السبت، 23 مايو 2009

صحفيون في مناطقهم

تطوير المستشفى العام في البدرشين أو الجدل حول كيفية ترخيص التوك توك في إمبابة، أخبار قد لا تهتم بها معظم الصحف ووسائل الإعلام التي تهتم بكل مصر، وإن نشرت بعضها ففي مساحات صغيرة، ولن يكون مناسبا متابعة تطوراتها، لأن لمحرري الصحف والبرامج سيفكرون أن الخبر سيبدو مملا للقراء باستثناء قلة يسكنون هذه المناطق. ولكن في الحقيقة أن كل مجموعة من القراء تجمعم منطقة ما والتفاصيل الخاصة بها تهمهم وهي بالنسبة لحياتهم اليومية أخبار أكثر أهمية من نتائج الانتخابات الأمريكية.
وهذا هو سبب وجود "الصحافة الإقليمية".


PDF




جريدة "صوت إمبابة": عن التوك توك و"البوشي الصغير" وأوزباكستان


في مكان مميز من واجهة الكشك يضع بائع الجرائد في شارع "نادي إمبابة الرياضي" جريدة "صوت إمبابة". يوحي ذلك بأنها مطلوبة، ولكنه يرد قائلا: "توزيعها على قدها طبعا، وبتصدر كل فين وفين" ثم يضيف مبتسما "لكن الجار أولى بالشفعة".
ولكن هناك سبب آخر، العنوان الرئيسي للعدد الأخير من الجريدة يجتذب بسهولة أنظار المارة ومشتري الصحف الأخرى: "أسماء الشوارع التي سيلحقها التطوير وأرقام الأراضي التي ستزال". مثل هذا العنوان يثير فضول كل من يسكن في إمبابة، بسبب مشروع تطويرها الذي لن يقتصر على منطقة أرض المطار. هناك من يشتري بسرعة وهناك من يقف لدقائق يحاول تدقيق النظر وقراءة تفاصيل الخبر والجريدة في مكانها، ولا ينزعج البائع من ذلك.
لكن بعض من اشتروا بحثوا عن خريطة توضح أماكن قطع الأراضي المكتوب أرقامها والتي ستنزع ملكيتها فلم يجدوا. ولكي يعرفوا، يبدو أن عليهم الاتصال بالجريدة أو التوجه إلى مقرها القريب .
في شقة صغيرة بالكيت كات، يوجد المقر المشترك للجريدة و"جمعية الشباب"، وكلاهما أسسهما الشقيقان سيد إمبابي ومحمد إمبابي. يحب سيد إمبابي، رئيس مجلس إدارة الجريدة، أن يؤكد أولا على كون العائلة لا تنتمي إلى إمبابة بالاسم فقط ويقول: "العائلة في إمبابة من زمن ومعروفة هنا، وأنا أسكن في شارع القومية العربية ولا زلت أركب الميكروباص وأعرف مشاكل وهموم أهل المنطقة".
أما عن أرقام الأراضي التي ستنزع ملكيتها فيقول: "هذه المعلومات سبق وانفراد للجريدة، فعلاقتنا جيدة بمحافظ الجيزة وبرئيس المجلس المحلي. وهذا النوع من الأخبار أحد أسباب تميزنا كجريدة محلية عن الجرائد العامة. أما عن عدم وجود خريطة توضيحية فلأن قدامي سكان إمبابة وأصحاب الأراضي يعرفون أرقام أراضيهم جيدا".
أسس الشقيقان الجريدة في يناير 2005 بترخيص حزبي، فهما عضوان في أمانة الشباب في الحزب الوطني، وتزامن ذلك مع خوض سيد إمبابي انتخابات مجلس الشعب في نهاية نفس السنة مستقلا في مواجهة مرشحي الوطني. يرفض سيد إمبابي الحديث عن تفاصيل ولكنه يلمح إلى "صراعات وأطماع" داخل الحزب وصلت إلى إصدار آخرين جريدة بنفس الاسم لإزاحتها، وهو ما دفعه وفريق الجريدة إلى التنازل عن الترخيص الحزبي والتحول إلى جريدة تصدر بترخيص من لندن.
خلف مكتبه، صورة ضخمة تحتل كل الحائط لمشهد النيل من إمبابه وفوقه اسم الجريدة، وفي أركان الحائط شعارات الشركات الراعية. ولكن سيد إمبابي يحاول أن ينفي الصورة النمطية المرتبطة بالصحف الصغيرة، وربما بعض الصحف الكبيرة، التي يتحكم في تحريرها المعلنون والرعاة، مؤكدا أن الإعلانات جاءت بعد فترة طويلة من تأسيس الجريدة.
الصفحة الرئيسية لآخر أعداد الجريدة الصادر في 15 فبراير الماضي تتصدرها على اليمين صورة محمد حامد الصفطاوي، أمين شباب الحزب الوطني في منطقة "مدينة العمال" وأحد رعاة الجريدة، يهنيء أهالي إمبابة بالمولد النبوي، وعلى اليسار إعلان عن فضائية الأمة السلفية. وفي داخل العدد موضوع كبير يضم صورة أخرى للصفطاوي مع صور لكل أمناء شباب الحزب الوطني في مناطق إمبابة بمناسبة إقامة دورة الحزب الوطني لكرة القدم.
في العدد إشادة في أكثر من موضع بأداء سيد عبد العزيز محافظ الجيزة ومصطفى الخطيب رئيس المجلس المحلي، على هامش متابعات اجتماعات المجلس وجولات المحافظ. وصفحة كاملة لنشر اقتراح تتقدم به "جمعية الشباب"- شقيقة الجريدة- للمساهمة في ترخيص التوك توك بوساطتها أسوة بميكروباصات جمعيات نقل الركاب.
يعلق سيد إمبابي متسائلا : "هل أصبح الانتماء للحزب الوطني وكأنه سبة أوشيئا مشينا؟ الصحافة التي تمارس الانتقاد العنيف والمعارضة بلا هدف لا جدوى منها، وإذا اصطدمت بالأمن لن تتمكن من العمل وستفقد التأثير. الجريدة والجمعية لهما دور تنموي في إمبابة ولذلك نحرص على علاقتنا بالمسئولين. نرى الجانب الجيد من أدائهم لكي نقول لهم نحن نتابعكم ونشجعكم على المزيد".
حتى بعض الأحداث التي ترتفع فيها أصوات المعارضين مثل التنظيف والتجميل الفوري للشوارع والمناطق التي شملتها الزيارة الأخيرة لسوزان مبارك دونا عن باقي الشوارع والمناطق، يراها سيد إمبابي وجريدة "صوت إمبابة" بشكل مختلف: "لننظر إلى الجانب الإيجابي. من يسكنون هذه الشوارع والمناطق فقد تم تجميل مناطقهم، والآخرون استفادوا من تجميل شوارع ومناطق يمرون بها في أشغالهم أو تقع فيها مدارس أولادهم". المزيد من الزيارات لتغطي كل المناطق سيكون حلا إذن.
ولكن تضم صفحات الجريدة أيضا بعض الانتقادات للاستثناءات في هدم الأدوار المخالفة أو عرض مشكلات المرور والنظافة في بعض الشوارع، ومقال سيد إمبابي في الصفحة الأولى يناشد المسئولين أن يتواجد في شوارع إمبابة رجال مرور لحفظ النظام، مذكرا أن مشهد رجال المرور يختفي تماما في إمبابة والوراق باستنثاء ميدان الكيت كات القريب من العجوزة.
لغة الأخبار والتحقيقات تبتعد قليلا عن فصحى الصحافة وتقترب أحيانا من طريقة الكلام الشفهي والعامية، ولا تحمل عادة أسماء محرريها، أسماء الكتاب فقط على المقالات. يقول سيد إمبابي "فريق العمل الأساسي يعد على الأصابع، ولكننا ننشر لمتطوعين ومساهمين من أبناء إمبابة".
تضم ترويسة الجريدة أسماء الفريق، منهم عمر إمبابي، نجل سيد إمبابي، المتخرج حديثا من كلية الحقوق، وهومسئول عن قسم التحقيقات التي تخص المحافظة والمجلس المحلي، وهي أهم وأكبر مساحات الجريدة. وهناك مستشار سياسي للجريدة هو حسن عبد الله، القيادي بالحزب الوطني، الذي يقول سيد إمبابي أنه مؤسس جريدة "صوت بولاق" في منطقة بولاق الدكرور، وهي التجربة التي ألهمته إنشاء "صوت إمبابة". لا يعمل في "صوت إمبابة" صحفيون محترفون إلا رئيس تحريرها حسن سعودي، الصحفي بمجلة أكتوبر. سيد إمبابي رئيس مجلس الإدارة يعمل بالأساس رساما هندسيا في هيئة قناة السويس.
تضم الجريدة صفحات متنوعة للأدب والمرأة والدين – يضم ركنا للفتاوي ومقالات عن الإعجاز العلمي في القرآن - وصفحة للرياضة في إمبابة ومساحة اجتماعيات، وتضع الجريدة الحوادث في صفحتها الأولى. ويفخر سيد إمبابي أن الجريدة لا تكتفي بنقل الحوادث التي تكشفها الشرطة، بل تقوم بكشف حوادث قبل الإبلاغ عنها، مثل حادثة النصب التي كتبت عنها الجريدة تحت عنوان "بوشي إمبابة"، وهو شاب صغير تقاضي أموالا من عدد من الناس بهدف توظيفها وهرب.
ولكن ما يثير الدهشة هي الصفحة الكاملة – غير الإعلانية- المخصصة لأخبار وتفاصيل التعاون بين مصر وجمهورية أوزباكستان، وتكرار هذه الصفحة في الأعداد الأخيرة.ما علاقة ذلك إمبابة؟ يصمت سيد إمبابي طويلا قبل أن يقول:"نحن على علاقة جيدة بمدير الشركة الدولية لإدارة المعارض الذي توجه إلى هناك بصحبة رجال أعمال بناء على توجيهات الرئيس مبارك لتعزيز التعاون بين البلدين في مجالات مختلفة من الاستثمار، وهذا سيفيد كل المصريين بما فيهم أهالي إمبابة" ثم يضيف مبتسما: "كما أن العلاقات نفسها مفيدة جدا للصحافة كما تعلم".

