الجمعة، ١٣ نوفمبر، ٢٠٠٩

سهرة سماعي


"سمّيعة الطرب" الذين لا يضيرهم الاستماع فرادي إلى موسيقاهم المفضلة ، تتضاعف متعتهم عندما يجتمعون حول اسطوانة قديمة تقاوم الزمن تداعبها إبرة جرامافون لا يزال طلاؤه الذهبي يلمع وينطلق بوقه باللحن القديم زاهيا.

يقلب د. محمد الباز في مجموعات الاسطوانات المتناثرة في أرجاء الصالون إلى أن يجد اسطوانة بعينها، يضعها في أحد أجهزة الجرامافون الكثيرة الموزعة في الأركان. يخرج إبرة جديدة من كيس مجاور للجرامافون ويثبتها فيه. يلف الزنبلك بيده لثوان، قبل أن يضع الإبرة على سطح الاسطوانة التي بدأت تدور.
"يا صحبة الورد النادية، الكون ده مخلوق علشانك. ابتسمي للدنيا الزاهية، وفتحي قبل أوانك" ينطلق صوت ليلى مراد هادئا وناصعا، ومتسقا مع ديكور الصالون والأثاث الكلاسيكي وأجهزة الراديو ذات الطراز القديم وقطع السجاد اليدوي الفنية المعلقة على الحائط والأغلفة الصفراء المتناثرة التي تحفظ الاسطوانات الكبيرة العتيقة، التي توقف د. محمد الباز مؤقتا عن تقليبه فيها بحثا عن شيء آخر وهو يستقبل ضيوفه ويرحب بهم ويشدد على خدمه التزام الحذر وهم ينقلون بعض الاسطونات: "كأنها من زجاج".
الليلة هو موعد لقاء مجموعة منتقاة من "السميعة" الذين اجتمع شملهم من خلال منتدى "سماعي" على الإنترنت، ثم بدأوا التواصل وجها لوجه والتلاقي كل فترة في سهرة تتنوع بين السماع والنقاش حول الموسيقى التراثية أو أحاديث الذكريات، وأصبح منزل د. الباز بأجوائه المميزة مكانا مفضلا للقاءاتهم.
يجلس ياسين سعيد، الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين بعد ويعبر عن سعادته الدائمة بالقدوم إلى فيلا د.محمد الباز، الطبيب وأستاذ طب الأطفال في جامعة الزقازيق، والاستمتاع بأجواء الطرب وسط "كبار السميعة". يرحب ياسين بمحمد الآلاتي، الملحن والناقد الموسيقى الذي يبدو في الأربعينات من عمره. ويحييان معا المهندس محمد رؤوف المسيري الذي يبدو أكبر قليلا ويخاطبونه باسمه الذي يعرف به في المنتدى :"الباشا". المهندس رؤوف، بالإضافة لكونه "سميعا قديما"، فهو خبير في تكنولوجيا المعلومات وواحد من المجموعة القليلة التي أحيت المنتدى وقت افتتاحه عام 2005.
يرحبون جميعا بقدوم محمد أبو مندور ثم يفاجئون مضيفهم بحضور د. صالح عبد الفتاح أستاذ الفيزياء النووية بجامعة القاهرة الذي قد يفضل في هذا المقام لقبا آخر: "الحبر الكلثومي" فهو واحد من أشهر سميعة "أم كلثوم" بشكل خاص ويحفظ عن ظهر قلب التاريخ الفني لأم كلثوم بما في ذلك تواريخ حفلاتها وماذا غنت في كل منهم.
كانت اسطوانة ليلى مراد قد انتهت، فوضع د.محمد الباز شريط بَكَر Reel في مشغل هذا النوع من الشرائط، والذي كان التطور السابق على الكاسيت، وطلب من الجميع الاستماع إلى ذلك التسجيل لأغنية "يا اللي كان يشجيك أنيني" والتركيز على الختام المميز للأغنية مع كلمة "دموعي" التي تفيض لوعة وشجنا. يحلل محمد الآلاتي هذه اللفتة الموسيقية، بينما يتناقش د.صالح ود.الباز حول عدد المرات التي غنت فيها أم كلثوم هذه الأغنية وتاريخ هذا التسجيل.
يعلق ياسين: "المرة الأولى التي اطلعت فيها على نقاشات المنتدى استغربت هذا الاهتمام بالتسجيلات المختلفة والفروق بينهما. كلهم في النهاية أغنية "يا اللي كان يشجيك أنيني"، ما الفرق؟ ولكن بعد فترة علمت أن هناك فروق فنية لا يلاحظها إلا السمّيع، مثل إعادتها لمقاطع أو صولوهات لآلات معينة وأيضا ارتجالاتها المختلفة خارج اللجن المكتوب". يتدخل د. صالح: "في إحدى الحفلات بعد أن هموا بإنزال الستار استجابت أم كلثوم لطلب الحضور وأعادت مقاطع من آخر أغنية يتصريفات وارتجالات لا مثيل لها لم تغنها من قبل. مثل هذا الإبداع ليس متاحا في كل تسجيل فهو لم يكتبه الملحن في النوتة ولم تتدرب عليه الفرقة في البروفات ولكنهم يلاحقون أم كلثوم ويحاولون مجاراتها".
لدى د.صالح أرشيفا لكل حفلات أم كلثوم بتواريخها وأسماء المذيعين الذين قدموها بل وأرقام الاسطوانات المتاحة منها في مكتبة الإذاعة المصرية التي لم يدخلها أبدا! يحكي أنه بدأ في الاتصال بالإذاعة والسؤال عن أرقام الاسطوانات لكي يدونها، واستغربوا ذلك في البداية ولكنه كون صداقات بين مهندسي الإذاعة وعندما أنهى تسجيل أرقام الاسطوانات أصبحوا يرجعون إليه أحيانا لسرعة الوصول إلى أرقام الاسطوانات مع معلومات عن الحفلة وأغانيها، وفي أوائل الثمانينات كانت الإذاعة تعلن أن فقرة أم كلثوم من إعداد واختيار د. صالح عبد الفتاح.
في منتدى "سماعي" وجد صالح عبد الفتاح احتفاء باهتمامه البالغ بتاريخ أم كلثوم، كما أنه وجد مشاركين له في هذا الاهتمام لدرجة أن المنتدى يحتوى على تسجيلات لا توجد عند الإذاعة المصرية أو أنها مفقودة وتالفة أو لا تذاع بسبب سوء حالتها.

مجلس الطرب الافتراضي
منتدى "سماعي"، الذي يعد الآن أكبر منتدى موسيقى عربي على الإنترنت ويتجاوز عدد الأعضاء المسجلين به 470 ألف عضو، كان نقطة التقاء مهتمين بالموسيقى العربية التراثية من مختلف الأعمار والأماكن. ورغم أن مؤسسيه كانوا ثلاثة: محمد الزمنطر من تونس وأحمد المسلمي من اليمن ومحمد حسان من مصر، إلا أن الحضور المصري الأكثر كثافة واضح في المنتدى. وهم يظنون أنهم في الغالب المجموعة الأكثر تواصلا في الواقع، بالإضافة لمجموعة أخرى في المغرب، ويحكي محمد الآلاتي أن أول لقاء موسع لـ"سميعة المنتدى" كان في مقهى البستان بوسط القاهرة في أغسطس 2007 وحضر إليه أعضاء من المحافظات المختلفة، ثم بدأوا لقاءات غير دورية في منزل د.محمد الباز.
يحكي د. الباز أنه كان يمارس وحده هوايته في جمع الاسطوانات والشرائط القديمة وأجهزة تشغيلها إلى أن تعرف على م.رؤوف عبر المنتدى، والذي علمه كيفية تحويل هذه التسجيلات النادرة إلى صيغة الكترونية ووضعها في المنتدى ومشاركتها مع الآخرين ممن يفعلون الشيء نفسه ليجد هو أيضا تسجيلات لم يكن على علم بها. يقول د.محمد: "قبل ذلك كان المصدر الوحيد للتسجيلات والاسطوانات هم تجار الأنتيكات الذين يشترون هذه الأشياء من البيوت والقصور ثم يبيعونها للهواة.
هؤلاء التجار، قبل ذيوع المنتديات، كانوا إحدى حلقات الوصل بين الهواة. وعن طريقهم تعرف هواة لاقتناء التسجيلات على د.محمد الباز ومنهم من حضر خصيصا من بلاد أخرى ليكمل مجموعته أو يستمع إلى تسجيل نادر. يذكر ياسين د.الباز بالشيخ خالد من قطر الذي زاره خصيصا من أجل بعض الاسطوانات النادرة التي لديه ثم يطلب منه تشغيل أغنية "يارفيع التاج" لمحمد عبد الوهاب. يضع د. الباز الاسطوانة وعندما تبدأ تنتعش ملامحه مع الأنغام ويقول: "كان محمد عبد الوهاب يقول أنه لا يستمتع بالسماع إلا وهو يشاهد الاسطوانة تدور أمامه".
يمدح محمد عبد الوهاب في الأغنية آل سعود. فيتطرق الحديث إلى ممالئة عمالقة الطرب للحكام ويؤكدون على أنهم يحبون فنهم وإبداعهم مهما كانت الملاحظات على سيرتهم الشخصية. يلقى د.الباز بملحوظة عن استبداد أم كلثوم وتسلطها أحيانا بعد شهرتها. يتفق معه مع بعض التحفظ د. صالح المتحيز لأم كلثوم دائما، بينما لا يجد ياسين، وهابيّ الهوى، غضاضة في ذلك ويؤكد :"لا أعتقد في هوايتنا حنين لعصر معين عشناه أو سيرة أشخاص، أنا لم أعش تلك الأيام ولا رأيتهم ولكن من يحب شيء ما يبحث عن الأصيل فيه".
يحكي ياسين عن كونه غريبا بعض الشيء بالنسبة لأقرانه من الشباب. فزملاؤه في العمل "ضبطوه" وهو ينقل إلى الكمبيوتر بعضا من مختاراته الموسيقية وظلوا يحدقون لفترة في بعض الأسماء: محمد أفندي صادق، عبد الحي حلمي، وعبد الرحيم حسنين ! وعندما طلبوا منه أن يشغل لهم أحدث ما عنده شغل لهم أغنية لمحمد ثروت! يتدخل م.رؤوف ليقول أن الأغاني الحديثة هي أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب في الستينات. يضحك الجميع ويذكر ياسين أن الحقبة الزمنية المفضلة لـ"الباشا" هي العشرينات والثلاثنيات التي شهدت بدايات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.
"اسمعوا دي" يعثر د.محمد فورا على اسطوانة قديمة تغني فيها أم كلثوم طقطوقة قديمة بأسلوب العشرينات: "الفل والياسمين والورد، عملوا سوا صحبة موضة - ويا الزهور دول ربطوا عهد، عايزين حبيبي في الأوضة". ويؤكد على أن لها أغاني قديمة جميلة غير معروفة للأجيال الجديدة ربما لأن كلماتها تحتاج لتوضيح، ويعلن عن أسفه أن تسجيلات قديمة كثيرة تندثر بسبب عدم الاهتمام بها من جانب المسئولين.

التشبث بالذاكرة
يحكي د. الباز عن تجربة له في دار الكتب المصرية في عهد رئيسها السابق. فقد تعرف عليه مصادفة، وعندما عرف د. الباز أن لديهم اسطوانات تحوي تسجيلات نادرة عرض أن يأتي بشكل منتظم إلى دار الكتب ويحضر معه جهاز تسجيل لكي ينقل محتوى الاسطوانات إلى صيغة الكترونية يسهل حفظها، فوافق. وعندما بدأ مهمته فوجيء بأن الاسطوانات مكومة فوق بعضها في المخازن، وأنها موضوعة في أغلفة خشنة تفسدها، وأن الموظفة المسئولة عن القسم منذ أكثر من 20 عاما لم تسمع أيا من كل هذه الاسطوانات ولم تشغل ولو مرة واحدة الجرامافون الموجود عندها ولو من باب حب الاستطلاع. واكتشف عندما كانت تساعده أنها تلقي بالاسطوانات في القمامة عندما تجدها مشروخة بدلا من محاولة إصلاحها! في الوقت الذي كان هو ينتشي لأنه يجد تسجيلا نادرا لبروفة للشيخ يوسف المنيلاوي مثلا. وفي النهاية اضطر لأن يتوقف عن هذا التطوع لأن بعض الموظفين شكوه للإدارة وقالوا أنه يسرب التسجيلات إلى خارج الدار!
يلتقط د.صالح طرف الكلام ليقول أنه متأكد أن هناك اسطوانات وتسجيلات تتلف في مكتبات الإذاعة ولا نسمع عنها في الوقت الذي خاطر مرة بحياته في سبيل تسجيل نادر! ويحكي أنه سمع مصادفة في إذاعة اسرائيل تسجيلا نادرا لإحدى أغنيات أم كلثوم، ولم يكن هذا التسجيل موجودا في الإذاعة المصرية ولا عندي أي من الهواة الذين يعرفهم، فترقب لشهور واستمع يوميا لبرنامج إذاعة اسرائيل صباحا ليعرف أي من أغاني أم كلثوم سيذاع مساء، وعندما أعلنوا عن بث الأغنية مرة أخرى، انطلق مساء بسيارته على طريق السويس ومعه جهاز تسجيل ببطاريات ليحصل على درجة نقاء عالية. وعند منطقة معينة توقف في الصحراء وترك نفسه للموسيقى إلى أن فوجيء بكشافات تخترق الظلام الذي حل وفوهات أسلحة تطرق على زجاج السيارة، فتأكد أولا من استمرار التسجيل ثم خرج إليهم ليعرف أنه توقف قرب منطقة عسكرية. وطبعا لم يتفهم كلامه المريب عن الأغنية و"إذاعة إسرائيل" إلا قيادات المنطقة من كبار الضباط فعاد إلى سيارته ليحمد الله أن التسجيل تم بنجاح.
تقترب الساعة من الحادية عشرة، وهو ما يعني موعد أغنية أم كلثوم في إذاعة الأغاني، فيفتح د. الباز الراديو وينصت هو ود. صالح إلى المدخل الموسيقى وبعد ثوان يخبره د. صالح باسم الأغنية وتاريخ الحلفة :"عندنا التسجيل ده" ويهزان رأسيهما باطمئنان ويغلق د.الباز الراديو ويأمر بالشاي ويضع اسطوانة "أصل اشتباكي مع المحبوب في هوايا" لصالح عبد الحي، ويستمر السماع وحديث الذكريات حتى منتصف الليل.


تصوير :محمد الميموني
نشر في "الشروق" الخميس 12 نوفمبر 2009
PDF

المزيد

اتجاه واحد إلى القاهرة


بعض عواصم الدول تحمل اسم الدولة نفسها، فلا مشكلة أن يسمى بعضنا القاهرة "مصر". لكن مشكلة كبيرة أن تكون مصر هي القاهرة، فتسافر إليها كل الأحلام والطموحات من كل المدن وتتركز فيها كل الفرص والتجارب.


في شركة الاتصالات التي تعمل بها شاهيناز عبد السلام، لاحظت الإدارة أن نسبة كبيرة من العاملين هم من مدينة الإسكندرية. الشركة هي فرع لمؤسسة دولية اختارت القاهرة عندما قررت الاستثمار في مصر. ولكن بسبب هذه النسبة الكبيرة من السكندريين فكرت الإدارة، كما تحكي شاهيناز، في افتتاح مكتب في الإسكندرية، وبدأت بالفعل في الاستفسار منها ومن زملائها السكندريين عن المستوى الاجتماعي في الإسكندرية والمستوى التعليمي لمدارسها وكلياتها. غير أن هذه الفكرة لم يكتب لها التنفيذ لأن الإدارة تراجعت عنها بعدما وجدت أن العديد من هؤلاء بدأ في الاستقرار في القاهرة أو رتب أموره لذلك بشكل دائم أو مؤقت، وبعضهم كان بالفعل غير منزعج من الإقامة في القاهرة بل ربما كان ذلك أفضل له من بعض الجوانب، مثل شاهيناز نفسها.
يصلح هذا الموقف كنموذج ولو محدود يشير إلى صعوبة تحديد المسئولية أو نقطة بداية المشكلة عندما نتحدث عن الحالة الصارخة لتركز الخدمات والأعمال والفرص والنشاط في القاهرة وحدها دونا عن باقي المدن المصرية، وبفارق كبير حتى عن الإسكندرية المدينة الكبرى العريقة. فالناس يلقون اللوم على الحكومة وأصحاب الأعمال لأنهم لا يوفرون خدمات ولا يغامرون باستثمارات كافية في المحافظات المختلفة بينما رجال الدولة مضطرون بشكل ما لزيادة الخدمات في العاصمة التي ينزح إليها الناس من كل مكان، ومن الطبيعي أيضا أن يفتتح المستثمرون أعمالهم وسط الجمهور الأكبر. من أولا: البيضة أم الدجاجة؟

هناك حالات مختلفة قد تشير بشكل ما إلى هذا الطرف أو ذلك ولكن لا يمكن حسم المسألة. ففي نفس الشركة التي تعمل بها شاهيناز هناك زميلتها هبة سامي التي انتقلت أسرتها بسبب عمل والدها من القاهرة إلى الإسكندرية للاستقرار هناك، ورغم أنها تفضل الحياة في الإسكندرية إلا أن كلتاهما الآن في القاهرة من أجل العمل.

