الجمعة، 13 نوفمبر، 2009

سهرة سماعي


"سمّيعة الطرب" الذين لا يضيرهم الاستماع فرادي إلى موسيقاهم المفضلة ، تتضاعف متعتهم عندما يجتمعون حول اسطوانة قديمة تقاوم الزمن تداعبها إبرة جرامافون لا يزال طلاؤه الذهبي يلمع وينطلق بوقه باللحن القديم زاهيا.

يقلب د. محمد الباز في مجموعات الاسطوانات المتناثرة في أرجاء الصالون إلى أن يجد اسطوانة بعينها، يضعها في أحد أجهزة الجرامافون الكثيرة الموزعة في الأركان. يخرج إبرة جديدة من كيس مجاور للجرامافون ويثبتها فيه. يلف الزنبلك بيده لثوان، قبل أن يضع الإبرة على سطح الاسطوانة التي بدأت تدور.
"يا صحبة الورد النادية، الكون ده مخلوق علشانك. ابتسمي للدنيا الزاهية، وفتحي قبل أوانك" ينطلق صوت ليلى مراد هادئا وناصعا، ومتسقا مع ديكور الصالون والأثاث الكلاسيكي وأجهزة الراديو ذات الطراز القديم وقطع السجاد اليدوي الفنية المعلقة على الحائط والأغلفة الصفراء المتناثرة التي تحفظ الاسطوانات الكبيرة العتيقة، التي توقف د. محمد الباز مؤقتا عن تقليبه فيها بحثا عن شيء آخر وهو يستقبل ضيوفه ويرحب بهم ويشدد على خدمه التزام الحذر وهم ينقلون بعض الاسطونات: "كأنها من زجاج".
الليلة هو موعد لقاء مجموعة منتقاة من "السميعة" الذين اجتمع شملهم من خلال منتدى "سماعي" على الإنترنت، ثم بدأوا التواصل وجها لوجه والتلاقي كل فترة في سهرة تتنوع بين السماع والنقاش حول الموسيقى التراثية أو أحاديث الذكريات، وأصبح منزل د. الباز بأجوائه المميزة مكانا مفضلا للقاءاتهم.
يجلس ياسين سعيد، الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين بعد ويعبر عن سعادته الدائمة بالقدوم إلى فيلا د.محمد الباز، الطبيب وأستاذ طب الأطفال في جامعة الزقازيق، والاستمتاع بأجواء الطرب وسط "كبار السميعة". يرحب ياسين بمحمد الآلاتي، الملحن والناقد الموسيقى الذي يبدو في الأربعينات من عمره. ويحييان معا المهندس محمد رؤوف المسيري الذي يبدو أكبر قليلا ويخاطبونه باسمه الذي يعرف به في المنتدى :"الباشا". المهندس رؤوف، بالإضافة لكونه "سميعا قديما"، فهو خبير في تكنولوجيا المعلومات وواحد من المجموعة القليلة التي أحيت المنتدى وقت افتتاحه عام 2005.