البدرشين أونلاين .. مراسلون وجدوا أخيرا مكانا لأصواتهم

badrashin
من على منبر أحد المساجد في قرية سقارة التابعة لمركز البدرشين، ظل الشيخ الأزهري ممدوح الكيس لسنوات يتحدث عن مشكلات القرية بأسلوبه الساخر المميز. ولكن بعد ترقيته ليصبح إماما وخطيبا لمسجد "خالد بن الوليد" في مدينة البدرشين، لم يعد بإمكانه أن يتحدث إلى أهالي المدينة عن مشكلات قريته التي يعود إليها كل مساء. فكر الشيخ في الكتابة للصحف وكتب بالفعل، ولكن لم تنشر رسائله التي تتحدث عن تفاصيل مشكلات النظافة والمواصلات والطرق في قريته. فكر في أن منتديات الإنترنت ستكون مكانا مناسبا، ولكن كتاباته التي تخص مجتمعه الصغير لم تلق اهتماما وتجاوبا في منتديات عامة عربية أو مصرية يهتم جمهورها أكثر بالقضايا العامة المشتركة. ولكنه استبشر خيرا عندما عثر على موقع "البدرشين أونلاين" وتصفحه ووجده مهتما بأحوال المدينة وقراها ومشاكلها، ووجد في صفحتها الرئيسية أخبارا من قرى الطرفاية وميت رهينة والمرازيق. يقول الشيخ ممدوح الكيس: "شجعني ذلك على الكتابة للموقع، كما أني شعرت بالغيرة الحميدة وقلت في نفسي أن قريتي أكبر قرى البدرشين وأقدمها وأعرقها وهي مكان سياحي هام". أرسل الشيخ إلى مدير الموقع وطلب منه تخصيص جزء لأخبار قرية سقارة في الصفحة الرئيسية وأرسل له بعضها. فوجد تجاوبا سريعا منه، ونشرت مقالاته ووجدت تجاوبا من قراء الموقع.
يبدأ الشيخ ممدوح الكيس مقالاته بالبسملة وحمد الله والصلاة على النبي وإلقاء السلام على القراء ثم يكتب عما يراه من مشكلات قريته، ويحكي عن اقتراحاته التي يبلغها لأعضاء المجلس المحلي ويقول أنه يتم تجاهلها، وآخرها كان تخصيص مكان لسوق القرية بدلا من المكان الذي تملؤه مياه الصرف الصحي محذرا من تلوث الخضر والفاكهة بسبب تلكؤ عربات كسح مياه الصرف الصحي من تنظيف منطقة السوق القرية. كما كتب ساخرا عن عدم الاهتمام بطرق وشوارع القرية تحت عنوان "أموات سقارة في الجنة" موضحا أن الطريق الوعر إلى منطقة المقابر يجعل رحلة النعش إلى القبر عسيرة ومليئة بالمطبات التي ترج الجثمان وتطوحه يمينا ويسارا ليصل إلى قبره وقد كفر عن كل سيئاته، ويختتم مقاله بتوجيه الشكر إلى القائمين على شئون القرية وأعضاء المجلس المحلي على هذه الخدمة الجليلة !
بخلاف مشكلات القرى وأحياء المدينة، يهتم الموقع بإلقاء الضوء على الأخبار التي تخص البدرشين، وربما لا تهم وسائل الإعلام ذات الاهتمام العام، مثل خبر البدء في تطوير مستشفى البدرشين العام أو خبر تبرع أحد رجال الأعمال من أجل إنشاء مجمع مصالح حكومية للتيسير على المواطنين بدلا من تفرق مكاتب خدمة المواطنين في شقق متناثرة بالمدينة. وفي الأخبار التي يتناولها الإعلام، يضيف الموقع تفاصيل تهم أهل المدينة بشكل خاص. فيما يخص حريق شب مؤخرا في أحد المنازل، اهتم الموقع بتسجيل الذين حضروا فورا من أعضاء المجلس المحلي وذكر دورهم ومتابعتهم للمتضررين والإشادة بموقفهم. وفي خبر عن اكتشاف فريق طبي مصري لوسيلة اكتشاف مبكر لسرطان الرحم، سجل الموقع أن رئيس الفريق من أبناء البدرشين.
الموقع أنشيء في نهاية عام 2007 على يد المهندس الشاب محمد سعد المتناوي، الذي ينتمي لعائلة "المتناوي" وهي واحدة من كبرى العائلات في البدرشين. أثناء دراسته لهندسة الميكانيكا بجامعة القاهرة، بدأ محمد المتناوي الاهتمام بالإنترنت وتصميم المواقع، وبعد تخرجه اتجه للعمل في هذا المجال بجانب مشاركته في إدارته استثمارات عائلته.
