الثلاثاء، 29 ديسمبر، 2009

الفن علاجا


ممارسة الإبداع جزء فعال من عملية العلاج النفسي وهي أيضا جانب مهم من الصحة النفسية التي تساعد كل الناس، أصحاء أو مرضى، على أن يعيشوا حياة متسعة وغنية، مرنة ومتوازنة.

على خشبة المسرح النفسي

يجلس "البطل" وحده في مواجهة زملائه الذين سيكونون "الجمهور" وبعضهم سي
كون "ممثلا مساعدا". يقوم "المخرج" ببدء عصف ذهني بالتحاور مع البطل حول شأن يخصه ويطلب من الجمهور أن يحاوره أيضا حول نفس الأمر. أول ما يحتدم النقاش يأمر المخرج أحد الجالسين في مقاعد الجمهور أن يقوم ليلعب دورا ما متعلق بالبطل: أبوه أو أمه أو أخوه أو صديقه أو خطيبته. يرتجل الممثلون والبطل تفاصيل المشاهد التي يقترحها المخرج ويدفعها باتجاه معين. يلعب يالإضاءة أوتغير أماكن الممثلين أو يعلن عن موت أحدهم أو غياب آخ. يطالبهم بعقد علاقات وصلات أو تمثيل حالات معينة أو تخيل أحداث معينة ويترك المشاهد تتوالي وتتصاعد ويحاول أن يتخطى الزمان والمكان باستحضار الماضي أوالقفز للمستقبل، استدعاء الأموات أو الغائبين، تجسيد الأفكار والرغبات في أشخاص يتكلمون ويحاورون البطل. يصل الأمر غالبا لذروة انفعالية حين يعبر مشهد ما عن وجه مؤلم أو قاسي أو كاشف عن مشكلة البطل أو أزمته بعد أن قلبّتها مشاهد مختلفة على أوجه متعددة. ينهي المخرج المسرحية الارتجالية عندما درجة معينة ويدير نقاشا هادئيا بين كل الحاضرين حول الأمر قبل أن يتفرق الجميع.
المخرج هو د.خليل فاضل والمسرح هو غرفة "السيكودراما" في عيادته الخاصة والحضور الذي يتناوبون على أداء دور البطل والممثلين المساعدين والجمهور هم زوار عيادته ممن يقصدونه للعلاج من متاعب نفسية يمرون بها.
منذ 9 سنوات يستخدم د.خليل فاضل في موعد أسبوعي ثابت أسلوب "السيكودراما"، الذي يسمى أيضا "المسرح النفسي العلاجي". وهو الأسلوب الذي ابتكره جاكوب مارينو، الطبيب النفسي الأمريكي من أصل نمساوي، في الأربعينات واستخدمه أولا لمعالجة جنود شاركوا في الحرب العالمية الثانية. وهو يعتمد على المزج بين فن المسرح وبين أسلوب العلاج الجماعي الذي يقوم فيه المعالج بإدارة مجموعة من المتعالجين الذين يشاركون بعضهم البعض بمشاكلهم وهمومهم ومتاعبهم.
يتم التحضير لجلسة السيكودراما بالإحماء، حيث يجلس المشاركون في حلقة يعرفون أنفسهم سريعا ويذكرون ما يحضر على ذهنهم من المواقف والأحداث أو آخر ما مروا به الأسبوع الماضي بشكل عام أو ما هو متعلق بمشكلتهم الأساسية. يقوم كل واحد بذلك ويختار من يتكلم بعده سواء يعرفه أو لا، يلقي إليه بكرة خيط يظل طرفها عند المعالج/ المخرج، وإن لم تكن موجودة يتخيل المشاركون وجودها ويمثلون تسليمها إلى بعضهم البعض ويسملها آخرهم إلى المعالج مرة أخرى. ومن الحكايات والبوح يحدد المعالج -الذي يعرف خليفات كل مشارك - من سيكون البطل هذه الليلة، ليأخذ دوره في مواجهة الباقين وتبدأ الدراما.
يقول د.خليل فاضل: "تعتمد السيكودراما على تكثيف اللحظة وحرق المراحل، فهي تساعد على سرعة علاج مشكلات نفسية قد تستغرق سنوات طويلة إذا تم علاجها بالأدوية فقط أو بالجلسات التقليدية. في السيكودراما نستدعي الماضي أوالمستقبل. أونستحصر مشاهد من الحاضر ولكن بعد تأطيرها أو وضعها في إطار جديد فالمشارك يتفاعل مع شخصيات وأحداث بشكل مكثف وليس كما يحدث في الواقع".
