوقومية مختلفة الثقافة. وقد تكون موضوعات تم تصميمها سلفا لمهاجمة الآخر. الفيديوهات المتبادلة التي صممها مصريون وجزائريون لإهانة فريق الكرة أو الشعب كله كانت "موضوعا اجتماعيا" للشجار في المجموعات المهتمة بالمباراة أو على حسابات اليوتيوب. وتعرضت بعض الفيويوهات لمشكلة انهيار السياق، فعرض كل فريق مشاهد لفتيات "ساقطات" في رأيهم وكل فريق قال أن هذه مشاهد لمصريات أوجزائريات ! ولا أحد يعلم جنسية الفتاة ولا في أي سياق تم تسجيل هذه المشاهد.
معارك متفرقة هنا وهناك بسبب أن أحدهم وضع صورة البروفايل هو علم الجزائر ومكان الهلال نجمة داوود أو أن أحدهم كتب "مصرائيل" بدلا من "مصر". ولكن هذه الأزمة كلها كانت "موضوعا اجتماعيا" لمبادرات قام بها شباب لتهدئة الأوضاع والحفاظ على العلاقات بين الشعبين. وفي الواقع أن هذه المبادرات أسست لعلاقات جديدة لم تكن موجودة قبلا وسببت تلاق بين عدد لا بأس به من الشباب المصري والجزائري الرافض للتصعيد وحملات الكراهية والعنصرية المتبادلة، ورب ضارة نافعة، فقد كان للفيس بوك فضل التلاقي بين "أشباه"على صعيد آخر هو صعيد المزاج الرافض للتعصب الوطني. وهو ما يعني أن دائرة جديدة من الأشباه تجمع بين دائرتين منفصلتين بحكم اللغة والجغرافيا ولكنها تتشكل في لحظات بعينها أو أزمات تصبح هي الموضوع.
إحدى هذه المبادرات هي حملة "لن نفترق" التي أطلقها مصطفى النجار، طبيب الأسنان، وعمرو مجدي، طبيب الامتياز، عبر مجموعة على الفيس بوك. وسعيا بوسائل عديدة لنشر الحملة على الإنترنت أو بالاتصال برموز من البلدين. يقول عمرو مجدي أنه أثناء النقاشات على المجموعة لاحظ هو ومصطفى أن شباب من الجزائر متحمسون للحملة فتواصلوا معهم وأصبحوا مشاركين ومنسقين للحملة.
جروب الحملة زادت عضويته حتى وصلت 8500، وهذا لا يعني أن كلهم مؤيدون، فعمرو ومصطفى وجدا مشاكل كثيرة في إدارة الشجارات التي نشبت في ساحات حوار المجموعة.