يقول محمد المتناوي: "شاركت لفترة في بعض المجموعات البريدية والمنتديات العامة. واتجه معظم النشطين فيها إلى المدونات، لكني وجدت أن المنتديات فيها روح جماعية، خاصة إن كنت تريد أن تناقش مشكلات مدينة محددة مثل البدرشين". هناك منتديات كثيرة بأسماء محافظات أو مدن، ولكن محتواها لا يعبر عن طابعها المحلي، يغلب عليها بعد فترة الأخبار العامة وتبادل الأفلام والأغاني والألعاب والصور. ولذلك اهتم محمد المتناوي أن يكون موقع البدرشين أونلاين في شكل منتدى المشاركة فيه مفتوحة ومتنوعة بين شئون المدينة والشئون والاهتمامات العامة، ولكن للموقع صفحة رئيسية يختار هو فيها أخبار ومقالات وصور عن البدرشين وقراها، وكتب في أعلاها دعوة: "الآن يمكنك العمل كمراسل للموقع في قريتك، أرسل خبرا أو مقالا وسيتم نشره على صفحات الموقع".
شجع ذلك أعضاء المنتدى على الاهتمام بأخبار قراهم وأحيائهم، وأصبح للموقع مراسلين في معظم قرى البدرشين، وفتح التعليق على الأخبار والمقالات حوارات ساخنة بين أعضاء الموقع، منها تعليقات قراء من تلك المناطق والقرى تؤكد وجود هذه المشاكل أو تعدد مظاهرها كما يراها كل معلق في حياته اليومية، كما فتح ذلك نقاشات أداء أعضاء مجلس الشعب والشوري والمجلس المحلي، يقول عنها محمد المتناوي "سجلت تلك الحوارات أعلى نسبة قراءة ومشاركة".
كان محمد المتناوي يطمح أن يكون المنتدى مساحة للحوار بين كل أبناء البدرشين من جانب، ومن جانب آخر جسر بين الأهالي والمسئولين حول شئون المدينة ومشكلاتها. ولكنه يقول: "نجح الموقع في إثارة الحوار بين أبناء البدرشين وبعض أعضاء المجلس المحلي اهتموا بالقراءة وبعضهم علق على موضوعات، ولكن لم يحدث إلى الآن التفاعل مع المسئولين بشكل يحقق نتائج عملية".
من خلال علاقاته وعلاقات عائلته التي انتخب بعضها لعضوية المجلس المحلي، يتابع المتناوي أخبار المدينة والقرى وتحركات المسئولين، كما حاول المتناوي أن يلتقي بأعضاء مجلس الشعب عن البدرشين وطلب منهم أن يقرأوا ما ينشر في الموقع، كما طلب منهم أن ينشر الموقع جهودهم وأخبارهم في العمل على حل المشكلات، ولكنهم لم يهتموا أو أبدوا اهتماما لم ينتقل إلى حيز التنفيذ. يقول محمد المتناوي: "يفتقدون للاهتمام بالجانب الإعلامي، أحيانا يكونون قد بدأوا فعلا في خطوات حل مشكلة ما، ولكن لا أحد يعرف ذلك".
يحاول المتناوي كمدير للموقع أن يبعد شبهة "العائلية" عنه. فالمدينة التي تخلو تقريبا من التيارت السياسية، تحرك انتخاباتها الانتماءات العائلية. في قسم "شخصيات من بلدنا" التي تسجل سير بعضا من أبناء البدرشين الذين قدموا خدمات للمدينة أو اشتهروا بين أهلها، لم يسجل سير المشاهير من عائلته مثل باهي المتناوي، أحد كبار قضاة محكمة النقض، الذي أطلق اسمه على الشارع الذي يمثل مدخل المدينة.وبعض القراء ممن لا يعرفونه انتقدوا ذلك وتساءوا إن كان ذلك موقفا من عائلة المتناوي! كما أنه يؤكد على أن أخبار مقالات الصفحة الرئيسية تتجنب التجريح الشخصي لكيلا تثير الحساسيات بين العائلات. ويذكر أن هناك جريدة محلية صدرت لفترة في البدرشين كان اسمها "النبأ العربي"، ولكنها اشتهرت بكونها مساحة لتصفية الخلافات الشخصية والعائلية أوتستهدف الابتزاز، فكانت تهاجم تجارا ومسئولين لفترة إلى أن تحصل منهم على دعم وإعلانات ثم تتحول إلى غيرهم، حتى توقفت عن الصدور بعد فترة قصيرة.
على عكس ذلك، فلا رابطة شخصية تجمع فريق العمل من مراسلين ومشرفين للمنتدى، فإلى الآن لم يلتق محمد المتناوي مع الشيخ ممدوح الكيس. وإن كان المتناوي ينوي أن يلتقي في المستقبل القريب بمشاركين في الموقع للتعارف والتشاور حول تطوير الموقع.
يزور الموقع يوميا حوالي 250 زائر، وهو عدد يراه المتناوي مناسبا لموقع محلي لم يكمل عامه الأول، بالإضافة للمستوى الاقتصادي لأهل المدينة وقراها، وعدد مستخدمي الإنترنت فيها. وهو نفس رأي الشيخ ممدوح الكيس الذي يخبر كل من يعرفه بأمر الموقع ويحثه على المشاركة، ويقول: "أنا مستبشر ببداية الموقع لكن الأهم أن يستمر على نفس المنوال. في كل الخطب المقدمات معروفة ومحفوظة وجميلة ولكن الأهم هو ما ستقوله بعد "أما بعد". أتمنى أن يظل الموقع مستقلا بعد أن يحقق الشهرة ويصبح مؤثرا ولا يفعل مثل أعضاء مجلس الشعب الذين انتخبناهم مستقلين وبعدما نجحوا انضموا للحزب الوطني !".

