الأحد، 29 نوفمبر، 2009

إشارة إلى السماء وإشهار وجود



في الساحة المحيطة بمسجد عمرو بن العاص يتجول مجموعة من المصورين الهواة يجربون الكادرات المختلفة ويتأملون تفاصيل المسجد. يلاحظ أحدهم وهو يصوب كاميرته إلى المئذنة أن شكلها وتفاصيلها مختلفين عن طراز باقي تفاصيل المسجد. يتعجب جدا عندما يعرف أن مسجد عمرو بن العاص أول ما بنى كان خاليا تماما من المآذن.
رغم أن المساجد لم تعرف المئذنة إلا في العصر الأموي، إلا أنها أصبحت تفصيلة متوقعة مرتبطة بكل مسجد كبير خاصة لو كان عتيقا، فضلا عن اعتبارها أحد رموز للإسلام وحضارته في كتابات مؤرخين كثر ومتخصصون في الفن الإسلامي، وبعضهم جعلها الرمز الأهم كما فعل جوناثان بلوم ، أستاذ الفن الإسلامي في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة وصاحب كتاب "المئذنة: رمز الإسلام" Minaret: Symbol of Islam.
الثابت تاريخيا أن المساجد في عهد النبي والخلفاء الأربعة الراشدين ظلت بسيطة في تصميمها وبلا مآذن. وكان المؤذنون يرتقون سطح المسجد لإعلان الأذان. والمسجد الذي بناه عمرو بن العاص في الفسطاط في عهد الخليفة عمر بن الخطاب كان كذلك. وفي العصر الأموي عندما بدأت تظهر ملامح "الامبراطورية الإسلامية" وبدأت المساجد تنتشر في المدن سواء التي أصبحت حواضر إسلامية أو تلك الجديدة المفتوحة التي لا يزال أهلها يدينون بغير الإسلام. في المدن الأولى بدأ الترف والتفنن في بناء البيوت والقصور فأصبحت هناك حاجة لتمييز المسجد، وفي المدن المفتوحة لا تزال الكنائس بأبراجها أو الأعمدة الرومانية والبيزنطية أو المسلات الفرعونية التي شيدت لتخليد ذكرى الانتصارات بالإضافة أيضا لأبراج وثنية أقامتها بعض الشعوب الآسيوية رمزا للقداسة والألوهية، ويبدو أن انطباع العظمة والعلو كان لابد وأن ينتقل إلى عمارة المساجد اتساقا مع التوسع الكبير للدولة الإسلامية والإعلان عن هيمنة الدين الجديد.
يناقش جوناثان بلوم في كتابه "المئذنة رمز الإسلام" الأصول التاريخية للمئذنة. ويرجح أن أول شكل للمآذن هو الشكل المربع الذي أطلق عليه المسلمون الصوامع وبني في المسجد الأموي في دمشق على أنقاض أبراج معبد روماني وثني. وهوالشكل نفسه الذي انتقل إلى مصر في العهد الأموي، عندما أمر معاوية بن أي سفيان واليه في مصر ببناء أربعة صوامع مربعة في أركان جامع عمرو، وبدأ المؤذنون يرتقون هذه الصوامع لإشهار الأذان.
في العصر العباسي كان تطور المدن الإسلامية قد بلغ مرحلة أخرى، فأصبحت المآذن العالية المتقدمة في تقنيات بناءها وجمالياتها دالا على مكانة المسجد الذي بدأ يتبلور كمؤسسة دينية ذات سلطة وكمركز للمدينة ورمز لحضور الخلافة الإسلامية الممتدة.
شهدت العصور اللاحقة تطورا كبيرا في المآذن التي تنوعت وتشكلت في حوار مع الثقافات والبيئات المحلية. ويروي د.ثروت عكاشة في كتابه "القيم الجمالية في العمارة الإسلامية" قصة تطور المآذن المصرية من الطراز الشامي المربع للصوامع إلى أشكال متعددة، حتى استقرت على الطرازين المملوكي ثم العثماني. ولا تزال مآذن القاهرة القديمة أبرز ما يميز المساجد عما حولها من مبان.
تحولت وظيفة المئذنة عبر العصور، فكانت مكانا لرفع الأذان أو الإعلان عن الأخبار الهامة، كما أنها كانت منارة للمدينة كلها عندما توضع القناديل في شرفتها العلوية، وحديثا بالأضواء الكهربائية والزينات في أثناء الأعياد والمناسبات الدينية والموالد.ولذلك تسمى المئذنة أيضا "منارة" وانتقل ذلك إلى اللغات اللاتينية لتصبح Minaret.
غير أن وظيفتها الجمالية والرمزية ظلت الأهم وتسبب ذلك في بعض المعارك على مر التاريخ. يركز الباحثون المسلمون عادة على المعنى الجمالي الممتزج بالرموز الروحية والدينية، فيرى شريف شاه عبد الرحمن، رئيس منظمة الثقافة الإسلامية في أسبانيا في محاضرة له بعنوان "المئذنة، رمز حضارة" أن أهمية المئذنة تنبع من كونها رمزا لمركز المجتمع المسلم الذي يقوم بالنداء من أعلى في إشارة إلى الاتجاه إلى الله والدعوة إليه. الباحثون الغربيون لديهم خلفيتهم التي تجعلهم يناقشون معنى "السلطة" و"الهيمنة" في المئذنة، حيث يروي جوناثان بلوم الوقائع التاريخية لتحول أبراج كنائس في أوروبا إلى مآذن بعد احتلالها من قبل الجيوش العثمانية، وبالمثل تتحول المآذن إلى أبراج كنائس في أسبانيا بعد استعادة الممالك المسيحية للسلطة فيها. ربما لهذا السبب لا يزال بعض الأوروبيين يرون في المئذنة رمز اختراق وهيمنة الغزاة رغم انقضاء القرون، ولكن بلوم يرى أنه بعد زوال عهد هذه الحروب الدينية في أوروبا وانتشار الإسلام في أنحاء العالم بعيدا عن السلطة، فإن دلالة المآذن تحولت إلى رمز لهذا الانتشار والحضورعلى مستوى العالم.



الصوت والنفوذ


أحيانا ما يحدث أن يبدأ الأذان في الإذاعة أو مسجد مجاور، فيترك الشيخ حمدي محله فورا ويدخل مسرعا إلى المسجد الصغير الملاصق لمحله في نفس العمارة بمنطقة الوراق. يتجه مباشرة إلى المنبر ويفتح كوة فيه تستقر فيه أجهزة الصوت فيفتح الميكروفون ويقف باتجاه القبلة، يرفع كفيه إلى أذنيه ويبدأ أذانه الذي يخرج محشرجا من مكبر الصوت الموضوع في شرفة آخر طابق بالعمارة، ليتداخل مع صوت أذانين آخرين في مسجدين مجاورين.
يبتسم الشيخ حمدي- هكذا يطلق عليه الجميع في المنطقة- ويقول أنه أحيانا ما يتأخر بسبب الوقت الذي أصبح يمر سريعا بلا بركة فلا يشعر إلا ووقت الأذان قد حل، ولكنه يؤكد أنه ملتزم بالأذان من أكثر من عشرين سنة، منذ افتتح محله في هذه البناية وتولى متطوعا رعاية المسجد وإقامة الأذان وإحيانا إمامة المصلين إن لم يكن هناك رجل يفوقه علما ودراية بالقرآن.
يسمع الشيخ حمدي عن مشروع توحيد الآذان الذي أعلنت وزارة الأوقاف أوائل الشهر أنها نتهت من التجهيزات الفنية له وأنها بصدد تجريبه في 4000 مسجد في القاهرة ولكنه يمتعض غاضبا: "عاوزين يحرموا كل الناس دي من الخير. النبي قال أن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة. ينفع يبقى مصر كلها فيها مؤذن واحد. طيب المؤذنين اللي بياكلوا عيش يروحوا فين؟".
بالنسبة للشيخ حمدي فالأمر حرمان من الخير، ولكن بالنسبة لوزارة الأوقاف هو تنظيم لفوضى مكبرات الصوت التي انتشرت في القاهرة. المساجد الأهلية تنتشر تحت العمارات كمكان متواضع لإقامة الصلاة. ولأنه لا مئذنة عالية لها، فإنها تعلن عن وجودها بمكبر صوت فوق أعلى مكان في البناية أو في بناية مجاورة. الشيخ حمدي يرى في ذلك إعلانا لكلمات الله ونداء حي على الصلاة. ولكن البعض له رأي آخر. أحمد نبيه الذي يسكن على بعد عمارتين من "مسجد الشيخ حمدي" كما يطلق عليه في سخرية من سيطرته عليه، منزعج جدا من سيطرته على المسجد، فبخلاف صوته غير الجميل أحيانا ما يقرر أن "يربي" أهل المنطقة: "أحيانا عندما تكون هناك مباراة هامة ويزدحم المقهى الموجود في الشارع بالشباب ويحين وقت صلاة العشاء. يترك الشيخ حمدي الميكروفون المؤدي إلى مكبر الصوت الخارجي مفتوحا ويذيع على الهواء مباشرة صلاة العشاء كإنذار ووعيد للشباب اللاهي على المقهى أو القابعين في منازلهم أمام التليفزيون".
يبدو أن "سلطة الصوت" هي ما تبقى للمساجد الصغيرة بعد أن انزوت في أسفل البيوت بينما ترتفع المساجد الجامعة الكبيرة بقبابها ومآذنها لتعلن عن وجودها المميز. ولكن حتى تلك الأخيرة لم يعد المؤذن يرتقي سلم المئذنة الحلزوني ليصعد إلى شرفتها العلوية ويرفع صوته بالأذان. بل أصبح مكبر الصوت هو الذي يصعد لمرة واحدة ويستقر فوق المئذنة. تعدد المساجد وتجاورها أصبح سمة تؤدي فيما بعد إلى صراع مكبرات الصوت لينتهي الأذان أحيانا إلى ضوضاء غير مفهومة.
يحتج الشيخ حمدي بأن تعدد المؤذنين في المنطقة الواحدة خير. وأنه ضمانة لأن يرتفع الأذان حتى لو نسى أحدهم! وأن التداخل يحدث في مناطق قليلة فيها مساجد كثيرة، ويرى أن سبب هذه "الخطط" هي "ضيق بعض الذين في قلوبهم مرض" -على حد تعبيره- من ارتفاع الأذان والقرآن، ولكنهم في الوقت نفسه لا يعترضون أبدا على أصوت أفراح الشوارع التي تتركها الشرطة تزعج الناس وتقلق راحتهم في أوقات متأخرة من الليل. يضيف: "خايف ييجي يوم ينظموا فيه بناء المآذن كمان". ويستطرد أن أهل الخير هم الذين يهتمون بان تكون كلمة الله هي العليا مهما كانت القيود الحكومية. ويضرب مثالا لذلك بالمسجد الكبير في الوراق المجاور لكنيسة كبيرة، ويقول أنه لا يصح في دولة إسلامية أن يكون برج الكنيسة هو الأعلى ولذلك تحدى أهل الخير من الموسرين تراخيص البناءوقاموا ببناء مئذنة كبيرة أعلى من برج الكنيسة.
الشيخ حمدي ليس وحده من يعتقد أن للمئذنة وطولها في مقابل وجود برج الكنيسة وطوله بعدا رمزيا. وربما كان هذا سبب المشكلات حول بناء الكنائس في أحياء شعبية وقرى في القاهرة والمحافظات- خاصة في الصعيد. فيبدو أن الطابع المميز للكنيسة وأبراجها يشعر بعض "المسلمين المتعصبين" بأنه نوع من الهيمنة الرمزية والحضور المكثف. هل هذا التوجس هو نفسه ما يعبر عنه المتطرفون اليمينيون في أوروبا المعارضون لبناء المساجد أو وجود المآذن؟