"لن نفترق" ولكن كيف نلتقي ؟
يقول عمرو مجدي: "مجموعات الفيس بوك مفيدة في الانتشار وجمع الناس بشكل سريع، ولكنها غير فعالة في تنظيم عمل جماعي ناجح. لم نجد طريقة للسيطرة على الشجارات إلا بغلق ساحة حوار المجموعة لفترات، لا توجد ساحة داخلية لحوار المديرين. أنا أعتقد أن الإدارة تشكل جمهورها لا العكس. في المنتديات عندما تضع محاذير وضوابط وتطبقها يتلزم بها العضو أويرحل. مجموعات الفيس بوك تفتقر للأدوات اللازمة لذلك أنشأنا منتدى حواري تابع لموقع خاص بالحملة".
ما يتحدث عنه عمرو هو ما يراه علاء عبد الفتاح إحدى المشكلات التي أعاقت حركة 6 إبريل التي بدا أنها حشدت عددا كبيرا بفضل العدد الضخم لعضوية مجموعة الفيس بوك: "الأداة الرئيسية في التنظيم خذلتهم تماما، ضخامة المجموعة على الفيس بوك كانت كارثة لأنه لا يوجد أي آليات لخلق سمعة وثقة وتاريخ بين هذا العدد. على حائط المجموعة كل الرسائل متساوية، مافيش حد متهتم مين قال أيه و قاله إمتى وبالتالي.كل عضو وجد نفسه ينشر رسالة و يا يعرف من رآها ومتى وكيف. لا توجد وسيلة لظهور قيادات أخرى جديدة غير مديرين المجموعة الفعليين. أو من يختاروهم . كما حدث لاحقا سيطر من لديه حزب وتربيط و آليات تنظيم خارج الفيس بوك".
ولكن هذه الضخامة لا تعني أنها تنتهي إلى لاشيء، حتى مع فشل التنظيم، ورغم أن بعضه قد يكون عضوية وهمية مثلما رأينا. إلا أنها تشير إلى ميل عام وجاذبية للفكرة تجعلها أكثر انتشارا بين الدوائر المختلفة للعلاقات. قد نتشكك إذا كان كل أعضاء مجموعات ترشيح البرادعي سينزلون من منازلهم فعلا للتصويت، لو نجح في الترشح، ولكن بالتأكيد الفكرة تعكس ميلا ما لديه شوق لوجه جديد وناجح ويلخص أحلام شباب كثر يرون أن السياسة ما هي إلا إدارة ناجحة رشيدة من شخص مرموق عالميا.
ولكن هذا الانتشار المؤدي إلى الضخامة المفتقرة للتنظيم والفاعلية يحتاج إلى آلية تساعده. وسيط المدونات أثناء "فورة التغيير" في 2005 وما بعدها رغم أنه كان أقل زخما إلا أنه شكل رموزا من شباب المدونين وسمعة لمدونات ومواقع لا تزال تتمتع بقدر من المصداقية والمتابعة مثل الوعي المصري والتعذيب في مصر وغيرهما. وفي رأي علاء أن المدونة تصنع بتاريخها ثقة وسمعة وبروابطها مع المدونات الأخرى سياقا لما هو مكتوب فيها. كما أن الفارق بين وسيط المدونات ووسيط الفيس بوك يؤثر على الخطاب. في المدونة يشعر الفرد أنه ممثل لجماعة ما أو يقدم شيئا ما لجمهور.
ولكن المدوّنات كانت جذابة للأفراد الذين لديهم شيء ما ليكتبوه أو ينشروه، بينما كل مستخدم في الفيس بوك موجود ويعبر عن ذاته ويتفاعل مع شبكته بأشكال مختلفة بدون أن يكون بالضرورة كاتبا أو يريد أن ينشر شيئا أيا كان. في المدونات هناك ظل لا يزال لفكرة "النخبة" و"الجمهور" ولكن بشكل جديد. جزء من الجمهور صار نخبة ومن بين النخبة التي تدون هناك نخبة من المدونين المشهورين. ولا وجود لفكرة التجمع في المدونات إلا في مدونة مشتركة يتبادل أفرادا الكتابة.
في بحثه عن "الاتصال والسلطة والمقاومة في المجتمع الشبكي"، يرى كاستلز أن الإعلام الجديد والاتصال الشخصي الجماهيري هوأداة جيدة في يد الحركات الجديدة المتمردة على السائد سياسيا واجتماعيا، ومن أبحاثه يرفض وصفها بشكل سطحي أنها "حركات إلكترونية"، بل يراها تتخذ التكنولوجيا كأداة للتعبير عن مشروعها وكوسيلة للتعبئة والتواصل في حين أن معظمها له مكان وحضور وجذور في العالم الحقيقي. ولكن لا يجب أن نتورط أيضا في المدح الرومانسي للإعلام الجديد وشبكاته الاجتماعية باعتبارهم سلاح الشباب وأداة التقدم المقدسة بدون نظرة نقدية في التصميمه والتفاصيل. من المفيد أن نستمع إلى كاستلز:"التكنولوجيا ببساطة ليست مجرد أداة، بل هي وسيط وأسلوب في التخطيط الاجتماعي له مضامينه. بالإضافة إلى ذلك هي منتج من منتجات ثقافتنا التي تتضمن كلا من رؤيتنا لفكرة استقلاليتنا الفردية ومشروعاتنا كفاعلين في المجتمع".


نشر في "الشروق" الأحد 10 يناير 2010
PDF
الصورة من الصفحة الرئيسية لـ Facebook.com

المزيد

الأحد، 3 يناير 2010

الحنين إلى المستقبل


عند بعض الشباب، الولع بمكان أو زمان ليس مجرد حنينا عاطفيا بل هو استلهام لقيم وأفكار، بصر مشدود لتجربة يقرأها، طموح وسعي إلى مستقبل ما.