من الصحافة الإقليمية إلى الشعبية
نشأت الصحافة بالأساس إقليمية. إن لم يكن اهتمامها إقليميا فتوزيعها إقليمي بسبب ضعف المواصلات آنذاك.
في بريطانيا، بدأت جريدة "الجارديان" العريقة عام 1821 في مدينة مانشستر تحت اسم "مانشستر جارديان". و كانت صحيفة بوسطن أول جريدة أمريكية صدرت عام 1761 ، قبل استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، عبارة عن ورقة واحدة تتناول أخبارا بريطانية وأوروبية مع أخرى محلية تخص بوسطن وبالطبع كانت توزع في هذه المدينة وحدها.
تطور الدولة الحديثة وارتباط الأخبار الهامة بالعواصم، جعل الصحف تتركز فيها، ويؤرخ عادة للصحف الإقليمية المصرية غير المركزية خارج القاهرة والإسكندرية بجريدة "النزهة" التي أنشأها جورجي خياط في أسيوط عام 1886، وفي أعقاب 1919 شهد المجتمع المصري حالة من النشاط والاهتمام بالسياسة والأخبار فازدهرت الصحف الإقليمية والصغيرة. ومن حصاد ذلك الازدهار أن ضم مجلس نقابة الصحفيين في الأربعينات صادق سلامة صاحب جريدة "الإنذار" التي تصدر في المنيا.
بعد 1952 بدأ انحسار الصحافة الإقليمية لصالح الصحف الكبرى التي أصبحت معبرة عن حكومة الثورة، ومؤخرا تضاءلت فرص الصحافة الإقليمية بسبب ضعف التوزيع الذي تعاني منه حتى الصحف الكبرى، والحالة المعيشية التي لا تسمح للكثيرين بشراء أكثر من جريدة واحدة لن تكون جريدة إقليمية. ولذلك ما استمر من الصحف الإقليمية كان من إصدار المحافظات ويرأس مجلس إدارتها المحافظ نفسه، مثل "القناة" في الإسماعيلية أو "أسوان". أو كانت تكون من إصدار حزبي ولم يستمر منها عادة إلا صحف فروع الحزب الوطني، أو أن تكون الصحيفة مشروعا شخصيا أوعائليا يهدف للدعاية ورعاية مصالح ملاك الصحيفة أو الرعاة من رجال الأعمال أو يحابي مسئولين بهدف دعمهم في صراعات سياسية وتجارية محلية. أو تكون صحيفة هادفة للربح بغض النظر عن الدور الإعلامي فتسلك طريق الإثارة عبر الصياغة الصفراء للحوادث والفضائح أو ابتزاز المسئولين ورجال الأعمال للحصول على دعمهم أو إعلانات منهم.
في السنوات القليلة الأخيرة، الإنترنت وفرت مساحة تتيح للصحافة الإقليمية أن تعود لتصبح صحافة شعبية ليس فقط في طبيعتها، بل وفي طبيعة القائمين عليها. المؤسسات الاحترافية ستواجه على الإنترنت نفس مشكلة تمويل الصحافة الإقليمية الورقية، والمدونات ذات طبيعة فردية تقدم أحيانا صحافة إقليمية ولكنها تختلف عن النافذة الصحفية المهتمة بمنطقة بعينها بشكل دوري. ولكن يملأ هذا الدور إما منتديات شعبية يوجهها أصحابها لتكون نافذة للإقليم أو المنطقة مثل "بورسعيد أونلاين"،وربما لا تجمع فريق العمل سابق معرفة أو غرض إلا التطوع لتغطية أخبار المنطقة مثل "البدرشين أونلاين". أو تكون مبادرات جماعية من إعلاميين ومثقفين مثل مجلة "ناهيا الغد" الإلكترونية التي تصدر من قرية ناهيا في منطقة بولاق الدكرور. وبخلاف ذلك هنا المواقع الإقليمية التابعة للإخوان المسلمين التي يديرها كوادرهم في مختلف المحافظات وتجمع بين الدعوة لأفكار الإخوان والدعاية لنشاطهم في المنطقة وفي كل مصر، وبين تغطية أهم أخبار المناطق كما في مواقع "إخوان إمبابة" و"فرسان مينا البصل" وغيرهما.
--
نشر في الشروق الجمعة 22 مايو 2009
المزيد