ضمن ملف عن المآذن في يوم الاستفتاء السويسري حول السماخ ببناء مآذن للمساجد أو حظرها.
تصوير: محمد حسن
المزيد

الجمعة، 13 نوفمبر، 2009

سهرة سماعي


"سمّيعة الطرب" الذين لا يضيرهم الاستماع فرادي إلى موسيقاهم المفضلة ، تتضاعف متعتهم عندما يجتمعون حول اسطوانة قديمة تقاوم الزمن تداعبها إبرة جرامافون لا يزال طلاؤه الذهبي يلمع وينطلق بوقه باللحن القديم زاهيا.

يقلب د. محمد الباز في مجموعات الاسطوانات المتناثرة في أرجاء الصالون إلى أن يجد اسطوانة بعينها، يضعها في أحد أجهزة الجرامافون الكثيرة الموزعة في الأركان. يخرج إبرة جديدة من كيس مجاور للجرامافون ويثبتها فيه. يلف الزنبلك بيده لثوان، قبل أن يضع الإبرة على سطح الاسطوانة التي بدأت تدور.
"يا صحبة الورد النادية، الكون ده مخلوق علشانك. ابتسمي للدنيا الزاهية، وفتحي قبل أوانك" ينطلق صوت ليلى مراد هادئا وناصعا، ومتسقا مع ديكور الصالون والأثاث الكلاسيكي وأجهزة الراديو ذات الطراز القديم وقطع السجاد اليدوي الفنية المعلقة على الحائط والأغلفة الصفراء المتناثرة التي تحفظ الاسطوانات الكبيرة العتيقة، التي توقف د. محمد الباز مؤقتا عن تقليبه فيها بحثا عن شيء آخر وهو يستقبل ضيوفه ويرحب بهم ويشدد على خدمه التزام الحذر وهم ينقلون بعض الاسطونات: "كأنها من زجاج".
الليلة هو موعد لقاء مجموعة منتقاة من "السميعة" الذين اجتمع شملهم من خلال منتدى "سماعي" على الإنترنت، ثم بدأوا التواصل وجها لوجه والتلاقي كل فترة في سهرة تتنوع بين السماع والنقاش حول الموسيقى التراثية أو أحاديث الذكريات، وأصبح منزل د. الباز بأجوائه المميزة مكانا مفضلا للقاءاتهم.
يجلس ياسين سعيد، الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين بعد ويعبر عن سعادته الدائمة بالقدوم إلى فيلا د.محمد الباز، الطبيب وأستاذ طب الأطفال في جامعة الزقازيق، والاستمتاع بأجواء الطرب وسط "كبار السميعة". يرحب ياسين بمحمد الآلاتي، الملحن والناقد الموسيقى الذي يبدو في الأربعينات من عمره. ويحييان معا المهندس محمد رؤوف المسيري الذي يبدو أكبر قليلا ويخاطبونه باسمه الذي يعرف به في المنتدى :"الباشا". المهندس رؤوف، بالإضافة لكونه "سميعا قديما"، فهو خبير في تكنولوجيا المعلومات وواحد من المجموعة القليلة التي أحيت المنتدى وقت افتتاحه عام 2005.
يرحبون جميعا بقدوم محمد أبو مندور ثم يفاجئون مضيفهم بحضور د. صالح عبد الفتاح أستاذ الفيزياء النووية بجامعة القاهرة الذي قد يفضل في هذا المقام لقبا آخر: "الحبر الكلثومي" فهو واحد من أشهر سميعة "أم كلثوم" بشكل خاص ويحفظ عن ظهر قلب التاريخ الفني لأم كلثوم بما في ذلك تواريخ حفلاتها وماذا غنت في كل منهم.
كانت اسطوانة ليلى مراد قد انتهت، فوضع د.محمد الباز شريط بَكَر Reel في مشغل هذا النوع من الشرائط، والذي كان التطور السابق على الكاسيت، وطلب من الجميع الاستماع إلى ذلك التسجيل لأغنية "يا اللي كان يشجيك أنيني" والتركيز على الختام المميز للأغنية مع كلمة "دموعي" التي تفيض لوعة وشجنا. يحلل محمد الآلاتي هذه اللفتة الموسيقية، بينما يتناقش د.صالح ود.الباز حول عدد المرات التي غنت فيها أم كلثوم هذه الأغنية وتاريخ هذا التسجيل.
يعلق ياسين: "المرة الأولى التي اطلعت فيها على نقاشات المنتدى استغربت هذا الاهتمام بالتسجيلات المختلفة والفروق بينهما. كلهم في النهاية أغنية "يا اللي كان يشجيك أنيني"، ما الفرق؟ ولكن بعد فترة علمت أن هناك فروق فنية لا يلاحظها إلا السمّيع، مثل إعادتها لمقاطع أو صولوهات لآلات معينة وأيضا ارتجالاتها المختلفة خارج اللجن المكتوب". يتدخل د. صالح: "في إحدى الحفلات بعد أن هموا بإنزال الستار استجابت أم كلثوم لطلب الحضور وأعادت مقاطع من آخر أغنية يتصريفات وارتجالات لا مثيل لها لم تغنها من قبل. مثل هذا الإبداع ليس متاحا في كل تسجيل فهو لم يكتبه الملحن في النوتة ولم تتدرب عليه الفرقة في البروفات ولكنهم يلاحقون أم كلثوم ويحاولون مجاراتها".
لدى د.صالح أرشيفا لكل حفلات أم كلثوم بتواريخها وأسماء المذيعين الذين قدموها بل وأرقام الاسطوانات المتاحة منها في مكتبة الإذاعة المصرية التي لم يدخلها أبدا! يحكي أنه بدأ في الاتصال بالإذاعة والسؤال عن أرقام الاسطوانات لكي يدونها، واستغربوا ذلك في البداية ولكنه كون صداقات بين مهندسي الإذاعة وعندما أنهى تسجيل أرقام الاسطوانات أصبحوا يرجعون إليه أحيانا لسرعة الوصول إلى أرقام الاسطوانات مع معلومات عن الحفلة وأغانيها، وفي أوائل الثمانينات كانت الإذاعة تعلن أن فقرة أم كلثوم من إعداد واختيار د. صالح عبد الفتاح.
في منتدى "سماعي" وجد صالح عبد الفتاح احتفاء باهتمامه البالغ بتاريخ أم كلثوم، كما أنه وجد مشاركين له في هذا الاهتمام لدرجة أن المنتدى يحتوى على تسجيلات لا توجد عند الإذاعة المصرية أو أنها مفقودة وتالفة أو لا تذاع بسبب سوء حالتها.

