الأحد، 1 نوفمبر، 2009

عمرو أم تامر ؟ .. تلك هي المسألة !



تزامنا مع صدور ألبوم لأحدهما أو قرب إعلان جائزة أو استفتاء تطفو المقارنة بين عمرو دياب وتامر حسني على السطح وتتحول أحيانا لصراع بين مجموعتين من الشباب في ساحات تعبيرهم. الجدل المحتدم يعكس بعضا من تفضيلات وملامح الأجيال المنقسمة بين "الهضبة" و"نجم الجيل"، كما كان صعود كلاهما المثير للجدل والانتقادات والصخب معبرا عن معارك تحل فيها تطلعات وأمزجة جديدة محل أخرى قديمة.


"المتمرد الشعبي" يغير ملابسه ولا يغير مكانه


في فيلم "آيس كريم في جليم" غنى سيف (عمرو دياب) أغنية "رصيف نمرة خمسة" التي كتبها له صديقه المثقف المناضل، ورددها بين الناس في الشوارع مع فرقته، وكانت النتيجة هي: التخشيبة. يحكي عمرو دياب في الفيلم الوثائقي "الحلم" الذي يسرد قصه صعوده وسيرته الفنية: "عندما سمعت كلمات "رصيف نمرة خمسة" أمسكت العود وتقمصت حالة الشيخ إمام- الملحن والمغني النضالي- ولحنتها". ولذلك كانت هذه الأغنية من أغان قليلة تجمع بين الجمهور المخلص عمرو دياب وبين "الشباب المثقف". ولكن في الفيلم وداخل التخشيبة تمرد سيف على صديقه وقال أنه سيغني أغاني بسيطة يشعر بمعناها وسيكون نفسه وهو يشق طريقه.
من بين العديدين من محبي عمرو دياب يرى خالد سعيد، المحامي الذي اقترب من أواخر الثلاثينات، أن الفيلم الذي كتبه الأديب محمد المنسي قنديل وأخرجه خيري بشارة كان تمثيلا لروح عمرو دياب الصاعدة بين الشباب :" الفيلم عرض سنة 1992 سنة تخرجي من الجامعة. وأنا لم أكن مثقفا ولا لي نشاط سياسي. لم أشعر أن تلك الأشياء تناسبني ولا شعرت بالقرب من هؤلاء الأشخاص. وكثير من أبناء جيلي يشاركونني نفس المشاعر. كانت الثمانينات والتسعينات سنوات باردة، كنا نسمع عن الأحداث الساخنة في الستينات والسبعينات، ولم تكن تلك الأيام صاخبة مثل أيامنا الآن مع ثورة الاتصالات والفضائيات والإنترنت وكل هذه الأشياء. وسط هذا "البرد" كنا ننتظر التعبير البسيط الجميل، للحن نصفق ونرقص عليه ونتقافز في الرحلة والحفلة من غير فذلكة. وعمرو كان دائما من يقدم ذلك".
في الفيلم ، يبحث عمرو دياب وفرقته عن فرصة فلا يجدون إلا مسابقة لفرق المعوقين! فيقررون خوضها ولكن أثناء الغناء يتخلى عمرو عن تمثيله شخصية ضرير ويخلع نظارته السوداء، ثم يخلع أعضاء فرقته "عاهاتهم"، أحدهم يفك جبيرة ذارعه أويرمي بعيدا العكاز ويقف على قدمه ويغني عمرو وهو يرقص وفي خلفيته البحر: "الناس حاسين بالبرد وفي قلبي ده شم نسيم" ويبدو أن المشهد كان بمثابة بيان باسم جيل وجد فيه تعبيره المميز المليء بالحيوية وسط حالة من الجمود والتيبس.
يتفق خالد تماما مع ذلك: "صحيح فعلا. ولم يقل عمرو البيان بشجن ولا هدوء. غناه وهو يرقص ويتنطط على البحر! وفي نفس الأغنية قال "أنا مش مألوف دلوقتي لكن للجاي مألوف وهاعاند أيوه هاعاند دايما من غير تسليم" وفي نفس الفيلم لما غنى "هاتمرد ع الوضع الحالي" لم يكن كلاما في السياسة بل تمردا عاطفيا فهو يكمل "ومش هاسهر لعنيكي ليالي"! ".