شاهيناز تلائمها الحياة في القاهرة من بعض الجوانب، إلا أنها تعتقد أن تمركز الأعمال والأنشطة فيها سلبي وتلوم تخطيط الدولة بشكل أساسي: "أنا بالأساس متخصصة في الهندسة النووية وخريجة كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، كل المتخصصين في هذا المجال يعلمون أن المكان الأنسب لأي مفاعل نووي هو بجانب البحر. ولكن عندما فكرت في فرصة عمل أو تدريب في هذا المجال وجدت أن المفاعل الوحيد موجود في أنشاص". ورغم أن أنشاص تقع في محافظة الشرقية إلا أنها لا تبعد إلا 60 كيلومترا عن القاهرة، وتعتبر شاهيناز هذا دليلا على التفكير المفرط في المركزية لدى الدولة. غيرت شاهيناز تخصصها إلى مجال تكنولوجيا المعلومات ومن عام 2001 إلى 2005 تنقلت في الإسكندرية بين عدة أعمال وصفتها بأنها مؤقتة أو غير مجزية أو ليس لها مستقبل. معظم الشركات الكبرى أو الدولية تفتتح فروعها في القاهرة وفي مجال حديث مثل تكنولوجيا المعلومات كانت فرص العمل في الإسكندرية محدودة، ولذلك أتت إلى القاهرة.

عمل ونمط حياة
البحث عن فرصة عمل أفضل أو أي فرصة عمل متاحة هو الدافع الأول للانتقال إلى القاهرة، وتسارعت هذه الوتيرة في الستينات مع تركيز دولة الثروة على التصنيع والحاجة إلى الأيدي العاملة، ورغم أن مجالات الأعمال مثل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ذات طبيعة مختلفة ولا تتطلب التركز في أماكن بعينها، إلا أن القاهرة لا تزال تجتذب الاستثمارات ومقار الشركات الجديدة أو فروع الشركات العريقة، وبالتالي تتركز فرص الأعمال الجديدة فيها. وهو ما كان نفس السبب الذي أدى لانتقال هبة سامي من الإسكندرية إلى القاهرة. أسرة هبة كانت قد انتقلت إلى الإسكندرية بسبب عمل والدها مهندس الإلكترونيات في البحرية، ورغم أن الأسرة تأقلمت مع الحياة هناك وفضلوها عن القاهرة إلا أن الجيل الثاني من الأبناء قد ينتقل للاستقرار في القاهرة على غير رغبة منهم بسبب فرص العمل في تخصصاتهم غير المتوافرة في الإسكندرية.
أمر مشابه حدث مع أسرة بسمة طنطاوي، مهندسة الإلكترونيات. الأسرة كلها انتقلت إلى الإسماعيلية عام 1982 مع الوالد الطبيب الذي سيعمل في مستشفيات هيئة قناة السويس. ولكنهم عادوا إلى القاهرة قبل 3 سنوات بعد انتهاء عمل الوالد هناك. وبخلاف فرصة عمل بسمة، في شركة دولية للاتصالات لم تكن لتجدها فل الإسماعيلية، كانت هناك أسباب أخرى مثل الدراسة والمستوى المعيشي المختلف والحيوي. تقول السيدة سلمى راشد والدة بسمة: "قبل أن ننتقل كلنا كان الأولاد يدرسون في القاهرة بسبب عدم توفر التخصصات مثل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وبعض تخصصات الهندسة و لأن التخرج من كلية الهندسة جامعة عين شمس أفضل من جامعة إقليمية مثل جامعة قناة السويس".

تقول السيدة سلمى أيضا أن تطلع الأولاد إلى حياة أغني وأكثر تنوعا كان سببا، ورغم التقدم الكبير والنشاط الذي حدث في مدينة الإسماعيلية خلال فترة إقامتهم إلا أنهم طلوا طوال تلك الفترة يزورون القاهرة أسبوعيا للتسوق وشراء ما لا يتوفر هناك. تشير خاصة إلى الملابس وتقول أنه إلى وقت قريب كانت الملابس في الإسماعيلية بعيدة عن الموضة أو أذواقها لا تناسبهم بينما تحتاج البنات إلى معرفة الألوان الجديدة وأحدث الموضات. الترفيه والتمتع بألوان الثقافة والفنون غير متاحين إلا في أضيق الحدود في الإسماعيلية، وحتى عندما بدأت الفضائيات في الانتشار كان سعر الطبق اللاقط في الإسماعيلية أكثر من ضعفه في القاهرة وهناك بعض الكماليات الأخرى تضطر لزيارة القاهرة إلى شرائها.

التمتع بنمط نمط الحياة المتنوع والثري أو مستوى أفضل منه في رأي البعض هو أحد أسباب الكثيرين ممن ينتقلون إليها، أوعودة من كانت أمامهم فرصة الاستقرار خارجها في عمل ما.
ولكن يبدو أنه من الصعب مقاومة إغراء القاهرة خاصة بالنسبة للاجيال الجديدة المتطلعة للأفضل، وبالنسبة للأجيال الأكبر قد يكون البقاء وسط العائلة الكبيرة سببا إضافيا.

يرى البعض في ذلك نزوع للاستقرار في مكان المولد مع العائلة الكبيرة، وغياب روح المغامرة وارتياد الأماكن الجديدة وبدء حياة جديدة وتحمل خشونة العيش أوقلة الترف فيها حتى تزدهر، وتفضيل اللجوء إلى المدن الكبرى وحياتها الجاهزة، وذلك مقارنة بشعوب أخرى مثل الشعب الأمريكي. تعترض السيدة سلمى قائلة :"صحيح أننا مثل المصريين نفضل أن نكون بجانب الأهل وفي محيط اجتماعي حي، ولكننا عشنا هناك في الإسماعيلية أكثر من عشرين سنة، والتطور كان بطيئا جدا. وفي رأيي أن الدولة يجب أن توجه الاستثمار والتنمية أكثر إلى المدن الأخرى لتسرع من تطورها بدلا من تركز كل شيء في القاهرة".

مركزية موازية
ولكن حتى لوم الدولة قد تبعها وتركز في القاهرة بشكل ما. هكذا يرى مايكل نبيل، الناشط الشاب في حزب الجبهة الديمقراطية في أسيوط: "المركزية الحكومية سحبت معها المعارضة، معظم الحركة السياسية والحقوقية متركزة في القاهرة. الناشطين في الأقاليم معدودين جدا. وحتى مناقشة تأثيرات المركزية أصبحت بالنسبة لنا من الأمور المقتولة بحثا ونتعامل معها كأمر لا واقع لا يمكن أن يتغير إلا بتغير النظام السياسي كله".

قد يكون لذلك مميزاته بالنسبة لمايكل، فقلة عدد الكوادر وضعف المنافسة يسهلان ترقي الناشط السياسي في محافظته، وبالفعل بشكل أسهل وأسرع أصبح مايكل عضوا بالهيئة العليا للحزب. ولكن استمرار صعوده وترقيه يبدو مرتبطا بتواجده في القاهرة، وقد يكون ذلك أحد "الأسباب الشخصية" التي يقول مايكل أنها ستدفعه لتفضيل الحياة في القاهرة مستقبلا.

هذا كان أيضا حال شاهيناز عبد السلام التي حاولت أن تنشط مع حركة كفاية منذ 2004 في الإسكندرية ولكنها كانت تضطر للقدوم إلى القاهرة أسبوعيا لتشارك في أنشطة الحركة، وحتى عندما حاولت أن تتصل بالحركة الحقوقية في مدينتها فوجئت بالتراخي الكبير لفروع المنظمات في الإسكندرية: "كنت أذهب فأجد فروعهم مغلقة، أو أجد واحدا فقط في المكان يقول لي أنهم متوقفون في العمل. كل شيء يحدث فقط في القاهرة. وعندما كنا نتظاهر أحيانا في الإسكندرية كان الأمن يهددنا: سيحدث معكم مثلما يحدث في القاهرة لكن لا أحد سيسمع عنكم هنا !".

الأسباب الشخصية تمتزج بالعملية لتجعل الحياة في القاهرة أكثر جاذبية لكل أفراد "النخبة" السياسية أو الثقافية، سواء بسبب حالة "موت السياسة" في كل مكان باستثناء التمثيل الرمزي للاتجاهات والتيارات في العاصمة. وحتى جماعة مثل الإخوان المسلمين لديها قواعد كثيفة في المحافظات، يفضل شبابها ممن لديهم طموحات واسعة الانتقال إلى القاهرة. يقول محمد عبد الكريم، طالب الهندسة بجامعة الفيوم، والمتحدث الرسمي باسم طلبة الإخوان في الفيوم: "هناك أكثر من مجال لنشاط الإخوان معظمها نشط في المحافظات لوجود الكوادر بالإضافة للنواب البرلمانيين من كتلة الإخوان. لكن من أجل أن تعد نفسك ككادر سياسي وتتصل بالرموز السياسة في الجماعة عليك أن تذهب إلى القاهرة حيث الزخم والنشاط والحركة". يقول محمد أنه بشكل شخصي يجب قريته الصغيرة في الفيوم ويتمنى الحياة فيها لكنه سيضطر في النهاية لتركها إلى القاهرة إن لم يكن بسبب الطموح السسايسي فلكي يجد عملا جيدا كمهندس مدني وهو ما لن توفره له حركة البناء البطيئة في القرية وربما في الفيوم كلها.

النخبة الثقافية أيضا مركزة في القاهرة، القليل فقط من الأدباء والكتاب يظلون في مدنهم وقراهم. والأغلبية تنتقل بشكل دائم أو تأتي بانتظام من أجل عقد الصلات والعلاقات بالوسط الثقافي والصحفي ومن أجل فرص النشر ومتابعة الفاعليات. ربما كانت مصر البلد الوحيد التي يطلق فيها على الأدباء من خارج العاصمة "أدباء الأقاليم" في فاعليات رسمية !

منذ سنوات قليلة بدأت الإنترنت تقلل من حدة هذه الحالة، شباب كثر وجدوا فرصا أسهل للنشر والانتشار، ولكن الأمور لا تزال تسير في اتجاه واحد وعلى الأديب الشاب أن يتخذ من القاهرة مكانا لشهرته وتواجده، من الصعب أن يكون العكس. فمحمد أبو الفتوح غنيم، الصيدلاني المقيم في طنطا والشاعر الشاب، وجد فرصة للنشر مع دار نشر جديدة بدأت عملها بالنشر لمدونين تتعرف عليهم من مدوناتهم. اشترط غنيم أن توزع الدار ديوانه الأول في مدينته طنطا حيث محيطه الاجتماعي الأساسي، وتم الاتفاق على ذلك. ولكن يبدو أن التنفيذ كان عسيرا لأن الدار لم تقم بذلك وتسبب ذلك في خلاف كبير بينه وبين الناشر انتهت بسببه علاقتهما.

قبل ذلك الموقف كتب غنيم في مدونته تحت عنوان "مصر الطاردة" عن حالة المركزية الصارخة في مصر التي تجعل معظم المحافظات طاردة وقلة منها جاذبة، وقال أن ذلك أحد أسباب كون مصر كلها طادرة للكفاءات والمواهب والطموحات. فغنيم يرى أن الحالة التي تطرد الشباب من قراهم إلى المراكز ثم إلى المدن ثم إلى المدن الكبرى ثم إلى العاصمة، تجعل الخطوة الطبيعية القادمة هي طردهم خارج مصر.
المسار ذو الاتجاه الواحد إلى العاصمة كما يفرغ المدن والقرى "الطاردة" من الأحلام والطموحات فإنه يلقي بها في الزحام الذي يقتل كثيرا منها.


  • عكس الاتجاه مؤقتا

بعد عودته من السعودية ليبدأ دراسته الجامعية هنا، كانت درجات أحمد الشيخ تكفي ليدخل كلية الطب جامعة القاهرة. ولكنه فضل أن يذهب إلى كلية طب الأسنان بجامعة المنصورة وأن ينتقل إلى الحياة هناك طوال فترة دراسته من 2003 حتى هذه السنة حيث يبدأ الامتياز.

لدى أحمد الشيخ مبرراته لمثل هذا القرار الذي جعله يسير عكس الاتجاه:" مدن الخليج منظمة رغما عنها، وعندما أتيت هنا لم أحتمل القاهرة، القاهرة مدنية الفوضى المدمرة للأعصاب. كبيرها اللي فارد دراعه، الأعلى صوتا، الأكثر فهلوة، وأنا لم أعتد على ذلك. وفي نفس الوقت كانت أسرتي على وشك العودة إلى القاهرة وأنا أردت أن أستقل بحياتي بعيدا عنهم". اختار أحمد المنصورة لأنها قريبة من مسقط رأس أسرته في ميت غمر ولأن فيها عدد من أصدقائه كما أنها قريبة نسبيا من القاهرة.

ورغم أن أحمد الشيخ شاعر إلا أن مجتمع المثقفين في وسط البلد لم يعجبه ولم يغره: "بالعكس، هو أحد أسوأ الأشياء في القاهرة. مجتمع نرجسي وشوفيني. ومعظمه بلا علاقات إنسانية حقيقة. شعر طويل وتي شيرت جيفارا وزجاجة ستلا وكوفية فلسطين وكتاب رديء في السوق".

على خلاف ذلك يرى أحمد في المنصورة مدينة راقية ومبهجة. وهادئة غالبا وحتى زحامها منظم بالمقارنة بالقاهرة. ويقول أن بعض مقاهيها يجمع بين حميمة المقاهي البلدية في القاهرة وبين هدوء ورقي الكافيهات الحديثة.

ورغم كل هذا المديح فإن أحمد الشيخ يعبر عن أسفه من أنه سيضظر بعد انتهاء الدراسة وما يلحقها من امتياز وتكليف سيضطر للعودة للإقامة في القاهرة: "عندي شقة هناك، كما أنني لا أتوقع أن أجد عملا هنا. هناك عدد كبير من أطباء الأسنان في المنصورة، ولا مكان لطبيب جديد".

تجربة أحمد تتكرر بأشكال مختلفة تجعل الخروج من القاهرة فعلا مؤقتا ينتهي مع البحث عن عمل مناسب، أو يمكنه أن يصمد لجيل واحد إذا كان بسبب وظيفة ما في محافظة أخرى ولكن مع الجيل الثاني تعود الأسرة لتسير في الاتجاه المعتاد، وهو ماحدث مع أسرة بسمة طنطاوي.

فور أن انتهت فترة عمل الوالد في مستشفيات قناة السويس حتى عادت الأسرة إلى القاهرة مرة أخرى من أجل دخول الأبناء جامعات في القاهرة. تقول والدتها السيدة سلمى راشد:"رغم ذلك كانت تجربة جيدة وتصلح لكل أسرة صغيرة تبدأ حياتها. الحياة هناك سهلة والجو أكثر نظافة وهدوءا. البضاعة العادية رخيصة - باستثناء الأشياء المميزة والفاخرة أو الجديدة - والمدارس جيدة. بالمقارنة بالقاهرة كنت أشعر هناك أن اليوم 48 أو 72 ساعة. المشاوير لا تستهلك الوقت والأعصاب. حتى الآن نذهب إلى هناك فترات للاستجمام. ولا زلت أقطع الطريق إلى الإسماعيلية لاستخراج أوراق أو إنهاء إجراءات وأعود وقد يستغرق ذلك وقتا أقل من فعل ذلك في القاهرة ويحدث ذلك بشكل أسهل وأكثر بساطة".

يشير الباحث د. محمد على حسانين في دراسته عن الاتجاهات الجديدة للهجرة الداخلية أن عوامل الجذب في المناطق الجاذبة مثل القاهرة الكبرى ليست هي الأكثر حسما، ولكن عوامل الطرد في المناطق الطاردة هي الأكثر تأثيرا وتحريكا للهجرة الداخلية.

ويبدو أنه بسبب ذلك لا تصمد كثيرا إيجابيات الحياة في المدن الصغيرة أمام سلبياتها. فلاتصمد محاولات الهجرة العكسية بسبب ضرورات الحياة والبحث عن فرص عمل، أو بسبب تطلعات الأجيال الجديدة التي لا تستطيع أن تبعد نظرها عن بريق العاصمة والمستوى الاجتماعي المميز والحياة المتنوعة الثرية والخيارات المفتوحة. ويظل الخروج من القاهرة رهنا بفرص عمل مرتبطة بأماكن بعينها مثل العمل في السياحة أو القضاء أو التدريس في جامعات إقليمية أو ربما كنوع من البحث عن أجواء جديدة ملهمة مثلما يفعل بعض المثقفين والفنانين في بعض الأماكن منها قرية "تونس" في الفيوم.