مجلس الطرب الافتراضي
منتدى "سماعي"، الذي يعد الآن أكبر منتدى موسيقى عربي على الإنترنت ويتجاوز عدد الأعضاء المسجلين به 470 ألف عضو، كان نقطة التقاء مهتمين بالموسيقى العربية التراثية من مختلف الأعمار والأماكن. ورغم أن مؤسسيه كانوا ثلاثة: محمد الزمنطر من تونس وأحمد المسلمي من اليمن ومحمد حسان من مصر، إلا أن الحضور المصري الأكثر كثافة واضح في المنتدى. وهم يظنون أنهم في الغالب المجموعة الأكثر تواصلا في الواقع، بالإضافة لمجموعة أخرى في المغرب، ويحكي محمد الآلاتي أن أول لقاء موسع لـ"سميعة المنتدى" كان في مقهى البستان بوسط القاهرة في أغسطس 2007 وحضر إليه أعضاء من المحافظات المختلفة، ثم بدأوا لقاءات غير دورية في منزل د.محمد الباز.
يحكي د. الباز أنه كان يمارس وحده هوايته في جمع الاسطوانات والشرائط القديمة وأجهزة تشغيلها إلى أن تعرف على م.رؤوف عبر المنتدى، والذي علمه كيفية تحويل هذه التسجيلات النادرة إلى صيغة الكترونية ووضعها في المنتدى ومشاركتها مع الآخرين ممن يفعلون الشيء نفسه ليجد هو أيضا تسجيلات لم يكن على علم بها. يقول د.محمد: "قبل ذلك كان المصدر الوحيد للتسجيلات والاسطوانات هم تجار الأنتيكات الذين يشترون هذه الأشياء من البيوت والقصور ثم يبيعونها للهواة.
هؤلاء التجار، قبل ذيوع المنتديات، كانوا إحدى حلقات الوصل بين الهواة. وعن طريقهم تعرف هواة لاقتناء التسجيلات على د.محمد الباز ومنهم من حضر خصيصا من بلاد أخرى ليكمل مجموعته أو يستمع إلى تسجيل نادر. يذكر ياسين د.الباز بالشيخ خالد من قطر الذي زاره خصيصا من أجل بعض الاسطوانات النادرة التي لديه ثم يطلب منه تشغيل أغنية "يارفيع التاج" لمحمد عبد الوهاب. يضع د. الباز الاسطوانة وعندما تبدأ تنتعش ملامحه مع الأنغام ويقول: "كان محمد عبد الوهاب يقول أنه لا يستمتع بالسماع إلا وهو يشاهد الاسطوانة تدور أمامه".
يمدح محمد عبد الوهاب في الأغنية آل سعود. فيتطرق الحديث إلى ممالئة عمالقة الطرب للحكام ويؤكدون على أنهم يحبون فنهم وإبداعهم مهما كانت الملاحظات على سيرتهم الشخصية. يلقى د.الباز بملحوظة عن استبداد أم كلثوم وتسلطها أحيانا بعد شهرتها. يتفق معه مع بعض التحفظ د. صالح المتحيز لأم كلثوم دائما، بينما لا يجد ياسين، وهابيّ الهوى، غضاضة في ذلك ويؤكد :"لا أعتقد في هوايتنا حنين لعصر معين عشناه أو سيرة أشخاص، أنا لم أعش تلك الأيام ولا رأيتهم ولكن من يحب شيء ما يبحث عن الأصيل فيه".
يحكي ياسين عن كونه غريبا بعض الشيء بالنسبة لأقرانه من الشباب. فزملاؤه في العمل "ضبطوه" وهو ينقل إلى الكمبيوتر بعضا من مختاراته الموسيقية وظلوا يحدقون لفترة في بعض الأسماء: محمد أفندي صادق، عبد الحي حلمي، وعبد الرحيم حسنين ! وعندما طلبوا منه أن يشغل لهم أحدث ما عنده شغل لهم أغنية لمحمد ثروت! يتدخل م.رؤوف ليقول أن الأغاني الحديثة هي أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب في الستينات. يضحك الجميع ويذكر ياسين أن الحقبة الزمنية المفضلة لـ"الباشا" هي العشرينات والثلاثنيات التي شهدت بدايات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.
"اسمعوا دي" يعثر د.محمد فورا على اسطوانة قديمة تغني فيها أم كلثوم طقطوقة قديمة بأسلوب العشرينات: "الفل والياسمين والورد، عملوا سوا صحبة موضة - ويا الزهور دول ربطوا عهد، عايزين حبيبي في الأوضة". ويؤكد على أن لها أغاني قديمة جميلة غير معروفة للأجيال الجديدة ربما لأن كلماتها تحتاج لتوضيح، ويعلن عن أسفه أن تسجيلات قديمة كثيرة تندثر بسبب عدم الاهتمام بها من جانب المسئولين.

التشبث بالذاكرة
يحكي د. الباز عن تجربة له في دار الكتب المصرية في عهد رئيسها السابق. فقد تعرف عليه مصادفة، وعندما عرف د. الباز أن لديهم اسطوانات تحوي تسجيلات نادرة عرض أن يأتي بشكل منتظم إلى دار الكتب ويحضر معه جهاز تسجيل لكي ينقل محتوى الاسطوانات إلى صيغة الكترونية يسهل حفظها، فوافق. وعندما بدأ مهمته فوجيء بأن الاسطوانات مكومة فوق بعضها في المخازن، وأنها موضوعة في أغلفة خشنة تفسدها، وأن الموظفة المسئولة عن القسم منذ أكثر من 20 عاما لم تسمع أيا من كل هذه الاسطوانات ولم تشغل ولو مرة واحدة الجرامافون الموجود عندها ولو من باب حب الاستطلاع. واكتشف عندما كانت تساعده أنها تلقي بالاسطوانات في القمامة عندما تجدها مشروخة بدلا من محاولة إصلاحها! في الوقت الذي كان هو ينتشي لأنه يجد تسجيلا نادرا لبروفة للشيخ يوسف المنيلاوي مثلا. وفي النهاية اضطر لأن يتوقف عن هذا التطوع لأن بعض الموظفين شكوه للإدارة وقالوا أنه يسرب التسجيلات إلى خارج الدار!
يلتقط د.صالح طرف الكلام ليقول أنه متأكد أن هناك اسطوانات وتسجيلات تتلف في مكتبات الإذاعة ولا نسمع عنها في الوقت الذي خاطر مرة بحياته في سبيل تسجيل نادر! ويحكي أنه سمع مصادفة في إذاعة اسرائيل تسجيلا نادرا لإحدى أغنيات أم كلثوم، ولم يكن هذا التسجيل موجودا في الإذاعة المصرية ولا عندي أي من الهواة الذين يعرفهم، فترقب لشهور واستمع يوميا لبرنامج إذاعة اسرائيل صباحا ليعرف أي من أغاني أم كلثوم سيذاع مساء، وعندما أعلنوا عن بث الأغنية مرة أخرى، انطلق مساء بسيارته على طريق السويس ومعه جهاز تسجيل ببطاريات ليحصل على درجة نقاء عالية. وعند منطقة معينة توقف في الصحراء وترك نفسه للموسيقى إلى أن فوجيء بكشافات تخترق الظلام الذي حل وفوهات أسلحة تطرق على زجاج السيارة، فتأكد أولا من استمرار التسجيل ثم خرج إليهم ليعرف أنه توقف قرب منطقة عسكرية. وطبعا لم يتفهم كلامه المريب عن الأغنية و"إذاعة إسرائيل" إلا قيادات المنطقة من كبار الضباط فعاد إلى سيارته ليحمد الله أن التسجيل تم بنجاح.
تقترب الساعة من الحادية عشرة، وهو ما يعني موعد أغنية أم كلثوم في إذاعة الأغاني، فيفتح د. الباز الراديو وينصت هو ود. صالح إلى المدخل الموسيقى وبعد ثوان يخبره د. صالح باسم الأغنية وتاريخ الحلفة :"عندنا التسجيل ده" ويهزان رأسيهما باطمئنان ويغلق د.الباز الراديو ويأمر بالشاي ويضع اسطوانة "أصل اشتباكي مع المحبوب في هوايا" لصالح عبد الحي، ويستمر السماع وحديث الذكريات حتى منتصف الليل.


تصوير :محمد الميموني
نشر في "الشروق" الخميس 12 نوفمبر 2009
PDF

المزيد

اتجاه واحد إلى القاهرة


بعض عواصم الدول تحمل اسم الدولة نفسها، فلا مشكلة أن يسمى بعضنا القاهرة "مصر". لكن مشكلة كبيرة أن تكون مصر هي القاهرة، فتسافر إليها كل الأحلام والطموحات من كل المدن وتتركز فيها كل الفرص والتجارب.


في شركة الاتصالات التي تعمل بها شاهيناز عبد السلام، لاحظت الإدارة أن نسبة كبيرة من العاملين هم من مدينة الإسكندرية. الشركة هي فرع لمؤسسة دولية اختارت القاهرة عندما قررت الاستثمار في مصر. ولكن بسبب هذه النسبة الكبيرة من السكندريين فكرت الإدارة، كما تحكي شاهيناز، في افتتاح مكتب في الإسكندرية، وبدأت بالفعل في الاستفسار منها ومن زملائها السكندريين عن المستوى الاجتماعي في الإسكندرية والمستوى التعليمي لمدارسها وكلياتها. غير أن هذه الفكرة لم يكتب لها التنفيذ لأن الإدارة تراجعت عنها بعدما وجدت أن العديد من هؤلاء بدأ في الاستقرار في القاهرة أو رتب أموره لذلك بشكل دائم أو مؤقت، وبعضهم كان بالفعل غير منزعج من الإقامة في القاهرة بل ربما كان ذلك أفضل له من بعض الجوانب، مثل شاهيناز نفسها.
يصلح هذا الموقف كنموذج ولو محدود يشير إلى صعوبة تحديد المسئولية أو نقطة بداية المشكلة عندما نتحدث عن الحالة الصارخة لتركز الخدمات والأعمال والفرص والنشاط في القاهرة وحدها دونا عن باقي المدن المصرية، وبفارق كبير حتى عن الإسكندرية المدينة الكبرى العريقة. فالناس يلقون اللوم على الحكومة وأصحاب الأعمال لأنهم لا يوفرون خدمات ولا يغامرون باستثمارات كافية في المحافظات المختلفة بينما رجال الدولة مضطرون بشكل ما لزيادة الخدمات في العاصمة التي ينزح إليها الناس من كل مكان، ومن الطبيعي أيضا أن يفتتح المستثمرون أعمالهم وسط الجمهور الأكبر. من أولا: البيضة أم الدجاجة؟

هناك حالات مختلفة قد تشير بشكل ما إلى هذا الطرف أو ذلك ولكن لا يمكن حسم المسألة. ففي نفس الشركة التي تعمل بها شاهيناز هناك زميلتها هبة سامي التي انتقلت أسرتها بسبب عمل والدها من القاهرة إلى الإسكندرية للاستقرار هناك، ورغم أنها تفضل الحياة في الإسكندرية إلا أن كلتاهما الآن في القاهرة من أجل العمل.

شاهيناز تلائمها الحياة في القاهرة من بعض الجوانب، إلا أنها تعتقد أن تمركز الأعمال والأنشطة فيها سلبي وتلوم تخطيط الدولة بشكل أساسي: "أنا بالأساس متخصصة في الهندسة النووية وخريجة كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، كل المتخصصين في هذا المجال يعلمون أن المكان الأنسب لأي مفاعل نووي هو بجانب البحر. ولكن عندما فكرت في فرصة عمل أو تدريب في هذا المجال وجدت أن المفاعل الوحيد موجود في أنشاص". ورغم أن أنشاص تقع في محافظة الشرقية إلا أنها لا تبعد إلا 60 كيلومترا عن القاهرة، وتعتبر شاهيناز هذا دليلا على التفكير المفرط في المركزية لدى الدولة. غيرت شاهيناز تخصصها إلى مجال تكنولوجيا المعلومات ومن عام 2001 إلى 2005 تنقلت في الإسكندرية بين عدة أعمال وصفتها بأنها مؤقتة أو غير مجزية أو ليس لها مستقبل. معظم الشركات الكبرى أو الدولية تفتتح فروعها في القاهرة وفي مجال حديث مثل تكنولوجيا المعلومات كانت فرص العمل في الإسكندرية محدودة، ولذلك أتت إلى القاهرة.