السيكودراما إحدى أشكال العلاج بالتعبير وهي تعتمد على أحد مبدأين. أولهما أن الأداء والتعبير الفني له تأثيرات صحية وأن له دورا في التعافي وهو ينطبق أكثر على العلاج بالفنون المختلفة Art therapy، وثانيهما أن التعبير الفني فيه مجاز ورمزية يتيحان تعبيرا وتواصلا لا تتيحه اللغة العادية والتواصل العادي. والسيكورداما تعتمد بعض الشيء على المبدأ الأول لكنها أقرب للاعتماد على المبدأ الثاني.
ينصح د.خليل فاضل بجلسات "السيكودراما" عملاء عيادته ممن يشكون من إعاقة اجتماعية ما أو مشكلتهم تتعلق بالتواصل مع الناس والمجتمع. وهذا يشمل ممن يعانون من مشاكل أسرية أو مشاكل زوجية أو اضطرابات في الشخصية أو الإدمان وربما بعض المرضى العقليين إن كانت حالتهم تسمح ويمكنهم التواصل مع آخرين. ولكن د.خليل فاضل يوضح: " فائدة جلسة السيكودراما لا تتوقف على البطل الذي تدور المشاهد حول مشكلته، فهي أيضا تعطي كل فرد الفرصة أن يلعب أدوارا مختلفة لا يؤديها في الحقيقة، وأن ينظر للمشاكل من زويا مختلفة، أن يرى غيره يفصح عن مشكلته بصراحة وبلا خوف ويمثلها أمامه قبل أن يأتي دوره هو أيضا ليفعل ذلك. واحد ممن كتبوا عن السيكودراما قال أنها: فضح متبادل".
أحيانا ما يتماهي شاب يشكو في الأصل من انطوائيته مع دور شاب جريء متمرس في "غواية" الفتيات، أو أن ينفعل شخص متدين ليتوجه بحديثه إلى الله.
"لا تابوهات في جلسات السيكودراما" يقول د.خليل "لكن أحيانا ما أحول مسار الدراما لوشعرت أن المشاركين يفتعلون "مخرجا ثقافيا" لمشاكلهم الشخصية, فأحيانا ما كادت تتحول الجلسات إلى ندوات سياسية تشكو أوضاع البلد وسوء الخدمات والفساد وغير ذلك. وقد يكون ذلك من الحيل الدفاعية النفسية التي نتهرب خلالها من مواجهة مشاكلنا المباشرة".
ولكن بالتأكيد، المشكلات الشخصية المتكررة والتي تظهر عند "أبطال" جلسات السيكودراما تعد مؤشرا على مشكلات اجتماعية. يخص د.خليل منها مشكلة علاقة الآباء والأبناء. ويعتبر أكبر المشكلات تكمن فيما يسميه "الإخصاء" الذي يمارسه بعض الآباء ضد أبناءهم الذين يفشلون في التمرد عليهم إلا بعد إصابتهم بمتاعب نفسية: "أتعجب من شباب تجاوزوا الثلاثين ويعانون من أن آبائهم لا زالوا يتحكمون في تفاصيل حياتهم، ليس فقط مكان السكن والزوجة والعمل، بل حتى ماركة البنطلون !".
المشاكل بين الزوجين والمشاكل المتعلقة بالجنس وحالات القلق الديني والأفكار التي تخشى الإعلان في الحياة العادة تجد متنفسا في السيكودراما.
في إحدى الجلسات أفصح أحد الشباب أنه يشعر بمتعة شديدة عند تناول البيرة في نهار رمضان، ورغم انتقاد الآخرين له إلا أنه دخل معهم في جدل صريح بلا خوف أو خجل من نفسه. وفي أخرى أثناء نقاش حول سلوك البنات والشرف وقفت فتاة غير متزوجة لتصرخ في الجميع: "أنا لست عذراء! عاوزين حاجة؟" وتبوح للآخرين بتجربتها بكل قوة، ولم يقم أحد من زملائها بوصمها أو الابتعاد عنها بعد ذلك. لكن د.خليل يقول أن بعض الآباء من المشاركين أصيبوا بالذعر من ذلك وبدأوا في التقرب من بناتهم ومحاولة التعرف على حياتهم بشكل أقرب.
يتعلم المشاركون مرة بعد مرة القدرة على الدفاع عن وجهة نظرهم أو الاعتراف بأخطائهم بشجاعة ولكن تظل فائدة السيكودراما الأهم كما يقول د.خليل فاضل أن المشاركين من خلال وضع أنفسهم في أدوار مختلفة أو التعاطف مع البطل يتعلمون ألا يحكموا على الناس من خلال منظورهم الخاص فقط.