يرحبون جميعا بقدوم محمد أبو مندور ثم يفاجئون مضيفهم بحضور د. صالح عبد الفتاح أستاذ الفيزياء النووية بجامعة القاهرة الذي قد يفضل في هذا المقام لقبا آخر: "الحبر الكلثومي" فهو واحد من أشهر سميعة "أم كلثوم" بشكل خاص ويحفظ عن ظهر قلب التاريخ الفني لأم كلثوم بما في ذلك تواريخ حفلاتها وماذا غنت في كل منهم.
كانت اسطوانة ليلى مراد قد انتهت، فوضع د.محمد الباز شريط بَكَر Reel في مشغل هذا النوع من الشرائط، والذي كان التطور السابق على الكاسيت، وطلب من الجميع الاستماع إلى ذلك التسجيل لأغنية "يا اللي كان يشجيك أنيني" والتركيز على الختام المميز للأغنية مع كلمة "دموعي" التي تفيض لوعة وشجنا. يحلل محمد الآلاتي هذه اللفتة الموسيقية، بينما يتناقش د.صالح ود.الباز حول عدد المرات التي غنت فيها أم كلثوم هذه الأغنية وتاريخ هذا التسجيل.
يعلق ياسين: "المرة الأولى التي اطلعت فيها على نقاشات المنتدى استغربت هذا الاهتمام بالتسجيلات المختلفة والفروق بينهما. كلهم في النهاية أغنية "يا اللي كان يشجيك أنيني"، ما الفرق؟ ولكن بعد فترة علمت أن هناك فروق فنية لا يلاحظها إلا السمّيع، مثل إعادتها لمقاطع أو صولوهات لآلات معينة وأيضا ارتجالاتها المختلفة خارج اللجن المكتوب". يتدخل د. صالح: "في إحدى الحفلات بعد أن هموا بإنزال الستار استجابت أم كلثوم لطلب الحضور وأعادت مقاطع من آخر أغنية يتصريفات وارتجالات لا مثيل لها لم تغنها من قبل. مثل هذا الإبداع ليس متاحا في كل تسجيل فهو لم يكتبه الملحن في النوتة ولم تتدرب عليه الفرقة في البروفات ولكنهم يلاحقون أم كلثوم ويحاولون مجاراتها".
لدى د.صالح أرشيفا لكل حفلات أم كلثوم بتواريخها وأسماء المذيعين الذين قدموها بل وأرقام الاسطوانات المتاحة منها في مكتبة الإذاعة المصرية التي لم يدخلها أبدا! يحكي أنه بدأ في الاتصال بالإذاعة والسؤال عن أرقام الاسطوانات لكي يدونها، واستغربوا ذلك في البداية ولكنه كون صداقات بين مهندسي الإذاعة وعندما أنهى تسجيل أرقام الاسطوانات أصبحوا يرجعون إليه أحيانا لسرعة الوصول إلى أرقام الاسطوانات مع معلومات عن الحفلة وأغانيها، وفي أوائل الثمانينات كانت الإذاعة تعلن أن فقرة أم كلثوم من إعداد واختيار د. صالح عبد الفتاح.
في منتدى "سماعي" وجد صالح عبد الفتاح احتفاء باهتمامه البالغ بتاريخ أم كلثوم، كما أنه وجد مشاركين له في هذا الاهتمام لدرجة أن المنتدى يحتوى على تسجيلات لا توجد عند الإذاعة المصرية أو أنها مفقودة وتالفة أو لا تذاع بسبب سوء حالتها.