عمل ونمط حياة
البحث عن فرصة عمل أفضل أو أي فرصة عمل متاحة هو الدافع الأول للانتقال إلى القاهرة، وتسارعت هذه الوتيرة في الستينات مع تركيز دولة الثروة على التصنيع والحاجة إلى الأيدي العاملة، ورغم أن مجالات الأعمال مثل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ذات طبيعة مختلفة ولا تتطلب التركز في أماكن بعينها، إلا أن القاهرة لا تزال تجتذب الاستثمارات ومقار الشركات الجديدة أو فروع الشركات العريقة، وبالتالي تتركز فرص الأعمال الجديدة فيها. وهو ما كان نفس السبب الذي أدى لانتقال هبة سامي من الإسكندرية إلى القاهرة. أسرة هبة كانت قد انتقلت إلى الإسكندرية بسبب عمل والدها مهندس الإلكترونيات في البحرية، ورغم أن الأسرة تأقلمت مع الحياة هناك وفضلوها عن القاهرة إلا أن الجيل الثاني من الأبناء قد ينتقل للاستقرار في القاهرة على غير رغبة منهم بسبب فرص العمل في تخصصاتهم غير المتوافرة في الإسكندرية.
أمر مشابه حدث مع أسرة بسمة طنطاوي، مهندسة الإلكترونيات. الأسرة كلها انتقلت إلى الإسماعيلية عام 1982 مع الوالد الطبيب الذي سيعمل في مستشفيات هيئة قناة السويس. ولكنهم عادوا إلى القاهرة قبل 3 سنوات بعد انتهاء عمل الوالد هناك. وبخلاف فرصة عمل بسمة، في شركة دولية للاتصالات لم تكن لتجدها فل الإسماعيلية، كانت هناك أسباب أخرى مثل الدراسة والمستوى المعيشي المختلف والحيوي. تقول السيدة سلمى راشد والدة بسمة: "قبل أن ننتقل كلنا كان الأولاد يدرسون في القاهرة بسبب عدم توفر التخصصات مثل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وبعض تخصصات الهندسة و لأن التخرج من كلية الهندسة جامعة عين شمس أفضل من جامعة إقليمية مثل جامعة قناة السويس".

تقول السيدة سلمى أيضا أن تطلع الأولاد إلى حياة أغني وأكثر تنوعا كان سببا، ورغم التقدم الكبير والنشاط الذي حدث في مدينة الإسماعيلية خلال فترة إقامتهم إلا أنهم طلوا طوال تلك الفترة يزورون القاهرة أسبوعيا للتسوق وشراء ما لا يتوفر هناك. تشير خاصة إلى الملابس وتقول أنه إلى وقت قريب كانت الملابس في الإسماعيلية بعيدة عن الموضة أو أذواقها لا تناسبهم بينما تحتاج البنات إلى معرفة الألوان الجديدة وأحدث الموضات. الترفيه والتمتع بألوان الثقافة والفنون غير متاحين إلا في أضيق الحدود في الإسماعيلية، وحتى عندما بدأت الفضائيات في الانتشار كان سعر الطبق اللاقط في الإسماعيلية أكثر من ضعفه في القاهرة وهناك بعض الكماليات الأخرى تضطر لزيارة القاهرة إلى شرائها.

التمتع بنمط نمط الحياة المتنوع والثري أو مستوى أفضل منه في رأي البعض هو أحد أسباب الكثيرين ممن ينتقلون إليها، أوعودة من كانت أمامهم فرصة الاستقرار خارجها في عمل ما.
ولكن يبدو أنه من الصعب مقاومة إغراء القاهرة خاصة بالنسبة للاجيال الجديدة المتطلعة للأفضل، وبالنسبة للأجيال الأكبر قد يكون البقاء وسط العائلة الكبيرة سببا إضافيا.

يرى البعض في ذلك نزوع للاستقرار في مكان المولد مع العائلة الكبيرة، وغياب روح المغامرة وارتياد الأماكن الجديدة وبدء حياة جديدة وتحمل خشونة العيش أوقلة الترف فيها حتى تزدهر، وتفضيل اللجوء إلى المدن الكبرى وحياتها الجاهزة، وذلك مقارنة بشعوب أخرى مثل الشعب الأمريكي. تعترض السيدة سلمى قائلة :"صحيح أننا مثل المصريين نفضل أن نكون بجانب الأهل وفي محيط اجتماعي حي، ولكننا عشنا هناك في الإسماعيلية أكثر من عشرين سنة، والتطور كان بطيئا جدا. وفي رأيي أن الدولة يجب أن توجه الاستثمار والتنمية أكثر إلى المدن الأخرى لتسرع من تطورها بدلا من تركز كل شيء في القاهرة".

مركزية موازية
ولكن حتى لوم الدولة قد تبعها وتركز في القاهرة بشكل ما. هكذا يرى مايكل نبيل، الناشط الشاب في حزب الجبهة الديمقراطية في أسيوط: "المركزية الحكومية سحبت معها المعارضة، معظم الحركة السياسية والحقوقية متركزة في القاهرة. الناشطين في الأقاليم معدودين جدا. وحتى مناقشة تأثيرات المركزية أصبحت بالنسبة لنا من الأمور المقتولة بحثا ونتعامل معها كأمر لا واقع لا يمكن أن يتغير إلا بتغير النظام السياسي كله".

قد يكون لذلك مميزاته بالنسبة لمايكل، فقلة عدد الكوادر وضعف المنافسة يسهلان ترقي الناشط السياسي في محافظته، وبالفعل بشكل أسهل وأسرع أصبح مايكل عضوا بالهيئة العليا للحزب. ولكن استمرار صعوده وترقيه يبدو مرتبطا بتواجده في القاهرة، وقد يكون ذلك أحد "الأسباب الشخصية" التي يقول مايكل أنها ستدفعه لتفضيل الحياة في القاهرة مستقبلا.

هذا كان أيضا حال شاهيناز عبد السلام التي حاولت أن تنشط مع حركة كفاية منذ 2004 في الإسكندرية ولكنها كانت تضطر للقدوم إلى القاهرة أسبوعيا لتشارك في أنشطة الحركة، وحتى عندما حاولت أن تتصل بالحركة الحقوقية في مدينتها فوجئت بالتراخي الكبير لفروع المنظمات في الإسكندرية: "كنت أذهب فأجد فروعهم مغلقة، أو أجد واحدا فقط في المكان يقول لي أنهم متوقفون في العمل. كل شيء يحدث فقط في القاهرة. وعندما كنا نتظاهر أحيانا في الإسكندرية كان الأمن يهددنا: سيحدث معكم مثلما يحدث في القاهرة لكن لا أحد سيسمع عنكم هنا !".

الأسباب الشخصية تمتزج بالعملية لتجعل الحياة في القاهرة أكثر جاذبية لكل أفراد "النخبة" السياسية أو الثقافية، سواء بسبب حالة "موت السياسة" في كل مكان باستثناء التمثيل الرمزي للاتجاهات والتيارات في العاصمة. وحتى جماعة مثل الإخوان المسلمين لديها قواعد كثيفة في المحافظات، يفضل شبابها ممن لديهم طموحات واسعة الانتقال إلى القاهرة. يقول محمد عبد الكريم، طالب الهندسة بجامعة الفيوم، والمتحدث الرسمي باسم طلبة الإخوان في الفيوم: "هناك أكثر من مجال لنشاط الإخوان معظمها نشط في المحافظات لوجود الكوادر بالإضافة للنواب البرلمانيين من كتلة الإخوان. لكن من أجل أن تعد نفسك ككادر سياسي وتتصل بالرموز السياسة في الجماعة عليك أن تذهب إلى القاهرة حيث الزخم والنشاط والحركة". يقول محمد أنه بشكل شخصي يجب قريته الصغيرة في الفيوم ويتمنى الحياة فيها لكنه سيضطر في النهاية لتركها إلى القاهرة إن لم يكن بسبب الطموح السسايسي فلكي يجد عملا جيدا كمهندس مدني وهو ما لن توفره له حركة البناء البطيئة في القرية وربما في الفيوم كلها.

النخبة الثقافية أيضا مركزة في القاهرة، القليل فقط من الأدباء والكتاب يظلون في مدنهم وقراهم. والأغلبية تنتقل بشكل دائم أو تأتي بانتظام من أجل عقد الصلات والعلاقات بالوسط الثقافي والصحفي ومن أجل فرص النشر ومتابعة الفاعليات. ربما كانت مصر البلد الوحيد التي يطلق فيها على الأدباء من خارج العاصمة "أدباء الأقاليم" في فاعليات رسمية !

منذ سنوات قليلة بدأت الإنترنت تقلل من حدة هذه الحالة، شباب كثر وجدوا فرصا أسهل للنشر والانتشار، ولكن الأمور لا تزال تسير في اتجاه واحد وعلى الأديب الشاب أن يتخذ من القاهرة مكانا لشهرته وتواجده، من الصعب أن يكون العكس. فمحمد أبو الفتوح غنيم، الصيدلاني المقيم في طنطا والشاعر الشاب، وجد فرصة للنشر مع دار نشر جديدة بدأت عملها بالنشر لمدونين تتعرف عليهم من مدوناتهم. اشترط غنيم أن توزع الدار ديوانه الأول في مدينته طنطا حيث محيطه الاجتماعي الأساسي، وتم الاتفاق على ذلك. ولكن يبدو أن التنفيذ كان عسيرا لأن الدار لم تقم بذلك وتسبب ذلك في خلاف كبير بينه وبين الناشر انتهت بسببه علاقتهما.

قبل ذلك الموقف كتب غنيم في مدونته تحت عنوان "مصر الطاردة" عن حالة المركزية الصارخة في مصر التي تجعل معظم المحافظات طاردة وقلة منها جاذبة، وقال أن ذلك أحد أسباب كون مصر كلها طادرة للكفاءات والمواهب والطموحات. فغنيم يرى أن الحالة التي تطرد الشباب من قراهم إلى المراكز ثم إلى المدن ثم إلى المدن الكبرى ثم إلى العاصمة، تجعل الخطوة الطبيعية القادمة هي طردهم خارج مصر.
المسار ذو الاتجاه الواحد إلى العاصمة كما يفرغ المدن والقرى "الطاردة" من الأحلام والطموحات فإنه يلقي بها في الزحام الذي يقتل كثيرا منها.