الأربعاء، 13 مايو 2009

تشكيل

تشكيل
تصوير: أحمد كامل نقلا عن http://www.arabmediasociety.com

يثبت طارق "الكاب" جيدا فوق رأسه ويزيح طرفه إلى الجانب وهو يدخل إلى الدائرة المحددة برسوم وتكوينات فنية من عجينة خفيفة ونشارة خشب على أسفلت الشارع في مواجهة بيتهم في شبرا. هي ليلة حنة أخته، والبنات معها في شقتهم بالدور الثاني يرقصن على إيقاع الأغاني التي يشغلها الدي جي الموجود بالشارع والذي يقف في مواجهة مدخل البيت، وحوله يقف الشباب أو يجلسون مشكلين حلقة يحتلها طارق ومعه من يرغب في الرقص.
يرقص طارق معتمدا أكثر على حركات يديه التي تتشابك وتتموج، يضم قبضته ما عدا الإبهام التي يثبت بصره عليها ويعلو بها ويحبط. يتغير رقصه مع تغير الإيقاع واللحن. عندما يطغى الإيقاع الصعيدي، يضع كفه اليسرى تحت مرفق الذراع اليمنى المفرودة التي يلوح بها يمينا ويسارا وهو يفتح فمه وينظر إلى أعلى ويعقد حاجبيه في إيحاء بالصرامة ويرفع أحد رجليه عن الأرض قليلا. وقد يهز خصره قليلا مع الإيقاع المقسوم. الأغاني التي يغلب عليها الشعبي قد يتخللها بعض أغاني عمرو دياب ونانسي عجرم وقد تتحول فجأة إلى أغان أجنبية يغلب عليها غناء الراب وإيقاع الهيب هوب. وعندها يبدأ طارق في استعراض حركات أسرع بقدميه تتطلب لياقة أكبر فيبتعد معظم الشباب مشكلين حلقة حوله يتفرجون ويصفقون.
"اسمه تشكيل" يوضح طارق مبتسما وهو يمثل بيديه حركات تشبيك وتموج الأيدي "لكن واحد من فرقة أفراح قال لي مرة إن ده اسمه رقص اسكندراني".
الرقصة الاسكندراني الفلكلورية الشهيرة- المنتشرة أيضا في مدن ساحلية مختلفة، وتؤدى أيضا في مدن القناة على السمسمية – يحرك الراقص فيها يديه ممثلا طريقة لعب الكوتشينة: تفنيط الورق وتحريكه بمهارة وإلقائه على الطاولة، وبعدها يبدأ في تمثيل خلع الجاكيت ثم القميص وكأنه يخسر ويبيع ملابسه. ثم يبدأ في تمثيل تجرعه للخمر في حزن على خسارته ويضم قبضته ويفرد إبهامه كأنها مطواة يبدأ في جرح نفسه بها وكأنه يعاقب نفسه.
الرقص بالأسلحة البيضاء منتشر في الأفراح الشعبية في الشوارع، والحركات الأكثر سرعة التي تلوح بالسلاح قرب الوجه والعنق أو البطن والتي تتضمن مخاطرة تعد من قبيل المجاملة الكبيرة لصاحب الفرح أو إظهار الفتوة والشجاعة. ولو لم يكن السلاح موجودا فحركات التشكيل بالأيدي توحي بوجود السلاح بالإبهام المفرود المشهر. لا يحب طارق الرقص بالسلاح ويراه مبالغة ولكنه يؤدي تلك الحركات التي تعلمها من الشباب في الشارع أثناء الأفراح ويمزجها بحركات الهيب هوب ورقص الديسكو، فهو يذهب إلى حفلات الديسكوهات الرخيصة نسبيا في وسط البلد أو الهرم. ولكن التشكيل والرقص الشعبي لا يكون إلا في الشارع وعلى أغاني وموسيقى "المولد" الشهيرة.
ترصد جينيفر بيترسون، الباحثة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، في بحثها عن إعادة إدماج الإنشاد الصوفي في الموسيقى الشعبية الراقصة تحت عنوان "The re-popularization of Sufi inshad in Egyptian dance music" أن هناك عالما من الموسيقى المرتبطة بطريقة خاصة من الرقص تكاد أن تكون كلها وقفا على احتفالات الشارع فهي من فنون "تحت الأرض" underground بالمصطلح الغربي. وترى أن اختيار اسم "المولد" لمقطوعات موسيقية خالصة أو مصاحبة لأغاني يصور النقلة من الرقص في حلقات الذكر في الموالد إلى الرقص في الشوارع مع الدي جي أو الفرق الشعبية.
الفيلم الوثائقي "شعبي" إخراج أحمد رحال، يقول نفس الشيء بمونتاج يفاجيء المشاهد بالانتقال السلس من رقص الحاضرين في حفلة إنشاد صوفي لياسين التهامي إلى فرح شعبي في الشارع على خلفية أغنية للمطرب الشعبي محمود الليثي الذي يمزج حالة الذكر بالغناء العاطفي المرح أو الشجي.
التمايل وحالة السُكر والوجد الصوفية في حفلة الإنشاد يقابلها هنا حالة مشابهة فيها بعض الإيحاء بالغياب عن الوعي من نشوة الرقص أو ربما المخدرات التي تعد "واجبا" في الأفراح الشعبية القحة، وعدم توافرها يعد أحيانا سبة في حق أهل الفرح.
الرقص الشعبي الحديث هو رقص رجالي يستمد بعض عناصره من التمايل الصوفي والرقص الصعيدي بالعصا ورقص الهيب هوب – عالم الراب والهيب هوب تغلب عليه حالة ذكورية كبيرة مع استثناءات قليلة - وقد يستعير هز الخصر من الرقص البلدي الأنثوي بطبيعته. والجذور الريفية لمعظم عشوائيات المدن تستحضر حالة المولد وأجواء المنشدين الشعبيين ولكن الأجيال الجديدة التي تتخلى تدريجيا عن طقس حضور المولد، تعيش أجوائه في أفراح الشارع مع المغنين الشعبيين والدي جي الذي يعزف الإيقاعات الراقصة التي ورثت الاسم: "المولد"، ويرقصون رقصهم الحر ويتبارون في "التشكيل" الذي يستمد عناصره من أجواء عالمهم الجديد.