مجلس الطرب الافتراضي
منتدى "سماعي"، الذي يعد الآن أكبر منتدى موسيقى عربي على الإنترنت ويتجاوز عدد الأعضاء المسجلين به 470 ألف عضو، كان نقطة التقاء مهتمين بالموسيقى العربية التراثية من مختلف الأعمار والأماكن. ورغم أن مؤسسيه كانوا ثلاثة: محمد الزمنطر من تونس وأحمد المسلمي من اليمن ومحمد حسان من مصر، إلا أن الحضور المصري الأكثر كثافة واضح في المنتدى. وهم يظنون أنهم في الغالب المجموعة الأكثر تواصلا في الواقع، بالإضافة لمجموعة أخرى في المغرب، ويحكي محمد الآلاتي أن أول لقاء موسع لـ"سميعة المنتدى" كان في مقهى البستان بوسط القاهرة في أغسطس 2007 وحضر إليه أعضاء من المحافظات المختلفة، ثم بدأوا لقاءات غير دورية في منزل د.محمد الباز.
يحكي د. الباز أنه كان يمارس وحده هوايته في جمع الاسطوانات والشرائط القديمة وأجهزة تشغيلها إلى أن تعرف على م.رؤوف عبر المنتدى، والذي علمه كيفية تحويل هذه التسجيلات النادرة إلى صيغة الكترونية ووضعها في المنتدى ومشاركتها مع الآخرين ممن يفعلون الشيء نفسه ليجد هو أيضا تسجيلات لم يكن على علم بها. يقول د.محمد: "قبل ذلك كان المصدر الوحيد للتسجيلات والاسطوانات هم تجار الأنتيكات الذين يشترون هذه الأشياء من البيوت والقصور ثم يبيعونها للهواة.
هؤلاء التجار، قبل ذيوع المنتديات، كانوا إحدى حلقات الوصل بين الهواة. وعن طريقهم تعرف هواة لاقتناء التسجيلات على د.محمد الباز ومنهم من حضر خصيصا من بلاد أخرى ليكمل مجموعته أو يستمع إلى تسجيل نادر. يذكر ياسين د.الباز بالشيخ خالد من قطر الذي زاره خصيصا من أجل بعض الاسطوانات النادرة التي لديه ثم يطلب منه تشغيل أغنية "يارفيع التاج" لمحمد عبد الوهاب. يضع د. الباز الاسطوانة وعندما تبدأ تنتعش ملامحه مع الأنغام ويقول: "كان محمد عبد الوهاب يقول أنه لا يستمتع بالسماع إلا وهو يشاهد الاسطوانة تدور أمامه".
يمدح محمد عبد الوهاب في الأغنية آل سعود. فيتطرق الحديث إلى ممالئة عمالقة الطرب للحكام ويؤكدون على أنهم يحبون فنهم وإبداعهم مهما كانت الملاحظات على سيرتهم الشخصية. يلقى د.الباز بملحوظة عن استبداد أم كلثوم وتسلطها أحيانا بعد شهرتها. يتفق معه مع بعض التحفظ د. صالح المتحيز لأم كلثوم دائما، بينما لا يجد ياسين، وهابيّ الهوى، غضاضة في ذلك ويؤكد :"لا أعتقد في هوايتنا حنين لعصر معين عشناه أو سيرة أشخاص، أنا لم أعش تلك الأيام ولا رأيتهم ولكن من يحب شيء ما يبحث عن الأصيل فيه".
يحكي ياسين عن كونه غريبا بعض الشيء بالنسبة لأقرانه من الشباب. فزملاؤه في العمل "ضبطوه" وهو ينقل إلى الكمبيوتر بعضا من مختاراته الموسيقية وظلوا يحدقون لفترة في بعض الأسماء: محمد أفندي صادق، عبد الحي حلمي، وعبد الرحيم حسنين ! وعندما طلبوا منه أن يشغل لهم أحدث ما عنده شغل لهم أغنية لمحمد ثروت! يتدخل م.رؤوف ليقول أن الأغاني الحديثة هي أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب في الستينات. يضحك الجميع ويذكر ياسين أن الحقبة الزمنية المفضلة لـ"الباشا" هي العشرينات والثلاثنيات التي شهدت بدايات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.
"اسمعوا دي" يعثر د.محمد فورا على اسطوانة قديمة تغني فيها أم كلثوم طقطوقة قديمة بأسلوب العشرينات: "الفل والياسمين والورد، عملوا سوا صحبة موضة - ويا الزهور دول ربطوا عهد، عايزين حبيبي في الأوضة". ويؤكد على أن لها أغاني قديمة جميلة غير معروفة للأجيال الجديدة ربما لأن كلماتها تحتاج لتوضيح، ويعلن عن أسفه أن تسجيلات قديمة كثيرة تندثر بسبب عدم الاهتمام بها من جانب المسئولين.