  • عكس الاتجاه مؤقتا

بعد عودته من السعودية ليبدأ دراسته الجامعية هنا، كانت درجات أحمد الشيخ تكفي ليدخل كلية الطب جامعة القاهرة. ولكنه فضل أن يذهب إلى كلية طب الأسنان بجامعة المنصورة وأن ينتقل إلى الحياة هناك طوال فترة دراسته من 2003 حتى هذه السنة حيث يبدأ الامتياز.

لدى أحمد الشيخ مبرراته لمثل هذا القرار الذي جعله يسير عكس الاتجاه:" مدن الخليج منظمة رغما عنها، وعندما أتيت هنا لم أحتمل القاهرة، القاهرة مدنية الفوضى المدمرة للأعصاب. كبيرها اللي فارد دراعه، الأعلى صوتا، الأكثر فهلوة، وأنا لم أعتد على ذلك. وفي نفس الوقت كانت أسرتي على وشك العودة إلى القاهرة وأنا أردت أن أستقل بحياتي بعيدا عنهم". اختار أحمد المنصورة لأنها قريبة من مسقط رأس أسرته في ميت غمر ولأن فيها عدد من أصدقائه كما أنها قريبة نسبيا من القاهرة.

ورغم أن أحمد الشيخ شاعر إلا أن مجتمع المثقفين في وسط البلد لم يعجبه ولم يغره: "بالعكس، هو أحد أسوأ الأشياء في القاهرة. مجتمع نرجسي وشوفيني. ومعظمه بلا علاقات إنسانية حقيقة. شعر طويل وتي شيرت جيفارا وزجاجة ستلا وكوفية فلسطين وكتاب رديء في السوق".

على خلاف ذلك يرى أحمد في المنصورة مدينة راقية ومبهجة. وهادئة غالبا وحتى زحامها منظم بالمقارنة بالقاهرة. ويقول أن بعض مقاهيها يجمع بين حميمة المقاهي البلدية في القاهرة وبين هدوء ورقي الكافيهات الحديثة.

ورغم كل هذا المديح فإن أحمد الشيخ يعبر عن أسفه من أنه سيضظر بعد انتهاء الدراسة وما يلحقها من امتياز وتكليف سيضطر للعودة للإقامة في القاهرة: "عندي شقة هناك، كما أنني لا أتوقع أن أجد عملا هنا. هناك عدد كبير من أطباء الأسنان في المنصورة، ولا مكان لطبيب جديد".

تجربة أحمد تتكرر بأشكال مختلفة تجعل الخروج من القاهرة فعلا مؤقتا ينتهي مع البحث عن عمل مناسب، أو يمكنه أن يصمد لجيل واحد إذا كان بسبب وظيفة ما في محافظة أخرى ولكن مع الجيل الثاني تعود الأسرة لتسير في الاتجاه المعتاد، وهو ماحدث مع أسرة بسمة طنطاوي.

فور أن انتهت فترة عمل الوالد في مستشفيات قناة السويس حتى عادت الأسرة إلى القاهرة مرة أخرى من أجل دخول الأبناء جامعات في القاهرة. تقول والدتها السيدة سلمى راشد:"رغم ذلك كانت تجربة جيدة وتصلح لكل أسرة صغيرة تبدأ حياتها. الحياة هناك سهلة والجو أكثر نظافة وهدوءا. البضاعة العادية رخيصة - باستثناء الأشياء المميزة والفاخرة أو الجديدة - والمدارس جيدة. بالمقارنة بالقاهرة كنت أشعر هناك أن اليوم 48 أو 72 ساعة. المشاوير لا تستهلك الوقت والأعصاب. حتى الآن نذهب إلى هناك فترات للاستجمام. ولا زلت أقطع الطريق إلى الإسماعيلية لاستخراج أوراق أو إنهاء إجراءات وأعود وقد يستغرق ذلك وقتا أقل من فعل ذلك في القاهرة ويحدث ذلك بشكل أسهل وأكثر بساطة".

يشير الباحث د. محمد على حسانين في دراسته عن الاتجاهات الجديدة للهجرة الداخلية أن عوامل الجذب في المناطق الجاذبة مثل القاهرة الكبرى ليست هي الأكثر حسما، ولكن عوامل الطرد في المناطق الطاردة هي الأكثر تأثيرا وتحريكا للهجرة الداخلية.

ويبدو أنه بسبب ذلك لا تصمد كثيرا إيجابيات الحياة في المدن الصغيرة أمام سلبياتها. فلاتصمد محاولات الهجرة العكسية بسبب ضرورات الحياة والبحث عن فرص عمل، أو بسبب تطلعات الأجيال الجديدة التي لا تستطيع أن تبعد نظرها عن بريق العاصمة والمستوى الاجتماعي المميز والحياة المتنوعة الثرية والخيارات المفتوحة. ويظل الخروج من القاهرة رهنا بفرص عمل مرتبطة بأماكن بعينها مثل العمل في السياحة أو القضاء أو التدريس في جامعات إقليمية أو ربما كنوع من البحث عن أجواء جديدة ملهمة مثلما يفعل بعض المثقفين والفنانين في بعض الأماكن منها قرية "تونس" في الفيوم.


  • مدينة المهاجرين

"إنت منين أصلا؟ " هو سؤال معتاد يوجه لكل ساكن للقاهرة، يفترض مسبقا أن قلة فقط هي التي ترجع أصولها إلى العاصمة. وهو الافتراض الذي تدعمه الدراسات عن الهجرة الداخلية في مصر والذي يتجه القسم الأعظم منها إلى القاهرة الكبرى.

من 700 ألف مهاجر في بداية القرن العشرين إلى 4 مليون قرب نهايته تزايدت أعداد المهاجرين داخليا بين محافظات مصر. الأرقام سجلها د. محمد علي حسانين في رسالته للدكتوراة "الهجرة الداخلية فى مصر خلال الفترة «١٩٦٠-١٩٩٦»- دراسة جغرافية" التي ناقشها هذه السنة قبل ثلاثة أشهر.

شكلت موجات الهجرة الداخلية بالفعل التركيبة السكانية للقاهرة الكبرى، ففي عام 1960 بسبب مشروعات الثورة التنمية والصناعية الكبيرة رصدت الإحصاءات أن القاهرة شهدت هجرة من المحافظات أخرى شكلت ثلث سكانها آنذاك، وهذه كانت أكبر موجة هجرة إلى القاهرة رغم أن المعدلات لم تنخفض كثيرا، ففي عام 1996 رصدت الإحصاءات أن الموجات الأحدث من الهجرة شكلت نحو ربع سكان القاهرة. والموجات المتتالية للاستقرار في القاهرة جعلتها مكان تركز الزيادة السكانية في مصر وهو ما حاصر المدينة من جهتين.

فمن ناحية زادت مساحة العشوائيات لتتحمل الطلب على السكن الرخيص من قبل المهاجرين الهاربين من معدلات الفقر الأكثر ترديا في المحافظات التي تعاني من انخفاض نصيب الفرد في الناتج القومي. ومن ناحية أخرى سجل نمط الاستهلاك فيها معدلات عالية بسبب ارتفاع مستوى معيشة قطاعات أخرى من المهاجرين، حيث يرصد د.حسانين أن ترقي الحالة المهنية يأتي مصاحبا لهجرة القطاعات الفنية والعلمية والمديرين والإداريين. أكثر أشكال الاستهلاك تأثيراعلى المدنية هو استهلاك السيارات، ففي أوائل الثمانينات كانت القاهرة من المدن التي حققت أعلى معدلات زيادة في أعداد السيارات الخاصة، وفي عام 1999 كانت في القاهرة مليون سيارة بحسب تقرير لوزارة النقل صدر عام 2002. وهو ما أدى إلى أزمة مرورية دائمة تخنق العاصمة على الدوام، ويعبر عن ذلك دراسة أجريت رصدت أن متوسط سرعة السيارات في العاصمة كان نصف متوسط سرعة السيارات في مدن ليست أقل ازدحاما مثل فرانكفورت او لندن بحسب نفس التقرير.

وفي 2006 أصدر مكتب الأمم المتحدة بالقاهرة ومعهد التخطيط القومي تقرير التنمية البشرية الذي أوصى بإعلان القاهرة مدينة مغلقة للحد من الهجرة الداخلية إليها، ورسم خريطة عقارية جديدة تركز على المدن الجديدة والتجمعات العمرانية في المحافظات المختلفة، ودعا إلى إنشاء عاصمة جديدة إدارية تكون مقرا للحكومة من أجل انقاذ مستوى الحياة في القاهرة وتخفيف الضغط السكاني عليها مع الاحتفاظ بها مركزا ثقافيا وتجاريا.

يشير د. حسانين في دراسته إلى جهود الدولة وخططها من أجل تقليل الهجرة الداخلية إلى المحافظات الجاذبة وعلى رأسها القاهرة، ويذكر التوسع في إنشاء المدن التوأمية حول المدن الكبرى مثل مدن 6 أكتوبر ومايو والعاشر من رمضان ومدن ينى سويف الجديدة والمنيا الجديدة، ومحاولة تنشيط الصناعة والسياحة في مناطق مختلفة لجذب السكان إليها، ولكن دراسته لا تتوقع أن يسهم ذلك في تقليل الظاهرة إلا بنسبة ضئيلة. فيقول أنه بفرض ثبات معدل النمو السكاني وثبات الأحوال السياسية والاقتصادية الحالية فإنه من المتوقع أن يبلغ حجم الهجرة الداخلية 5 مليون في 2011 وأن يزيد عن 7 مليون عام 2026.