من نافذة الخيال تدخل الصحة النفسية

يفتح نافذته صباحا فيجد وردة بلدي حمراء ! يتعجب لأنه يسكن في الدور العاشر. يلقى بنظره إلى الشجرة التي تستقر أسفل العمارة فيجد أن فرعا بعينه امتد وطال حتى وصل إليه بالوردة وكأنه يقصده تحديدا. يقص الوردة ويضعها في كوب ماء بسكر، يتناول ساندوتش جبنة رومي، يرتدي ملابسه على مهل. ينزل فيكتشف أن ربع ساعة فقط تبقت على موعد عمله، ولكنه يجد أكثر من ميكروباص متجهين إلى التحرير يقفون لإشارته، أحدهم يفتح له الباب ويخبر الباقين:"خلاص، الأستاذ معايا". يجلس مستريحا على مقعد وحده لا يزاحمه فيه أحد. يفاجئه أن السائق يعطيه زجاجة مياه غازية. يشربها ويفكر أنه سيعطيه ثمنها فوق الأجرة. وهو ينزل يحاول فعل ذلك فيقسم السائق أنه لن يأخذ إلا الأجرة المقررة وأن المياه الغازية "عزومة" وتحية. يدخل إلى عمله فيكتشف أنه تأخر عشر دقائق، يعتذر لمديره فيتقبل اعتذاره في ود، يدخل إلى زملائه الذين يخبروه أن المدير لم يغضب لأنهم قاموا بدلا منه بكتابة الأوراق المطلوبة على الفور. يجلس مطمئنا ويؤدي عمله وفي نهاية اليوم يرحل في موعده. وأول ما ينزل يجد نفس السائق ينتظره بالميكروباص لكي يعيده إلى بيته ويقول له أنه أحبه "لله في لله".
يحكي محمد مهدي، مدرب الدراما العلاجية في دار الصحة النفسية بالمقطم، أن هذا المشهد تخيله ومثّله أحد المرضى في إحدى الجلسات عندما طلب منه أن يتخيل يوما من أجمل أيام الدنيا: "لقد ضحكنا معا على المفارقات وبكينا معا على بساطة الحلم والخيال وجماله وإبداعه في الوقت نفسه".
بين الكوميديا والمرح واللعب والعبث من جانب والاندماج الذي يصل بالمجموعة أحيانا إلى البكاء تمضي جلسات الدراما في دار الصحة النفسية - الشهيرة باسم مستشفى الرخاوي. يوضح د. محمد الرخاوي، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة ومدير المستشفى، أن الدراما العلاجية كما يقدمونها هي أحد أشكال العلاج بالفن لكنها تختلف عن "السيكودراما". فالأخيرة تقلب في جذور المشكلة النفسية لدى المريض وتجعلها تبرز على السطح في قوة وسرعة، وهي مسئولية كبيرة ويجب أن يكون هناك دائما معالج نفسي شديد الخبرة واليقظة لكي يتعامل مع ذلك بشكل مناسب. ويضيف :"ولكن في الدراما العلاجية Drama therapy فنحن ببساطة نلعب وننمي أنفسنا. نحن نعالج لا بالتوجه نحو المشكلة ولكن بالصحة النفسية، نمارس السلوك الصحي وندعه يستبعد السلوك المرضيّ".
الدراما هي الفن الأقرب للحياة اليومية. كما أنه يمكن أن يشمل داخلة فنون الأداء جميعها، الأداء الصوتي والحركية، يمكن أن يشتمل على موسيقى وغناء ورقص. ولذلك يتحيز د. الرخاوي للدراما كنشاط مفيد للصحة النفسية لأي إنسان وليس المرضى فقط. فالتمثيل يوفر مهارات مطلوبة للتكيف في الحياة، أهمها إن يتمكن كل إنسان من لعب أدوار مختلفة ولا يتصلب أو يتقولب في دور واحد.