"ما بلاش نتكلم في الماضي"!
من بين مطربين ظلوا أقرب لظل أسلافهم، انطلق عمرو دياب إلى فضاء جماهيري أكبر وأوسع. رغم الانتقادات التي وطالته باعتباره يقدم أغان سطحية وألحانا خفيفة وصاخبة ويتقافز على المسرح حتى هو يغني عن الشوق والهجر. كان الاتهام الأكبر أنه "موضة" وواجهه به مفيد فوزي في حوار عام 1989، وكانت إجابة عمرو دياب أنه يتمنى فعلا أن يكون موضة جديدة تجذب الناس ولكن ليس موضة تذهب بلا أثر.
"ومالها الموضة؟" يتابع خالد: "الشباب مغرم بمتابعة الموضة والجديد . أذكر أننا كنا نتابع بشغف البرامج القليلة عن الأغاني الأجنبية على القناة الثانية ثم في الفترة المفتوحة" السوبر فايف" في القناة الخامسة" يضحك "كانت أيام قحط وجفاف بعيد عنك قبل الإنترنت. ومن طبائع الأمور أن ننظر إلى الغرب الذي يتحرك باستمرار ويقدم الجديد. أعتقد أن عمرو دياب كان يقدم أغاني شبابية شرقية وفيها موسيقى غربية جذابة لكنها لا تجعلك تشعر أنها غريبة عنك، وفي نفس الوقت كان يمزج من هنا وهناك ويقدم موضة للشباب في اللبس وتسريحة الشعر وحتى في الكلام ".
العديد من الكتب الموسيقية منها "الموزايك المتوسطي" لجوفريدو بلاستينو اعتبرت عمرو دياب من مؤسسي أسلوب "موسيقى البحر المتوسط" التي يمزج بين تيمات شرقية وغربية. في وثائقي "الحلم" يبدو واضحا من حديث الملحنين والشعراء والموزعين الذين تعاملوا معه أن عمرو دياب لم يكن مجرد مطرب بل قائد فريق عمل. فبالإضافة أنه يلحن أحيانا فهو الذي يختار الأسلوب والوجهة والتناول وهو ما يجعل أعماله حلقات في "مشروع شخصي" محوره "شخص بطل أو نجم" لذلك فتراكم أعماله صنع نجوميته بينما تشتهر أغنية أو أخرى لغيره ولكنهم لا يراكمون مثله.
كلماته أيضا تم اتهامها بانها سطحية أو تافهة، على الأقل مقارنة بكلمات "الطرب الأصيل" أو بعض أقرانه ممن يغنون لشعراء العامية المثقفين. كتاب الأغاني الذين تعاملوا معه في البداية قالوا أنه كان أحيانا يسعى إلى كلمات الأغاني التي لم يقبلها غيره أو استغربوها، فغنى: "وإيه يعني تودعني" و"طيب إزيك ما ترد علينا" و"هاتمرد على الوضع الحالي" و"بلاش نتكلم في الماضي" و"يبقى إحنا كده خالصين". يستشهد خالد بمقولة حلمي بكر في وثائقي "الحلم": "عمرو دياب بيسمّع الناس اللي عاوزين يسمعوه، قبل ما يعوزوه".
هنا يتدخل ياسر حسن، الذي لا يبدو متحمسا لعمرودياب بنفس قوة صديقه خالد: "عمرو دياب بياع ذكي. وهويعرف كيف يسوّق نفسه ويعرف قيمة البروباجندا التي تشغل ذهن الشباب الخفيف الذي تعجبه تيمة موسيقية مميزة على أي كلام، ويا سلام لو كان الكلام أيضا "صايع" أو صادما او غريبا. وهذا هو ما كان يفعله ولكن في الأيام الأخيرة يعيش على تاريخه لأن آخرين ظهروا وهم أصغر و"أصيع" منه وشاطرين في البروباجندا أيضا".
يواجه ياسر استهجان صديقه خالد كلامه قائلا: "وثائقي "الحلم" مصنوع كله من وجهة نظر عمرو دياب ومع أصحابه. وهذا الفيلم الذي يذكّر الناس بأن عمرو فعل كذا وكذا يعبر عن قلق من صعود آخرين، بوضوح: تامر حسني. وأصلا فكرة المقارنة بينهم هي فكرة ذكية للبروباجندا يتمسك بها تامر وجمهوره للصعود على أكتاف عمرو ومحاولة شغل مكانه".
ينفعل خالد ويضحك بسخرية عندما يأتي ذكر تامر حسني ولكنه يعود ويقول :"ربما، الصورة الكلية لتامر حسني تبدو فعلا أقرب لـشباب اليومين دول الذين يتركون شعرهم ولحاهم و"سهتانين" شوية وعاطفيين زيادة وأخف كثيرا من جيلنا. لكن عمرو دياب كان صورة أخرى، بطل طول بعرض، شاربه وذقنه يحلقهما جيدا مثل النجوم الكلاسيكيين. يقفز ويتحرك ساعات لكن أحيانا أخرى يكون شابا غامضا هادئا - خاصة في بوستر ألبوماته - ينظر إلى الكل بتحد ساخر" يضحك وهو يكمل:"دائما كنت أتصور أن هذه النظرة تجذب الفتيات".
من الشاب "الكول" المتمرد في ثقة الذي يصنع موضة الشتاء ويختار الشكل المناسب للقمصان ذات الأكمام أوالجاكيت الجلد إلى صورة الشاب الذي يكشف عن عضلاته وهو يرتدي ملابس صيفية أو يخلع قميصه نهائيا كما في بوستر "ليلي نهاري" أو يرقص على موسيقى الهاوس والتكنو في "وياه، يتابع عمرو دياب تقمص الصور الأكثر جاذبية للشباب. يتدخل هنا ياسر ساخرا :"صورة عمرو دياب في أواخره وإصراره على إبراز عضلاته وارتداء ملابس المصيف هي نفسها صورة "فورمة شباب الساحل" التي سخر منها أحمد مكي في فيلمه "طير إنت"، ومزيكا التكنو التي أغرق بها أغانيه يحاول بها أن يداعب روح الصيف التي تأخذ الشباب إلى الديسكوهات وأن يجعل أغانيه هي إيقاع الحفلات بعد انتشار الدي جيه الذي يفضل دائما هذه الأغاني المعدنية".