  • "مقبرتي التي أخشاها"

"منذ عدة سنوات كان انفتاحى الأكبر على العالم ، عندما بدأت باستخدام الشبكة التى يحلو للبعض أن يسميها بالعنكبوتية (..) وبعدها عشت سنتين من عمرى فى القاهرة ، فتعرفت على أناس أكثر ، وزرت أماكن كنت فقط أسمع عنها ، واقتربت من شخصيات كنت فقط أرى صورها ، والأهم من كل هذا كنت قريبا من مناطق صناعة الحدث ، ومن النقطة الساخنة التى منها يبدأ الغليان قرأت كتبا، وحضرت ندوات وفعاليات ومهرجانات. حياة مليئة بالصخب والضجة ، وأحيانا المتعة. وبعدها عدت ..
إلى حيث مقبرتى التى أخشاها، إلى حيث الهدوء والملل، إلى حيث الطبيعة والبساطة.
ربما يغبطنى الكثيرون على مكان كهذا أعيش فيه. يقولون: هواء نقى، وأناس قلوبهم نقية ، وحياة وادعة. ولكني وجدت شوارع قذرة أغرقتها مياه المجارى، أو تلك التى تبرع الأهالى بسكبها ، أو مخلفات تلك الحيوانات فى طريقها إلى الحقل ذهابا وإيابا، ووجدت أناسا بسطاء، يكاد يقتلهم الفراغ فأخذوا يسلون أوقاتهم بالحديث عن هذا وذاك، والنميمة والوقيعة والحسد والمكيدة وما أكثر المصاطب فى بلادنا.
وجدت حياة يسمونها وادعة ، وأسميها مملة فلا أحداث ولا اهتمامات ، ولا مشاغل كبرى ، ولا حملةً لفكر ، ولا شخصيات مؤثرة فقط عشرات من هؤلاء الذين يعيشون ويموتون وينسون (..) أجدنى محاطا بزملاء كل همهم معرفة كلمتين عن الطب ، من أجل فتح عيادة أو العمل بمستوصف فى مكان ما ، من اجل الحصول على بعض جنيهات فى كل كشف ، بلا طموح ، ولا نهضة ، ولا علم. الهدف، هو اقتسام الكعكة مع اطباء المنطقة... أتذكر من آن لآخر هدفى ، وأجاهد حتى لا تتمكن المقبرة من احتوائي لعلى أفر منها قريبا إلى حيث أستطيع صنع حياتى".

هكذا كتب محمد الشريف، طالب الطب في جامعة الفيوم، في مدونته ونقله في منتدى طلبة الفيوم ليثير الجدل بين زملائه. بعضهم اتهموه بالتعالي عليهم :"أصل أهل القريه ناس مساكين وغلابه وانت راجل دكتور مين قدك" وبعضهم من سكان مدينة الفيوم رد عليه قائلا: "أراك تنظر الى المدينة وكأنها سطح الأرض الذى تتمنى البقاء فوقه. ليس معنى أنك قضيت بها عامين أنها تكون الحياة التى تتمناها والتى حرمت منها، أنت لم تر فيها الا الأشياء التى اردت ان تنظر اليها لتقارن.. اذا كنت وجدت فى القرية الحسد والحقد فهذة أشياء وعادات سلبية بالدعوة نغيرها لكن فى المدينة ما يتعدى هذا بكثير وما هو اخطر من هذا .. ارجع الى بلدتك وانظر الى ايجابياتها". غير أن محمد عبد الكريم طالب الهندسة ابن نفس القرية كان متفهما له واعتبرهم متحاملين عليه وقال أن زميله يعبر عن طموحه :"أخي يريد أن يحدث تغييراً لا أن لايقنع بما في ذات اليد. يجد في نفسه طاقة وأمل وطموح لكي يبدع ويصنع ويخترع ويوجد، لا يريد ان يعيش حياة ابن القرية النمطيه الروتينيه المتكرره بنفس الخطوات والترتيب. لايريد ان يعيش عادي ويتزوج عاديه ويخلفوا عادي ويموتوا عادي وكأنه لاشئ قد حدث، وتأتي أجيل لاتعلم عن عادي أي شئ غير أنه إنسان عادي. فلايمكننا ان نتهمه بالأنانيه (..) فلديه حلم كبير إن تحقق فسيخدم قري ومدن بل أمة، ولن يقتصر النفع على قريته هو فقط".
ولكنه داعبه فيما يخص إشارته إلى "المصاطب" بشكل سلبي قائلا:" على فكرة إحنا عندنا واحدة عايزك تاجي تقعد معايا شويه عليها. بتحلى القعده عليها في الصيف".


نشر في "الشروق" الأحد8نوفمبر 2009
PDF
الصورة لميدان التحرير من Arab Compiler


المزيد

الأحد، 1 نوفمبر، 2009

عمرو أم تامر ؟ .. تلك هي المسألة !



تزامنا مع صدور ألبوم لأحدهما أو قرب إعلان جائزة أو استفتاء تطفو المقارنة بين عمرو دياب وتامر حسني على السطح وتتحول أحيانا لصراع بين مجموعتين من الشباب في ساحات تعبيرهم. الجدل المحتدم يعكس بعضا من تفضيلات وملامح الأجيال المنقسمة بين "الهضبة" و"نجم الجيل"، كما كان صعود كلاهما المثير للجدل والانتقادات والصخب معبرا عن معارك تحل فيها تطلعات وأمزجة جديدة محل أخرى قديمة.


"المتمرد الشعبي" يغير ملابسه ولا يغير مكانه


في فيلم "آيس كريم في جليم" غنى سيف (عمرو دياب) أغنية "رصيف نمرة خمسة" التي كتبها له صديقه المثقف المناضل، ورددها بين الناس في الشوارع مع فرقته، وكانت النتيجة هي: التخشيبة. يحكي عمرو دياب في الفيلم الوثائقي "الحلم" الذي يسرد قصه صعوده وسيرته الفنية: "عندما سمعت كلمات "رصيف نمرة خمسة" أمسكت العود وتقمصت حالة الشيخ إمام- الملحن والمغني النضالي- ولحنتها". ولذلك كانت هذه الأغنية من أغان قليلة تجمع بين الجمهور المخلص عمرو دياب وبين "الشباب المثقف". ولكن في الفيلم وداخل التخشيبة تمرد سيف على صديقه وقال أنه سيغني أغاني بسيطة يشعر بمعناها وسيكون نفسه وهو يشق طريقه.
من بين العديدين من محبي عمرو دياب يرى خالد سعيد، المحامي الذي اقترب من أواخر الثلاثينات، أن الفيلم الذي كتبه الأديب محمد المنسي قنديل وأخرجه خيري بشارة كان تمثيلا لروح عمرو دياب الصاعدة بين الشباب :" الفيلم عرض سنة 1992 سنة تخرجي من الجامعة. وأنا لم أكن مثقفا ولا لي نشاط سياسي. لم أشعر أن تلك الأشياء تناسبني ولا شعرت بالقرب من هؤلاء الأشخاص. وكثير من أبناء جيلي يشاركونني نفس المشاعر. كانت الثمانينات والتسعينات سنوات باردة، كنا نسمع عن الأحداث الساخنة في الستينات والسبعينات، ولم تكن تلك الأيام صاخبة مثل أيامنا الآن مع ثورة الاتصالات والفضائيات والإنترنت وكل هذه الأشياء. وسط هذا "البرد" كنا ننتظر التعبير البسيط الجميل، للحن نصفق ونرقص عليه ونتقافز في الرحلة والحفلة من غير فذلكة. وعمرو كان دائما من يقدم ذلك".
في الفيلم ، يبحث عمرو دياب وفرقته عن فرصة فلا يجدون إلا مسابقة لفرق المعوقين! فيقررون خوضها ولكن أثناء الغناء يتخلى عمرو عن تمثيله شخصية ضرير ويخلع نظارته السوداء، ثم يخلع أعضاء فرقته "عاهاتهم"، أحدهم يفك جبيرة ذارعه أويرمي بعيدا العكاز ويقف على قدمه ويغني عمرو وهو يرقص وفي خلفيته البحر: "الناس حاسين بالبرد وفي قلبي ده شم نسيم" ويبدو أن المشهد كان بمثابة بيان باسم جيل وجد فيه تعبيره المميز المليء بالحيوية وسط حالة من الجمود والتيبس.
يتفق خالد تماما مع ذلك: "صحيح فعلا. ولم يقل عمرو البيان بشجن ولا هدوء. غناه وهو يرقص ويتنطط على البحر! وفي نفس الأغنية قال "أنا مش مألوف دلوقتي لكن للجاي مألوف وهاعاند أيوه هاعاند دايما من غير تسليم" وفي نفس الفيلم لما غنى "هاتمرد ع الوضع الحالي" لم يكن كلاما في السياسة بل تمردا عاطفيا فهو يكمل "ومش هاسهر لعنيكي ليالي"! ".