يقول د. الرخاوي :"عندما تقف في الطابور، ربما تحتاج عدة أدوار، مرة دور القوي الغضوب حين يريد أحدهم أن يأخذ دورك، دور المتعاطف إن وجدت سيدة عجوز متعبة من الوقوف وتطلب أن تأخذ دورك، ربما تلعب دور التفاوضي مع آخر. أن تؤدي دورا واحدا في كل الحالات فهذا هو التصلب في قالب واحد، والقدرة على لعب أدوار مختلفة هذا ما نسميه المرونة وهي من علامات الصحة النفسية".
في إحدى تمارين جلسة الدراما، يأمر المدرب محمد مهدي كل مشارك أن يسير على سجادة حمراء مرة كأنه وزير ومرة كأنه رجل أعمال ومرة كأنه ممثلة جميلة مشهورة ومرة كبطل رياضي. يقول مهدي: "في كل حالة هو فقط يتقمص حالة ويعيش شعورا لا يعيشه في الواقع. كما أن جسده يتشكل مع كل حالة وهي خبرة مختلفة".
تشكل الجسد بأسلوب غير معتاد في حياة الفرد، هي فكرة العلاج بالرقص الذي يمارسه البعض بمعزل عن الدراما، فالاعتقاد وراء هذا الأسلوب من العلاج أن الخبرة الجديدة للجسد تجعل الشخص يجرب جانبا من أسلوب حياة جديد غير معتاد بالنسبة له.
يقول محمد مهدي:" أيضا في مثل هذه التمرين يبدأ المريض يشعر كيف أن الوقفة والنظرة واللفتة تدل على الحضور والهوية فيبدأ في الاهتمام بهذا ويعتني بذاته وحضوره وصورته".
مزج الدراما بالموسيقى والغناء أيضا يضفيان أجياء مرحة وممتعة على جلسات الدراما، وقد يكون لها دورها العلاجي. "الغناء فيه تنظيم للنفس وإخراج للطاقة وانفتاح للذات على الخارج فهي تؤدي وتستعرض، عكس الحالة المرضية من بطء أو تسارع النفس أو الميل للانسحاب إلى الداخل".
ممارسة التمثيل تخرج المريض من عزلته أوانسحابه وتجعله منفتحا على الآخرين، كما أنها فرصة لتفريغ الكوامن المكبوتة التي نقعمها داخلنا. فبعض الأشخاص الملتزمين قد يجد فرصة لعيش خبرة جديدة تتعلق برغبات مقموعة لديه مثل أن يؤدي دور شخص يغازل فتاة أو يمثل شخصية رئيس عصابة. "أوجه شخصياتنا التي أخفيت عن الآخرين تحفى علينا نحن أيضا" ولذلك يري د. الرخاوي أن "التمثيل يعطينا الفرصة لإعلاء صوت أجزاء من أنفسنا لا نعترف بها ولا نتحملها، وفي الوقت نفسه يتم استيعابها في المساحة الآمنة للعب الدرامي. ومن خلال التعبير عن هذه الجوانب التي لا نعيشها، ويعيشها آخرون، نكتشف إنسانيتنا المشتركة ونتحلى بالفهم والتعاطف مع بعضنا البعض".
الدراما أيضا تمنحنا فرصة إعادة تمثيل أدارنا في الحياة ولكن مع "مسافة" ما. "موازنة المسافة أو ضبطها من أهم المهارات النفسية الصحية المطلوبة" يشرح د.الرخاوي: "بعض الناس تندمج في مشكلتها تماما أو في مشكلة غيرها وتغرق فيها، والبعض الآخر يضع مسافة كبيرة بينه وبين مشكلته أو مشكلة غيره فيتعامل بتبلد وبرود. في التمثيل يتعلم الممثل أن يكون متقمصا ومعايشا ولكن ليس مبالغا أو Over وهذه المسافة الجمالية المطلوبة في الفن هي المسافة الصحية المطلوبة في الحياة".