فيديو 1 - 2 - 3
--
نشر في الشروق 12 مايو 2009
نسخة PDF

المزيد

الخميس، 7 مايو 2009

البوسطجية اشتكوا


تطوير هيئة البريد لم يقتصر على الواجهات الجديدة الفاخرة والاهتمام بديكور مكاتب البريد وتغيير الشعار، بل لحق أيضا بمهام الموظفين مع توجه الهيئة للتحول إلى مؤسسة اقتصادية فزادت مسئولياتهم ولكن مع ثبات الأجور والمزايا. اليوم يحاول موظفو البريد بعدد من المحافظات تنظيم إضراب عن العمل في عدد من المحافظات، مطالبين بتحسين أوضاعهم بعد التطوير ومساواتهم بموظفي وزارة الاتصالات التي يتبعونها.
PDF

ساعي البريد ينتظر جوابا
لم يعد في جعبته إلا خطابات هيئات الدولة ومراسلات المساجين لأهلهم، يسمع عن خطط تحسين أوضاع موزعي البريد وعن موتوسيكلات ميسرة بالتقسيط توفر عليهم التجوال على الأرجل، ولكنه لا ينتظر الوعود مع زملائه بل ينتظر خطابا من قريب له بإيطاليا ليلحق به مثلما يفعل معظم شباب قريته.

يشعر محمد شاهين أنه في منتصف طريق لم يعد أحد يسلكه. فمنذ أربع سنوات تخرج من ثانوية البريد التي ألغيت بعدها، وهو الآن طالب يكمل دراسته في السنة النهائية بكلية التجارة الخارجية شعبة البريد وهي الشعبة التي توقفت عن استقبال الطلبة بدءا من هذه السنة الدراسية، كما أنه عمل طوال السنوات الأربع ولا يزال كساعي بريد أو موزع في مدينة المحلة بينما تقل الخطابات بشكل مطرد.
يبتسم محمد وهو يقول: "طبعا لم تعد هناك خطابات شخصية بين الناس بعد الموبايل والإنترنت، ولما نجد خطابا مثل هذا نعده من الطرائف". معظم الخطابات هي مراسلات رسمية بين هيئات الدولة وبعضها أو بينها وبين المواطنين مثل إخطارات الضرائب أو الدعاوى القضائية، وبخلاف ذلك هناك رسائل المساجين التي تصلهم دائما يوم الأحد، يقول محمد :"يبدو أن الداخلية تجمعها وتفرج عنها جميعا في يوم واحد". في الماضي كان الأدب والسينما يصوران ساعي البريد -خاصة في الريف - كشريك في تفاصيل حياة الناس- ولكن ما بقى من هذه الصورة هي معرفته بمن دخل السجن ومن خرج منه في نطاق خطوط السير التي عمل بها. فيواسي أهالي المسجون حديثا ويهنيء أهالي المسجون الذي توقفت رسائله متوقعا أنه تم الإفراج عنه. يقول محمد: "ولكن رسائل السجن لا تخلو أيضا من الطرائف، فأحيانا يكتبون عليها صيغا مثل: "يا بختك يا جوابي هاتشوف أعز أحبابي"، أو "يا رب يوصل" أو يحاولون تشجيعنا وحثنا على توصيله بعبارة "شكرا لرجال البريد الشرفاء هنا وهناك"، وأحيانا أجوب المنطقة بحثا عن شخص شهرته حماصة لأن الخطاب لم يكتب عليه إلا اسم الحي وعبارة "يسلم ليد حماصة"".
بتنقله بين خطوط السير المختلفة خلال السنوات الأربع، أصبح محمد شاهين يعرف جيدا معظم مناطق المحلة التي جابها سيرا على الأقدام : "لا أشعر عادة بالوقت يمر، يسلمك خطاب قريب إلى خطاب أبعد وهكذا لا أشعر بالوقت إلى أن أنتهي وعندها أشعر بأن ساقاي بالكاد تحملاني". يبتسم وهو يضيف :"ولكن لا تقلق هناك بدل مواصلات جنيه واحد في اليوم !". الفترة الماضية بدأت الهيئة في الإعلان عن عروض موتوسيكلات بأقساط ميسرة لهم ولكن دفعة واحدة منها بيعت وتوقف الأمر مع وعد بإعادة الكرة.
العمل في توزيع الخطابات هي المرحلة الأولى التي يمر بها كل رجال البريد ويتدربون فيها على يد موزعين أقدم منهم لمعرفة خطوط السير وحفظ خريطة المنطقة عن ظهر قلب، بعدها يرقون إلى فرازين وهم من يتولون التعامل مع أكوام الخطابات التي تجمع من الصناديق ويقومون بتصنيفها وإرسالها إلى مراكز الحركة التي تنقلها إلى أماكن إرسالها ليتولى فرازون آخرون توزيعها على خطوط السير والموزعين لتصل إلى المواطنين. وبعد مرحلة الفرز ينتقل رجل البريد للعمل في مكتب بريد ثم في إدارات المناطق.
يقضي خريجي ثانوية البريد خمس سنوات كتكليف من الدولة ، لا يمكنهم خلالها الحصول على إجازات طويلة. يقول محمد :"قبل سنوات كنت أنظر لموظفي البريد فأراهم مميزين بين موظفي الدولة، ولكن الآن تقل المميزات وتزداد الأعباء والتطوير بطيء فيما يخص التوزيع فمثلا عدد منا يشكو من أن تمدد العمران في كل المناطق سبب تضخم في خطوط السير وعندما نطلب تقسيمها بشكل مناسب يقال لنا أن ذلك يتطلب دراسة وموافقة في الإدارة المركزية في القاهرة وغالبا ما ينتهي الأمر على ما هو عليه لأنه لا ميزانية لعدد آخر من الموزعين". يضيف محمد أنهم سمعوا أيضا عن خطط لتغيير مسماهم الوظيفي من موزع إلى مندوب للهيئة يقوم بمهام إضافية ومختلفة ولكنهم يتخوفون من أن يكون ذلك بنفس المقابل الضعيف كما حدث مع موظفي المكاتب.
يشير محمد إلى أن مسكنه في قرية الناصرية مركز سمنود المدينة القريبة من المحلة، ومعظم شباب قريته اعتادوا على السفر للخارج للعمل في إيطاليا وفرنسا وألمانيا ويعودون لبناء العمارات وبدء الاستثمارات حتى أصبح ذلك تقليدا في كل عائلة وكل جيل يساعد التالي له في السفر والحصول على إقامة وفرصة عمل، وحتى أبناء الأسر المعدمة يخوضون تجربة قوارب الموت من ليبيا لمواجهة قلة فرص العمل. بعد التطورات الأخيرة فيما يخص أوضاع موظفي البريد يقول محمد أنه فقط ينتظر انتهاء السنوات الخمسة للتكليف لكي يحصل على إجازة ويتمني خلال هذه الفترة أن ينجح قريب له يعمل في إيطاليا من توفير فرصة عمل وإرسال دعوة له. وربما يكون هذا الخطاب هو آخر ما سيمسكه من خطابات.