"كونوا واقعيين، اطلبوا المستحيل!".."لنشكل لجانا للأحلام !".. "عندما يمتحنوكم أجيبوا بأسئلة!". وصلت رسالة من عبد الرحمن منصور إلى هواتف مجموعة من أصدقائه تحمل هذه الشعارات التي رددها الطلبة في فرنسا أثناء إضرابهم الشهير في مايو1968. أول ما تعرف عبد الرحمن، الطالب بالسنة النهائية بكلية الإعلام، على أحداث الإضراب الكبير الذي هز فرنسا آنذاك كان من خلال رواية "فرج" لرضوى عاشورالتي تدور أحداثها في تلك الفترة بين مصر وفرنسا. ويبدو أن الشعارات ألهمته صورة وخيطا ينظم ما يفكر فيه ويعمله بهمة عالية رغم أنه لا يملك إجابات نهائية ولا رؤى قاطعة.
الحماس والاعتراف بطلب المستحيل أو تشكيل لجان عمل للأحلام أو أنه لا أجوبة لديهم بل أسئلة، كانت روح الطلبة الفرنسيين الذين تمردوا في مايو 68 واحتلوا مقار الجامعات احتجاجا بعد اعتقال بعض زملائهم وأعلنوا غضبهم من تقييد حرية التعبير تحت دعاوى الحفاظ على استقرار نظام الجمهورية، كما أنهم أعلنوا التمرد على قيم المجتمع الفرنسي ودافعوا عن حقهم في المزيد من الحرية. ورغم فشل هذا الإضراب أن يصنع تغييرا سياسيا ولكن تم اعتباره لحظة مهمة أحدثت تغييرا اجتماعيا فأصبح المجتمع أكثر تقبلا لأفكار الحرية الفردية مقابل الالتزام الوطني وأفكار أكثر تحررا في العلاقات بين الجنسين والمزيد من التحرر من سلطة الآباء والمعلمين والأجيال الأكبر والعقائد الدينية والتقاليد المجتمعية.
قد يتعجب البعض من أن تكون هذه اللحظة التاريخية الأكثر تمردا هي اللحظة الملهمة لعبد الرحمن، الذي يصف نفسه بأنه إسلامي إصلاحي، لا يمكن أن نفهم كلام عبد الرحمن منصور إلا بتخيل المواجهات الساخنة بين أبناء جيله من الشباب الإسلامي المتمرد على الأجيال الأكبر من الإخوان وغيرهم من التيارات الإسلامية. ولأن جماعة الإخوان هم الأكثر تنظيما فأن تأثير هذه المواجهات يظهر عندما تعلو أصوات الشباب المحتجة على خيارات الجماعة التي يتحكم فيها الأجيال الأكبر. ولكن المواجهات تحت السطح على مستوى الأفكار أكثر سخونة وأكثر تنوعا.
أحد نماذج هذا التنوع هو "الميل الثوري" عند عبد الرحمن. الذي يوضح أنه ليس مجرد إعجاب بلحظة بل هو نزعة أقوى تشكل سعيه الفكري والعملي معا. يقول غبد الرحمن أن ما يفكر فيه - ويشاركه في ذلك بعض أصدقائه من شباب الإخوان المسلمين - أننا بحاجة إلى ثورة ثقافية شبابية، وأن هذه اللحظة تحتاج من الشباب للتمرد علي العقل الأسطوري الديني، علي الأبوية وعلي إقصاء الشباب، بعدها يمكن أن نمهد لأفكار مستقبلية. لا يجب أن نكون نحن الجيل المناسب ولديه الأفكار المناسبة ولكن يمكن أن يكون تمردهم وسيطا بين السيء والجيد على حد تعبيره.
الانجذاب لهذه اللحظة لا يمنعه من أن يرى أن المزاج الثوري أحيانا ما يؤدي بالشباب إلى حشد كل طاقتهم في اتجاه واحد يراهنون عليه رغم أنهم لا يمتلكون إلا رؤية ضبابية ورد فعل على شيء ما. ولذلك فهو يتبنى أسلوب مختلف يناسب تمرده المتسائل: "لا أعتمد على فكرة واحدة أو تنظيم واحد ولكن أشتغل في أكثر من مكان ومع أكتر من جهة، أوزع طاقتي وأفكاري".
ينشط عبد الرحمن في مبادرة بناء جسور بين الشباب الإسلامي الإصلاحي الناقد ليكونوا اتجاها أقوى، يسعى لتأسيس منتدى حواري دائم لهم على أرض الواقع، ويشترك مع آخرين في محاولة لإصدار كتاب غير دوري يصدر باسمهم ويعبر عن روحهم ورؤاهم المختلفة، ينشط داعما لمجموعة "كلنا ليلى" المهتمة بالمرأة، ويترجم النسخة العربية من موقع لنشطاء من أجل البيئة حول العالم.
يلمس عبد الرحمن منصور الاختلافات الكبيرة بين مزاج وتطلعات المجموعات المتمردة من الشباب ذوي الميول الإسلامية ويضرب مثالا لذلك بأن إيران وثورتها التي انتهت بتأسيس الجمهورية الإسلامية كانت ملهمة للأجيال الأكبر من الإسلاميين، في حين أن تجربة الإسلاميين في تركيا، والتي يمارسون فيها الحكم من داخل نظام علماني، هي الملهمة لهذه المجموعات من الأجيال الجديدة.

