الجمعة، 1 يناير، 2010

خريطة عتيقة للزمان

النبوءات الروحية عن نهاية عالم وبداية آخر

التقويم الذي وضعته حضارة المايا القديمة، والذي ينتهي في 2012 قد يبدو لنا كمجرد خرافة فلكية ستنكشف قريبا. ولكنه عند العديد من الناس حول العالم، الذي قرروا أن يسلكوا طريقا روحيا مختلفا، هو تأريخ لتطور الوعي البشري وفق خطة إلهية للإنسان عليه التوافق معها، وللنهاية عندهم معنى مختلف عما نظن.

تبدو نهال عمران شديدة التفاؤل وهي ترى صور د.محمد البرادعي تتصدر الصفحات الأولى للصحف الخاصة مع أخبار الجدل حول إمكان ترشحه لانتخابات الرئاسة في 2011. للأمر معنى مختلف عندها ولتفاؤلها بعد روحي ورؤية للعالم تعتقدها. تقول نهال أن ترشحه غير المتوقع يتفق مع ما تعتقده من أن الفترة من الآن وحتى انتخابات الرئاسة القادمة ستكون متزامنة مع نقلة كبيرة للوعي الإنساني في مصر والعالم كله. مصدر اعتقادها المتفائل يرجع لاهتمامها بنبوءات حضارة "المايا" المعتمدة على تقويمهم المختلف للتاريخ Mayan Calendar والذي ينتهي عند عام 2012 ! قد يبدو ذلك غامضا ومتناقضا لنا ونحن نقرأ ونسمع عن النبوءات والحسابات الفلكية المختلفة التي تتنبأ في تلك السنة بـ"نهاية العالم" أي دماره وفنائه، وهي الفكرة التي يمثلها الفيلم الأمريكي "2012" الموجود حاليا في صالات العرض. ولكن للنبوءة معنى مختلف عند نهال والكثيرين من المهتمين بتقويم المايا حول العالم.

يؤرخ لبداية حضارة المايا في عام 2000 قبل الميلاد، بينما كان ذروة ازدهارها في الفترة بين أعوام 250 م وحتى 900 م في منطقة أمريكا الوسطى التي تشمل الآن دول المكسيك وجواتيمالا وهندوراس والسلفادور. ومن بين إسهامات عديدة لا تزال تذكر بها هذه الحضارة في الفن والعمارة، تحتل الرياضيات وعلوم الفلك مكانة مميزة. طورت حضارة المايا عدد من التقويمات للزمن، شملت تقويمات مادية تعتمد على دورة الشمس، مثل التقويم السنوي الجريجوري أو الميلادي الحالي، بالإضافة لتقويمات أخرى ذات أساس روحي، ولكن أشهرهم هو التقويم الكلي لمجمل الزمان والذي يؤرخ لبدايته في ينتهي في 2012م.

يؤرخ هذا التقويم للوعي الإنساني وتطوره واتساعه ويقسمه إلى 9 عهود، كل عهد يحتوى على 13 فترة تمثل 7 أيام و6 ليال. مدة اليوم والليلة تختلف من زمن لآخر فهي أيام وليال رمزية تمثل مراحل النور والظلام أو التبصر والغفلة المتتالية وتمثل مراحل جزئية لتطور الوعي الإنساني واتساعه. زمن العهود يتناقص تدريجيا بما يشير إلى تقلص الوقت الذي يستغرقه الوعي لإحداث نقلة فارقة وتسارع ذلك كلما تقدم الزمن. فالعهد الأول وهوعهد الواحدات البسيطة والذي استمر من خلق العالم أو "الانفجار الكبير" وحتى ظهور أول الحيوانات 14 بليون سنة، بينما استغرق العهد الثاني أو عهد الثدييات الممتد حتى ظهور أول القردة 850 مليون سنة، ويستمر التناقص عبر العهد العائلي ثم العهد القبلي ثم عهد الثقافات والأقاليم ثم عهد الأمم والقوميات ثم العهد الكوكبي( منذ عام 1743والممتد لـ 256 عاما) ثم عهد المجرة (الذي بدأ عام 1999 ويستمر 13 سنة حتى 2011) ثم العهد الكوني الكلي والذي يستغرق أقل من عام وينتهي في ديسمبر 2012.