موظفون غاضبون في مكاتب خضراء زاهية:
"الخطابات قليلة لكن صندوقنا فاض بالمهام"
الموظفون تلقوا دورات ليؤدوا دور موظف الشباك الشامل الذي يستطيع تقديم الخدمات المتنوعة الجديدة للمواطنين، وفي العديد من المكاتب يقومون بأداء أعمال النظافة والبوفيه ولكن منذ سنوات لا أجور إضافية والحوافز تقل، وما يزيد فقط هو المطالبة بالانضباط وإلا تزيد الجزاءات أيضا.
يدخل الشيخ الهرم مع دقات الساعة الثالثة عصرا إلى مكتب البريد الصغير في الحي الشعبي بمدينة المحلة ويسلم على موظفي الشباك الثلاثة بأسمائهم ويحيي شريف البدراوي وكيل المكتب ويسأل إن كان بإمكانه إيداع بعض المال في حساب التوفير الخاص به. يقوم إليه البدراوي ويعتذر منه بأنهم بدأوا في إغلاق حساب اليوم مع نهاية ساعات العمل. فيمد الشيخ يده بالنقود قائلا: "الدار أمان، خلوها معكم لبكرة وأودعوها". يعتذر منه البدراوي مرة أخرى ويطلب منه أن يرسل أي طفل صغير في الصباح بدلا من أن يتعب نفسه. يخرج الشيخ محييا الموظفين، ويهز شريف البدراوي رأسه في أسف وهو يقول أن مثل هذا الشيخ يجعلون فكرة إضراب موظفي البريد صعبة :"ماذا أفعل إن جاءني يطلب معاشه، هل يمكن أن أرده ؟". ولكن في نفس الوقت يقول أن أوضاعهم في حاجة إلى تغيير.
قبل ساعات كان المكتب يعج بالنشاط، صندوق البريد الموجود أمام المكتب نادرا ما يقربه أحدهم ليضع خطابا، ولكن لا تتوقف داخل المكتب طلبات الإيداع في دفتر التوفير والحوالات البريدية الفورية وخدمة تحصيل النقود لصالح الشركات، وسداد فواتير الكهرباء والمياه والتليفون وتوصيل الطرود، بالإضافة لخدمة بيع التليفونات المحمولة والخطوط وكروت الشحن لشركة اتصالات التي تملك هيئة البريد حصة تبلغ 26% منها.
"نحن الجهة الوحيدة التي يقوم موظفوها بعشرات المهام ويتلقون تدريبات مستمرة ولكن بنفس الأجر" يقول شريف البدراوي بعد أن أحضر أكواب الشاي التي أعدها بنفسه: " هنا نحن 4 موظفين فقط، ولأوقات طويلة نكون منهمكين في العمل أمام الشبابيك ولا نتمكن من القيام لإعداد كوب شاي، فلا يوجد سعاة أو عمال بوفيه، وبعد انتهاء أوقات العمل نقوم بتنظيف وكنس المكتب بأنفسهنا".
يشكو معظم موظفي البريد أنهم يؤدون مهاما متنوعة حديثة تتطلب تدريبا بالإضافة لأعمال خارج اختصاصهم مثل التنظيف، ولأكثر من سبع ساعات متواصلة بلا توقف. ولكن المقابل أقل بكثير من هيئات حكومية أخرى. يقول شريف البدراوي :" لي الآن 20 سنة أعمل في البريد، بدأت كموزع ثم فراز ثم معاون ثم مراجع والآن وكيل مكتب ولا يزال مرتبي 800 جنيه، بينما أقراني في وزارة الاتصالات لا يقل مرتبهم عن 2000 جنيه".
هذا بخلاف مشاكل التعاقدات، فيشير شريف إلى السيدة إحسان المنهمكة في إغلاق حسابات اليوم ويقول أنها واحدة من 5000 موظف بعقود مؤقتة يشكون، وبعضهم يشكو من 15 سنة ولكن دائما الردود تأتي بأنه لا موازنة لتعيينات جديدة أو لتعديل الأجور.
يشكك شريف في هذا الكلام قائلا أنه في عهد الرئيس السابق للهيئة د. علي مصيلحي- الوزير الحالي للتضامن الاجتماعي- كانت الحوافز أكثر وتحسب من الأجر الشامل، ولم تكن الهيئة توسعت في التطوير وبدأت شراكاتها الجديدة. كما أنه يشير إلى الديكور الحديث للمكتب قائلا أن الأموال توفرت لتطوير المكاتب ولشراء حصة من شركة المحمول الثالثة والدخول كشريك في خصخصة البريد الأردني ولكن الأجور لا تتحرك والحوافز تقل بل وتحسب من الأجر الأساسي. ويضيف: "نحن جهة خدمية ولكننا نحقق مكاسب من رسوم الخدمات. هذا المكتب الصغير على سبيل المثال يحقق دخلا متوسطه 20 ألف جنيها شهريا بينما لا تزيد مصاريفه شاملة أجور العاملين الأربعة به 3000 جنيه شهريا".
في المقابل يقول العديد من موظفي البريد أنهم الأكثر انظباطا بين هيئات الدولة، يتواجدون على مكاتبهم في الثامنة إلا الربع تماما، وينتهون من التعامل مع الجمهور في الثالثة، ثم يقومون بمراجعة الحسابات ولا يرحلون قبل الرابعة عادة. كما أن المفتشين يتعاملون بصرامة بالغة ويخصمون من مرتبهم بسبب سوء المظهر أو عدم نظافة المكتب أو بسبب أي خطأ أو سهو في اسم أو رقم أو عند حدوث أي مشادة مع مواطن.
يقول شريف البدراوي :"هناك جزاءات كبيرة بخصم أيام من المرتب، وهناك جزاءات صغيرة بخصم جنيه واحد في مقابل الأخطاء الصغيرة، وخصم الجنيهات يطول موظف البريد بشكل يومي، وفي نهاية الشهر يجد أمامه قائمة بخصومات الجنيهات من مرتبه" ويضيف "المشكلة أن لائحة تقييم الموظفين الجديدة التي كانت الهيئة تريد تمريرها تجمع خصومات الجنيهات وتحولها إلى أيام جزاءات بحسب قيمة أجر اليوم وتجعلها تخفض تقدير الموظف من ممتاز إلى جيد أو متوسط أو ضعيف، ولو حصل على تقدير ضعيف في تقريرين سنويين يمكن للهيئة فصله". هذه اللائحة اعترض عليها الموظون والنقابة العامة وتم تجميد العمل بها مؤقتا تمهيدا لتعديلها.
تعديل هذه الاوضاع ومساواتهم بموظفي وزارة الاتصالات وتوفير فرص عمل لأبناء العاملين هي المطالب المعلنة للجنة الداعية للإضراب التي تتركز في كفر الشيخ وشمال ووسط سيناء، وهي المحافظات التي أعلن عدد من موظفيها المشاركة في إضراب اليوم، ولكن حتى أول أمس لا تزال المحلة في حيرة من أمرها. يفسر شريف ذلك بأن أهالي المحلة عموما أصبحوا حذرين بسبب التجربة الصعبة في أحداث 6 إبريل 2008، كما أن الأمن أيضا أصبح هناك أكثر يقظة وحزما. يغلق شريف أبواب المكتب معتذرا لواحد آخر أتى متأخرا ثم يقول: "نعرف أن حياة عدد من الناس سيتعطل ولكن الأمر يتطلب وقفة فعلا والأمر رهن بقرار النقابة ولو أضرب بعض الزملاء في المقرات الرئيسية ممن طالهم جزاءات أو ظلم كبير، لن نتركهم وحدهم وسنضرب معهم. وربنا يستر".
-
تم تغيير أسماء الموظفين بناء على طلبهم