  • مدينة المهاجرين

"إنت منين أصلا؟ " هو سؤال معتاد يوجه لكل ساكن للقاهرة، يفترض مسبقا أن قلة فقط هي التي ترجع أصولها إلى العاصمة. وهو الافتراض الذي تدعمه الدراسات عن الهجرة الداخلية في مصر والذي يتجه القسم الأعظم منها إلى القاهرة الكبرى.

من 700 ألف مهاجر في بداية القرن العشرين إلى 4 مليون قرب نهايته تزايدت أعداد المهاجرين داخليا بين محافظات مصر. الأرقام سجلها د. محمد علي حسانين في رسالته للدكتوراة "الهجرة الداخلية فى مصر خلال الفترة «١٩٦٠-١٩٩٦»- دراسة جغرافية" التي ناقشها هذه السنة قبل ثلاثة أشهر.

شكلت موجات الهجرة الداخلية بالفعل التركيبة السكانية للقاهرة الكبرى، ففي عام 1960 بسبب مشروعات الثورة التنمية والصناعية الكبيرة رصدت الإحصاءات أن القاهرة شهدت هجرة من المحافظات أخرى شكلت ثلث سكانها آنذاك، وهذه كانت أكبر موجة هجرة إلى القاهرة رغم أن المعدلات لم تنخفض كثيرا، ففي عام 1996 رصدت الإحصاءات أن الموجات الأحدث من الهجرة شكلت نحو ربع سكان القاهرة. والموجات المتتالية للاستقرار في القاهرة جعلتها مكان تركز الزيادة السكانية في مصر وهو ما حاصر المدينة من جهتين.

فمن ناحية زادت مساحة العشوائيات لتتحمل الطلب على السكن الرخيص من قبل المهاجرين الهاربين من معدلات الفقر الأكثر ترديا في المحافظات التي تعاني من انخفاض نصيب الفرد في الناتج القومي. ومن ناحية أخرى سجل نمط الاستهلاك فيها معدلات عالية بسبب ارتفاع مستوى معيشة قطاعات أخرى من المهاجرين، حيث يرصد د.حسانين أن ترقي الحالة المهنية يأتي مصاحبا لهجرة القطاعات الفنية والعلمية والمديرين والإداريين. أكثر أشكال الاستهلاك تأثيراعلى المدنية هو استهلاك السيارات، ففي أوائل الثمانينات كانت القاهرة من المدن التي حققت أعلى معدلات زيادة في أعداد السيارات الخاصة، وفي عام 1999 كانت في القاهرة مليون سيارة بحسب تقرير لوزارة النقل صدر عام 2002. وهو ما أدى إلى أزمة مرورية دائمة تخنق العاصمة على الدوام، ويعبر عن ذلك دراسة أجريت رصدت أن متوسط سرعة السيارات في العاصمة كان نصف متوسط سرعة السيارات في مدن ليست أقل ازدحاما مثل فرانكفورت او لندن بحسب نفس التقرير.

وفي 2006 أصدر مكتب الأمم المتحدة بالقاهرة ومعهد التخطيط القومي تقرير التنمية البشرية الذي أوصى بإعلان القاهرة مدينة مغلقة للحد من الهجرة الداخلية إليها، ورسم خريطة عقارية جديدة تركز على المدن الجديدة والتجمعات العمرانية في المحافظات المختلفة، ودعا إلى إنشاء عاصمة جديدة إدارية تكون مقرا للحكومة من أجل انقاذ مستوى الحياة في القاهرة وتخفيف الضغط السكاني عليها مع الاحتفاظ بها مركزا ثقافيا وتجاريا.

يشير د. حسانين في دراسته إلى جهود الدولة وخططها من أجل تقليل الهجرة الداخلية إلى المحافظات الجاذبة وعلى رأسها القاهرة، ويذكر التوسع في إنشاء المدن التوأمية حول المدن الكبرى مثل مدن 6 أكتوبر ومايو والعاشر من رمضان ومدن ينى سويف الجديدة والمنيا الجديدة، ومحاولة تنشيط الصناعة والسياحة في مناطق مختلفة لجذب السكان إليها، ولكن دراسته لا تتوقع أن يسهم ذلك في تقليل الظاهرة إلا بنسبة ضئيلة. فيقول أنه بفرض ثبات معدل النمو السكاني وثبات الأحوال السياسية والاقتصادية الحالية فإنه من المتوقع أن يبلغ حجم الهجرة الداخلية 5 مليون في 2011 وأن يزيد عن 7 مليون عام 2026.


  • "مقبرتي التي أخشاها"

"منذ عدة سنوات كان انفتاحى الأكبر على العالم ، عندما بدأت باستخدام الشبكة التى يحلو للبعض أن يسميها بالعنكبوتية (..) وبعدها عشت سنتين من عمرى فى القاهرة ، فتعرفت على أناس أكثر ، وزرت أماكن كنت فقط أسمع عنها ، واقتربت من شخصيات كنت فقط أرى صورها ، والأهم من كل هذا كنت قريبا من مناطق صناعة الحدث ، ومن النقطة الساخنة التى منها يبدأ الغليان قرأت كتبا، وحضرت ندوات وفعاليات ومهرجانات. حياة مليئة بالصخب والضجة ، وأحيانا المتعة. وبعدها عدت ..
إلى حيث مقبرتى التى أخشاها، إلى حيث الهدوء والملل، إلى حيث الطبيعة والبساطة.
ربما يغبطنى الكثيرون على مكان كهذا أعيش فيه. يقولون: هواء نقى، وأناس قلوبهم نقية ، وحياة وادعة. ولكني وجدت شوارع قذرة أغرقتها مياه المجارى، أو تلك التى تبرع الأهالى بسكبها ، أو مخلفات تلك الحيوانات فى طريقها إلى الحقل ذهابا وإيابا، ووجدت أناسا بسطاء، يكاد يقتلهم الفراغ فأخذوا يسلون أوقاتهم بالحديث عن هذا وذاك، والنميمة والوقيعة والحسد والمكيدة وما أكثر المصاطب فى بلادنا.
وجدت حياة يسمونها وادعة ، وأسميها مملة فلا أحداث ولا اهتمامات ، ولا مشاغل كبرى ، ولا حملةً لفكر ، ولا شخصيات مؤثرة فقط عشرات من هؤلاء الذين يعيشون ويموتون وينسون (..) أجدنى محاطا بزملاء كل همهم معرفة كلمتين عن الطب ، من أجل فتح عيادة أو العمل بمستوصف فى مكان ما ، من اجل الحصول على بعض جنيهات فى كل كشف ، بلا طموح ، ولا نهضة ، ولا علم. الهدف، هو اقتسام الكعكة مع اطباء المنطقة... أتذكر من آن لآخر هدفى ، وأجاهد حتى لا تتمكن المقبرة من احتوائي لعلى أفر منها قريبا إلى حيث أستطيع صنع حياتى".

هكذا كتب محمد الشريف، طالب الطب في جامعة الفيوم، في مدونته ونقله في منتدى طلبة الفيوم ليثير الجدل بين زملائه. بعضهم اتهموه بالتعالي عليهم :"أصل أهل القريه ناس مساكين وغلابه وانت راجل دكتور مين قدك" وبعضهم من سكان مدينة الفيوم رد عليه قائلا: "أراك تنظر الى المدينة وكأنها سطح الأرض الذى تتمنى البقاء فوقه. ليس معنى أنك قضيت بها عامين أنها تكون الحياة التى تتمناها والتى حرمت منها، أنت لم تر فيها الا الأشياء التى اردت ان تنظر اليها لتقارن.. اذا كنت وجدت فى القرية الحسد والحقد فهذة أشياء وعادات سلبية بالدعوة نغيرها لكن فى المدينة ما يتعدى هذا بكثير وما هو اخطر من هذا .. ارجع الى بلدتك وانظر الى ايجابياتها". غير أن محمد عبد الكريم طالب الهندسة ابن نفس القرية كان متفهما له واعتبرهم متحاملين عليه وقال أن زميله يعبر عن طموحه :"أخي يريد أن يحدث تغييراً لا أن لايقنع بما في ذات اليد. يجد في نفسه طاقة وأمل وطموح لكي يبدع ويصنع ويخترع ويوجد، لا يريد ان يعيش حياة ابن القرية النمطيه الروتينيه المتكرره بنفس الخطوات والترتيب. لايريد ان يعيش عادي ويتزوج عاديه ويخلفوا عادي ويموتوا عادي وكأنه لاشئ قد حدث، وتأتي أجيل لاتعلم عن عادي أي شئ غير أنه إنسان عادي. فلايمكننا ان نتهمه بالأنانيه (..) فلديه حلم كبير إن تحقق فسيخدم قري ومدن بل أمة، ولن يقتصر النفع على قريته هو فقط".
ولكنه داعبه فيما يخص إشارته إلى "المصاطب" بشكل سلبي قائلا:" على فكرة إحنا عندنا واحدة عايزك تاجي تقعد معايا شويه عليها. بتحلى القعده عليها في الصيف".


نشر في "الشروق" الأحد8نوفمبر 2009
PDF
الصورة لميدان التحرير من Arab Compiler


المزيد

الأحد، ١ نوفمبر، ٢٠٠٩

عمرو أم تامر ؟ .. تلك هي المسألة !



تزامنا مع صدور ألبوم لأحدهما أو قرب إعلان جائزة أو استفتاء تطفو المقارنة بين عمرو دياب وتامر حسني على السطح وتتحول أحيانا لصراع بين مجموعتين من الشباب في ساحات تعبيرهم. الجدل المحتدم يعكس بعضا من تفضيلات وملامح الأجيال المنقسمة بين "الهضبة" و"نجم الجيل"، كما كان صعود كلاهما المثير للجدل والانتقادات والصخب معبرا عن معارك تحل فيها تطلعات وأمزجة جديدة محل أخرى قديمة.


"المتمرد الشعبي" يغير ملابسه ولا يغير مكانه


في فيلم "آيس كريم في جليم" غنى سيف (عمرو دياب) أغنية "رصيف نمرة خمسة" التي كتبها له صديقه المثقف المناضل، ورددها بين الناس في الشوارع مع فرقته، وكانت النتيجة هي: التخشيبة. يحكي عمرو دياب في الفيلم الوثائقي "الحلم" الذي يسرد قصه صعوده وسيرته الفنية: "عندما سمعت كلمات "رصيف نمرة خمسة" أمسكت العود وتقمصت حالة الشيخ إمام- الملحن والمغني النضالي- ولحنتها". ولذلك كانت هذه الأغنية من أغان قليلة تجمع بين الجمهور المخلص عمرو دياب وبين "الشباب المثقف". ولكن في الفيلم وداخل التخشيبة تمرد سيف على صديقه وقال أنه سيغني أغاني بسيطة يشعر بمعناها وسيكون نفسه وهو يشق طريقه.
من بين العديدين من محبي عمرو دياب يرى خالد سعيد، المحامي الذي اقترب من أواخر الثلاثينات، أن الفيلم الذي كتبه الأديب محمد المنسي قنديل وأخرجه خيري بشارة كان تمثيلا لروح عمرو دياب الصاعدة بين الشباب :" الفيلم عرض سنة 1992 سنة تخرجي من الجامعة. وأنا لم أكن مثقفا ولا لي نشاط سياسي. لم أشعر أن تلك الأشياء تناسبني ولا شعرت بالقرب من هؤلاء الأشخاص. وكثير من أبناء جيلي يشاركونني نفس المشاعر. كانت الثمانينات والتسعينات سنوات باردة، كنا نسمع عن الأحداث الساخنة في الستينات والسبعينات، ولم تكن تلك الأيام صاخبة مثل أيامنا الآن مع ثورة الاتصالات والفضائيات والإنترنت وكل هذه الأشياء. وسط هذا "البرد" كنا ننتظر التعبير البسيط الجميل، للحن نصفق ونرقص عليه ونتقافز في الرحلة والحفلة من غير فذلكة. وعمرو كان دائما من يقدم ذلك".
في الفيلم ، يبحث عمرو دياب وفرقته عن فرصة فلا يجدون إلا مسابقة لفرق المعوقين! فيقررون خوضها ولكن أثناء الغناء يتخلى عمرو عن تمثيله شخصية ضرير ويخلع نظارته السوداء، ثم يخلع أعضاء فرقته "عاهاتهم"، أحدهم يفك جبيرة ذارعه أويرمي بعيدا العكاز ويقف على قدمه ويغني عمرو وهو يرقص وفي خلفيته البحر: "الناس حاسين بالبرد وفي قلبي ده شم نسيم" ويبدو أن المشهد كان بمثابة بيان باسم جيل وجد فيه تعبيره المميز المليء بالحيوية وسط حالة من الجمود والتيبس.
يتفق خالد تماما مع ذلك: "صحيح فعلا. ولم يقل عمرو البيان بشجن ولا هدوء. غناه وهو يرقص ويتنطط على البحر! وفي نفس الأغنية قال "أنا مش مألوف دلوقتي لكن للجاي مألوف وهاعاند أيوه هاعاند دايما من غير تسليم" وفي نفس الفيلم لما غنى "هاتمرد ع الوضع الحالي" لم يكن كلاما في السياسة بل تمردا عاطفيا فهو يكمل "ومش هاسهر لعنيكي ليالي"! ".

"ما بلاش نتكلم في الماضي"!
من بين مطربين ظلوا أقرب لظل أسلافهم، انطلق عمرو دياب إلى فضاء جماهيري أكبر وأوسع. رغم الانتقادات التي وطالته باعتباره يقدم أغان سطحية وألحانا خفيفة وصاخبة ويتقافز على المسرح حتى هو يغني عن الشوق والهجر. كان الاتهام الأكبر أنه "موضة" وواجهه به مفيد فوزي في حوار عام 1989، وكانت إجابة عمرو دياب أنه يتمنى فعلا أن يكون موضة جديدة تجذب الناس ولكن ليس موضة تذهب بلا أثر.
"ومالها الموضة؟" يتابع خالد: "الشباب مغرم بمتابعة الموضة والجديد . أذكر أننا كنا نتابع بشغف البرامج القليلة عن الأغاني الأجنبية على القناة الثانية ثم في الفترة المفتوحة" السوبر فايف" في القناة الخامسة" يضحك "كانت أيام قحط وجفاف بعيد عنك قبل الإنترنت. ومن طبائع الأمور أن ننظر إلى الغرب الذي يتحرك باستمرار ويقدم الجديد. أعتقد أن عمرو دياب كان يقدم أغاني شبابية شرقية وفيها موسيقى غربية جذابة لكنها لا تجعلك تشعر أنها غريبة عنك، وفي نفس الوقت كان يمزج من هنا وهناك ويقدم موضة للشباب في اللبس وتسريحة الشعر وحتى في الكلام ".
العديد من الكتب الموسيقية منها "الموزايك المتوسطي" لجوفريدو بلاستينو اعتبرت عمرو دياب من مؤسسي أسلوب "موسيقى البحر المتوسط" التي يمزج بين تيمات شرقية وغربية. في وثائقي "الحلم" يبدو واضحا من حديث الملحنين والشعراء والموزعين الذين تعاملوا معه أن عمرو دياب لم يكن مجرد مطرب بل قائد فريق عمل. فبالإضافة أنه يلحن أحيانا فهو الذي يختار الأسلوب والوجهة والتناول وهو ما يجعل أعماله حلقات في "مشروع شخصي" محوره "شخص بطل أو نجم" لذلك فتراكم أعماله صنع نجوميته بينما تشتهر أغنية أو أخرى لغيره ولكنهم لا يراكمون مثله.
كلماته أيضا تم اتهامها بانها سطحية أو تافهة، على الأقل مقارنة بكلمات "الطرب الأصيل" أو بعض أقرانه ممن يغنون لشعراء العامية المثقفين. كتاب الأغاني الذين تعاملوا معه في البداية قالوا أنه كان أحيانا يسعى إلى كلمات الأغاني التي لم يقبلها غيره أو استغربوها، فغنى: "وإيه يعني تودعني" و"طيب إزيك ما ترد علينا" و"هاتمرد على الوضع الحالي" و"بلاش نتكلم في الماضي" و"يبقى إحنا كده خالصين". يستشهد خالد بمقولة حلمي بكر في وثائقي "الحلم": "عمرو دياب بيسمّع الناس اللي عاوزين يسمعوه، قبل ما يعوزوه".
هنا يتدخل ياسر حسن، الذي لا يبدو متحمسا لعمرودياب بنفس قوة صديقه خالد: "عمرو دياب بياع ذكي. وهويعرف كيف يسوّق نفسه ويعرف قيمة البروباجندا التي تشغل ذهن الشباب الخفيف الذي تعجبه تيمة موسيقية مميزة على أي كلام، ويا سلام لو كان الكلام أيضا "صايع" أو صادما او غريبا. وهذا هو ما كان يفعله ولكن في الأيام الأخيرة يعيش على تاريخه لأن آخرين ظهروا وهم أصغر و"أصيع" منه وشاطرين في البروباجندا أيضا".
يواجه ياسر استهجان صديقه خالد كلامه قائلا: "وثائقي "الحلم" مصنوع كله من وجهة نظر عمرو دياب ومع أصحابه. وهذا الفيلم الذي يذكّر الناس بأن عمرو فعل كذا وكذا يعبر عن قلق من صعود آخرين، بوضوح: تامر حسني. وأصلا فكرة المقارنة بينهم هي فكرة ذكية للبروباجندا يتمسك بها تامر وجمهوره للصعود على أكتاف عمرو ومحاولة شغل مكانه".
ينفعل خالد ويضحك بسخرية عندما يأتي ذكر تامر حسني ولكنه يعود ويقول :"ربما، الصورة الكلية لتامر حسني تبدو فعلا أقرب لـشباب اليومين دول الذين يتركون شعرهم ولحاهم و"سهتانين" شوية وعاطفيين زيادة وأخف كثيرا من جيلنا. لكن عمرو دياب كان صورة أخرى، بطل طول بعرض، شاربه وذقنه يحلقهما جيدا مثل النجوم الكلاسيكيين. يقفز ويتحرك ساعات لكن أحيانا أخرى يكون شابا غامضا هادئا - خاصة في بوستر ألبوماته - ينظر إلى الكل بتحد ساخر" يضحك وهو يكمل:"دائما كنت أتصور أن هذه النظرة تجذب الفتيات".
من الشاب "الكول" المتمرد في ثقة الذي يصنع موضة الشتاء ويختار الشكل المناسب للقمصان ذات الأكمام أوالجاكيت الجلد إلى صورة الشاب الذي يكشف عن عضلاته وهو يرتدي ملابس صيفية أو يخلع قميصه نهائيا كما في بوستر "ليلي نهاري" أو يرقص على موسيقى الهاوس والتكنو في "وياه، يتابع عمرو دياب تقمص الصور الأكثر جاذبية للشباب. يتدخل هنا ياسر ساخرا :"صورة عمرو دياب في أواخره وإصراره على إبراز عضلاته وارتداء ملابس المصيف هي نفسها صورة "فورمة شباب الساحل" التي سخر منها أحمد مكي في فيلمه "طير إنت"، ومزيكا التكنو التي أغرق بها أغانيه يحاول بها أن يداعب روح الصيف التي تأخذ الشباب إلى الديسكوهات وأن يجعل أغانيه هي إيقاع الحفلات بعد انتشار الدي جيه الذي يفضل دائما هذه الأغاني المعدنية".