تقول نهال: "كل تقويم هو اكتشاف لدورة ما في الكون، وتقويم المايا اكتشف بحسابات ما متتالية هندسية تمثل تطور الوعي البشري. وتقسيمه للعهود كان موفقا ومتسقا مع التاريخ بالفعل. كما أنه اهتم بوضع القيم السائدة في كل عهد التي تمثل تيمة لهذا الزمان وتمثل تفسيرا كليا لمسار الإنسانية".
القيم التي مثلت تطور وعي الإنسانية وفق تقويم المايا هي أولا الفعل ورد الفعل في العهد الأول، رد الفعل المتزامن في العهد الثاني، رد الفعل المتزامن من جانب الأفراد في العهد الثالث، إدراك الاختلافات والتشابهات في العهد القبلي، قيمة العقل في عهد الثقافات والأقاليم، قيمة القانون في عهد الأمم والقوميات، قيمة السلطة والقوة في العهد الكوكبي، وقيمة الأخلاق في عهد المجرة الذي نعيشه الآن، والذي يتبعه العهد الكوني النهائي حيث يصل الوعي الإنساني ويصل إلى ما يسميه التقويم "الخلق المشترك" إشارة إلى القدرة العظيمة والمتسارعة لإبداع الإنسان وخلقه للجديد ثم يلي ذلك لحظة اكتمال الخلق مع وصول الإنسان إلى الوعي الأوسع وهي اللحظة التي يشهد تفسير معناها اختلاف كبير بين مفسري التقويم.

التقسيم الدقيق لتقويم المايا اعتمادا على نصوص ونقوش حضارة المايا، قام به باحثون متعددون أشهرهم الأمريكي إيان لانجولد، المفسر الأساسي للتقويم المعروف، والباحث السويدي كارل كولمان، صاحب العديد من الكتب والمحاضرات عن تقويم المايا وعلاقته بالتطورات المعاصرة لعالمنا.
بعض مدونات المهتمين بتقويم المايا اعتبرت انتخاب أوباما بـ" طموحه الأخلاقي" المتجاوز لأوهام القوة والسلطة الباطشة - كما تجلت عند سابقه بوش - تأكيدا لأن الأخلاق هي قيمة هذا العهد. فيما يرى كولمان أن الأزمة لاقتصادية العالمية اكتشاف للمشكلة الأخلاقية وراء النظام المالي العالمي. نهال أيضا ترى أن الانتشار الكبير لمفاهيم حقوق الإنسان ومظاهر العولمة وسهولة الاتصالات والزواج المختلط بين الأعراق المختلفة والدور المتزايد للهيئات الدولية مؤشر على الوعي الذي يتسع بوحدة الإنسانية ومصيرها الواحد.
تقول نهال أن شعرت أول تعرفها على هذا التقويم منذ 15 عاما أنه مجرد خزعبلات واستغربت اعتقاد الناس فيه. الاعتقاد في أهمية التقويم يسود بين المعلمين الروحيين والمعالجين بالطاقة الروحية، الذي يجدون انتشارا متزايدا في العالم وإن كان بشكل أبطا في مصر. ولا يزال العدد القليل منهم هنا من الأجانب، ولقاءاتهم وجلساتهم تتم باللغة الإنجليزية ويحضرها أفراد من الشرائح العليا من الطبقة الوسطى في مراكز أو مقرات في أحيائهم الأرقى مثل الزمالك أو المعادي. يهتم هؤلاء المعالجون والمعلمون بالتقويم القائم على تطور الوعي لاتساقه مع تقنيات العلاج الروحي التي تسعى لتحقيق التوافق والانسجام عند المتعبين من الانفصال الداخلي بين العقل والروح أو بين الروح والجسد أوالانفصال بين الأفراد والمسبب لصراعهم وتوترهم.
"الانسجام بين نية الإنسان وسعيه ووعيه وبين الخطة الإلهية للعالم أو القدر هو أهم مميزات تقويم المايا وهو معنى العلاج الروحي" ولذلك السبب تطور اهتمام نهال عمران بالتقويم والأفكار المرتبطة به :"لم تتعارض هذه الافكار مع شواهد من الأديان و العلم و الملاحظة و فلسفات متعددة . العلم فى أرقى صوره ينظر للكون باندهاش و تواضع و يتحدث عن الغيب و المجهول أكثر ما يتحدث عن التأكيد و الثقة".