ألوان جديدة للحياة

يقفا
ن على طرفي غشاء شفاف، بالتبادل يمسك كلا منهما بالألوان ويبدأ في "شفّ" صورة الآخر على اللوحة الشفافة بيهما. ولأنه لا يمكن أن يظلا يحدقان في بعضهما البعض بلا كلام يبدآن في تجاذب أطراف الحديث، ثم الابتسامات والقهقهات. وشيئا فشيئا تتوطد صداقة وعلاقة بدأت بتأمل كل منهما للآخر.
هذه اللعبة ابتكرها محمد عبلة، الفنان التشكيلي، وسماها "تجربة التفاعل" وسجلها باسمه كأحد أساليب العلاج بالرسم. ويذكرها تحديدا ليقول أن العلاج بالفن دائما فيه مساحة مشتركة لفائدة الجميع وليس فقط المرضى النفسيين،فهو يطبقها أيضا في ورش لمن لا يعانون من أي متاعب نفسية بغرض الحصول على ميزات التفاعل والتواصل من خلال اللعب والفن.
عقب تخرجه من كلية الفنون الجميلة وأثناء دراسته للفن في سويسرا، بدأ محمد عبلة الاهتمام بالمساحة المشتركة بين علم النفس والفن، والتحق بمعهد "يونج" ودرس به ثم افتتح بالاشتراك مع طبيبة نفسية سويسرية عيادة للعلاج بالرسم: "كان الأطباء والمعالجون يحولون إلينا الحالات المستعصية التي وجدوا صعوبة بالغة في التعامل معها، وكنا بخلافهم لا نهتم بتحليل العقدة أو المشكلة ولكن نستخدم الرسم كنشاط يعطي المريض لغة جديدة يتواصل بها مع نفسه ومع العالم ويساعده على أن يكون أكثر قدرة وقوة على مواجهة مشكلته بنفسه".
يرى عبلة إن المعالج بالرسم يجب أن يكون مختلفا عن الطبيب النفسي الذي يتعامل مع المشكلة وعن مدرب الرسم الذي يركز على التقنيات الفنية، فعلى خلافهما يجب أن يلتقط الإشارات فيما يرسمه المريض ويوجهه شيئا فشيئا لكي يكون شكلا يكون ذا معنى له وليس مجرد شخبطة وأن يخرجه من حالة تكرار الخطوط والإصرار على تفاصيل محددة والميل لألوان بعينها إلى حالة من المرونة والتنوع والتوازن.
ولكن بعض الحالات المميزة تعبر بوضوح وبشكل صارخ عن مشكلتها. يحكي محمد عبلة إن إحدى الحالات المميزة التي تعامل معها كان مدرسا للتاريخ بالمرحلة الثانوية وكانت حالته متردية جدا وعندما بدأ جلسات العلاج بالرسم كان يرسم دائما زنزانة بألوان قاتمة ويرسم نفسه جالسا داخلها أو مشنوقا في سقفها، كان تعبيره واضحا عن إحساسه بأنه محبوس في إطار حياة نمطي ومكرر وأن هذه الفكرة تسيطر عليه، لم يناقشه في مشكلته ولكنه اقترح عليه أن يرسم الزنزانة ولكن بلا قضبان حديدية في