النقابة: بعض المطالب غير واقعية ولا نؤيد الإضراب

يؤكد محمد سعد البهوتي، رئيس اللجنة النقابية بالمحلة الكبرى، أن موقف النقابة العامة هو رفض الدعوة إلى الإضراب لأنها تضر بمصالح المواطنين البسطاء وقال أن النقابة العامة تسعى لتحقيق بعض المطالب الواقعية للموظفين مثل تثبيت المؤقتين وإعادة النظر في الحوافز والمرتبات في حدود الإمكانات المتاحة وتجميد العمل بلائحة التقييم الجديدة التي اعترض الموظفون عليها.
أما المطالب الأخرى مثل المساواة بموظفي المصرية للاتصالات فيرى أنها غير واقعية في ضوء الإمكانات المتاحة ولا تراعي اختلاف الدخل الذي تحققه كل مؤسسة، وقال أن بعض مكاتب البريد تحقق دخلا ولكن بعضها الآخر لا يحقق نفس الدخل وأن بعض الموظفين رؤيتهم محدودة بأماكنهم.
ويقول البهوتي أن اختلاف المكافآت في الوقت الحالي مع رئاسة علاء فهمي لهيئة البريد عن وقت رئاسة عادل مصيلحي يعكس اختلاف سياسات نظرا لدخول الهيئة في شراكات وخطط جديدة.
ويوضح البهوتي أن النقابة لا ترى أن إضافة مهام جديدة في نفس وقت العمل يبرر المطالبة بزيادة الأجور، وأن الإمكانات المالية لا تتيح تعيين سعاة وعمال نظافة ولكن النقابة سعت لحل المشاكل بتناوب السعاة المتوفرين على العمل في المكاتب أو استقدام عمال نظافة وإضافة أجرهم لمصاريف المكتب، ويضيف: "عندما كنت مديرا لمكتب كان الساعي في الستين من عمره وكنت أقوم بنفسي بتنظيف مكتبي ولم أتذمر ويجب أن نراعي ظروف البلد وظروف الهيئة".
--
نشر في الشروق 7 مايو 2009

المزيد