"هاتلاقي فين أيامنا ؟"
يتراجع خالد هنا قليلا أمام ياسر ويعترف أنه يحب أغاني عمرو القديمة أكثر التي يشعر فيها بطزاجة أكبر على حد تعبيره ولكنه يقول أنه لا يزال سواء بسبب تاريخه أو حاضره متربعا على عرش الأغنية المصري والعربية وفق كل الإحصائيات ويحق له أن يتسمى بـ"الهضبة" وأن يترفع عن أي معارك او مقارنات. ويقول أنه يحسب له رغم المشوار الطويل أنه يستميل الملحنين والشعراء والموزعين الشباب لكي يظل دئما قريبا من طريقة تفكيرهم ومزاجهم.
ولكن ربما يضعف ذلك من مركزيته في فريق العمل وفي اختياراته بينما تزيد فرص شاب أصغر مثل تامر حسني أيضا يكتب كلمات أغانيه ويلحنها ويصبغ أغاينه بلمسة مميزة وجديدة فهو بنافسه في نفس ساحته وهي التعبير الأكثر طلاقة وجذابية وحداثة.
يعلق ياسر: "أنا لا أعرف لماذا لا يعيش الفنانون سنهم ويعبرون عنها. السوق طبعا يتطلب أن تخاطب الشباب فهم الممولون والمهتمون. ولكني أستغرب صورة عمرو دياب التي تبدو أكثر شبابا مني بينما يقارب عمره الخمسين الآن".
ولكن يبدو أن حلم النجومية الممتدة وصورة الشباب الدائم المتجدد والتربع المستمر داخل دائرة الضوء بدون صخب وبعيدا عن الإعلام والصحافة لا تزال تعبر عن مزاج آخرين من جيل خالد وياسر أو ما بعده، وربما أيضا من بعض المثقفين الجدد الذين تمردوا على صورة المثقف التقليدية. فالروائي الشاب طارق إمام يحكي في مدونته أنه كان يواجه باستهجان من كبار المثقفين لو تطرق الحديث إلى عمرو دياب، مفضلين الحديث عن الطرب الأصيل أو التجريبي الحديث، ويعبر عن ارتياحه أنه وجد بين أبناء جيله من المثقفين والكتاب الجدد اهتماما مشتركا بعمرو دياب وأغانيه مهما كانت التحولات، ويعلن عن حبه لعمرو رغم ما قد يراه فيه من "ضعف" تطلعا إلى ما يمثله من حلم: " لم عد حتى أخجل من الاستفاضة في الحديث عنه ــ إن أتى ذكره ــ أمام أتخن مثقف مكتئب منكفيء متضخم متعالٍ منحاز للطرب التجريبي أو للغناء الأصيل .. ولا يعنيني أي منهما، أحب عمرو دياب.. مطرب السوق .. الذي يقول كلمات دون معنى أحيانا من قبيل (عودوني عليك احبك ) الذي يتفاخر بعضلاته.. اللي ما قراش كتاب في حياته ..أحب عمرو دياب الذي يطربني، والذي تمنحني قصة حياته أملاً . الذي يمنحني صورة النجم التي أحب أن تكون لي. أحب عمرو دياب.. الأفيش الضخم ، الذي لا يبتسم قدر ما يبدو متجهماً .. بينما يطل على القاهرة الواسعة بوجدان نازح. للأسف، بدأ عمرو دياب يصير معلناً بين مثقفين جدد، بينما يستعد طابور قادم لإعلان تامر حسني مطرباً لجيل آخر".