"هاتلاقي فين أيامنا ؟"
يتراجع خالد هنا قليلا أمام ياسر ويعترف أنه يحب أغاني عمرو القديمة أكثر التي يشعر فيها بطزاجة أكبر على حد تعبيره ولكنه يقول أنه لا يزال سواء بسبب تاريخه أو حاضره متربعا على عرش الأغنية المصري والعربية وفق كل الإحصائيات ويحق له أن يتسمى بـ"الهضبة" وأن يترفع عن أي معارك او مقارنات. ويقول أنه يحسب له رغم المشوار الطويل أنه يستميل الملحنين والشعراء والموزعين الشباب لكي يظل دئما قريبا من طريقة تفكيرهم ومزاجهم.
ولكن ربما يضعف ذلك من مركزيته في فريق العمل وفي اختياراته بينما تزيد فرص شاب أصغر مثل تامر حسني أيضا يكتب كلمات أغانيه ويلحنها ويصبغ أغاينه بلمسة مميزة وجديدة فهو بنافسه في نفس ساحته وهي التعبير الأكثر طلاقة وجذابية وحداثة.
يعلق ياسر: "أنا لا أعرف لماذا لا يعيش الفنانون سنهم ويعبرون عنها. السوق طبعا يتطلب أن تخاطب الشباب فهم الممولون والمهتمون. ولكني أستغرب صورة عمرو دياب التي تبدو أكثر شبابا مني بينما يقارب عمره الخمسين الآن".
ولكن يبدو أن حلم النجومية الممتدة وصورة الشباب الدائم المتجدد والتربع المستمر داخل دائرة الضوء بدون صخب وبعيدا عن الإعلام والصحافة لا تزال تعبر عن مزاج آخرين من جيل خالد وياسر أو ما بعده، وربما أيضا من بعض المثقفين الجدد الذين تمردوا على صورة المثقف التقليدية. فالروائي الشاب طارق إمام يحكي في مدونته أنه كان يواجه باستهجان من كبار المثقفين لو تطرق الحديث إلى عمرو دياب، مفضلين الحديث عن الطرب الأصيل أو التجريبي الحديث، ويعبر عن ارتياحه أنه وجد بين أبناء جيله من المثقفين والكتاب الجدد اهتماما مشتركا بعمرو دياب وأغانيه مهما كانت التحولات، ويعلن عن حبه لعمرو رغم ما قد يراه فيه من "ضعف" تطلعا إلى ما يمثله من حلم: " لم عد حتى أخجل من الاستفاضة في الحديث عنه ــ إن أتى ذكره ــ أمام أتخن مثقف مكتئب منكفيء متضخم متعالٍ منحاز للطرب التجريبي أو للغناء الأصيل .. ولا يعنيني أي منهما، أحب عمرو دياب.. مطرب السوق .. الذي يقول كلمات دون معنى أحيانا من قبيل (عودوني عليك احبك ) الذي يتفاخر بعضلاته.. اللي ما قراش كتاب في حياته ..أحب عمرو دياب الذي يطربني، والذي تمنحني قصة حياته أملاً . الذي يمنحني صورة النجم التي أحب أن تكون لي. أحب عمرو دياب.. الأفيش الضخم ، الذي لا يبتسم قدر ما يبدو متجهماً .. بينما يطل على القاهرة الواسعة بوجدان نازح. للأسف، بدأ عمرو دياب يصير معلناً بين مثقفين جدد، بينما يستعد طابور قادم لإعلان تامر حسني مطرباً لجيل آخر".



نجم نصف الجيل وعدو النصف الآخر

للأسف، لم يكن في مقدور ليالي أن تحضر تلك الحفلة لتامر حسني. لذا فإنها ذهبت إلى منزله مع أختها وبعض أصدقائهما وانتظروه قبل موعد الحفلة بوقت مناسب لكي يروه وهو في طريقه إلى هناك. وأول ما خرج أحاط رفاق ليالي به وتبادلوا معه أحاديث المعجبين المعتادة إلا ليالي التي احتاجت بعض الوقت لتقطع صمتها وتقول له أن لديها مشكلة ما. تقول أن تامر وقف يسمعها باهتمام رغم محاولة بعض مرافقيه استعجاله، لتحكي له أن صوتها جميل وتريد أن تبدأ مشوراها في عالم الموسيقى ولكن المشكلة أنها محجبة.
لم تكن تتوقع ليالي أن يكون رد تامر هو أنها بحجابها أفضل بكثير ويجب ألا تتخلي عنه من أجل دخول الوسط الفني الذي قال أنه لا يشعر فيه بعدم الارتياح بل وأضاف أن "الغناء أكبر مشكلة في حياته" على حد روايتها. وعندما قالت له أنها فعلا لن تتخلى أبدا عن حجابها شجعها وحياها ثم ركب السيارة وودعها مبتسما: "باي يا عسل".
تحكي ليالي هذا الموقف في منتدى "رابطة عشاق تامر حسني" وتعبر عن ارتياحها لنصيحته وكلامه وتقول :"فعلا كنت حاسة إني باكلم أخويا الكبير اللى خايف عليا وبينصحنى". لترد عليها إحدى مشرفات المنتدى مشيدة بخوف تامرعلى أخواته البنات وتقديره للحجاب، مؤكدة أن كلامه تأكيد لما قاله في إحدى البرامج أنه يتمنى ألا يموت وهو لا يزال مطربا !
مثل هذه الحوارات في منتدى الرابطة قد تبدو غرائبية للبعض، ولكن الردود النشيطة والتعليقات المؤيدة المتحمسة لـ"عشاق تامر" هي مؤشر على مسافة كبيرة بين من يرون ذلك غريبا ومتناقضا ومثيرا للأعضاب وبين من يرونه رائعا ومبررا لكون تامر هو فعلا "نجم الجيل" المعبر عنهم والقريب منهم والذي صعد بقوة خلال 5 سنوات ليناطح عمرو دياب المستقر على قمة سوق الغناء عشرين عاما.

"هاعيش حياتي"
في إحدى مشاهد فيلم "عمر وسلمى"، يجلس عمر ( تامر حسني) على درجات سلم قصير في ساحة الجامعة الخاصة ممسكا بجيتاره يعزف ويغني وحوله شباب وفتيات يصفقون. يوجه غنائه أحيانا إلى نقطة بعيدة حيث تقف سلمى (مي عز الدين) الفتاة الجادة التي يحاول التقرب منها: "يعني إيه أبقى عايش مش شايف غير صورتك"، ثم يلتفت في وسط الأغنية الرومانسية ويحول مسارها تماما "يعني إيه أبقى عايش مش شايف غير ودنك" لكي يسخر من زميله ذي الأذنين الكبيرتين الجالس بجواره.
إسلام زكي الطالب بإحدى الجامعات الخاصة ذي الاثنين وعشرين عاما يجد نفسه في هذا المشهد ويقول أن تامر بدأ مشواره الفني فعلا من على الأرض من غنائه بين زملائه من الشباب الذين هتفوا باسمه في ندوة سلمى الشماع ليغني أمامها أغنية خاصة به - لا أغنية لواحد آخر- فتقرر مساعدته على بداية مشواره الفني.
إسلام ليس الوحيد من هذا الجيل الذي يحتضن جيتاره يستمتع ويجرب دندته وبالمرة يحلم ويحضر نفسه لفرصة الشهرة والتحقق. وهو ينتظر فرصة مماثلة لفرصة تامر الذي يرى أن سبب نجاحه وشهرته وقربه الشديد من شباب هذا الجيل أنه كان يغني لنفسه "بمزاج وروقان وخفة دم" ولا يقلد أحدا فعبر عن نفسه بصدق فوجودوا أنفسهم فيه.
المسار الشخصي لتامر أحد أسباب جاذبيته وما يحكيه عن حياته منقسم بين عدة صور تقربه كل منها إلى فريق: صورة "ابن الناس" وطالب الإعلام في الجامعة الخاصة، وأحيانا صورة الشاب الصاعد من أسرة تعاني من أزمة اضطر معها لأن يعمل في مهن عديدة وينفق على أسرته.
"تامر كمان طبيعي ومش عايش الدور" هذا ما يراه إسلام أيضا مشيرا إلى تنقل وتنوع أغانيه وأفلامه من الرومانسية الشديدة المرهفة المحلقة كما في "يا نور عيني" و"دي عيونه دار" إلى المزاح والسخرية أو "التهريج والتهييس" في: "كل مرة أشوفك فيها يبقى نفسي آآ ..". وحتى في تعبيره عن الفراق يعبر عن تقلب المزاج بين الانفصال الهاديء الحزين مثلما في "طيب قبل ماتمشي خليني أبكي في خضنك شوية" وبين الانفصال العنيف والعداوني الذي يتضمن "المعايرة" كما في " زمان كان بس نفسك أعدي وتلمحيني" و" اعتذري للي جاي بعدي، خليه يسامحني، أصل أنا أخدت كل حاجة في عهدي". ويضيف أن هذا التنوع يعبر عن مزاج الشباب الذي يشعر بالملل من نموذج المطرب "عايش الدور" الذي يغني طول حياته كمحب ولهان متسامح أو يقوم في أفلامه بدور النجم المثالي النقي المؤدب.
يكتب تامر كلمات العديد من أغانيه ويلحن عددا أكبر، بل وكتب قصة فيلمين من خمسة أفلام قام ببطولتهم. ومع أريحيته وانطلاقه في التعبير بالكلمات أو بالموسيقى فإن أعماله الفنية تبدو فيها بوضوح بصمته الشخصية وأفكاره بل وتجارب حياته. فأغانيه وأفلامه مهما كان مستواها هي تعبير شخصي وليست مجرد "شغل" وإنتاج مصنوع وهو في هذا يتشابه مع عمرو دياب.وهو هنا يقف موقفا وسطا بين الفنانين المثقفين في دوائر النخبة الذين يعبرون عن تجاربهم ورؤاهم الخاصة المميزة بعيدا عن ضغط الإنتاج، وبين من يلبون مطالب خط الإنتاج الكثيف المتسارع بكلام وألحان متشابهة.
تامر حسني كان الوحيد في الفترة الأخيرة الذي وجد الجرأة أن يغني على لحن فولكلوري للسمسمية في أغنية "قرب حبيبي"- وهو ما فعله عمرو دياب في أول مشواره على نفس اللحن الفولكلوري- كما أن تامر كان ممن انتبهوا لانتشار الراب بين الشباب فغنى مع الرابر كريم محسن في ألبومه الأخير Come back to me. كما أنه الأكثر جرأة في استخدام التعبيرات الأحدث في حياة الشباب بشكل شعري في "حبي ليكي اتاخد قفش" أو "ضحكتها ما بتهزرش" أو في كلماته وألحانه لمغنين آخرين مثل "قوم اقف وانت بتكلمني" لبهاء حسني و"شكلك عامل عملة" لنيكول سابا و"بص بقى علشان تبقى عارف" لشيرين. وبفضل هذه الإفيهات التي يوظفها في أغانيه ويجذب بها الأنظار يظل دائما في دائرة الجدل الإعلامي حول نجوميته بتأكيدها أو مهاجمتها.

"كل حلم معاك حلمته"
ولكن هناك من له رأي آخر في أن تعامل تامر مع الإعلام يخلو من الهالات المعدة بعناية التي توضع على رأس آخرين، عمرو دياب تحديدا، فتقول مها عاطف، طالبة تمهيدي الماجيستير في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أنها تشعر أن تامر حسني قريب من هذا الجيل ليس فقط بفنه بل أيضا بشخصيته العادية، وتضيف :"الناس بيحسوه بيتكلم زيهم ومش شايف نفسه ولا عامل فيها سوبر ستار".
حتى عندما يحاول تامر حسني أن يعبر عن شعوره بتميزه يفعل ذلك بقدر من السذاجة. في برنامج "واحد من الناس" مع عمرو الليثي، حكي تامر حكاية تعبر عن إحساسه بـاصطفاء الله له ليكون مشهورا ومميزا. فيها وارب الأستاذ شباك الفصل ليدخل فقط شعاع واحد على وجه تامر التلميذ آنذاك الذي شعر أنها "علامة" من الله. وعندما أمره الأستاذ أن ينتقل لمكان آخر وغيّر زاوية فتح الشباك تحرك الضوء ليسقط على وجهه مرة أخرى ليتأكد من "العلامة".
الجيل المحب لروايات باولو كويلهو يبدو مستعدا لتقبل منطق "العلامات". بل هو مستعد أيضا لتقبل تامر وهو يسهب في الحديث عن الدين كأنه أحد الدعاة الجدد بل ويسجل تترات لأحد برامج عمرو خالد ويطلق ألبوما دينيا كاملا، وفي الوقت نفسه يقبلون منه بعض الإيحاءات الجنسية في أفلامه وكلمات أغانيه مثلما في كلمات الأغنية الشهيرة "هي دي "التي يؤكدها في تصوير الفيديو كليب. ولو اضطروا في كلامهم أن يعلنوا اعتراضهم على مضض فهم يلتمسون له الأعذار المختلفة، تماما كما يفعل هو نفسه عندما يحرجه الإعلام.
ترى مها عاطف أن هذه الأخطاء التي لا تعجب البعض وتثير الانتقادات هي عادية لأنه كشاب من هذا الجيل يخطيء مثلهم. وقصة تهربه من التجنيد واتهامه بالتزوير قد تكون نموذجا على ذلك. كما أنها ترد على اتهامه بالتناقض - خاصة بين التدين والانفلات- أنه متناقض مثل هذا الجيل أيضا وتقول: "ده تناقض طبيعي. الحالة الطبيعية إن الواحد مننا بيكون شوية كده وشوية كده. إحنا دايما بنعمل توازن بين التناقضات اللى ممكن تكون موجودة فى حياتنا، وطالما عرفنا نوصل للتوازن مش هايبقى فيه مشكلة".