منافذها، وفي مرة لاحقة أخفى عبلة الألوان القاتمة، فبدت اللوحة وكأنها لغرفة عادية، ومرة فمرة بدأ المدرس يكتشف أنه يرسم أشياء مختلفة. ربما أعجبه التنوع الممكن من خلال الرسم واكتشف فيه متنفسا لأنه أخبر محمد عبلة أنه اشتري لوحة وألوانا وبدأ في الاهتمام بالرسم بشكل كبير وساعده ذلك على تحسن حالته رغم أنه استمر في نفس الحياة ونفس الوظيفة.
"الاغتراب عن الجمال والانغماس في حياة روتينية نؤدي فيها مهام نمطية ونجمع أموالا ننفقها على أنفسنا وأولادنا ليدوروا هم أيضا في نفس الحلقة هو مصدر للمرض النفسي" هكذا ترى نجلاء صالح، الأخصائية النفسية المسئولة عن العلاج بالعمل اليدوي الفني في دار الصحة النفسية. "هذه الحياة تفرض تنميطا على شخصياتنا وبعض المرض النفسي هو شكل من الاختلاف ولكنه اختلاف سلبي وليس إيجابي ولذلك يتم احتوائه من خلال الأعمال الفنية".
يقوم المرضى في المستشفى بإنتاج أعمال فنية بسيطة مثل تشكيل الخشب أو صنع لوحة بالرمل الملون أو الموزايك. وترى نجلاء أن أهم ما في الأمر أن يتعلموا أن كل إنسان قادر على إنتاج الجمال وليس فقط قادرا على إنهاء عمل روتيني بمقايس ومعايير مفروضة يرضي بها الناس، كما أنه يتذوف متعة أن يبدع شيئا يحبه هو ويعجبه هو. المريض النفسي يكون مغتربا عن فكرة الجمال حتى في مظهره الشخصي، وعندما ينفتح عليها يبدأ في الاهتمام بجمال ذاته ويعتني عموما بنفسه".
تتنوع جلسات العلاج بالعمل اليدوي بين الاهتمام بتنمية مهارات ذات طابع فردي وأخرى ذات طابع اجتماعي، فتبدأ الجلسات بشكل فردي لكي يكتشف كل مريض ذاته ويؤمن أنه قادر إلى الإنجاز بنفسه ولكي يتعلم أن يتبع إحساسه ويقوم بالأشياء بشكل يرضيه. وفي الجزء الجماعي تنمو مهاراته الاجتماعية ويتدرب على أن يعمل في مجموعة ويرى نفسه جزء من كل.
تقول نجلاء صالح: " العمل اليدوي الفني نفسه ينمي بعض المهارات التي تساعد على التكيف والتواصل الاجتماعي، فإنجاز اللوحة يتطلب إدراك الوحدة الكلية وأجزائها. فيتعلم أن يرى مشكلته كجزء من مشاكل أو أنها مقسمة إلى مشاكل يمكنها أن يتعامل معها واحدة واحدة. وأن يرى نفسه جزء من مجتمع عليه أن يفهمه ويتاصل معه ولكنه أيضا جزء متميز له هويته. كما أن متعة إنجاز العمل الفني تخرج المريض من حالة الخمود والتراخي وتنمي لديه المثابرة والإقبال على العمل والحياة".