نجم نصف الجيل وعدو النصف الآخر

للأسف، لم يكن في مقدور ليالي أن تحضر تلك الحفلة لتامر حسني. لذا فإنها ذهبت إلى منزله مع أختها وبعض أصدقائهما وانتظروه قبل موعد الحفلة بوقت مناسب لكي يروه وهو في طريقه إلى هناك. وأول ما خرج أحاط رفاق ليالي به وتبادلوا معه أحاديث المعجبين المعتادة إلا ليالي التي احتاجت بعض الوقت لتقطع صمتها وتقول له أن لديها مشكلة ما. تقول أن تامر وقف يسمعها باهتمام رغم محاولة بعض مرافقيه استعجاله، لتحكي له أن صوتها جميل وتريد أن تبدأ مشوراها في عالم الموسيقى ولكن المشكلة أنها محجبة.
لم تكن تتوقع ليالي أن يكون رد تامر هو أنها بحجابها أفضل بكثير ويجب ألا تتخلي عنه من أجل دخول الوسط الفني الذي قال أنه لا يشعر فيه بعدم الارتياح بل وأضاف أن "الغناء أكبر مشكلة في حياته" على حد روايتها. وعندما قالت له أنها فعلا لن تتخلى أبدا عن حجابها شجعها وحياها ثم ركب السيارة وودعها مبتسما: "باي يا عسل".
تحكي ليالي هذا الموقف في منتدى "رابطة عشاق تامر حسني" وتعبر عن ارتياحها لنصيحته وكلامه وتقول :"فعلا كنت حاسة إني باكلم أخويا الكبير اللى خايف عليا وبينصحنى". لترد عليها إحدى مشرفات المنتدى مشيدة بخوف تامرعلى أخواته البنات وتقديره للحجاب، مؤكدة أن كلامه تأكيد لما قاله في إحدى البرامج أنه يتمنى ألا يموت وهو لا يزال مطربا !
مثل هذه الحوارات في منتدى الرابطة قد تبدو غرائبية للبعض، ولكن الردود النشيطة والتعليقات المؤيدة المتحمسة لـ"عشاق تامر" هي مؤشر على مسافة كبيرة بين من يرون ذلك غريبا ومتناقضا ومثيرا للأعضاب وبين من يرونه رائعا ومبررا لكون تامر هو فعلا "نجم الجيل" المعبر عنهم والقريب منهم والذي صعد بقوة خلال 5 سنوات ليناطح عمرو دياب المستقر على قمة سوق الغناء عشرين عاما.