"أنا خنتك امبارح - مش عارف أتغير"
مها لا ترى مشكلة أيضا في الاعتراف بأن تعبيراته عن الحب تصور حبا ليس فقط مختلفا بل "أقل رقيا" من حب الأجيال الأكبر "الرايق" كما عند عبد الحليم حافظ وعند عمرو دياب ! فالعلاقات بين الجنسين - كما تقول- أصبحت أسهل وأقصر وطبيعتها مختلفة وتامر حسني يعبر عن ذلك في أغانيه.
حتى الطابع الذكوري الشديد الذي يظهر في أفلامه يبدو أنه لا يضايق جمهوره من الفتيات. في جزئي "عمر وسلمى"- كتب قصتهما تامر حسني - عمر هو الشاب متعدد العلاقات الذي يرتبط بسلمى الفتاة الجادة المستقيمة. يستمر هو في التورط في علاقات أخرى على مدار الجزئين قبل زواجهما وبعده وتسامحه دائما إلا أنه يتصرف معها بعنف بل ويضربها عند أدنى شك. تقول مها :"هذا النوع من العلاقات هو السائد، بعض بنات جيلنا تقبله تماما، وبعضهن يرفضنه، لكن أنا من جانب أقبل أن تختلف الضوابط التي تحكم سلوك الرجل والمرأة. لكن من جانب آخر لازم يتفقوا والرجل لازم يلتزم بالضوابط بتاعته".
الخيال الذكوري الجامح واضح في ما يكتبه تامر من أغان وقصص أفلام يمثلا، ونتاج هذا الخيال يمثل "الأحلام الممنوعة" لجيل يتردد بين التحرر والمحافظة. فيلم "عمر وسلمى" بجزئيه يبدو كحلم ذكوري طويل فيه شاب يحظى بأب "مطرقع" مثل "عزت أبو عزف" يتبادل مع ابنه الخبرات في العلاقات العاطفية والجنسية، يداعب و"يقرص" من يعرف ولا يعرف من الفتيات في الجامعة أو في شركة والده بدون مشاكل، يتمتع بعلاقات ونزوات عابرة ثم يستقر مع فتاة مستقيمة جميلة تغفر له كل شيء. حتى خوفه "الذكوري" من إنجاب الإناث لكيلا يعاقبه الله على خطاياه عبر بناته هو تخوف منتشر بين الشباب العابث.
وحتى لحظة استيقاظه من الحلم تتضمن نموذجا محببا وممتعا لحالة التوبة المتعثرة - لا "العزة بالإثم" ولا الإلتزام - ففي ألبومه الأخير هناك أغنية نادمة بعنوان "أنا خنتك إمبارح" كما أنه في تعبيره عن مشاعره الدينية لا يدعي التوفيق- وهذا ينفي التناقض- بل يغني "يا رب أنا تعبان- يا رب أنا زعلان من نفسي" أو " أنا مش عارف أتغير، كل ما أقول هاتغير تحصل حاجة ترجعني".



نشر في "الشروق" 1 نوفمبر 2009
PDF
المزيد

الجمعة، ٣٠ أكتوبر، ٢٠٠٩

الذين ينتظرون تحت السلم



الفقراء النازحون من الريف بحثا عن فرصة رزق لا يجدونها، يسكنون تحت سلالم عمارات الفئات الصاعدة من أبناء الطبقات الشعبية، ليكونوا بوابين حتى يأتي الفرج أو لا يأتي.

عم إبراهيم بواب العمارة القديمة الكبيرة في شارع شريف باشا بوسط القاهرة، وعم صابر بواب العمارة الصغيرة الحديثة نسبيا في شارع محمد عبده بإمبابة، كلاهما لديه دكة البواب الشهيرة في مدخل بنايته. وكلاهما يتكيء ويرفع إحدى قدميه أمامه ويثني الأخرى تحته وهو يعدل من وضع جلبابه ليتخذ وضع الانتظار طوال النهار. ولكن في المساء يصعد عم إبراهيم إلى غرفته في سطح العمارة، بينما يخطو صابر عدة خطوات ليدخل حجرته تحت السلم ويخفض رأسه قليلا في الجانب الذي ينخفض فيه مستوى السلم.
كلاهما قدم من الصعيد من القاهرة بحثا عن رزق أوسع، إلا أن الفارق هو الذي يتسع بين عم إبراهيم "البواب الموظف" عند الشركة المالكة لعمارة وسط البلد وصاحب المهنة التي ينظر لها السكان نظرة اعتبار، وفي عمارتهم مكان مخصص له ولو كان غرفة صغيرة فوق السطح، وبين عم صابر وغيره من البوابين الذين يعتبرون أنفسهم "على باب الله" في عمارة "ناس على قد حالهم" لن يتذمروا لو حرموا من ترف وجود بواب لم يستعد تصميم عمارتهم لاستقباله ولن يضحي ملاكها بأي شبر من أجل مكان ملائم له، لهذا فهم يعتبرون حجراتهم تحت السلم إحدى عطايا ومنح السكان التي لا يمكنهم أن يعيشوا بدونها إن ظلوا بوابين فقط.

مكان المبيت إذن ليس إلا عنوانا للاختلافات بين عم إبراهيم وعم صابر. فالأول أتى من مسقط رأسه في مركز إسنا بقنا مع أخواله عندما كان عمره 13 سنة، وظل لمدة 47 سنة بوابا وموظفا رسميا عند الشركة الأجنبية المالكة للعمارة، التي عمل أخواله طباخين عند ملاكها. ثم أصبح موظفا حكوميا كبواب تابع لشركة التأمين الكبرى التي تملك العمارة الآن. وحجرته فوق السطح دفع إيجارها طوال هذه المدة من مرتبه. وهو المرتب الذي كفل لأولاده الأربعة مستويات متفاوتة من التعليم وحصل أكبرهم على ليسانس أصول الدين من جامعة الأزهر ويفخر عم إبراهيم أنه إمام مسجد قريب منه في شارع عبد العزيز.
أما عم صابر فأتى قبل 25 سنة من ملوي، ليعمل فترة كعامل بناء. إلا أن حالته الصحية تدهورت، فعمل مع أبيه البواب في العمارة التي كانت حديثة آنذاك في منطقة أرض الجمعية بإمبابة، وهي المنطقة التي بدأت من ساعتها في التحول من أرض زراعية لتنتهي الآن لمنطقة سكنية خالصة.
لا يوجد أجرحقيقي يتقاضاه عم صابر، ولكن كل مستأجر شقة من شقق العمارة الثماني يدفع له 5 جنيهات أول الشهر. يؤكد عم صابر على أن "الأربعين جنيه مش فلوس، لكن عايشين على إحسان أهل الخير وأحيانا نفحات السكان". عم صابر يعذر سكان العمارة، "معظمهم موظفين على قد حالهم"، ويعذر أيضا صاحب العمارة لأن إيجار الشقة في العمارة لا يزيد عن 25 جنيها شهريا، لذا لا يمكن يطالبه بأي شيء ويكفي أنه يأويه هو وعياله الأربعة، الذين لم يتمكن صابر من الإنفاق على تعليم أي منهم.

بواب مؤقتا
يعتبر عم صابر مسكنه تحت السلم إحدى الهبات والنفحات التي يعتمد عليها في معاشه، بينما يعتبر ياسر فتوح بواب إحدى العمارات في حي الطالبية بمنطقة فيصل أن مسكنه المشابه لمسكن عم صابر هو مجرد مسكن مؤقت، فهو خريج معهد متوسط، وترك قريته في محافظة الدقهلية بسبب الديون التي تراكمت عليه بعد تأثيثه حجرة الزوجية في منزل أبيه.
يقول ياسر: "أتيت إلى القاهرة بعد أن توسط لي رجل طيب وحصلت على وظيفة فراش في جامعة الأزهر. مرتبي 150 جنيه، وأنفق أكثر من نصفه في المواصلات بين فيصل ومدينة نصر، ومن الصعب أن أدفع إيجار مسكن، ثم أجد ما يكفيني أنا وزوجتي وطفلي " وهذا بالطبع فضلا عن الأقساط والديون التي على ياسر سدادها كل أول شهر. قبل ياسر العمل كبواب، فهو من ناحية يوفر له ماوى مؤقتا، بالإضافة لبعض المال كل شهر وعطايا السكان نظير الخدمات. ويضيف ياسر أنه يحاول البحث عن وظيفة أفضل ليتمكن من تسديد ديونه، ثم سيفكر بعدها في إيجار شقة مناسبة في أي مكان.

يحب ياسر أن يؤكد أنه يحمد الله على حاله لأنه "لا مكان أفضل للغلابة" ففي النهاية لن يتمكن إلا من توفير حجرة واحدة في بيت صغير هنا أو هناك، ولكنها على الأقل ستكون أفضل من الحجرة التي يشكو من أنه لا يستطيع رفع رأسه في نصفها ، أما النصف الآخر الذي يقع تحت "المنور"، تفشل الملاءة التي يعلقونها في أن تلعب دور السقف لتحميهم من الأمطار شتاء. ورغم ذلك يتعايش ياسر مع مكانه الصغير ويضع فيه بعض الأجهزة الكهربائية، بل ويزين الحائط بلوحة لآيات قرآنية، كما يضع تليفزيونا صغيرا فوق دولاب قصير كان أحد مكونات جهازه الذي استدان لأجله.

عم صابر في أرض الجمعية أقل اهتماما بغرفته رغم أنها تبدو أوسع من غرفة ياسر، ولكنهما يتشابهان في أن الغرفتين تتقاسمهما مساحة تحت السلم وأخرى في المنور. البنايات متشابهة تقريبا في أحياء فيصل وأرض الجمعية وسائر الأحياء التي تقطنها شرائح من الطبقة الوسطى من أبناء الطبقات الشعبية، أو أبناء الجيل الثاني من النازحين من الريف،الذين حصوا على خلاف آبائهم على شهادات جامعية أو نجحت أعمالهم، فسكنوا في هذه التجمعات الأحسن حالا، ولكنها على كل حال ليست كمناطق الشرائح العليا من الطبقة الوسطى.

مساكن هذه التجمعات متوسطة المستوى، لا تزال فقيرة معماريا، فهي بخلاف الناحية الجمالية، لا تحظى بمساحات كافية من مناطق الخدمات كمساحات السلالم والمناور، بالإضافة إنها بالطبع لا تحسب حسابا لمكان بواب أو حارس. مهنة البواب في هذه الأحياء ليست أساسية، هي مهنة عرضية، وربما ينظر السكان إليها كفرصة للبواب وعطف عليه، وفي الغالب يكون البوابون من النازحين الجدد من الريف ممن يبحثون عن أي مسكن وأي وظيفة، فينتهي بهم الأمر في غرفة تحت السلم، مثل غرفتي عم صابر وعم ناصر.

لنكن واقعيين
لا ينكر سيد حسنين صاحب إحدى العمارات وفي الوقت نفسه مهندس مدني، سوء حالة هذه الغرف وافتقارها للإضاءة والتهوية والخدمات اللازمة لمسكن إنساني، ولكنه في الوقت نفسه يراه مسكنا عمليا وملائم مؤقتا. "لنكن واقعيين، إيجار العمارات هنا لم يتحرك منذ زمن، ولا يمكن أن يضحي صاحب عمارة بالإضافة إلى ذلك بمساحة لغرفة بواب على حساب مساحة شقة إضافية في الدور الأرضي أو محل تجاري" ويؤكد المهندس سيد أيضا على أن معظم البوابين لهم مهن أخرى، وأن مسكنهم هذا مرحلة مؤقتة إلى حين أن "يفتح الله عليهم" . ويضيف"بعضهم أصبحوا سماسرة ويكسبون أكثر منا !".

وهذا ما فعله عم أبو ناصر البواب والسمسار الشهير في أرض الجمعية. وربما لا يكسب أبو ناصر أكثر من المهندس سيد، ولكنه على الأقل لديه شقة خاصة في مكان آخر غير تلك العمارة التي يداوم على حراستها. أبو ناصر رفض التعامل معه كبواب واعتبر ذلك نوعا من الإهانة. يبدو أن غرف البوابين في هذه المناطق ليست وحدها التي يوحي أن المهنة هنا ليست على قدر من الأهمية. هذا على خلاف مناطق أخرى يعتبر سكانها أن مهنة البواب ضرورية لأداء خدمات ليست ترفا بالنسبة إليهم، وهو ما ينعكس على تصميم بعض هذه العمارات في أحياء مثل الزمالك والمعادي والمهندسين ومدينة نصر، التي يراعى فيها وجود غرفة أو مكان لأفراد أمن مناوبين، أو غرفة ملائمة لبواب مقيم في الدور الأرضي أو فوق السطح ، أو على الأقل إن ظل البواب فيها تحت السلم، فإن مساحة هذه العمارات تنعكس على مساحة السلالم والمناور، وهو ما يعطي البواب مكانا أفضل قليلا لو ظل "تحت السلم".

ويبدو أن الأمر يتجه بالبوابين إلى "تحت السلم" في معظم المناطق، فالقاهرة التي تتوسع في داخلها، تضن بكل شبر على كل ما لا يدر ربحا. حجرة السطح تهدر فرصة تعلية أدوار جديدة، أو تأجير السطح لشركة محمول لإقامة محطة تقوية، وحجرات الدور الأرضي ذات المساحة المناسبة يمكن تأجيرها لأنشطة تجارية مختلفة أو توفيرها لصالح مساحة المحلات والجراجات.
وحتى "البوابين الموظفين" مثل عم إبراهيم يبدو أن عصرهم ينتهي.

في نهاية حديثه يشير عم إبراهيم إلى أنه تخطى سن المعاش لتوه وتوقف مرتبه، ورفضوا أن يجددوا له عمله بعقد. يواصل عم إبراهيم العمل في العمارة بشكل ودي، ويعتمد دخله على عطايا السكان إلى جانب معاشه. لا يزال عم إبراهيم يسكن فوق السطح، ولكن، بعد عمر طويل له، ستؤول الحجرة إلى أولاده، أو سيستعيدها الملاك ويؤجورنها بإيجار كبير لواحد من ينبشون عن أي متر في وسط البلد للإقامة فيه. وبعد ذلك إما أن تظل العمارة بلا بواب، أو أن نازحا جديدا من الريف سيقبل بمخزن تحت السلم مسكنا لأنه لا بديل لديه، أو سيقبله مؤقتا في انتظار الفرج.