الممكن أفضل من لاشيء
أروى الطويل، الطالبة والمدونة الناشطة الإخوانية ومراسلة الموقع الشبابي "الجزيرة توك" واحدة ممن يعلنون في مدوناتهم اهتمامهم وولعهم بتركيا وتجربة الإسلاميين فيها.
اقتربت أروى من تفاصيل هذا النموذج الملهم لها من خلال بحث أعدته في 2008 وتقدمت به في نموذج محاكاة المؤتمر الإسلامي الذي تنظمه كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وفاز بالمركز الأول، ثم زارت تركيا منتصف عام 2009 لحضور دورة تدريبية نظمتها إحدى أكاديميات إعداد القادة وحضرها شباب من مختلف الدول الإسلامية.
تقول أروى: "من وجهة نظرى هو نموذج ناجح تماما، ولم ينجح دينيا فقط . بل كان نجاحه دينيا ودنيويا فحقق النموذج المفتقد في التوازن بين الدنيا والدين. هو نموذج استطاع التكيف مع واقعه رغم صعوباته واستطاع التحايل علي الصعوبات التي تواجهه وإنتصر عليها".
التيارات الإسلامية التركية يغلب عليها النزعة الروحية والصوفية ورغم أنها تحمل على ظهرها عبء تاريخ وجودها في قلب الإمبراطورية العثمانية التي مثلت الخلافة الإسلامية في فترة من الفترات، إلا أن العلمانية وفصل الدين عن الدولة أصبح ثابتا مقدسا عند الدولة التركية الحديثة التي أسسها كمال أتاتورك ويحرسها قادة الجيش. ولذلك فالأحزاب الإسلامية في تركيا تعلن تمسكها بالعلمانية واحترامها لها رغم فوزها ديمقراطيا بأغلبية البرلمان وتشكيلها للحكومة.
تحكي أروى عن زيارتها لتركيا وكيف زاد ارتباطها واحترامها لها كنموذج للنهضة كما تتمناها: "من أول يومين نسيت كل شيء عن تركيا ذات الجمال الخلاب وتمسكت بتركيا الإنسانية المسلمه ذات الأخلاق، أصبحت أكثر إهتماما بالحديث مع الناس والتعلم منهم. لدرجه أنني - وأنا التي أعشق تصوير الأماكن الطبيعية - تركت تصوير الأماكن إلي تصوير البورتيريهات وملامح الإنسان هناك. الروح العامه هناك هي احترام إنسانيتك وآدميتك، السمو بروحك من الأرض حيث أنت إلي السماء إلي حيث تشير المآذن والقباب".
الروح العملية التي تنجح في التوافق والتكيف لا الصدام وتحقق نجاحا مناسبا رغم العوائق سمات تجربة الإسلاميين في تركيا الذين يبدون حرضا على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. هذه الروح بالتأكيد ملهمة للشباب ذي الميول الإسلامية الذي يشغل تفكيره تناقضات من نوع الالتزام بثوابت مقابل الحريات والديمقراطية، الدين مقابل العلمانية،التمسك بالهوية مقابل التحديث والاقتراب من الغرب.
تقول أروى أن اقترابها من النموذج قد أثر على تفكيرها وحركتها: "أصبحت أكثر تركيزا علي ثلاثة أشياء: التعليم ، الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. فمنهم يأتي التغيير، أصبحت أكثر إيمانا بقيمة الإنسان وقدرته علي الفعل وأكثر إيمانا بأن البراجماتيه (العملية) شيء لا يعيبني كمواطنة وناشطة تؤمن بالحل الإسلامي".
الروح العملية في التجربة الإسلامية التركية تعني الاقتراب من بعض الثوابت هنا مثل التكيف مع حظر الحجاب في الأماكن العامة ومثل التخلي عن فكرة الحكم بالشريعة. ولكن أروى ترى أن الممكن أفضل بكثير من لاشيء: "ما الذي تستفيده تركيا لو أعلن الإسلاميون هناك إسلاميتهم غير أن الجيش سينقض علي السلطه وينتزعها وتعود تركيا لتدور في حلقاتها المفرغة. الصمت عن العلمانيه يعني تمثيل الإسلام و"الحكم الرشيد" تمثيلا مشرفا في السلطة. فأي أمر أفضل من ذلك. هنا نعود لأصل القضية: وهو العدل بمفهومه الواسع وهو ما أمرنا الله بتحقيقه في الأرض ..تعليق "البادج" ليس هو القضية".