"هاعيش حياتي"
في إحدى مشاهد فيلم "عمر وسلمى"، يجلس عمر ( تامر حسني) على درجات سلم قصير في ساحة الجامعة الخاصة ممسكا بجيتاره يعزف ويغني وحوله شباب وفتيات يصفقون. يوجه غنائه أحيانا إلى نقطة بعيدة حيث تقف سلمى (مي عز الدين) الفتاة الجادة التي يحاول التقرب منها: "يعني إيه أبقى عايش مش شايف غير صورتك"، ثم يلتفت في وسط الأغنية الرومانسية ويحول مسارها تماما "يعني إيه أبقى عايش مش شايف غير ودنك" لكي يسخر من زميله ذي الأذنين الكبيرتين الجالس بجواره.
إسلام زكي الطالب بإحدى الجامعات الخاصة ذي الاثنين وعشرين عاما يجد نفسه في هذا المشهد ويقول أن تامر بدأ مشواره الفني فعلا من على الأرض من غنائه بين زملائه من الشباب الذين هتفوا باسمه في ندوة سلمى الشماع ليغني أمامها أغنية خاصة به - لا أغنية لواحد آخر- فتقرر مساعدته على بداية مشواره الفني.
إسلام ليس الوحيد من هذا الجيل الذي يحتضن جيتاره يستمتع ويجرب دندته وبالمرة يحلم ويحضر نفسه لفرصة الشهرة والتحقق. وهو ينتظر فرصة مماثلة لفرصة تامر الذي يرى أن سبب نجاحه وشهرته وقربه الشديد من شباب هذا الجيل أنه كان يغني لنفسه "بمزاج وروقان وخفة دم" ولا يقلد أحدا فعبر عن نفسه بصدق فوجودوا أنفسهم فيه.
المسار الشخصي لتامر أحد أسباب جاذبيته وما يحكيه عن حياته منقسم بين عدة صور تقربه كل منها إلى فريق: صورة "ابن الناس" وطالب الإعلام في الجامعة الخاصة، وأحيانا صورة الشاب الصاعد من أسرة تعاني من أزمة اضطر معها لأن يعمل في مهن عديدة وينفق على أسرته.
"تامر كمان طبيعي ومش عايش الدور" هذا ما يراه إسلام أيضا مشيرا إلى تنقل وتنوع أغانيه وأفلامه من الرومانسية الشديدة المرهفة المحلقة كما في "يا نور عيني" و"دي عيونه دار" إلى المزاح والسخرية أو "التهريج والتهييس" في: "كل مرة أشوفك فيها يبقى نفسي آآ ..". وحتى في تعبيره عن الفراق يعبر عن تقلب المزاج بين الانفصال الهاديء الحزين مثلما في "طيب قبل ماتمشي خليني أبكي في خضنك شوية" وبين الانفصال العنيف والعداوني الذي يتضمن "المعايرة" كما في " زمان كان بس نفسك أعدي وتلمحيني" و" اعتذري للي جاي بعدي، خليه يسامحني، أصل أنا أخدت كل حاجة في عهدي". ويضيف أن هذا التنوع يعبر عن مزاج الشباب الذي يشعر بالملل من نموذج المطرب "عايش الدور" الذي يغني طول حياته كمحب ولهان متسامح أو يقوم في أفلامه بدور النجم المثالي النقي المؤدب.
يكتب تامر كلمات العديد من أغانيه ويلحن عددا أكبر، بل وكتب قصة فيلمين من خمسة أفلام قام ببطولتهم. ومع أريحيته وانطلاقه في التعبير بالكلمات أو بالموسيقى فإن أعماله الفنية تبدو فيها بوضوح بصمته الشخصية وأفكاره بل وتجارب حياته. فأغانيه وأفلامه مهما كان مستواها هي تعبير شخصي وليست مجرد "شغل" وإنتاج مصنوع وهو في هذا يتشابه مع عمرو دياب.وهو هنا يقف موقفا وسطا بين الفنانين المثقفين في دوائر النخبة الذين يعبرون عن تجاربهم ورؤاهم الخاصة المميزة بعيدا عن ضغط الإنتاج، وبين من يلبون مطالب خط الإنتاج الكثيف المتسارع بكلام وألحان متشابهة.
تامر حسني كان الوحيد في الفترة الأخيرة الذي وجد الجرأة أن يغني على لحن فولكلوري للسمسمية في أغنية "قرب حبيبي"- وهو ما فعله عمرو دياب في أول مشواره على نفس اللحن الفولكلوري- كما أن تامر كان ممن انتبهوا لانتشار الراب بين الشباب فغنى مع الرابر كريم محسن في ألبومه الأخير Come back to me. كما أنه الأكثر جرأة في استخدام التعبيرات الأحدث في حياة الشباب بشكل شعري في "حبي ليكي اتاخد قفش" أو "ضحكتها ما بتهزرش" أو في كلماته وألحانه لمغنين آخرين مثل "قوم اقف وانت بتكلمني" لبهاء حسني و"شكلك عامل عملة" لنيكول سابا و"بص بقى علشان تبقى عارف" لشيرين. وبفضل هذه الإفيهات التي يوظفها في أغانيه ويجذب بها الأنظار يظل دائما في دائرة الجدل الإعلامي حول نجوميته بتأكيدها أو مهاجمتها.

