الأحد، 14 نوفمبر، 2010

فك سحر التكنولوجيا الفائقة


هشام عبد العزيز، من خبراء الصيانة في شارع عبد العزيز- تصوير: لبنى طارق

هناك عالم وسيط من التجار والخبراء الشعبيين يتشكل في منتصف المسافة بين قطاع واسع من الجمهور المستهلك للتكنولوجيا من جهة وبين منتجيها ومسوقيها وخبراء صيانتها من جهة أخرى. ذلك العالم ليس مجرد تقليد أو مستوى أقل من الجودة والخدمة بل يمثل صورة أخرى للحياة مع التكنولوجيا.

لمسة شعبية
هناك سبب ما يدفع البعض إلى شراء موبايل من فاترينة في شارع عبد العزيز بدلا من شراءه من الفرع الأنيق للشركة الكبيرة لتسويق الأجهزة على بعد خطوات، وأيضا الذهاب إلى أسطى الصيانة في الدكان المجاور بدلا من مركز الصيانة المعتمد.
التكنولوجيا بالأساس أدوات للحياة ونمط استهلاكها أسلوب يعكس أمزجة واحتياجات مختلفة. البعض يفضل أن يشتري ويتلقى الخدمة هو يشعر ببعض الغموض والرهبة والتواضع أمام الكيان الكبير وأمام البائع الخبير الذي يستخدم الإنجليزية كلما أمكن ذلك والبعض يفضل أن يشتري من بائع أقرب إليه ينطق مثله أسماء الماركات والتقنيات مع بعض التحريف الشعبي المتفق عليه بينهما.
إنتاج واستهلاك المعرفة والتكنولوجيا ليس إلا نمطا من التواصل في رأي الفيلسوف الألماني هابرماس، يقوم على مشاركة طريقة التفكير والحياة.
من يشتري سماعات الموبايل الرخيصة من شارع عبد العزيز ليس مهتما بالنقاء البالغ الذي سيمكنه من الانتباه الدقيق إلى نبضات الكونترباص في مقطوعة كلاسيكية أو صوت البيز جيتار في أغنية روك. يرى جاك أيلول في "خدعة التكنولوجيا" أن المنافسة تدفع صناع التقنية إلى مستويات من الجودة قد لا نحتاجها جميعا. ولذلك كانت "النسخة هي مفتاح لغز الصين" كما يرى الناقد والتر بنيامين. عبر صناعة النسخة المقلدة يقف صانع آخر مبدع أيضا يمتلك معرفة أعمق بالأداة وهو ينسخها وفي الوقت نفسه يلبي مستوى آخر من الاحتياجات يعرفه جيدا، وفي النهاية كل إبداع فيه بعض المحاكاة مع لمسة من التغيير.
اللمسة السحرية للتكنولوجيا تغير من طريقة حياتنا بأشكال مختلفة. البعض يذهب إلى ما هو أبعد ويدخل في علاقة أكثر حميمية معها. نحن لا ننتبه إلى الآلة ونحن نستخدمها، هي تقفز بنا من احتياجنا إلى الإشباع. وأنا أمسك الموبايل لا أفكر فيه بل أفكر أني أتكلم مع فلان، ولكني أنتبه وأفكر في الموبايل إن حدث خلل في الصوت أو تعطل. يتحدث الفيلسوف الألماني هايدجر عن الوعي بالأداة الذي يحدث عندما تصبح عائقا بين الاحتياج والإشباع. هذا نفسه ما يتحدث عنه هشام إسماعيل نجم الصيانة في شارع عبد العزيز عندما يقول أنه يتعلم بالأساس من الأجهزة التالفة. الانتباه إلى حضورالأداة نفسها وليس فقط ما تفعله لنا هو ما يتحدث عنه هايدجر كوعي حقيقي وأصيل بالتكنولوجيا وهو ما يقول طارق أحمد، صاحب السايبر في الوراق، أنه ما غير حياته.
الإحساس بالأجهزة الذي يتحدث عنه محمد جمعه في محله الصغير في إمبابة هو "الخبرة الأولية" التي يتحدث عنها فلاسفة معاصرون يرون أن التقنية وليدة التفاعل الحي بالحواس ومحاولة حل المشكلات وأنها مصدر المعرفة النظرية لا العكس كما كان يعتقد فلاسفة اليونان. التقنية وخاصة عالمها الخلفي يثبت على الدوام كما يقول فيلسوف التكنوولجيا جون إد أن "البشر صناع مبدعون”. والعلاقة بينهم وبين الأدوات تعكس طبيعة مجتمعهم أو تدفعه للتغيير، فكما يقول ماركس: “أعطتنا طاحونة اليد مجتمعا إقطاعيا وأعطتنا ماكينة البخار مجتمعا رأسماليا صناعيا".

تجربة وأسطى وكشكول ملاحظات

مخاطرة وإحساس وإقناع

اقرأ بعناية ما يظهر أمامك .. تتغير حياتك

عن القطار الذي لن يمر في شارع عبد العزيز



نشر في "الشروق" الخميس 11 نوفمبر 2010
PDF

المزيد