نشر في "الشروق" 29 أكتوبر 2009
PDF

المزيد

الأربعاء، ٢١ أكتوبر، ٢٠٠٩

هل أصبح "الأزهريون" أقلية في الأزهر؟


مهما كانت تفاصيل ما حدث بين شيخ الأزهر والطالبة المنتقبة في المعهد الأزهري، أوما سينتهي إليه الجدل والاحتجاج الذي وصل للقضاء بعد قرارمنع النقاب داخل فصول المعاهد والكليات والمدن الجامعية، فإن المشهد يثير التساؤلات: هل فشل مشايخ الأزهر ومناهج التعليم الأزهري في ربط تلاميذهم بـ"الوسطية الأزهرية" كما يرونها، أم أن الأزهر ضاق صدره بأحد الاجتهادات التي يدرسها في مناهجه بسبب شعوره بالاختراق من "تيارات وافدة" ؟

كانت نادية يوسف، مدرسة التاريخ بالمعهد الليبي الأزهري في مدينة مصر، إحدى من شهدن خروج شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي من أحد فصول المعهد غاضبا وهو يقول أنه سيصدر قرار بمنع النقاب في الفصول، بعد الحديث المنفعل الذي نقلته الصحف بينه وبين طالبة تمسكت بتغطية وجهها في حضوره ومدرِّسة بررت موقف الفتاة. تقول نادية يوسف أن المنتقبات لا يمثلن نسبة كبيرة في المعاهد الأزهرية ولكنهن موجودات: "في المعهد الذي أعمل فيه أجد طالبتين أو ثلاث في كل فصل منتقبات، وهناك 10 مدرسات منتقبات بين ما يقرب من 150 مدرسة"وتضيف: "أنا لست مؤيدة لارتداء النقاب، وأحيانا ما أتناقش مع مرتدياته، وحتى إن كنت أراهن متشددات قليلا في هذه المسألة لكنهن أغلبهن نساء وفتيات فضليات ملتزمات. مجتمع المدرسات والطالبات في المعهد هن مثل باقي المجتمع المصري، فيهن غير متدينات ومتدينات ملتزمات ومتشددات بعض الشيء ولكن لا شيء أبعد من النقاب ولا أوافق على اتهامهن بأنهن يتبعن تيارات معينة".
تعبير "التيارات المتشددة" تكرر من رموز جامعة الأزهر عقب تفجر الجدل حول النقاب، فأثناء جولات د.أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر ومعه نوابه في كلية البنات حرص الطيب على أن يتطرق لأمر النقاب مؤكدا أنه ليس فرضا على المرأة ومحذرا الطالبات من الانسياق وراء التيارات الدينية المتشددة ثم قال أنه "تم إعداد منهج دراسى جديد هذا العام بدأ تدريسه للوافدين، عن نقد التيار السلفى والتيارات البعيدة عن وسطية الإسلام". فيما كان تعليق أحمد الحسيني، نائب رئيس الجامعة أن "خريجي الأزهر هم سفراء للدين الإسلامى الوسطى المعتدل فى مصر والخارج ولن تسمح الجامعة لأية جهة بأن تخترق فكرها الوسطى وهويتها الإسلامية الأزهرية".
يبدي أحمد سعد، المدرس بأحد المعاهد الأزهرية الثانوية، اندهاشه أن يتفجر كل هذا الجدل عن التيارات والاختراق من موقف طالبة في معهد للمرحلة الإعدادية: "سبب دهشتي أن الطلبة في المعاهد الأزهرية مهما كانت ميولهم يكونون بعيدا عن جدل التيارات الفكرية والسياسية كما يحدث في المرحلة الجامعية، فهم لا زالوا صغار السن اللهم إلا تأثيرات الأسرة. أحيانا أعرف من طريقة كلام بعض التلاميذ أنهم أبناء أسر إخوانية أو سلفية وهناك أعداد كبيرة من أبناء الأسر المصرية العادية المتدينة التي تتابع الدعاة المشاهيرالسلفيين على الفضائيات وغيرها وهناك أبناء أسر أدخلت أولادها معاهد أزهرية لأنها الأقرب للمنزل أو لأنها تقبل سنا أصغر. من المؤسف فعلا أن عددا كبيرا من الطلبة لا يتأثرون بالتعليم الديني الأزهري إلا كمثل تأثر الطلبة في مدارس وزارة التعليم بمادة الدين، هي بالنسبة لهم مجرد مناهج تعليمية يتلقونها، وقلة فقط تشعر أنهم طلاب أزهريون حقيقيون يهتمون بما يدرسون ويتمثلونه في حياتهم" ويضيف "ابني في جامعة الأزهر وأعرف منه أن الأمر نفسه هناك: انقسام الطلبة الملتزمين بين الاتجاه السلفي والإخواني وقلة فقط تشعر أنهم أبناء التقاليد الأزهرية، أما الكارثة التي تهدد الهوية الأزهرية كلها هي الأغلبية التي تتلقى التعليم بروتينية وبغير اكتراث، وهذا هو الاختراق الأخطر".
ولكن يبدو أن ما يقلق الأستاذ أحمد سعد لا يمثل التحدي الأخطر بالنسبة لقادة الجامعة، ففي مقال كتبه د. محمد عبد الفضيل القوصي، نائب رئيس جامعة الأزهر، ونشرته "الأهرام" في مايو الماضي بعنوان "الأزهر ومحاولات الاختراق" عدد التيارات التي تهدد الأزهر بأنها أولا التيار الوافد من بلدان مجاورة يغلب عليه الحرفية والتشدد ( التيار السلفي) والتيارات التي ترفع لافتات سياسية (الإخوان) ثم تيار التشيع وأخيرا تيار التغريب الذي يريد أن يغير ثوابت الأزهر تحت دعاوى "التنوير والحداثة".
هناك فارق شاسع بين التيارين الأخيرين الهامشيين واللذين يقتصران أحيانا على عناصر فردية أو مجموعات محدودة داخل جامعة الأزهر وبين التيارين الأولين اللذين يمثلان الاتجاهين الأكثر بروزا ونشاطا داخل الجامعة. يقول محمد الميموني، الطالب بكلية التجارة بالجامعة والقائد الكشفي في عشيرة الجوالة: "أثناء تنظيم الجوالة لحفل استقبال الطلبة الجدد في بداية العام الدراسي وتعريفهم بالكليات وأنشطة الجامعة وجدت طالبا يسألني: أين مقر أسرة الجيل المنشود؟ وهو اسم الأسرة غير المسجلة رسميا في الجامعة والتي ينشط فيها طلاب الإخوان المسلمين. وعندما استفسرت منه عن السبب، قال أن أخاه الطالب السابق بالجامعة نصحه بالذهاب إليهم لأن ملتزمون ولأنهم يقدمون خدمات للطلبة مثل ملازم الامتحانات". يروي الميموني ذلك كدليل على النفوذ الكبير والمتجدد للإخوان داخل جامعة الأزهر مؤكدا أنهم يجتذبون نسبة لا تقل عن ثلث الطلبة ويأتي بعدهم بقليل السلفيون غير المنظمين في جماعات أو أسر ولكنهم يشكلون تيارا فكريا وسط الطلبة.
باقي الطلبة في ملاحظة الميموني هم إما يدرسون بلا توجه فكري محدد ومعظمهم وعيهم الديني والسياسي محدود، ومنهم طلبة ريفيون أقصى آمالهم استكمال تعليمهم بأي طريقة للعودة إلى قراهم والعمل في الخطابة أو التدريس في المعاهد الأزهرية المنتشرة هناك، وإما قلة فقط تمثل "الملتزم الأزهري" بحق.
أنس السلطان الخريج الحديث من كلية الشريعة والقانون هو بالتأكيد من هؤلاء، فهو يقول أنه كان الطالب الوحيد في الكلية الملتزم بالزي الأزهري طوال سنوات الدراسة رغم الطابع الشرعي للدراسة كما أنه يعتبر نفسه من قلة تريد الالتزام بما يعتبره "الفكر الأزهري". وهو أيضا يؤكد على ملاحظات المدرس أحمد سعد وطالب التجارة محمد الميموني ويقول أنها صحيحة أيضا داخل الكليات الشرعية بالأزهر: " قلة فقط لا تزيد بأي حال عن 2 أو 3 % يمكن أن نعتبرهم أبناء الفكر الأزهري المتأثرون والمتتلمذون على العلماء الأزهريين مثل على جمعة وأحمد الطيب وأسامة السيد وغيرهم".
يقول أنس السلطان أن ارتداءه للزي الأزهري على الدوام جعله يشعر كيف ينظر الناس إلى الأزهري هذه الأيام: "هناك إكبار واحترام شديدين من جانب البسطاء ولكن يقابله أيضا شعور أن هذا الشخص ذو فكر قديم بعض الشيء، قد يكون في نظرهم ضليعا في جوانب الشرع من الناحية العلمية ولكنه من ناحية أخرى أقل فهما لكل ما هو حديث. ومن جانب آخر هناك النظرة للأزهري باعتباره قريب من السلطة وهو ما يجعلهم يعتبرون السلفيين أكثر صدقا وإخلاصا وقربا من الله".
يشير أنس إلى أن هناك العديد من الطلبة داخل الأزهر ينظرون إلى التعليم الأزهري نفس النظرة فيرونه تعليما قديما ومتحجرا نوعا ما كما أنه مرتبط بالسلطة وكثيرون منهم يعتبرون أساتذتهم مجرد أكاديميين لديهم حصيلة علمية ويعتبرون قلة منهم فقط في مصاف العلماء الحاملين لتقاليد الأزهر ويحرصون على طلب رأيهم.
يرى أنس أن الفكر الأزهري له ملامح مميزة منها أنه يتبنى العقيدة الأشعرية باعتبارها عقيدة أهل السنة والجماعة وفي الفقه يتمسك بدراسة فقه المذاهب المختلفة ولا يوجد أزهري لم يدرس على مذهب معين على خلاف السلفيين وفي جانب السلوك والأخلاق هم إما متصوفة مثل جمعة والطيب أو قريبون من التصوف مثل أسامة السيد ولكنهم متمسكون بالتصوف المعتدل وليس ما ينسب إليه من ضلالات وخرافات وبدع.
يستدرك أنس أن هناك بعض الاختلافات داخل هذا الفكر الأزهري فهو ليس تيارا واحدا فهناك علماء أزهريين يميلون ناحية السلفية قليلا وهم أبعد عن التصوف ومتسمكون بالعقيدة السلفية المخالفة للمذهب الأشعري وهم العلماء الذين يعلتون منابر الجمعية الشرعية. ويؤكد أيضا أن هناك تعدد داخل الأزهر فهم يدرسون الفقه على المذاهب الأربعة، ومنهم المذهب الحنبلي الذي يرجح علماؤه وجوب النقاب على المرأة وهو محل الجدل الحالي.
الأساتذة الأزهريين المتبنين للمذهب الحنبلي - الأقرب للاتجاه السلفي - قلة داخل الأزهر، وعلى منتديات السلفيين يسأل طلاب الأزهر السلفيين بعضهم بعضا عن الأساتذة الحنابلة لكي يتواصلوا معهم كأنهم يبحثون عن إبر في كومة قش. والمعاهد الأزهرية التي تلتزم كل منها تدريس الفقه على مذهب معين، منتشرة في كل مصر على المذاهب الثلاثة: الشافعية والحنفية والمالكية. لكن هناك معهدان فقط في كل مصر يدرسان المذهب الحنبلي.
الحضور القليل للميل السلفي في المعاهد الأزهرية وبين أعضاء التدريس في الجامعة غير كاف لكي يكون وراء الحضور الكبير لهذا الميل بين طلبة الأزهر، وهو يؤكد أن دور الأزهر يتراجع في تخريج رموز جماهيرية مؤثرة، ليس فقط للجمهور العادي ولكن أيضا بين طلبته والدراسين فيه الذين لم ينجح التعليم الأزهري الذي ينخرطون فيه طوال حياتهم في جعلهم يتبنون التقاليد التي تمثل الفكر الأزهري الذي يشكل هوية المؤسسة. وقد يحمل الأمر وجها آخر إذا اعتبرنا الأزهر يخوض معركة ضد أحد تنوعاته وضد مدرسة من الاجتهادات موجودة بداخله ولو على الهامش. ولكن في كلتا الحالتين فقد يصدق رأي أنس السلطان الذي يرى أن الأزهر مثل معظم المؤسسات في هذا البلد تفتقد للتواصل الجيد بين قيادتها ورموزها من جهة وأبنائها أوجمهورها من جهة أخرى.
قد يكون توصيف أنس السلطان الأزهري الغيور على الهوية الأزهرية والفكر الأزهري هو الأقسى، فافتقاد التواصل بين طرفي مؤسسة تعليمية ودعوية بالأساس يعني انهيارا في وظيفتها الأساسية ومعنى وجودها.


- نشر في "الشروق" الأربعاء 21 أكتوبر 2009
-PDF
- الصورة من موقع "حماسنا"

المزيد

الثلاثاء، ٦ أكتوبر، ٢٠٠٩

"كلنا كده عاوزين صورة"



هل الوطن صورة واحدة كبيرة لنا جميعا أم صور صغيرة كثيرة تفرقنا. صورة مهيمنة وصور مقاومة تتصارع في ساحة السياسة أم صور مختلفة تتباهي وتتجمل في ساحة الفن والثقافة. جزء من جماعة أكبر أم جماعة واحدة خالدة أم أفراد متفرقون لا يجمعهم إلا مكان واحد ؟


لم يكن يتوقع أحمد القمحاوي، طالب الهندسة بالجامعة الألمانية، أن تدمع عين إحدى الحاضرات بينما كان يقدم لزملائه باللغة الإنجليزية العرض الذي أعده عن "تراجع الشعور بالهوية المصرية عند الشباب" أثناء الفصل الدراسي الماضي. رد الفعل الدرامي المبالغ فيه كان مفاجئا لأحمد رغم حماسته الشديدة التي يقول أنه اضطر لتقليصها كثيرا بسبب المحاذير داخل الجامعة من التطرق للتابوهات الثلاثة: السياسة والدين والجنس. ربما كان ذلك بسبب صورة القارب الممتليء عن آخره بمهاجرين غير شرعيين يبدون في مظهر بائس، تعاطفا معهم وأسفا على مصيرهم المرتقب. أو ربما تأثرت بما اقتبسه من المفكر الراجل جمال حمدان عن ملامح "شخصية مصر" وما استخلصه من أن مصر من أعظم الأمم في التاريخ إن لم أعظمها، رغم أن شبابها الآن يسخرون من هذه الفكرة وكل تجلياتها في الدراما والأغاني الوطنية.
معظم طلاب فصله الدراسي تحمسوا وصفقوا لعرضه وأفكاره، لكن فكرة أحمد عن معظم زملائه غير ذلك فهو يقول أن طلاب الجامعة الألمانية هم من أبناء الشرائح الأغني في المجتمع المصري، ورغم ذلك فهم يشتركون مع الأشد فقرا في أنهم أقل شعورا بالانتماء لهذا البلد، وحسب تفسير أحمد أن معظم الأغنياء منفصلين عن المجتمع متطلعين للغرب يظنون أنه جنة على الأرض وينظرون نظرة دونية للبلد ولأغلبيته الفقيرة، الذين لا يجدون لهم مكانا أو حقوقا ولا يقومون بأي جهد للمطالبة بهما.
لا أحد يستثني الطبقة الوسطى من تهمة "فقدان الإنتماء" التي أصبحت نمطية ومكررة نوعا، وتنتهي إليها معظم الأبحاث التي تجتهد في تعداد أسبابها ومظاهرها، ولكن ما لمسه أحمد قد يكون مدخلا جيدا للتساؤل حول ما يمكن أن يكون صالحا ليجمع الفريقين اللذين رصدهما يجعلهما يشعران بالانتماء إلى نفس الوطن أو يشكلان جماعة واحدة. لا يبدو أن الكلام عن شخصية مصر في التاريخ والجغرافيا مقنع بما يكفي، بدليل ما لمسه أحمد من أن ذلك أصبح موضوعا دائما للسخرية عند الشباب. بالمثل لا تبدو ناجحة محاولات استنهاض الروح الوطنية في إعلانات الحكومة الأخيرة التي تتحدث عن "المصري اللي على حق". في الواقع أن كلمات "المصري" أو "البلد" لم تعد تذكر في سياقات حماسية أو حتى جادة بل أصبحت دائما في سياق انتقاد ممتعض أو هزل مستهتر. أما "علشان مصر" فهي العبارة الأكثر سخرية عندما يتسرب احتمال أن يكون أحدهم قد فعل شيئا بدافع التزامه تجاه المجتمع.
"فكرة الانتماء للبلد فكرة محيرة فعلا" يبتسم المهندس خالد حمدي وهو يقول:"لا أذكر شيئا من كلمات أغنية (يعني إيه كلمة وطن) لمحمد فؤاد. لكن ما أعرفه أنني حتى الآن لا تفسير لدي لهذا الأمر سوى أنني ولدت فوجدت نفسي هنا. ومعنى آخر أنني أنتمي لمكان ما أنني شريك فيه، أفعل شيئا ما وأشارك في تشكيله". يفكر قليلا قبل أن يكمل: "لهذا أنا لا أعرف تحديدا إن كان عملي لساعات طويلة في شركة مقاولات يعتبر كذلك أم لا. ولكن ساعات عملي الطويلة لا تمنعني فقط من أهتم بالسياسة، بل يمنعني مثلا أن أهتم بشئون مجلس إدارة العمارة أو أهتم بشئون الشارع الذي أسكن فيه، أنا حتى لا أعرف كل أسماء جيراني. لا أعرف إن كان وطني بالمعنى الحقيقي أصبح في مكتبي هنا وسيارتي وشقتي وعائلتي ومجموعة أصدقاء نلتقي على مقهى أو اثنين، أعني الأماكن والأشخاص التي أشعر بينهم أني فاعل ومؤثر وبيني وبينهم علاقة حقيقة".
ما يتحدث عنه المهندس خالد هو تقلص مساحة المجال العام الذي يجمع الناس حتى في علاقات الجيرة، وهو لا يبدو مقتنعا بأن البلد ستكون بخير لو "كل واحد أدى واجبه على أكمل وجه"، يشعر أن ذلك مجرد تبرير واه: "هناك الكثيرون يؤدون واجبهم جيدا وزيادة، وآخرون فاسدون ومقصرون، لكن المشكلة فعلا أن معظم الناس- وأنا منهم- نسمع ونقرأ عن البلد، نحن نعيش فيها ولكن كل واحد يعيش وحده أو في أحسن الأحوال مع أسرته ودائرة معارفه، ما الذي يحرك البلد ويشكلها، يحدث ذلك في مستوى آخر بعيد عنا".