"ما بلاش نتكلم في الماضي"!
من بين مطربين ظلوا أقرب لظل أسلافهم، انطلق عمرو دياب إلى فضاء جماهيري أكبر وأوسع. رغم الانتقادات التي وطالته باعتباره يقدم أغان سطحية وألحانا خفيفة وصاخبة ويتقافز على المسرح حتى هو يغني عن الشوق والهجر. كان الاتهام الأكبر أنه "موضة" وواجهه به مفيد فوزي في حوار عام 1989، وكانت إجابة عمرو دياب أنه يتمنى فعلا أن يكون موضة جديدة تجذب الناس ولكن ليس موضة تذهب بلا أثر.
"ومالها الموضة؟" يتابع خالد: "الشباب مغرم بمتابعة الموضة والجديد . أذكر أننا كنا نتابع بشغف البرامج القليلة عن الأغاني الأجنبية على القناة الثانية ثم في الفترة المفتوحة" السوبر فايف" في القناة الخامسة" يضحك "كانت أيام قحط وجفاف بعيد عنك قبل الإنترنت. ومن طبائع الأمور أن ننظر إلى الغرب الذي يتحرك باستمرار ويقدم الجديد. أعتقد أن عمرو دياب كان يقدم أغاني شبابية شرقية وفيها موسيقى غربية جذابة لكنها لا تجعلك تشعر أنها غريبة عنك، وفي نفس الوقت كان يمزج من هنا وهناك ويقدم موضة للشباب في اللبس وتسريحة الشعر وحتى في الكلام ".
العديد من الكتب الموسيقية منها "الموزايك المتوسطي" لجوفريدو بلاستينو اعتبرت عمرو دياب من مؤسسي أسلوب "موسيقى البحر المتوسط" التي يمزج بين تيمات شرقية وغربية. في وثائقي "الحلم" يبدو واضحا من حديث الملحنين والشعراء والموزعين الذين تعاملوا معه أن عمرو دياب لم يكن مجرد مطرب بل قائد فريق عمل. فبالإضافة أنه يلحن أحيانا فهو الذي يختار الأسلوب والوجهة والتناول وهو ما يجعل أعماله حلقات في "مشروع شخصي" محوره "شخص بطل أو نجم" لذلك فتراكم أعماله صنع نجوميته بينما تشتهر أغنية أو أخرى لغيره ولكنهم لا يراكمون مثله.
كلماته أيضا تم اتهامها بانها سطحية أو تافهة، على الأقل مقارنة بكلمات "الطرب الأصيل" أو بعض أقرانه ممن يغنون لشعراء العامية المثقفين. كتاب الأغاني الذين تعاملوا معه في البداية قالوا أنه كان أحيانا يسعى إلى كلمات الأغاني التي لم يقبلها غيره أو استغربوها، فغنى: "وإيه يعني تودعني" و"طيب إزيك ما ترد علينا" و"هاتمرد على الوضع الحالي" و"بلاش نتكلم في الماضي" و"يبقى إحنا كده خالصين". يستشهد خالد بمقولة حلمي بكر في وثائقي "الحلم": "عمرو دياب بيسمّع الناس اللي عاوزين يسمعوه، قبل ما يعوزوه".
هنا يتدخل ياسر حسن، الذي لا يبدو متحمسا لعمرودياب بنفس قوة صديقه خالد: "عمرو دياب بياع ذكي. وهويعرف كيف يسوّق نفسه ويعرف قيمة البروباجندا التي تشغل ذهن الشباب الخفيف الذي تعجبه تيمة موسيقية مميزة على أي كلام، ويا سلام لو كان الكلام أيضا "صايع" أو صادما او غريبا. وهذا هو ما كان يفعله ولكن في الأيام الأخيرة يعيش على تاريخه لأن آخرين ظهروا وهم أصغر و"أصيع" منه وشاطرين في البروباجندا أيضا".
يواجه ياسر استهجان صديقه خالد كلامه قائلا: "وثائقي "الحلم" مصنوع كله من وجهة نظر عمرو دياب ومع أصحابه. وهذا الفيلم الذي يذكّر الناس بأن عمرو فعل كذا وكذا يعبر عن قلق من صعود آخرين، بوضوح: تامر حسني. وأصلا فكرة المقارنة بينهم هي فكرة ذكية للبروباجندا يتمسك بها تامر وجمهوره للصعود على أكتاف عمرو ومحاولة شغل مكانه".
ينفعل خالد ويضحك بسخرية عندما يأتي ذكر تامر حسني ولكنه يعود ويقول :"ربما، الصورة الكلية لتامر حسني تبدو فعلا أقرب لـشباب اليومين دول الذين يتركون شعرهم ولحاهم و"سهتانين" شوية وعاطفيين زيادة وأخف كثيرا من جيلنا. لكن عمرو دياب كان صورة أخرى، بطل طول بعرض، شاربه وذقنه يحلقهما جيدا مثل النجوم الكلاسيكيين. يقفز ويتحرك ساعات لكن أحيانا أخرى يكون شابا غامضا هادئا - خاصة في بوستر ألبوماته - ينظر إلى الكل بتحد ساخر" يضحك وهو يكمل:"دائما كنت أتصور أن هذه النظرة تجذب الفتيات".
من الشاب "الكول" المتمرد في ثقة الذي يصنع موضة الشتاء ويختار الشكل المناسب للقمصان ذات الأكمام أوالجاكيت الجلد إلى صورة الشاب الذي يكشف عن عضلاته وهو يرتدي ملابس صيفية أو يخلع قميصه نهائيا كما في بوستر "ليلي نهاري" أو يرقص على موسيقى الهاوس والتكنو في "وياه، يتابع عمرو دياب تقمص الصور الأكثر جاذبية للشباب. يتدخل هنا ياسر ساخرا :"صورة عمرو دياب في أواخره وإصراره على إبراز عضلاته وارتداء ملابس المصيف هي نفسها صورة "فورمة شباب الساحل" التي سخر منها أحمد مكي في فيلمه "طير إنت"، ومزيكا التكنو التي أغرق بها أغانيه يحاول بها أن يداعب روح الصيف التي تأخذ الشباب إلى الديسكوهات وأن يجعل أغانيه هي إيقاع الحفلات بعد انتشار الدي جيه الذي يفضل دائما هذه الأغاني المعدنية".

"هاتلاقي فين أيامنا ؟"
يتراجع خالد هنا قليلا أمام ياسر ويعترف أنه يحب أغاني عمرو القديمة أكثر التي يشعر فيها بطزاجة أكبر على حد تعبيره ولكنه يقول أنه لا يزال سواء بسبب تاريخه أو حاضره متربعا على عرش الأغنية المصري والعربية وفق كل الإحصائيات ويحق له أن يتسمى بـ"الهضبة" وأن يترفع عن أي معارك او مقارنات. ويقول أنه يحسب له رغم المشوار الطويل أنه يستميل الملحنين والشعراء والموزعين الشباب لكي يظل دئما قريبا من طريقة تفكيرهم ومزاجهم.
ولكن ربما يضعف ذلك من مركزيته في فريق العمل وفي اختياراته بينما تزيد فرص شاب أصغر مثل تامر حسني أيضا يكتب كلمات أغانيه ويلحنها ويصبغ أغاينه بلمسة مميزة وجديدة فهو بنافسه في نفس ساحته وهي التعبير الأكثر طلاقة وجذابية وحداثة.
يعلق ياسر: "أنا لا أعرف لماذا لا يعيش الفنانون سنهم ويعبرون عنها. السوق طبعا يتطلب أن تخاطب الشباب فهم الممولون والمهتمون. ولكني أستغرب صورة عمرو دياب التي تبدو أكثر شبابا مني بينما يقارب عمره الخمسين الآن".
ولكن يبدو أن حلم النجومية الممتدة وصورة الشباب الدائم المتجدد والتربع المستمر داخل دائرة الضوء بدون صخب وبعيدا عن الإعلام والصحافة لا تزال تعبر عن مزاج آخرين من جيل خالد وياسر أو ما بعده، وربما أيضا من بعض المثقفين الجدد الذين تمردوا على صورة المثقف التقليدية. فالروائي الشاب طارق إمام يحكي في مدونته أنه كان يواجه باستهجان من كبار المثقفين لو تطرق الحديث إلى عمرو دياب، مفضلين الحديث عن الطرب الأصيل أو التجريبي الحديث، ويعبر عن ارتياحه أنه وجد بين أبناء جيله من المثقفين والكتاب الجدد اهتماما مشتركا بعمرو دياب وأغانيه مهما كانت التحولات، ويعلن عن حبه لعمرو رغم ما قد يراه فيه من "ضعف" تطلعا إلى ما يمثله من حلم: " لم عد حتى أخجل من الاستفاضة في الحديث عنه ــ إن أتى ذكره ــ أمام أتخن مثقف مكتئب منكفيء متضخم متعالٍ منحاز للطرب التجريبي أو للغناء الأصيل .. ولا يعنيني أي منهما، أحب عمرو دياب.. مطرب السوق .. الذي يقول كلمات دون معنى أحيانا من قبيل (عودوني عليك احبك ) الذي يتفاخر بعضلاته.. اللي ما قراش كتاب في حياته ..أحب عمرو دياب الذي يطربني، والذي تمنحني قصة حياته أملاً . الذي يمنحني صورة النجم التي أحب أن تكون لي. أحب عمرو دياب.. الأفيش الضخم ، الذي لا يبتسم قدر ما يبدو متجهماً .. بينما يطل على القاهرة الواسعة بوجدان نازح. للأسف، بدأ عمرو دياب يصير معلناً بين مثقفين جدد، بينما يستعد طابور قادم لإعلان تامر حسني مطرباً لجيل آخر".



نجم نصف الجيل وعدو النصف الآخر

للأسف، لم يكن في مقدور ليالي أن تحضر تلك الحفلة لتامر حسني. لذا فإنها ذهبت إلى منزله مع أختها وبعض أصدقائهما وانتظروه قبل موعد الحفلة بوقت مناسب لكي يروه وهو في طريقه إلى هناك. وأول ما خرج أحاط رفاق ليالي به وتبادلوا معه أحاديث المعجبين المعتادة إلا ليالي التي احتاجت بعض الوقت لتقطع صمتها وتقول له أن لديها مشكلة ما. تقول أن تامر وقف يسمعها باهتمام رغم محاولة بعض مرافقيه استعجاله، لتحكي له أن صوتها جميل وتريد أن تبدأ مشوراها في عالم الموسيقى ولكن المشكلة أنها محجبة.
لم تكن تتوقع ليالي أن يكون رد تامر هو أنها بحجابها أفضل بكثير ويجب ألا تتخلي عنه من أجل دخول الوسط الفني الذي قال أنه لا يشعر فيه بعدم الارتياح بل وأضاف أن "الغناء أكبر مشكلة في حياته" على حد روايتها. وعندما قالت له أنها فعلا لن تتخلى أبدا عن حجابها شجعها وحياها ثم ركب السيارة وودعها مبتسما: "باي يا عسل".
تحكي ليالي هذا الموقف في منتدى "رابطة عشاق تامر حسني" وتعبر عن ارتياحها لنصيحته وكلامه وتقول :"فعلا كنت حاسة إني باكلم أخويا الكبير اللى خايف عليا وبينصحنى". لترد عليها إحدى مشرفات المنتدى مشيدة بخوف تامرعلى أخواته البنات وتقديره للحجاب، مؤكدة أن كلامه تأكيد لما قاله في إحدى البرامج أنه يتمنى ألا يموت وهو لا يزال مطربا !
مثل هذه الحوارات في منتدى الرابطة قد تبدو غرائبية للبعض، ولكن الردود النشيطة والتعليقات المؤيدة المتحمسة لـ"عشاق تامر" هي مؤشر على مسافة كبيرة بين من يرون ذلك غريبا ومتناقضا ومثيرا للأعضاب وبين من يرونه رائعا ومبررا لكون تامر هو فعلا "نجم الجيل" المعبر عنهم والقريب منهم والذي صعد بقوة خلال 5 سنوات ليناطح عمرو دياب المستقر على قمة سوق الغناء عشرين عاما.