"كل حلم معاك حلمته"
ولكن هناك من له رأي آخر في أن تعامل تامر مع الإعلام يخلو من الهالات المعدة بعناية التي توضع على رأس آخرين، عمرو دياب تحديدا، فتقول مها عاطف، طالبة تمهيدي الماجيستير في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أنها تشعر أن تامر حسني قريب من هذا الجيل ليس فقط بفنه بل أيضا بشخصيته العادية، وتضيف :"الناس بيحسوه بيتكلم زيهم ومش شايف نفسه ولا عامل فيها سوبر ستار".
حتى عندما يحاول تامر حسني أن يعبر عن شعوره بتميزه يفعل ذلك بقدر من السذاجة. في برنامج "واحد من الناس" مع عمرو الليثي، حكي تامر حكاية تعبر عن إحساسه بـاصطفاء الله له ليكون مشهورا ومميزا. فيها وارب الأستاذ شباك الفصل ليدخل فقط شعاع واحد على وجه تامر التلميذ آنذاك الذي شعر أنها "علامة" من الله. وعندما أمره الأستاذ أن ينتقل لمكان آخر وغيّر زاوية فتح الشباك تحرك الضوء ليسقط على وجهه مرة أخرى ليتأكد من "العلامة".
الجيل المحب لروايات باولو كويلهو يبدو مستعدا لتقبل منطق "العلامات". بل هو مستعد أيضا لتقبل تامر وهو يسهب في الحديث عن الدين كأنه أحد الدعاة الجدد بل ويسجل تترات لأحد برامج عمرو خالد ويطلق ألبوما دينيا كاملا، وفي الوقت نفسه يقبلون منه بعض الإيحاءات الجنسية في أفلامه وكلمات أغانيه مثلما في كلمات الأغنية الشهيرة "هي دي "التي يؤكدها في تصوير الفيديو كليب. ولو اضطروا في كلامهم أن يعلنوا اعتراضهم على مضض فهم يلتمسون له الأعذار المختلفة، تماما كما يفعل هو نفسه عندما يحرجه الإعلام.
ترى مها عاطف أن هذه الأخطاء التي لا تعجب البعض وتثير الانتقادات هي عادية لأنه كشاب من هذا الجيل يخطيء مثلهم. وقصة تهربه من التجنيد واتهامه بالتزوير قد تكون نموذجا على ذلك. كما أنها ترد على اتهامه بالتناقض - خاصة بين التدين والانفلات- أنه متناقض مثل هذا الجيل أيضا وتقول: "ده تناقض طبيعي. الحالة الطبيعية إن الواحد مننا بيكون شوية كده وشوية كده. إحنا دايما بنعمل توازن بين التناقضات اللى ممكن تكون موجودة فى حياتنا، وطالما عرفنا نوصل للتوازن مش هايبقى فيه مشكلة".