بطاقة هوية
محاولة اقتحام ساحة السياسة من قبل الشباب المهتم قد تكون مكانا آخر لصنع معنى الانتماء. والانتماء للوطن تحديدا وليس إلى أمة كبيرة قومية أودينية كان مشتركا بين مشروعات عدة لتيارات ليبرالية تحاول أن تتشكل. مايكل نبيل، العضو الحالي في الهيئة العليا لحزب الجبهة الديمقراطية، كان قبل ذلك عضوا في أحزاب "مصر الأم" و"الحزب المصري الليبرالي" تحت التأسيس.
"في حزب مصر الأم وبدايات الحزب المصري الليبرالي كانت هناك فكرة إحياء القومية المصرية، والقومية المصرية مثل القومية العربية تقوم على الأصل العرقي المشترك، لكن أنا تخليت عن القومية لأنها عنصرية عرقية، وأرى الآن أن الدولة تبنى على الهوية والمواطنة، باختصار، الهوية هي البطاقة وشهادة الميلاد والباسبور. أن تكون معك الجنسية المصرية وتدفع الضرائب وتحترم القانون إذن أنت مصري بغض النظر عن دينك أو ثقافتك أو أصلك العرفي".
يقول مايكل أن المجموعات الليبرالية الداعية للهوية المصرية لاقت قبولا بين الشباب الذي مل الفكرة القومية التي تقول له أنت عربي وليس مصريا، ولكن باستثناء القلائل الذين تجتذبهم ساحة السياسة يرى مايكل أن أمام الفكرة الوطنية عقبات كثيرة: "نحن دائما نفكر في المفهوم الشوفيني للوطنية، أي أن تضحي بمالك وجهدك وحياتك من أجل بلدك، ثم تكتشف في النهاية أنك كنت تضحي من أجل الحاكم وأسرته، ومن الطبيعي أن تنهار الوطنية بهذا الشكل. ولكن المفهوم الليبرالي للوطنية يقوم على أساس تعاقدي، الدولة تلتزم ناحية المواطن بحقوق وعليه واجبات، وعندما لا يحصل المواطن على حقوقه لا يقوم بواجباته ومن غير المستغرب أن يحدث انخفاض في المشاعر الوطنية ".
بالإضافة إلى ذلك، الهويات الدينية منافس قوي لأي دعوة لإحياء الهوية الوطنية. يحكي مايكل أنه أحيانا ما يدعو بعض الشباب إلى العمل السياسي بدافع أنهم أبناء مصر فيصطدم برد بعض الشباب المسيحي أنهم "أولاد المسيح" ولا ينتمون إلا إليه. يرى مايكل أن طريقة التدين الحالي عند المسيحيين حولت بعضهم إلى رهبان بالمعنى المعنوي مهتمون بيوم الحساب ولا يهتمون بمشكلات بلدهم، والبعض الآخر يهرب إلى هذه الفكرة ويفقد انتمائه إلى بلده كرد فعل على ما يعتبره "اضطهادا".
الهوية الدينية عند المسلمين بالطبع أكثر وضوحا في صعودها، واستخدامها في المجال السياسي قد يتزاوج مع الفكرة الوطنية أو يفترق عنها. عبد الرحمن منصور، طالب الإعلام ذي الخلفية الإخوانية، الذي يفضل أن ينصف نفسه الآن كـ"إسلامي إصلاحي" يرى أن الإسلاميين التقليديين يفضلون تحريك مشاعر الناس بالإنتماء الرمزي إلى الأمة الإسلامية والقضايا الكبرى بدلا من أن يكونوا عمليين ويبدأون بالعمل في الوطن الواحد مع أصحاب باقي الأفكار والتوجهات.
يعبر منصورالذي يقضي حياتها متنقلا بين القاهرة والرياض عن قناعاته "أنا ضد التقوقع داخل الأوطان، وخططي للإقامة والحياة لا تتعلق بوطن معين. ولكن عندي إلتزام تجاه هذا الوطن، بعيدا عن التعصب الأعمى لكل ما يتعلق به. أحيانا ما تعمي فكرة حب الوطن الأبصار. وأحيانا تكون فكرة مبتذلة في خطاب عاطفي يتغنى بالأرض والنيل والسماء والرموز".

صور الوطن
"يجب أن نفرق بين جانب الاستخدام التجاري الذي يتغنى بالوطن وبين الجانب العاطفي في فكرة الوطن والانتماء إليه" هذا ما يؤكد عليه محمد الحاج، الذي يعمل في مجال إنتاج الأفلام الوثائقية، كما يرى أن جانب من فكرة الانتماء هو قدرك الذي يربطك بتراث وتقاليد في منطقة معينة من العالم ومع جماعة بعينها، وفي هذا الارتباط جانب عاطفي لا يمكن إنكاره. لكن محمد الحاج يرى أن الانتماء الوطني لا ينفصل عن الانتماء للمحيط العربي كثقافة ممتدة نحن جزء منها، ويرى في محاولة الانفصال عن هذا المحيط سذاجة ومحاولة لتغيير قدرنا بعمليات تجميل ستجلعنا نمشي مشية الغراب.
بالنسبة لشاب مثل محمد الحاج يطمح أن يكون صانعا لأفلام روائية يعبر فيها عن أفكاره ومشاعره، فإنه قد يجد فرصة الدراسة والعمل في الخارج لفترة محدودة شيئا إيجابيا، ولكن انتماءه للوطن هنا هو انتماءه للجماعة التي يمكنه أن يخاطبها بفنه، بينه وبينهم مشتركات، يمكنهم أن يفهموا نفس النكت، وفيهم من قرأوا مثله لنفس الكتاب وشاهدوا نفس الأفلام.
ولكن إذا كان الانتماء هو للمحيط الذي يتيح القدر الأكبر من التفاهم والتجمع حول هموم ومشاغل مشتركة، فإن ثورة الاتصالات تساهم في أن تجعل العديد من الشباب مواطنين عالميين بمعنى ما بشكل يربطهم معا بأفكار وقيم ومشاغل مشتركة، ويجمعهم في تذوق نفس الفنون وتبادل نفس المعارف. لا ينكر محمد الحاج أن فيلمه القصير الأول الذي كتبه له السيناربو يمكن أن يفهمه شاب مديني من أي مكان في العالم بترجمة لغوية بسيطة. وصحيح أنه يعترف أنه يستمتع بالسينما الأمريكية ويفهم تلميجاتها ونكاتها، لكنه يعتقد أن الفن الأمريكي استثناء ربما لأنه أصبح النموذج المهيمن حضاريا، بالإضافة أن الفن المعبر عن المدينة يمكن أن يصبح عالميا. ولكن ذلك ليس إيجابيا في رأيه، بل هو من مثالب العولمة التي تمارس التنميط على أشكال الحياة لتجعلها مدنا متشابهة وقريبة من نموذج واحد.
ولكن أحمد ناجي، الصحفي والروائي الشاب، يرى رأيا آخر معاكسا ضاربا المثل بالأديب التشيكي الشهير ميلان كونديرا الذي غادر وطنه للإقامة في باريس، بل وتحول إلى الكتابة بالفرنسية بدلا من لغته الأصلية. في مدونته "وسع خيالك"، كتب ناجي ساخرا أن الوطن ضرورة إنسانية يتمنى أن يتخلص منها التقدم العلمي في المستقبل.
يوضح ناجي فكرته بأن الوطن هو صورة مختلفة عند كل فرد يرسمها من زاوية وضعه الطبقي والاجتماعي. يقول ناجي :" التراث المشترك ليس إلا تراث تخيلي أو صورة ترسمها مجموعة من الناس وتسميها الوطن".
فهو مثلا يرى أن شباب الطبقة الوسطى المثقفين يكونون رموزهم الوطنية من ثقافتهم الخاصة، بينما شباب الحرفيين يكونون رموزهم الوطنية من ثقافتهم المختلفة تماما وخبرتهم اليومية ليحتل فيها منتخب مصر والنادي الأهلي الجانب الأكبر. الحكومة تصدر خطابا وطنيا فيه صور ورموز رسمية، الأهرامات والنيل والقلعة، وصورا تبرز الإنجاز والاستقرار، بينما المعارضة تقلب هذه الصور لتبرز القمع والفقر. في رأي ناجي أن التعبير الأصدق عن الوطن الذي يعيشه الإنسان قد نجده في بعض الفن الشعبي الذي يغني للمكان المحيط الذي يعيشه الإنسان فعلا وخبراته فيه، ويرى مثالا جيدا لذلك في أغنية "شبرا وبنات شبرا" التي يغنيها ريكو!
"المثل بيقول: بلدك إيه يا جحا، قال اللي فيها مراتي" يضحك جابر صبحي، فني كهربائي، وهو يقول ذلك ساخرا من الحديث عن الانتماء قبل أن تتحول لهجته إلى الجدية: "الصح بقى إن بلدي وبلد مراتي هي اللي فيها رزقي ورزقها. أنا مستعد أروح آخر الدنيا لو فيها شغل كويس وعيشة كويسة، بس برضه هافضل أحب بلدي اللي فيها أهلي وناسي وأحبها تبقى أحسن في كل حاجة" ويضيف ضاحكا "وهاشجع منتخب مصر برضه، أمال يعني هاشجع نيجيريا". يستدرك جابر مرة أخرى أن تشجيع الكرة ليست كل شيء لكن على حد تعبيره: "ده اللي موجود دلوقتي، لكن لو قامت حرب يا أستاذ، الشباب اللي مش عاجبهم ده هو اللي بيحارب في أول صف والناس اللي بتتكلم عن البلد في التليفزيون والجرايد دول هم بيبقوا المشجعين في المدرجات ولا مؤاخذة".
كل طرف يدافع عن صوره "يشجعها" ويشعر أنه فعلا مرتبط بها. وحتى أحمد ناجي الذي يهاجم بدرجة من العنف فكرة "الوطنية" وتجلياتها في الفن والثقافة فإنه يكتب في مدونته موضوعات معظمها ساخر تحت تصنيف "خالتك مصر"- في سخرية من "مصر هي أمي" - والكتابات الكثيرة والمتنوعة تحت هذا التصنيف مهما كان ما تقوله فهي تقول لنا أن الوطن رغم كل شيء هو ما لم نقرر بعد الهروب منه أو لم نتمكن من ذلك لذا فلا يمكننا أن نتوقف عن الاهتمام به والتفكير فيه، وتخيله في صورة ما نراها واقعا أو صورة أخرى نراها حلما والانزعاج من صوره التي لا تعجبنا أو حتى السخرية من صوره المتوهمة.


- نشر في الشروق الأحد 4 أكتوبر 2009
- PDF
- رسم وليد طاهر
المزيد

الجمعة، ٢٥ سبتمبر، ٢٠٠٩

"نحن نبيع الانطباعات"



هناك من قال أن الوعود، والوعود الكبيرة فقط، هي جوهر الإعلانات. ومن أجل ذلك يبتكر صناع الإعلانات شخصية وملامح وحضور لكل سلعة أو خدمة، لتصبح نجما يخطف عقول الجماهير ومشاعرهم، يدخل معهم في علاقة ويشعرون تجاهه بإعجاب أو ثقة، مهابة أو ألفة. يصدقونه وهو يعدهم بحياة متخيلة جذابة، كمشهد سينمائي يمكنهم - بعد أن يدفعوا - ترك مقاعد المتفرجين ليكونوا جزءا منه.

على الشاشة الكبيرة في المقهى تدور أحداث فيلم عربي، الزبائن مشغولون بأحاديثهم وربما بين حين وآخر يسترق أحدهم النظر ويرهف السمع إلى الصوت الخافت الضائع وسط الضجيج.
يتوقف الفيلم ويبدأ فاصل بمشهد رجل أمن في زي مدني يمسك بجهاز لاسلكي يتوجه إلى سيارة واقفة بداخلها شاب. يطلب أكثر من واحد من القهوجي أن يرفع الصوت بسرعة وقد ارتسمت ابتسامات على وجوههم، ينبه أحدهم صديقة "شوف الإعلان ده". يتوجه رجل الأمن إلى السيارة يخبط عليها ويأمر الشاب بفتح زجاج السيارة، يخبره بحزم وفظاظة: "ياللا يا حبيبي مافيش وقوف هنا" ويصرخ فيه: " ياللا اتحرك! ياللا!". الكاميرا مثبتة على الشاب الذي يبدأ في تشغيل السيارة وعلى ملامحه ضيق مكتوم وأسي وعتاب، نفهم أسبابهم عندما يظهر فجأة صوت معلق رياضي يعرفنا بالشاب "رقم 19 أحمد فتحي (بوجي) رأس حربة منتخب مصر للشباب... علشان تعرفوهم. روحوا شجعوهم" ثم ينتهي الإعلان بأن كوكاكولا هي الراعي الرسمي لكأس العالم للشباب.
ضحكات هنا وهناك وإطراء على الفكرة المبتكرة، ولكن ماذا في الإعلان قد يدفع هؤلاء أن يرفعوا أصواتهم ليطلبوا كوكاكولا التي أنفقت الكثير على سلسلة الإعلانات التي كان ذلك واحدا منها؟ عند درجة ما من الإبداعية والابتكار في الإعلان فإن الرسالة الإعلانية، التي تسوّق للسلعة أو الخدمة بشكل مباشر، قد تتراجع قليلا لصالح حسابات أخرى، يجب أن تصب في النهاية في صالح البيع والرواج للمعلن، ولكنها قد تسلك طرقا بعيدة لترتبط مع المستهلك بعلاقة أقوى وأعمق أثرا.
"صحيح أن زيادة المبيعات هي المعيار الأساسي لنجاح أي إعلان، ولكن من أجل ذلك تحديدا فالانطباع الذي يتركه الإعلان عند المتلقي هو الأهم لا الرسالة التي يوجهها " هذا ما يؤكده سامي عياد سمور، رئيس القسم الإبداعي Creative Department في وكالة "ستراتيجيز" Strategies للإعلان، الذي يوضح فكرته أكثر: "قد يحدثك شخص ما ويقول كلاما كثيرا، في النهاية قد تنسى كلامه لكن يبقى في ذهنك فكرة عنه، شخص فاهم أو مدعي، واقعي أو حالم، مثقف أو مخرف. وعلى هذا الأساس تتعامل معه. وكذلك الإعلان عن ماركة معينة فقد يمر بسرعة ويقول رسائل مختلفة ومتنوعة كل مرة، ولكن الخط الإعلاني الناجح هو ما يترك انطباعا جيدا وملائما يشكل فكرة المستهلك عن الماركة".
ويبدو أن هذه هي المهمة الأكثر تميزا لمبتكري الإعلانات الذي يشكلون الـ Creative team وهو التعبير الذي يمكن ترجمته إلى الفريق الإبداعي أو فريق الابتكار. ويشمل في معظم وكالات الإعلان: مدير الابتكار Creative director - وهو رئيس الفريق- ومساعديه والمديرين الفنيين Art director ومصممي الجرافيكس - وهم المسئولون عن الصورة في الإعلان- وكتّاب النصوص Copy writers.
تبدأ مهمة هذا الفريق بعد أن تتم أقسام أخرى عملها، وهي خدمة العملاء وقسم أبحاث ودراسات السوق. خدمة العملاء يعرفون طلبات العميل وخطته في السوق ومعلومات عن المنتج أو الخدمة، وقسم دراسات السوق يحدد حالة المنتج بين أقرانه في السوق، نسبة مبيعات كل منهم وما يميزه وآراء الناس فيهم. ويصل كل ذلك إلى الفريق الإبداعي في تصور مختصر ووجهة نظر لوجهة الحملة الإعلانية وفئة الجمهور المستهدفة وهو ما يسمى بالاستراتيجية الإعلانية.
يتابع سامي سمور: "الكثير من العملاء يفكرون في إعلان به أكبر عدد من الرسائل الواضحة المباشرة عن منتجهم، وبعضهم يقول أن الجمهور لن يفهم الأفكار الإبداعية غير المباشرة ويجب أن يشرب الفكرة بالملعقة. في حين نحاول نحن أن نقنعه أن ذلك ليس صحيحا. ونحاول أن نأخذ الأمر إلى مسار آخر ونحاول أن نقنعه أن الأهم هو رسم شخصية وهوية للماركة عند الناس تميزها عن غيرها من الماركات المنافسة. وهو ما نسميه الوضع أو Position".
يضرب سامي سمور مثلا بالأوضاع المختلفة في سوق الاتصالات مثلا، تتخذ موبينيل وضع الرجل الشعبي القريب خفيف الدم العاطفي والوطني، بينما تتخذ فودافون وضع رجل الحسابات التكتيكي الأنيق الخبير صاحب الأصل العالمي. ويتابع :"أتصور أن لكل ماركة ناجحة في أي مجال لها شخصية منطبعة في ذهن الناس. وهذه الشخصية يرسمها صانع الإعلان ويحدد من خلالها ما الذي يقال في كل موقف وكيف يقال، كما أنها تحدد الهوية البصرية للماركة أو الصورة التي تظهر فيها هذه الشخصية وكيف تكلم الناس وبأي طريقة".
يتم ذلك عادة عبر جلسات عصف ذهني ونقاش بين أعضاء الفريق الإبداعي يتبادلون فيها التصورات والأفكار قبل أن يستقروا على فكرة مميزة يبدأون في تنفيذها وصياغة النصوص وتصميم الصورة المعبرة عنها.