الوجوه الباقية للثورة
بعيدا بمسافة عن أروى الطويل يرى محمد المصري نموذجه الملهم في التجربة المصرية بعد ثورة يوليو مع جمال عبد الناصرولكن بعد أن يعلن هو الآخر عدم اهتمامه بـ"البادج": "أنا مش ناصري، رغم انتماءي للتجربة والإيمان بيها أكتر من ناصريين كتير على ما أظن".
يحكي محمد أن مسار تكون أفكاره كان يبدو أنه يميل لرفض التجربة الناصرية بسبب افتقاد الديمقراطية وامتهان كرامة المواطن والانتقادات المعروفة للثورة. ولكنه واصل التساؤل والبحث والقراءة عن هذه التجربة ليعيد تشكيل أفكاره عن المرحلة بسبب التفاته لرمزين ثقافيين عايشا هذه المرحلة، هما فؤاد حداد ويوسف شاهين.
فؤاد حداد اعتقل مرتين ولفترات طويلة في تلك الفترة ورحل يوسف شاهين للبنان فترة احتجاجا على تقييد حريته، لكن كلاهما أبدى تقديره لجمال عبد الناصر ولماحدث في هذه المرحلة. وهو ما يعتبره محمد شيئا دالا على أن بهذه الفترة -رغم كل ما يقال- ما مكنها من "خلق مشروع واضح يجمع حوله ملايين من الشعب وآلاف من الكوادر الحقيقية في سبيل تطوير حقيقي للبلد وتحقيق مصلحة أغلبيته العظمى" كما يعبر محمد.
يقول محمد أنه انتبه إلى أن الأهم في هذه التجربة هي روحها وليس سياساتها أو اتخاذ مبادئها بشكل مجرد، روحها التي نجحت في تخريج كوادر بشرية ورموز في كافة المجالات لا يزالون كذلك إلى الآن، منهم مثلا هيكل في الصحافة وصلاح أبوسيف وشاهين في السينما.
محمد مهتم بالسينما بشكل خاص وفي مدونته "نور الخيال" يبدو اقترابه من هذه المرحلة متمثلا في الوجوه الثلاثة التي يتحدث عنها أو يقتبس منها أويحكي عنها: جمال عبد الناصر وفؤاد حداد ويوسف شاهين.
حسين الحاج، صديق محمد الذي يشاركه اعتبار الفترة الناصرية هي الفترة الأكثر إلهاما له، ويخص بشكل محدد أدب وفن الستينات التي تعبر عن روح هذه المرحلة. حسين من أبوين يغلب عليهم الميل الناصري ولذلك علاقته بهذا النموذج بدأت مع تنشأته ولكنه مع الوقت بدأ يختلف مع الجانب السياسي منه وإن كان لا يزال يعتبر أنه تأثر بكتاب الخمسينات الستينات في نصوصه. من يتابع مدونة حسين يدرك تأثره بفؤاد جداد الذي يذكره كثيرا ويقتبس منه ويحاول أن يبدأ من عاميته المصرية المميزة ذات النكهة الخاصة ليطورها بأسلوبه الخاص.
كلا من محمد المصري وحسين الحاج، مثل أروى وعبد الرحمن، لا يعتقدان أنه يمكن استعادة نموذج ما مرة أخرى أو تكراره. ولكن القيم التي تمثل روح كل تجربة هي التي يمكن أن تجعل من الاهتمام بكل نموذج في الماضي أو الحاضر اهتماما بالمستقبل ويحثا عن الجسر الذي يصل ما بين واقعنا وتصوراتنا المختلفة عن مستقبل أفضل.