بعد فترة من التواصل مع معلمات روحيات يستخدمن تقنيات مختلفة مثل الرقص أو الإنشاد. تتواصل الآن مع ليزلي زيهر، المعلمة الألمانية التي تدير مركزا للصحة الروحية للنساء في الزمالك، يفتح أبوابه أحيانا للرجال. والجلسات المشتركة تشمل تدريب على التأمل مع دراسة المعاني الروحية للأرقام والتواريخ اعتمادا على تقويم المايا بالأساس. وفي الجلسات الخاصة بالنساء هناك تدريبات خاصة بالرقص وغيره من أجل استكشاف الطاقة الأنثوية. وكل فترة يستضيف المركز متحدث في الروحانيات من أماكن واتجاهات مختلفة.
تعمل نهال عمران في المجتمع المدني ومهتمة بالنشاط في مجال المرأة والجندر وتعتقد أن اقترابها من مجال "المعرفة الكلية والروحية" كما تسميه وسّع إدراكها فيما يخص قضايا المرأة والجندر. فكما تقول أن الأفكار الروحية المعتمدة على تقويم المايا ترى أن الإنسانية وقعت في الانفصال، أصبح هناك انفصال بين العقل والتحليل من جهة و الروح والحدس والإيمان من جهة أخرى، انفصال بين الروح والجسد، انفصال بين الفرد وغيره ونسيان لوحدة المصير الإنساني فحدث الصراع، انفصال بين الذكر والأنثى بفعل قوالب المجتمع فأصبحوا قطبين مختلفين بعيدين رغم أن كل إنسان لديه طاقة ذكورية وطاقة أنثوية. وتطور الوعي الإنساني يستمر في إدراك هذا الانفصال كلما اتسعت رؤيته ويسعى لاستعادة االنزعة الكلية في الوعي بالذات والعالم والأرض والله.

لا تنكر نهال أن تطور الوعي بالشكل الذي تقصده يتم بشكل نخبوي، بل ضمن نخبة داخل النخبة، ولكنها ترى إشارات لخروج أفكار هذا الوعي إلى التيار السائد والجماهيري في ظواهر مثل انتشار النزعة الروحانية بين الأجيال الجديدة، صعود نجم كاتب يعتمد على هذه التيمة مثل باولو كويلو، زيادة الاتجاه إلى العلاج الروحي وتقنيات الطاقة الروحية.

أما عن نبوءات المايا، فهي تقول أن معظمها نبوءات متفائلة، فهي تشير إلى الاستمرار في إدارك الانفصال والشعور بالألم لذلك، وستتجه نخبة من الناس نحو تحقيق التناغم والانسجام. وبسبب مفهوم "التردد التوافقي"- المنقول عن الفيزياء - فإن تردد الطاقة الروحية لهولاء التخبة سيؤثر على تردد الباقين فإما يستجيبوا بفعل العدوى أو سينكسرون روحيا بسبب عدم قدرتهم على التوافق والانسجام وسيصبحون مجرد أجساد مادية وروحهم بلا فائدة، وهذا هو فقط الجزء الكارثي في النبوءة أن ثلث العالم سيحدث له ذلك، بينما ستسجيب الأغلبية. وعند تحقيق الوعي الإنساني للإحاطة والشمول تكتمل التجربة الإنسانية وتصل إلى منتهاها وهذا هو المعنى الروحي لنهاية العالم كما تعتقده، فالاكتمال انتهاء يشبه عودة آدم إلى الجنة. ولكنها في النهاية تقول أنها بشكل شخصي غير مهتمة بالمواعيد الدقيقة والأفكار حول نهاية العالم بقدر ما تهتم بالاتجاه العام الذي يسير فيه الوعي الإنساني وعليها أن تستجيب له وتفهمه وتعيش متوافقة معه دون أن تلعن شيئا أو تشعر أن شيئا ما هو عبث أو بلا معنى.
هناك كاريكاريتر شهير منشور على مواقع بعض من يتهمون تقويم المايا ونبوءته بالعبثية. الكاريكاتير يصور النقش الحجري الشهير على شكل دائرة والذي تتضمن العهود التسعة للتقويم من بداية الزمن لآخره، وأمامه واحد من المايا يسأل النحات الذي قام بالنقش: ولماذا سينتهي العالم في 2012؟ فيجيبه: لأن مساحة الحجر انتهت عند هذا التاريخ! مهما كان الأمر فلن ننتظر كثيرا لنعرف ماذا سيحدث بالضبط.


الصورة: نقش حجري من حضارة المايا يمثل تقويم الزمان وعهوده التسعة
نشر في "الشروق" الثلاثاء 29 ديسمبر 2009
PDF

هناك تعليقان (2):

  1. احمد ابو تركى - المرازيق -كفر تركى

    ردحذف
  2. المرازيق المركزية المقطم المنتديات المياه النجم الشعبي النشاط الطلابي النقاب النوبة النيابة الهجرة الداخلية الهضبة الهوية الوطنية باولو كويلو بلطجة بورسعيد تاريخ تامر حسني تران

    ردحذف