طبقات الصورة
يقول مصطفى أبو بكر، مصمم الجرافيكس في وكالة طارق نور: "فيما يخص الصورة، يختلف الأمر عن التصميم الفني الجمالي البحت، فكل تفصيلة لها دور وتقول شيئا. لذلك عندما نعرض تصميما مطبوعا على العميل نضع كل تفصيلة من التصميم المرسوم على شريحة لكي نشرح له دورها، كما نقدم له هذه التفصيلات مقارنة بتصميمات الماركات المنافسة، وفي الإعلان التليفزيوني يتم رسمه مشهدا مشهدا قبل أن يتم تمثيله ويتم دراسة كل لقطة وتفصيلة وبماذا توحي وما دورها في الإعلان".
الصورة الكبيرة المكونة من التفاصيل يجب أن تكون معبرة عن شخصية وهوية الماركة أووضعها المحدد في الاستراتيجية الإعلانية، ولو حادت عن ذلك تحدث مشكلة. يوضح محمد زكريا، المدير الفني في وكالة ستراتيجيز: "مثلا لا يمكن لمنتج غالي موجه للنخبة أن تكون صورته توحي بالرخص أو تكون ألوانه شعبية، يجب أن يكون موحيا بالرقي الطبقي والتميز والأناقة. والعكس، المنتج الرخيص الذي يتم تسويقه على نطاق شعبي لو كانت صورته موحية بأي تعالي يمكن أن يترك ذلك انطباع أنه غالي الثمن".
أحيانا ما تكون عند شركة واحدة أكثر من منتج، ولكن تبعا لثمنه يوجه كل منهم لطبقة معينة ولذلك يجب أن تكون لإعلاناتهم شخصيات مختلفة وتوحي بانطباعات مختلفة وهو ما تقول الصورة جزء كبير منه. يضرب محمد زكريا مثلا بشركة التكييف يونيون إير:"لديهم نوع تكييف رخيص نسبيا كانت إعلاناته بسيطة وعملية تخاطب الطبقة الوسطى وما دونها وتوضح ميزة المنتج وهو سعره الرخيص، أما النوع الفاخر "يونيفاي" حاولت الشركة أن توحي بأنه مميز ولكن بشكل خاطيء فلم يصل الانطباع الملائم للفئة المستهدفة".
في إعلان يونيفاي، كان الفنان أحمد الفيشاوي يستقل سفنية فضاء ويبتعد عن الأرض ولكنه يواجه مشاكل في التكييف فيتصل فورا بخبراء يونيفاي. يعلق سامي سمور: "الإعلان كان يحاول ترك الانطباع بأن الشركة لديها أفضل تكنولوجيا من خلال استخدام صورة سفينة الفضاء التي تستدعي في ذهن المشاهد فكرة التكنولوجيا الفائقة. ولكن ذلك لم ينجح".
المبالغة الهزلية للإعلان أوحت بالاصطناع والسذاجة ولم تقنع الطبقات "الراقية" أن هذا هو تكييفها المميز.
يقول محمد زكريا: "في الإعلان التالي مع شركتنا. لم نقل شيئا أبدا عن مميزات التكييف أو سعره، اعتمدنا فقط على ترك الانطباع بالصورة وبأقل كلام". كان الإعلان عبارة عن رجل يدخل شقة ذات ديكور مودرن بالغ الأناقة والرقي. يضع مفاتيحه فتستقر في الهواء في هدوء قبل أن تصل إلى المنضدة. يتمدد على أريكة ويضع اسطوانة هادئة ويرفع قليلا الأباجورة لكي تلقي أفضل ضوء على الكتاب فتستقر في الهواء أيضا في الوضع الذي يريده وكذلك الكتاب فلا يضطر لأن يبقي يديه مرفوعتان تحملانه، وبعد ثوان يرتفع جسد الرجل قليلا عن الأريكة وكأنه ممدد على الهواء في إيحاء براحة تامة. يبتعد المشهد قليلا ليظهر في الصورة تكييف يونيفاي يتوسط الحائط في أناقة وينتهي الإعلان بصوت هاديء يقول: جو خيالي.
يعلق محمد زكريا: "كان استقبال الإعلان جيدا، ونجحت الحملة الإعلانية ووصلت لجمهورها بشكل صحيح الذي وصله انطباع قوي بالشخصية المميزة والراقية للماركة".
في مقال "بلاغة الصورة" اهتم رولان بارت الناقد والفيلسوف الفرنسي بالطريقة التي تعبر بها الصورة في الإعلان وقام بتحليل دلالتها إلى 3 مستويات: الرسالة غير المشفرة للصورة، والرسالة المشفرة للصورة، والرسالة اللغوية. الرسالة الأولى هي تصميم الصورة كما هي، تناسق الألوان وتشكيل العناصر وكل ما يوجد ظاهرا في الصورة، الرسالة الثانية هي الإيحاءات الكثيرة التي توحيها، مثلا في حالة إعلان يونيفاي هناك إيحاءات الثراء والأناقة والذوق الرفيع، وهناك القدرة على التحكم في المحيط بما يحقق راحة وسعادة، وهناك الخصوصية والهدوء وهناك الاهتمام بالثقافة ( الكتاب والموسيقى) وقد يوحي ذلك أيضا بالترف وراحة البال، أما الرسالة اللغوية أي النص المكتوب أو المنطوق فهي - كما يقول بارت- تقوم بدور "الريموت كنترول" الذي يقوم بتوجيه المتلقي نحو دلالات بعينها، وتشترك مع الرسالة المشفرة للصورة في إنتاج الدلالة الكلية التي تترك الانطباع. كل دلالات وتفصيلات الإعلان تم دمجها في إعلان يونيفاي لتعبر عنها كلمة "الجو" واسعة الدلالة التي تلعب على ازدواج المعني: الجو يمعنى كل الظروف المحيطة والجو بمعنى درجة الحرارة التي يتحكم فيها التكييف. انطباع التحكم - الذي يشتريه مستهلك التكييف ليتحكم في الحرارة - يتم الإيحاء بتضخيمه كما في التفاصيل الفانتازية ليصل إلى حد أنه "خيالي".

بلاغة الإعلان

دور النص المكتوب أو المنطوق هنا يبدو أبعد من مجرد صياغة شعار لكنه إبداع لمفهوم أو فكرة تكون عنوانا للانطباع المرغوب والشخصية المتخيلة للماركة، يؤكد ذلك حمدي نجيب، كاتب النصوص Copy writer في شركة ستراتيجيز: " كل المنتجات المتنافسة تدعي نفس المميزات، والإنسان بطبعه يقاوم محاولة إقناعه بالدفع والشراء، عندما يأتي إليك مندوب مبيعات فأنت تتشكك في كلامه وتعرف مقدما أنه تجميل للسلعة ومبالغة فيها، لذلك على كاتب النص أن يكلم المتلقي وفي نفس الوقت يتسلل إليه بسرعة وذكاء. مندوب المبيعات يحاور شخصا واحدا ويجرب هذا المدخل ثم يجرب آخر. ولكن كاتب نص الإعلان التليفزيوني أمامه 30 ثانية وعليه أن يقنع 70 مليونا متنوعين".
في الحملة الإعلانية الأخيرة التي قدمتها الشركة لزيت عافية كان الشعار "جدد قلبك"، مع صورة تركز على الأسرة والعائلة المفعمة بالصحة والحيوية والنشاط وبالتالي السعادة، في مشاهد تتكرر فيها صورة القلب، في المفارش وفي الكعك وفي نظارات البنات وحتى في الأطباق. يشير الإعلان إلى أن الكوليسترول أقل حفاظا على صحة الأسرة. ولأن الفئة المستهدفة هي ربات البيوت. فالأم تبدو في قلب المشهد، بينما تركز الكاميرا على انطباعات باقي أفراد الأسرة، انطباع التلذذ بالطعام، ويلعب النص بفكرة "تجديد القلب" بمعناها القريب: الحفاظ على الصحة، والمعنى الأبعد: تجديد الحب في الأسرة. الأم تحرص عليهم وتقدم لهم أكلا صحيا ولذيذا وهم يعبرون عن امتنانهم وتقديرهم لها. الإعلان هنا يسوق الحاجة الاستهلاكية للزيت من خلال التذكير والتلويح بحاجات معنوية وإنسانية أخرى يربط المشاهد نفسيا بها.
كتاب النصوص أيضا هم المسئولون عن كتابة فكرة أو نصوص الأغنية أو الجنجل Jingle المصاحبة للإعلان، وهي من أكثر الأشياء التي تلفت الانتباه وتعلق في أذهان الناس.
"ولكن أحيانا تكون الأغنية لافتة وجميلة ولكن لا علاقة لها بشخصية المنتج أو الانطباع المرغوب" يضرب حمدي نجيب مثالا "في فترة كان الأطفال ينتظرون إعلان لانشون شيكي دودو ويرددون معه: عاوزين الشيكي دودو. ولكن الإعلان لم يربط المشاهد بالمنتج بأي انطباع فحفظ الناس اللحن ونسوا المنتج، لكن نص إعلان: رايحة فين يا فاطمة، رايحة أجيب أومو. ربط المشاهد باسم المنتج وربطه نفسيا بمشوار التسوق، لدرجة أن النساء يمزحن وهن خارجات للتسوق ويقلن: رايحة أجيب أومو. قمة النجاح أن تربط النشاط أو الحاجة باسم الماركة".
كلما كانت الفكرة التي يعتمد عليها مبتكرو الإعلان موجهة بدقة للفئة المستهدفة كلما كان نجاحها مركزا. فحملة "استرجل واشرب بيريل" حققت نجاحا رغم أنها كسبت عداوات وانتقادت بسبب "النزعة الذكورية" المهينة للمراة أحيانا كما في إعلان: "استرجل! آخر حاجة في البنت تفكر فيها شخصيتها"!. فالمبتكر كان يفكر وهو يعلم أن جمهور مشروبه هم الرجال لا النساء أو الأطفال، فخاطبهم بمزاح خشن يشبه مزاج الجلسات الرجالي. كما أنه حوّل ما يمكن أن يكون عيبا في المشروب وهو طعمه المر القوي إلى شيء إيجابي، وعلى الشاب أن "يسترجل" ويتحمل الطعم وإلا واجه السخرية.

أفكار الإعلانات غير التقليدية ضرورة تتطلبها المنافسة الشرسة. وسط طوفان الإعلانات الذي يجتاح الإعلام لن يظهر إلا الإعلان الذي يقدم شخصية مختلفة وانطباعا جريئا مفاجئا أو مبدعا. بعض الإعلانات تلجأ إلى وضع مختلف تخاطب به المشاهد فتتصنع التواضع لتوحي بالصراحة والمصداقية كما في إعلان مطاعم "مؤمن" عن الساندوتش المكسيكي الذي يقول: "هو مش مكسيكي قوي يعني" أو السيارة التي تسير رأسيا على الحائط ثم ينتهي الإعلان بالتأكيد أنها سيارة "جامدة لكن مش بتمشي على الحيطة". أو يفجر الإعلان الكوميديا من المفارقة بين كون أبطال الإعلان من لاعبي منتخب مصر للشباب مغمورين ويتعرضون للمعاملة السيئة رغم أنهم سيصبحون في دائرة الضوء قريبا لأن مصر ستستضيف كأس العالم للشباب هذه السنة. الإعلان يسخر مع المجتمع أو منه بعدما أصبح اللطف فيه معاملة خاصة واستثناء لا يحصل عليه إلا المواطن الذين يثير في من حوله الانطباع أنه مواطن غير عادي. لذلك تبتعد الإعلانات عن كل ما هو "عادي" وتعد الناس بكل ما هو خيالي ومميز ومختلف ولا مثيل له. فكما يقول صمويل جونسون:"الوعود، والوعود الكبيرة فقط، هي جوهر الإعلانات".



"أخيرا فهمت يا وديع !"



ما الذي يفعله معظم الشباب المطلعين على السينما الأمريكية عند مشاهدة معظم الأفلام العربية بدائية الفكرة والتنفيذ؟ عندما لا يكون الفيلم مقنعا فالسخرية هي البديل لقضاء الوقت أمام مثل هذه الأعمال. إذن لا جدوى أن تحاول قناة للأفلام العربية أن تضحك على نفسها وعلى جمهورها وتحاول أن تعدهم بأفلام فذة، فكان الحل البسيط والمبتكر الذي لجأت إليه قناة ميلودي أفلام أن تجتذب القناة المشاهدين عبر السخرية من الأفلام العربية كلها وطريقة إنتاجها. الإعلانات ابتكرتها وكالة ليو بيرنت المرموقة في عالم الإعلان وتجاوزت مدتها أقصى مدة لإعلان لتقترب من فيلم قصير. وهي تروي قصة هزلية يرفض فيها تهامي باشا المنتج المصري “الأريب” اقتراح وديع المخرج المتملق إنتاج أفلام "روكي" و"تيتانك" لأن النهايات غير جماهيرية في رأيه لينتج "فيفا زلاطا" و"لحم رخيص". واللحظة الوحيدة الذي اتفق فيها تهامي مع وديع عندما قدم الأخير إليه الوجه الجديد رشا التي خلعت ملابسها فورا لتقدم بروفة فصاح منتشيا :"أخيرا فهمت يا وديع!".
الجدل الذي أثارته هذه الحملة الإعلانية كان امتدادا لجدل كبير حول إعلانات مجموعة قنوات ميلودي. الانتقادات تركزت على استخدام العنف والجنس في الإعلان عبر البطلين: السوبرمان البدين ذو الزي الأصفر الذي يضرب المملين والتقليديين والعجائز، ورفيقته "الفاتنة" بوبي جوليا التي تشتت انتباه أعداء رفيقها لكي يتمكن منهم. الجدل بين معجب بالإبداعية والابتكار في أفكار الإعلان وبين منتقد لـ"ابتذال الإعلان" واحتوائه على "قيم سلبية"، هو نفسه الجدل الذي شهده الفكر الاجتماعي الغربي منذ منتصف القرن الماضي حول تأثير للإعلانات.
فكما ينقل د. شاكر عبد الحميد في كتابه "عصر الصورة" وجد ميشيل فوكو في الإعلان شكلا من أشكال السلطة- المرتبطة بسلطة رأس المال- ترسخ الصور النمطية للتفوق والنجاح والجمال والأنوثة والذكورة والحب، وتتحكم في سلوك المستهلكين الذين يحاولون محاكاة هذه النماذج والاقتراب منها من خلال الاستهلاك. لكن جان بودريار وجد أن السلطة نفسها أصبحت مفككة ومبعثرة، وأن صراع السوق يدفع المنافسة إلى درجة قصوى يتم فيها تخطي كل الحدود والقيم والنماذج، وتستخدم الإعلانات بشكل مفرط قيم القوة والمتعة المتحررة وخاصة الجنس، لتتماهي مع الرغبات المتجددة والمنطلقة للجمهور. لذلك يرى بودريار أن فن الإعلان سيكون هو الشكل المعاصر للتعبير الفني الذي سيدمج داخله كل الفنون، وسيصير الفن الأكثر استهلاكا، ولكنه سيظل دائما فنا سطحيا بلا عمق مهمته الإغواء عبر الصور السطحية. يكمل جي ديبور الصورة بما قاله من أن وعود الإعلان بمتعة الاستهلاك هي التعويض عن غياب التلقائية والحرية في عصر المؤسسات الكبرى والتقسيم المفرط للعمل الذي يدفع لتنميط أساليب الحياة. ولأن الإنتاج والاستهلاك لا يتوقفان والوعود بالجديد لا تتوقف، يصبح الإنسان مستهلكا للصور والماركات ونهما دائما للمزيد لينتهي بنا الحال إلى ما سماه "مجتمع الاستعراض".
في المقابل وبشكل متزامن كان اتجاه آخر يصعد، ويعتبر أن الإعلان هو قلب اتجاه فني جديد هو البوب آرت Popart الذي يرى أن العمل الفني ليس عملا أصيلا ومتفردا ولكنه جزء من عملية الاتصال العادية وتبادل الأفكار والسلع بين الناس. وأن متعة الشكل الحسية هي أساس الفن بعيدا عن أوهام العمق النخبوية. الرمز الأشهر لهذا الاتجاه هو الفنان الأمريكي آندي وارهول الذي كان رساما وصانع أفلام ولكنه بدأ حياته وشهرته كمصمم إعلانات وحملت عبوات السلع وشعاراتها إبداعاته الأولى.


-نشر في "الشروق" الخميس 24 سبتمبر 2009.
-PDF
-الصورة: "جو خيالي" في إعلان تكييف، التحكم في الجو وانطباع التحكم في كل ما يحيط بك لتحقيق الراحة والسعادة.
تصوير: أحمد عبد اللطيف.

المزيد