"هاعيش حياتي"
في إحدى مشاهد فيلم "عمر وسلمى"، يجلس عمر ( تامر حسني) على درجات سلم قصير في ساحة الجامعة الخاصة ممسكا بجيتاره يعزف ويغني وحوله شباب وفتيات يصفقون. يوجه غنائه أحيانا إلى نقطة بعيدة حيث تقف سلمى (مي عز الدين) الفتاة الجادة التي يحاول التقرب منها: "يعني إيه أبقى عايش مش شايف غير صورتك"، ثم يلتفت في وسط الأغنية الرومانسية ويحول مسارها تماما "يعني إيه أبقى عايش مش شايف غير ودنك" لكي يسخر من زميله ذي الأذنين الكبيرتين الجالس بجواره.
إسلام زكي الطالب بإحدى الجامعات الخاصة ذي الاثنين وعشرين عاما يجد نفسه في هذا المشهد ويقول أن تامر بدأ مشواره الفني فعلا من على الأرض من غنائه بين زملائه من الشباب الذين هتفوا باسمه في ندوة سلمى الشماع ليغني أمامها أغنية خاصة به - لا أغنية لواحد آخر- فتقرر مساعدته على بداية مشواره الفني.
إسلام ليس الوحيد من هذا الجيل الذي يحتضن جيتاره يستمتع ويجرب دندته وبالمرة يحلم ويحضر نفسه لفرصة الشهرة والتحقق. وهو ينتظر فرصة مماثلة لفرصة تامر الذي يرى أن سبب نجاحه وشهرته وقربه الشديد من شباب هذا الجيل أنه كان يغني لنفسه "بمزاج وروقان وخفة دم" ولا يقلد أحدا فعبر عن نفسه بصدق فوجودوا أنفسهم فيه.
المسار الشخصي لتامر أحد أسباب جاذبيته وما يحكيه عن حياته منقسم بين عدة صور تقربه كل منها إلى فريق: صورة "ابن الناس" وطالب الإعلام في الجامعة الخاصة، وأحيانا صورة الشاب الصاعد من أسرة تعاني من أزمة اضطر معها لأن يعمل في مهن عديدة وينفق على أسرته.
"تامر كمان طبيعي ومش عايش الدور" هذا ما يراه إسلام أيضا مشيرا إلى تنقل وتنوع أغانيه وأفلامه من الرومانسية الشديدة المرهفة المحلقة كما في "يا نور عيني" و"دي عيونه دار" إلى المزاح والسخرية أو "التهريج والتهييس" في: "كل مرة أشوفك فيها يبقى نفسي آآ ..". وحتى في تعبيره عن الفراق يعبر عن تقلب المزاج بين الانفصال الهاديء الحزين مثلما في "طيب قبل ماتمشي خليني أبكي في خضنك شوية" وبين الانفصال العنيف والعداوني الذي يتضمن "المعايرة" كما في " زمان كان بس نفسك أعدي وتلمحيني" و" اعتذري للي جاي بعدي، خليه يسامحني، أصل أنا أخدت كل حاجة في عهدي". ويضيف أن هذا التنوع يعبر عن مزاج الشباب الذي يشعر بالملل من نموذج المطرب "عايش الدور" الذي يغني طول حياته كمحب ولهان متسامح أو يقوم في أفلامه بدور النجم المثالي النقي المؤدب.
يكتب تامر كلمات العديد من أغانيه ويلحن عددا أكبر، بل وكتب قصة فيلمين من خمسة أفلام قام ببطولتهم. ومع أريحيته وانطلاقه في التعبير بالكلمات أو بالموسيقى فإن أعماله الفنية تبدو فيها بوضوح بصمته الشخصية وأفكاره بل وتجارب حياته. فأغانيه وأفلامه مهما كان مستواها هي تعبير شخصي وليست مجرد "شغل" وإنتاج مصنوع وهو في هذا يتشابه مع عمرو دياب.وهو هنا يقف موقفا وسطا بين الفنانين المثقفين في دوائر النخبة الذين يعبرون عن تجاربهم ورؤاهم الخاصة المميزة بعيدا عن ضغط الإنتاج، وبين من يلبون مطالب خط الإنتاج الكثيف المتسارع بكلام وألحان متشابهة.
تامر حسني كان الوحيد في الفترة الأخيرة الذي وجد الجرأة أن يغني على لحن فولكلوري للسمسمية في أغنية "قرب حبيبي"- وهو ما فعله عمرو دياب في أول مشواره على نفس اللحن الفولكلوري- كما أن تامر كان ممن انتبهوا لانتشار الراب بين الشباب فغنى مع الرابر كريم محسن في ألبومه الأخير Come back to me. كما أنه الأكثر جرأة في استخدام التعبيرات الأحدث في حياة الشباب بشكل شعري في "حبي ليكي اتاخد قفش" أو "ضحكتها ما بتهزرش" أو في كلماته وألحانه لمغنين آخرين مثل "قوم اقف وانت بتكلمني" لبهاء حسني و"شكلك عامل عملة" لنيكول سابا و"بص بقى علشان تبقى عارف" لشيرين. وبفضل هذه الإفيهات التي يوظفها في أغانيه ويجذب بها الأنظار يظل دائما في دائرة الجدل الإعلامي حول نجوميته بتأكيدها أو مهاجمتها.

"كل حلم معاك حلمته"
ولكن هناك من له رأي آخر في أن تعامل تامر مع الإعلام يخلو من الهالات المعدة بعناية التي توضع على رأس آخرين، عمرو دياب تحديدا، فتقول مها عاطف، طالبة تمهيدي الماجيستير في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أنها تشعر أن تامر حسني قريب من هذا الجيل ليس فقط بفنه بل أيضا بشخصيته العادية، وتضيف :"الناس بيحسوه بيتكلم زيهم ومش شايف نفسه ولا عامل فيها سوبر ستار".
حتى عندما يحاول تامر حسني أن يعبر عن شعوره بتميزه يفعل ذلك بقدر من السذاجة. في برنامج "واحد من الناس" مع عمرو الليثي، حكي تامر حكاية تعبر عن إحساسه بـاصطفاء الله له ليكون مشهورا ومميزا. فيها وارب الأستاذ شباك الفصل ليدخل فقط شعاع واحد على وجه تامر التلميذ آنذاك الذي شعر أنها "علامة" من الله. وعندما أمره الأستاذ أن ينتقل لمكان آخر وغيّر زاوية فتح الشباك تحرك الضوء ليسقط على وجهه مرة أخرى ليتأكد من "العلامة".
الجيل المحب لروايات باولو كويلهو يبدو مستعدا لتقبل منطق "العلامات". بل هو مستعد أيضا لتقبل تامر وهو يسهب في الحديث عن الدين كأنه أحد الدعاة الجدد بل ويسجل تترات لأحد برامج عمرو خالد ويطلق ألبوما دينيا كاملا، وفي الوقت نفسه يقبلون منه بعض الإيحاءات الجنسية في أفلامه وكلمات أغانيه مثلما في كلمات الأغنية الشهيرة "هي دي "التي يؤكدها في تصوير الفيديو كليب. ولو اضطروا في كلامهم أن يعلنوا اعتراضهم على مضض فهم يلتمسون له الأعذار المختلفة، تماما كما يفعل هو نفسه عندما يحرجه الإعلام.
ترى مها عاطف أن هذه الأخطاء التي لا تعجب البعض وتثير الانتقادات هي عادية لأنه كشاب من هذا الجيل يخطيء مثلهم. وقصة تهربه من التجنيد واتهامه بالتزوير قد تكون نموذجا على ذلك. كما أنها ترد على اتهامه بالتناقض - خاصة بين التدين والانفلات- أنه متناقض مثل هذا الجيل أيضا وتقول: "ده تناقض طبيعي. الحالة الطبيعية إن الواحد مننا بيكون شوية كده وشوية كده. إحنا دايما بنعمل توازن بين التناقضات اللى ممكن تكون موجودة فى حياتنا، وطالما عرفنا نوصل للتوازن مش هايبقى فيه مشكلة".

"أنا خنتك امبارح - مش عارف أتغير"
مها لا ترى مشكلة أيضا في الاعتراف بأن تعبيراته عن الحب تصور حبا ليس فقط مختلفا بل "أقل رقيا" من حب الأجيال الأكبر "الرايق" كما عند عبد الحليم حافظ وعند عمرو دياب ! فالعلاقات بين الجنسين - كما تقول- أصبحت أسهل وأقصر وطبيعتها مختلفة وتامر حسني يعبر عن ذلك في أغانيه.
حتى الطابع الذكوري الشديد الذي يظهر في أفلامه يبدو أنه لا يضايق جمهوره من الفتيات. في جزئي "عمر وسلمى"- كتب قصتهما تامر حسني - عمر هو الشاب متعدد العلاقات الذي يرتبط بسلمى الفتاة الجادة المستقيمة. يستمر هو في التورط في علاقات أخرى على مدار الجزئين قبل زواجهما وبعده وتسامحه دائما إلا أنه يتصرف معها بعنف بل ويضربها عند أدنى شك. تقول مها :"هذا النوع من العلاقات هو السائد، بعض بنات جيلنا تقبله تماما، وبعضهن يرفضنه، لكن أنا من جانب أقبل أن تختلف الضوابط التي تحكم سلوك الرجل والمرأة. لكن من جانب آخر لازم يتفقوا والرجل لازم يلتزم بالضوابط بتاعته".
الخيال الذكوري الجامح واضح في ما يكتبه تامر من أغان وقصص أفلام يمثلا، ونتاج هذا الخيال يمثل "الأحلام الممنوعة" لجيل يتردد بين التحرر والمحافظة. فيلم "عمر وسلمى" بجزئيه يبدو كحلم ذكوري طويل فيه شاب يحظى بأب "مطرقع" مثل "عزت أبو عزف" يتبادل مع ابنه الخبرات في العلاقات العاطفية والجنسية، يداعب و"يقرص" من يعرف ولا يعرف من الفتيات في الجامعة أو في شركة والده بدون مشاكل، يتمتع بعلاقات ونزوات عابرة ثم يستقر مع فتاة مستقيمة جميلة تغفر له كل شيء. حتى خوفه "الذكوري" من إنجاب الإناث لكيلا يعاقبه الله على خطاياه عبر بناته هو تخوف منتشر بين الشباب العابث.
وحتى لحظة استيقاظه من الحلم تتضمن نموذجا محببا وممتعا لحالة التوبة المتعثرة - لا "العزة بالإثم" ولا الإلتزام - ففي ألبومه الأخير هناك أغنية نادمة بعنوان "أنا خنتك إمبارح" كما أنه في تعبيره عن مشاعره الدينية لا يدعي التوفيق- وهذا ينفي التناقض- بل يغني "يا رب أنا تعبان- يا رب أنا زعلان من نفسي" أو " أنا مش عارف أتغير، كل ما أقول هاتغير تحصل حاجة ترجعني".



نشر في "الشروق" 1 نوفمبر 2009
PDF
المزيد