التشبث بالذاكرة
يحكي د. الباز عن تجربة له في دار الكتب المصرية في عهد رئيسها السابق. فقد تعرف عليه مصادفة، وعندما عرف د. الباز أن لديهم اسطوانات تحوي تسجيلات نادرة عرض أن يأتي بشكل منتظم إلى دار الكتب ويحضر معه جهاز تسجيل لكي ينقل محتوى الاسطوانات إلى صيغة الكترونية يسهل حفظها، فوافق. وعندما بدأ مهمته فوجيء بأن الاسطوانات مكومة فوق بعضها في المخازن، وأنها موضوعة في أغلفة خشنة تفسدها، وأن الموظفة المسئولة عن القسم منذ أكثر من 20 عاما لم تسمع أيا من كل هذه الاسطوانات ولم تشغل ولو مرة واحدة الجرامافون الموجود عندها ولو من باب حب الاستطلاع. واكتشف عندما كانت تساعده أنها تلقي بالاسطوانات في القمامة عندما تجدها مشروخة بدلا من محاولة إصلاحها! في الوقت الذي كان هو ينتشي لأنه يجد تسجيلا نادرا لبروفة للشيخ يوسف المنيلاوي مثلا. وفي النهاية اضطر لأن يتوقف عن هذا التطوع لأن بعض الموظفين شكوه للإدارة وقالوا أنه يسرب التسجيلات إلى خارج الدار!
يلتقط د.صالح طرف الكلام ليقول أنه متأكد أن هناك اسطوانات وتسجيلات تتلف في مكتبات الإذاعة ولا نسمع عنها في الوقت الذي خاطر مرة بحياته في سبيل تسجيل نادر! ويحكي أنه سمع مصادفة في إذاعة اسرائيل تسجيلا نادرا لإحدى أغنيات أم كلثوم، ولم يكن هذا التسجيل موجودا في الإذاعة المصرية ولا عندي أي من الهواة الذين يعرفهم، فترقب لشهور واستمع يوميا لبرنامج إذاعة اسرائيل صباحا ليعرف أي من أغاني أم كلثوم سيذاع مساء، وعندما أعلنوا عن بث الأغنية مرة أخرى، انطلق مساء بسيارته على طريق السويس ومعه جهاز تسجيل ببطاريات ليحصل على درجة نقاء عالية. وعند منطقة معينة توقف في الصحراء وترك نفسه للموسيقى إلى أن فوجيء بكشافات تخترق الظلام الذي حل وفوهات أسلحة تطرق على زجاج السيارة، فتأكد أولا من استمرار التسجيل ثم خرج إليهم ليعرف أنه توقف قرب منطقة عسكرية. وطبعا لم يتفهم كلامه المريب عن الأغنية و"إذاعة إسرائيل" إلا قيادات المنطقة من كبار الضباط فعاد إلى سيارته ليحمد الله أن التسجيل تم بنجاح.
تقترب الساعة من الحادية عشرة، وهو ما يعني موعد أغنية أم كلثوم في إذاعة الأغاني، فيفتح د. الباز الراديو وينصت هو ود. صالح إلى المدخل الموسيقى وبعد ثوان يخبره د. صالح باسم الأغنية وتاريخ الحلفة :"عندنا التسجيل ده" ويهزان رأسيهما باطمئنان ويغلق د.الباز الراديو ويأمر بالشاي ويضع اسطوانة "أصل اشتباكي مع المحبوب في هوايا" لصالح عبد الحي، ويستمر السماع وحديث الذكريات حتى منتصف الليل.


تصوير :محمد الميموني
نشر في "الشروق" الخميس 12 نوفمبر 2009
PDF

هناك تعليقان (2):

  1. هواة الأرشيفات و النتاج الثقافي القديم و دارسوه - في أي وسيط كان، تسجيلات أم مطبوعات - لديهم حكايات مفزعة عن أرشيفاتنا الوطنية و ما تتعرض له محتوياتها من ضياع و تلف بسبب الإهمال و جهل الموظفين بقيمة ما يقبعون فوقه.

    ردحذف
  2. كان عندنا مثل هذا الجرامفون
    وكنا نستمع منه لأغانى ليست
    بالقديمة تماماً فهى لفيروز
    وعبد الحليم حافظ وفايزة
    احمد .كان هذا قبل تفشى
    ما يسمى الكاست والذى
    قضى عليه الضربة
    القاضية السى دى
    بلاير!
    وماذا استمعت ياترى؟

    ردحذف