"أنا خنتك امبارح - مش عارف أتغير"
مها لا ترى مشكلة أيضا في الاعتراف بأن تعبيراته عن الحب تصور حبا ليس فقط مختلفا بل "أقل رقيا" من حب الأجيال الأكبر "الرايق" كما عند عبد الحليم حافظ وعند عمرو دياب ! فالعلاقات بين الجنسين - كما تقول- أصبحت أسهل وأقصر وطبيعتها مختلفة وتامر حسني يعبر عن ذلك في أغانيه.
حتى الطابع الذكوري الشديد الذي يظهر في أفلامه يبدو أنه لا يضايق جمهوره من الفتيات. في جزئي "عمر وسلمى"- كتب قصتهما تامر حسني - عمر هو الشاب متعدد العلاقات الذي يرتبط بسلمى الفتاة الجادة المستقيمة. يستمر هو في التورط في علاقات أخرى على مدار الجزئين قبل زواجهما وبعده وتسامحه دائما إلا أنه يتصرف معها بعنف بل ويضربها عند أدنى شك. تقول مها :"هذا النوع من العلاقات هو السائد، بعض بنات جيلنا تقبله تماما، وبعضهن يرفضنه، لكن أنا من جانب أقبل أن تختلف الضوابط التي تحكم سلوك الرجل والمرأة. لكن من جانب آخر لازم يتفقوا والرجل لازم يلتزم بالضوابط بتاعته".
الخيال الذكوري الجامح واضح في ما يكتبه تامر من أغان وقصص أفلام يمثلا، ونتاج هذا الخيال يمثل "الأحلام الممنوعة" لجيل يتردد بين التحرر والمحافظة. فيلم "عمر وسلمى" بجزئيه يبدو كحلم ذكوري طويل فيه شاب يحظى بأب "مطرقع" مثل "عزت أبو عزف" يتبادل مع ابنه الخبرات في العلاقات العاطفية والجنسية، يداعب و"يقرص" من يعرف ولا يعرف من الفتيات في الجامعة أو في شركة والده بدون مشاكل، يتمتع بعلاقات ونزوات عابرة ثم يستقر مع فتاة مستقيمة جميلة تغفر له كل شيء. حتى خوفه "الذكوري" من إنجاب الإناث لكيلا يعاقبه الله على خطاياه عبر بناته هو تخوف منتشر بين الشباب العابث.
وحتى لحظة استيقاظه من الحلم تتضمن نموذجا محببا وممتعا لحالة التوبة المتعثرة - لا "العزة بالإثم" ولا الإلتزام - ففي ألبومه الأخير هناك أغنية نادمة بعنوان "أنا خنتك إمبارح" كما أنه في تعبيره عن مشاعره الدينية لا يدعي التوفيق- وهذا ينفي التناقض- بل يغني "يا رب أنا تعبان- يا رب أنا زعلان من نفسي" أو " أنا مش عارف أتغير، كل ما أقول هاتغير تحصل حاجة ترجعني".



نشر في "الشروق" 1 نوفمبر 2009
PDF

هناك 8 تعليقات:

  1. انت صحفي بمليون جنيه يا عمرو يا عزت، قدرة شنيعة علي التحليل والاستنباط، بالتوفيق دائما.

    ردحذف
  2. بصراحة عجبنى الكلام
    اوى اوى وكملت المقال
    للأخر تصدق دى!!انا بصراحة
    اكبر سناً على تامر حسنى وحتى
    عمرو دياب وقفت معاه لحد (قمرين)!
    مش بقولك اكبر سناً لكن مايمنعش انى
    بستمتع بالكلمة الحلوة واللحن الاحلى
    لأن اللحن -فى رأيى- هو الجاذب الاول للأذن.
    سعدت بالتواجد هنا وحأحط الرابط
    على المفضلة:هيس ياعم عمرو:)

    ردحذف
  3. نرمين يسرى30 يوليو، 2010 4:03 ص

    عمرو دياب وبس
    مين تامر حسنى حد
    ده رد سجون

    ردحذف
  4. انتو لسه مش عارفين مين الاحلا

    تامر طبعاً

    ردحذف
  5. تاااااااااامرررررررررررررررر
    حســــــــــــــــنى
    ويــــــــــــس
    مين عمرو ده اخرو هاهاها بلاش اقول
    انتو عرفين

    ردحذف