الصورة: بدلا من التعبير الفرنسي الشائع C est la vie "هذه هي الحياة" بروح القبول والاستسلام لها كما هي، كان من شعارات احتجاجات مايو 68 في فرنسا: Plutot la vie "بل سأختار الحياة"
نشر في "الشروق" 3 يناير 2009
PDF


المزيد

الجمعة، 1 يناير 2010

خريطة عتيقة للزمان

النبوءات الروحية عن نهاية عالم وبداية آخر

التقويم الذي وضعته حضارة المايا القديمة، والذي ينتهي في 2012 قد يبدو لنا كمجرد خرافة فلكية ستنكشف قريبا. ولكنه عند العديد من الناس حول العالم، الذي قرروا أن يسلكوا طريقا روحيا مختلفا، هو تأريخ لتطور الوعي البشري وفق خطة إلهية للإنسان عليه التوافق معها، وللنهاية عندهم معنى مختلف عما نظن.

تبدو نهال عمران شديدة التفاؤل وهي ترى صور د.محمد البرادعي تتصدر الصفحات الأولى للصحف الخاصة مع أخبار الجدل حول إمكان ترشحه لانتخابات الرئاسة في 2011. للأمر معنى مختلف عندها ولتفاؤلها بعد روحي ورؤية للعالم تعتقدها. تقول نهال أن ترشحه غير المتوقع يتفق مع ما تعتقده من أن الفترة من الآن وحتى انتخابات الرئاسة القادمة ستكون متزامنة مع نقلة كبيرة للوعي الإنساني في مصر والعالم كله. مصدر اعتقادها المتفائل يرجع لاهتمامها بنبوءات حضارة "المايا" المعتمدة على تقويمهم المختلف للتاريخ Mayan Calendar والذي ينتهي عند عام 2012 ! قد يبدو ذلك غامضا ومتناقضا لنا ونحن نقرأ ونسمع عن النبوءات والحسابات الفلكية المختلفة التي تتنبأ في تلك السنة بـ"نهاية العالم" أي دماره وفنائه، وهي الفكرة التي يمثلها الفيلم الأمريكي "2012" الموجود حاليا في صالات العرض. ولكن للنبوءة معنى مختلف عند نهال والكثيرين من المهتمين بتقويم المايا حول العالم.

يؤرخ لبداية حضارة المايا في عام 2000 قبل الميلاد، بينما كان ذروة ازدهارها في الفترة بين أعوام 250 م وحتى 900 م في منطقة أمريكا الوسطى التي تشمل الآن دول المكسيك وجواتيمالا وهندوراس والسلفادور. ومن بين إسهامات عديدة لا تزال تذكر بها هذه الحضارة في الفن والعمارة، تحتل الرياضيات وعلوم الفلك مكانة مميزة. طورت حضارة المايا عدد من التقويمات للزمن، شملت تقويمات مادية تعتمد على دورة الشمس، مثل التقويم السنوي الجريجوري أو الميلادي الحالي، بالإضافة لتقويمات أخرى ذات أساس روحي، ولكن أشهرهم هو التقويم الكلي لمجمل الزمان والذي يؤرخ لبدايته في ينتهي في 2012م.

يؤرخ هذا التقويم للوعي الإنساني وتطوره واتساعه ويقسمه إلى 9 عهود، كل عهد يحتوى على 13 فترة تمثل 7 أيام و6 ليال. مدة اليوم والليلة تختلف من زمن لآخر فهي أيام وليال رمزية تمثل مراحل النور والظلام أو التبصر والغفلة المتتالية وتمثل مراحل جزئية لتطور الوعي الإنساني واتساعه. زمن العهود يتناقص تدريجيا بما يشير إلى تقلص الوقت الذي يستغرقه الوعي لإحداث نقلة فارقة وتسارع ذلك كلما تقدم الزمن. فالعهد الأول وهوعهد الواحدات البسيطة والذي استمر من خلق العالم أو "الانفجار الكبير" وحتى ظهور أول الحيوانات 14 بليون سنة، بينما استغرق العهد الثاني أو عهد الثدييات الممتد حتى ظهور أول القردة 850 مليون سنة، ويستمر التناقص عبر العهد العائلي ثم العهد القبلي ثم عهد الثقافات والأقاليم ثم عهد الأمم والقوميات ثم العهد الكوكبي( منذ عام 1743والممتد لـ 256 عاما) ثم عهد المجرة (الذي بدأ عام 1999 ويستمر 13 سنة حتى 2011) ثم العهد الكوني الكلي والذي يستغرق أقل من عام وينتهي في ديسمبر 2012.