إعادة تنظيم

تتفاوت مجالات الإبداع في تضمنها لمهارات وقدرات معينة تثري النفس الإنسانية وتساعدها على التمتع بالصحة أو تدعمها من أجل التعافي. ولكن كل أشكال العلاج بالفنون تشترك في أنها تتضمن اعتقادا بأن الإبداع في حد ذاته جزء من الصحة النفسية كما أنه أحد طرق مواجهة الحياة.
يقول د.محمد الرخاوي، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، أن سلوكنا في الحياة ينقسم إلى اتباع وإبداع. وبنوع من الاختزال يمكن أن نقول أن اختلاف المريض النفسي تعبير عن حالة إبداع مجهضة بمعنى ما. فالمبدع بشكل عام هو من ينجح في ابتكار تنظيم جديد ومختلف لشيء ما، لكن المريض فكك عناصر حياته من حوله ولم يعد يراها مثلما يراها باقي الناس من حوله، ولكنه أيضا لم ينجح في إعادة ترتيبها في نظام جديد يرى به الأشياء.
أحد جوانب الفاعلية في العلاج بالفن أن المريض يتذوق أشكال إبداعية غير مجهضة بل وثرية، وأيضا يمارس وينجز أعمال إبداعية. كما أن معظم الأعمال الإبداعية تتطلب أن يترك الإنسان تقوقعه داخل ذاته ويتوجه إلى العالم من حوله وإلى الآخرين لينفتح عليهم ويتأملهم ويتفاعل معهم. تنمي بعض أشكال العلاج بالفن مهارات حيايتة، فالدراما من خلال لعب الأدوار تنمي المرونة والقدرة على تنوع الاستجابات، بينما ينشط العلاج بحفظ الشعر الذاكرة ويضبط الإيقاع، وكذلك تفعل الموسيقى، الغناء بما فيه من أداء واستعراض ينمي الحضور الشخصي ويقضي على الانسحاب والتقوقع. الأشغال الفنية اليدوية تنمي التآزر الحركي البصري، كما ينمي العلاج بالرقص الإحساس بالجسد وقدرته على التعبير وتنبه المريض على الانتباه لجسده لأنه عنوان هويته الشخصية وأن إشاراته لها معان وتعبر عن دوره أو رغباته أو انفعالاته المختلفة. هناك أيضا اتجاهات حديثة تطور أشكال من العلاج عن طريق الكتابة وخاصة تدوين اليوميات، فمن خلالها نعيد تنظيم الأحداث والأفكار داخل اللغة وأثناء الكتابة وبعدها نعيد تأمل ذاتنا وسلوكنا وحياتنا والتفكير فيهم.


نشر في "الشروق" 27 ديسمبر 2009
PDF
الصور:
1- شباب يؤدون تجربة "التفاعل بالرسم" التي ابتكرها الفنان محمد عبلة
2- د.خليل فاضل في تجربة سيكودراما تعليمية مع طلاب من الجامعة الأمريكية
3- محمد عبلة يشترك في أداء تجربة التفاعل بالرسم

هناك 5 تعليقات:

  1. كلام جميل
    ولكن هل هو
    صحيح لكل المجتمعات
    الغنية أو الفــقيرة!

    ردحذف
  2. أهلا نورا
    هناك اعتقاد أنه لا يلجأ للعلاج النفسي في مراحل متقدمة من معاناة المتاعب إلا طبقات وفئات اجتماعية بعينها.

    ولكن في الوقت نفسه لا أعتقد أن التكاليف باهظة فهناك من يذهبون إلى عيادة خليل فاضل أو مستشفى الرخاوي ممن ينتمون إلى فئات اجتماعية لا يبدو عليها الثراء الشديد.

    ولكن أهم ما أراه أن تخلل أي نشاط فني للحياة يدعم الصحة النفسية ويجعلنا أقدر على مواجهة مشكلات الحياة.

    هذا النشاط الفني قد يكون عزفا على آلة أو اهتماما بالرسم أو الشعر أو التمثيل ولو على سبيل اللعب، وقد يكون التفنن في التطريز أو حتى رقص البنات في المناسبات أو بدون مناسبة، وغير ذلك.

    ردحذف
  3. اشكر لك أهتمامك
    بالرد فهذا شىء
    أحترمه وأقدره
    فى المدونات
    وللمدون.
    شكراً

    ردحذف
  4. ممتاز انا فعلا استفدت الكثير بجد عرض رائع وشيق

    ردحذف
  5. هل يجوز العلاج دة مع الفئات الخاصة

    ردحذف