تقول نهال: "كل تقويم هو اكتشاف لدورة ما في الكون، وتقويم المايا اكتشف بحسابات ما متتالية هندسية تمثل تطور الوعي البشري. وتقسيمه للعهود كان موفقا ومتسقا مع التاريخ بالفعل. كما أنه اهتم بوضع القيم السائدة في كل عهد التي تمثل تيمة لهذا الزمان وتمثل تفسيرا كليا لمسار الإنسانية".
القيم التي مثلت تطور وعي الإنسانية وفق تقويم المايا هي أولا الفعل ورد الفعل في العهد الأول، رد الفعل المتزامن في العهد الثاني، رد الفعل المتزامن من جانب الأفراد في العهد الثالث، إدراك الاختلافات والتشابهات في العهد القبلي، قيمة العقل في عهد الثقافات والأقاليم، قيمة القانون في عهد الأمم والقوميات، قيمة السلطة والقوة في العهد الكوكبي، وقيمة الأخلاق في عهد المجرة الذي نعيشه الآن، والذي يتبعه العهد الكوني النهائي حيث يصل الوعي الإنساني ويصل إلى ما يسميه التقويم "الخلق المشترك" إشارة إلى القدرة العظيمة والمتسارعة لإبداع الإنسان وخلقه للجديد ثم يلي ذلك لحظة اكتمال الخلق مع وصول الإنسان إلى الوعي الأوسع وهي اللحظة التي يشهد تفسير معناها اختلاف كبير بين مفسري التقويم.

التقسيم الدقيق لتقويم المايا اعتمادا على نصوص ونقوش حضارة المايا، قام به باحثون متعددون أشهرهم الأمريكي إيان لانجولد، المفسر الأساسي للتقويم المعروف، والباحث السويدي كارل كولمان، صاحب العديد من الكتب والمحاضرات عن تقويم المايا وعلاقته بالتطورات المعاصرة لعالمنا.
بعض مدونات المهتمين بتقويم المايا اعتبرت انتخاب أوباما بـ" طموحه الأخلاقي" المتجاوز لأوهام القوة والسلطة الباطشة - كما تجلت عند سابقه بوش - تأكيدا لأن الأخلاق هي قيمة هذا العهد. فيما يرى كولمان أن الأزمة لاقتصادية العالمية اكتشاف للمشكلة الأخلاقية وراء النظام المالي العالمي. نهال أيضا ترى أن الانتشار الكبير لمفاهيم حقوق الإنسان ومظاهر العولمة وسهولة الاتصالات والزواج المختلط بين الأعراق المختلفة والدور المتزايد للهيئات الدولية مؤشر على الوعي الذي يتسع بوحدة الإنسانية ومصيرها الواحد.
تقول نهال أن شعرت أول تعرفها على هذا التقويم منذ 15 عاما أنه مجرد خزعبلات واستغربت اعتقاد الناس فيه. الاعتقاد في أهمية التقويم يسود بين المعلمين الروحيين والمعالجين بالطاقة الروحية، الذي يجدون انتشارا متزايدا في العالم وإن كان بشكل أبطا في مصر. ولا يزال العدد القليل منهم هنا من الأجانب، ولقاءاتهم وجلساتهم تتم باللغة الإنجليزية ويحضرها أفراد من الشرائح العليا من الطبقة الوسطى في مراكز أو مقرات في أحيائهم الأرقى مثل الزمالك أو المعادي. يهتم هؤلاء المعالجون والمعلمون بالتقويم القائم على تطور الوعي لاتساقه مع تقنيات العلاج الروحي التي تسعى لتحقيق التوافق والانسجام عند المتعبين من الانفصال الداخلي بين العقل والروح أو بين الروح والجسد أوالانفصال بين الأفراد والمسبب لصراعهم وتوترهم.
"الانسجام بين نية الإنسان وسعيه ووعيه وبين الخطة الإلهية للعالم أو القدر هو أهم مميزات تقويم المايا وهو معنى العلاج الروحي" ولذلك السبب تطور اهتمام نهال عمران بالتقويم والأفكار المرتبطة به :"لم تتعارض هذه الافكار مع شواهد من الأديان و العلم و الملاحظة و فلسفات متعددة . العلم فى أرقى صوره ينظر للكون باندهاش و تواضع و يتحدث عن الغيب و المجهول أكثر ما يتحدث عن التأكيد و الثقة".

بعد فترة من التواصل مع معلمات روحيات يستخدمن تقنيات مختلفة مثل الرقص أو الإنشاد. تتواصل الآن مع ليزلي زيهر، المعلمة الألمانية التي تدير مركزا للصحة الروحية للنساء في الزمالك، يفتح أبوابه أحيانا للرجال. والجلسات المشتركة تشمل تدريب على التأمل مع دراسة المعاني الروحية للأرقام والتواريخ اعتمادا على تقويم المايا بالأساس. وفي الجلسات الخاصة بالنساء هناك تدريبات خاصة بالرقص وغيره من أجل استكشاف الطاقة الأنثوية. وكل فترة يستضيف المركز متحدث في الروحانيات من أماكن واتجاهات مختلفة.
تعمل نهال عمران في المجتمع المدني ومهتمة بالنشاط في مجال المرأة والجندر وتعتقد أن اقترابها من مجال "المعرفة الكلية والروحية" كما تسميه وسّع إدراكها فيما يخص قضايا المرأة والجندر. فكما تقول أن الأفكار الروحية المعتمدة على تقويم المايا ترى أن الإنسانية وقعت في الانفصال، أصبح هناك انفصال بين العقل والتحليل من جهة و الروح والحدس والإيمان من جهة أخرى، انفصال بين الروح والجسد، انفصال بين الفرد وغيره ونسيان لوحدة المصير الإنساني فحدث الصراع، انفصال بين الذكر والأنثى بفعل قوالب المجتمع فأصبحوا قطبين مختلفين بعيدين رغم أن كل إنسان لديه طاقة ذكورية وطاقة أنثوية. وتطور الوعي الإنساني يستمر في إدراك هذا الانفصال كلما اتسعت رؤيته ويسعى لاستعادة االنزعة الكلية في الوعي بالذات والعالم والأرض والله.

لا تنكر نهال أن تطور الوعي بالشكل الذي تقصده يتم بشكل نخبوي، بل ضمن نخبة داخل النخبة، ولكنها ترى إشارات لخروج أفكار هذا الوعي إلى التيار السائد والجماهيري في ظواهر مثل انتشار النزعة الروحانية بين الأجيال الجديدة، صعود نجم كاتب يعتمد على هذه التيمة مثل باولو كويلو، زيادة الاتجاه إلى العلاج الروحي وتقنيات الطاقة الروحية.

أما عن نبوءات المايا، فهي تقول أن معظمها نبوءات متفائلة، فهي تشير إلى الاستمرار في إدارك الانفصال والشعور بالألم لذلك، وستتجه نخبة من الناس نحو تحقيق التناغم والانسجام. وبسبب مفهوم "التردد التوافقي"- المنقول عن الفيزياء - فإن تردد الطاقة الروحية لهولاء التخبة سيؤثر على تردد الباقين فإما يستجيبوا بفعل العدوى أو سينكسرون روحيا بسبب عدم قدرتهم على التوافق والانسجام وسيصبحون مجرد أجساد مادية وروحهم بلا فائدة، وهذا هو فقط الجزء الكارثي في النبوءة أن ثلث العالم سيحدث له ذلك، بينما ستسجيب الأغلبية. وعند تحقيق الوعي الإنساني للإحاطة والشمول تكتمل التجربة الإنسانية وتصل إلى منتهاها وهذا هو المعنى الروحي لنهاية العالم كما تعتقده، فالاكتمال انتهاء يشبه عودة آدم إلى الجنة. ولكنها في النهاية تقول أنها بشكل شخصي غير مهتمة بالمواعيد الدقيقة والأفكار حول نهاية العالم بقدر ما تهتم بالاتجاه العام الذي يسير فيه الوعي الإنساني وعليها أن تستجيب له وتفهمه وتعيش متوافقة معه دون أن تلعن شيئا أو تشعر أن شيئا ما هو عبث أو بلا معنى.
هناك كاريكاريتر شهير منشور على مواقع بعض من يتهمون تقويم المايا ونبوءته بالعبثية. الكاريكاتير يصور النقش الحجري الشهير على شكل دائرة والذي تتضمن العهود التسعة للتقويم من بداية الزمن لآخره، وأمامه واحد من المايا يسأل النحات الذي قام بالنقش: ولماذا سينتهي العالم في 2012؟ فيجيبه: لأن مساحة الحجر انتهت عند هذا التاريخ! مهما كان الأمر فلن ننتظر كثيرا لنعرف ماذا سيحدث بالضبط.


الصورة: نقش حجري من حضارة المايا يمثل تقويم الزمان وعهوده التسعة
نشر في "الشروق" الثلاثاء 29 ديسمبر 2009
PDF

المزيد