الأحد، 25 يوليو 2010

في منتصف المسافة بين جبل ومدينة


سلمان المزيني في وادي أم سميرة بجبال دهب - تصوير: محمد الميموني

لا يزال شباب البدو يسيرون على الطرق التي سار عليها آباؤهم ولكن عيونهم على طرق آخر يتأهبون لخوضها وصور أخرى يفكرون أن يكونوها تخرج أحيانا عن الصورة النمطية للبدوي في الأذهان.

كانوا سبعة مقاتلين من قبيلة مزينة من بني حرب بالحجاز وفدوا إلى سيناء. استغاثتهم قبيلة العليقات التي تسكن جبال دهب ليعينوها في معاركها ضد قبيلة أخرى. أبلى المقاتلون بلاء حسنا فقال لهم شيخ العليقات: ناموا ومراحكم - أي مكان تقبلكم في نومكم – لكم. كبيرهم نام وأخذ يتقلب طوال الليل حتى قطع المسافة التي تحتلها الآن مدينة دهب. وفي الصباح طلب من شيخ القبيلة كل هذه الأرض، فاختلفوا واختصموا إلى قاض في الحجاز فحكم للمقاتلين من مزينة، فملكوا هذه الأرض وتزوجوا من بنات القبائل الأخرى وتكاثروا حتى صاروا القبيلة الأكبر في ساحل جنوب سيناء.
يحكي سلمان جمعة المزيني، هذه القصة شبه الأسطورية، التي لا يعلم متى تحديدا حدثت، وهو جالس القرفصاء يشعل النار في حزمة حطب تحلقنا حولها في وادي أم سميرة الذي تحتضنه الجبال من كل ناحية، عدا مدخل يقود إلى طريق متعرج ينتهي إلى الشارع الأسفلتي . الأكيد بشأن القصة أن بدو قبيلة مزينة يمثلون أكثر من تسعين بالمائة من بدو جبال دهب.
تخرج سلمان من كلية التربية قسم التاريخ بجامعة الأزهر، ورغم أنه لا يفكر في العمل مدرسا إلا أن لديه مشروعات تتعلق بتخصصه كما تتعلق بهويته ببدوي. يبدو طموحا وهو يقول انه يفكر في كتابة تاريخ حقيقي لقبائل بدو سيناء.
"لم أقرأ تاريخا حقيقيا للبدو. تطور عاداتهم وأفكارهم. الناس الآن يكتبون عن البدو وكأنهم يكتبون من عشرات السنين. الحياة البدوية تتغير مع دخول مظاهر التمدن".
لا يبدو أن رغبة سلمان وراءها انحياز حاسم إلى نمط الحياة الذي يسمى "البداوة" وفي الوقت نفسه يبدو أنه لا غير مغرم كثيرا بكل تفاصيل “التمدن”.
ذلك اليوم كان سلمان يرتدي سروالا أبيض، أصر هو أن يصحح لنا أنه ليس "بنطلونا"، بل هو السروال الذي يرتديه تحت الثوب الأبيض، ولكن محل الثوب هذه المرة كانت فانلة حمراء. يعترض عندما يقول أحدهم أنها فانلة الأهلي ويصحح له: "هذه فانلة فريق بايرن ميونخ الألماني" ويضيف ضاحكا:" ثم أنني زملكاوي". يضيف بجدية أن معظم أهل سيناء وأهل القناة من مشجعي الزمالك ولا يحبون الأهلي، يعود مهتما إلى تعليقنا على فانلته:"أما عن الفانلة. فأنا مثل جيلي من شباب البدو، خاصة الذين درسوا في الجامعة. قد نرتدي الثوب الأبيض والغترة وقد نرتدي فانلات وفي الجامعة كنت ألبس قميصا وبنطلونا لكن البنطلولات بشكل عام لا تريحني". يضيف سلمان الذي يبلغ من العمر سبعة وعشرين عاما أن الأجيال الأصغر لم تعد ترتدي الثوب نهائيا بل تتبع أحدث التقاليع :”لو شاهدتهم في الشارع لن تعرف أبدا أنهم أبناء بدو. كأنهم أمريكان !”.

بيف برجر وجرأ !
يفتح سلمان علب بيف برجر مجمدة ويضع القطع داخل ورق القصدير مع شرائح البطاطس التي قطعها. يدور الحوار حول الوجبات التقليدية للبدو التي تعتمد على خلطات معينة بسيطة للأرز واللحم ومكونات أخرى قليلة بالإضافة للخبز المميز. بعض البيوت لا تزال تصنع هذا الوجبات. ولكن ساكني المدن لن يتجاهلوا الأسهل الموجود في السوبر ماركت أو في المطعم القريب.
كادت صورة علبة البيف برجر الخالية أمامنا أن تحطم تماما صورة البدوي في أذهاننا ولكن سلمان قام فجأة وتسلق الجبل ليصل إلى شجرة نابتة في حضنه التقط منها ثمارا ألقى بها إلينا من مكانه ثم عاد. قال أن اسمها ثمرة "الجرأ" وأن البدو يصنعون منها "المخلل" وتستخدم كمشهيات، وأضاف: "تذوقوها".

يقطع الميكروباص الذي يقوده عايد الطريق من "المسبط" - المنطقة السياحية المكتنزة بالكافيتيريات والبازارات والفنادق- متجها إلى "العصلة"، الحي الذي يسكنه البدو مع قليل من الوافدين الذين يفضلون حياة رخيصة وهادئة وأقل أبهة وصخبا.
العصلة عند البدو تعني المنطقة المتوسطة، وفي دهب تتوسط "العصلة" بين منطقة المسبط وما بعدها من شواطيء وبين منطقتي "الكانيون" و"البلو هول" اللتين يرتادهما محبو الغطس.
في العصلة تختفي قليلا البهرجة السياحية ويحل محلها بيوت البدو المقتصدة نوعا. البيوت ذات الطابق الواحد أو الطابقين على الأكثر. الأسوار البيضاء التي تحيط بالبيت وحوش صغير تحتل عريشة ما ركنا منه أحيانا. الحي يبدو كأي حي شعبي مديني، محلات من كل الأنواع. أطباق الدش فوق المنازل، وهناك وصلات أيضا بين بعض المنازل، هناك أيضا أكثر من محل "بلاي ستيشن".
يتلقي الشباب مع مجموعة أخرى تركب في الجيب الخاصة بسميح ويعودون أدراجهم إلى منطقة "القرارة" بين العصلة والمسبط. في قطعة أرض خالية بين فندق وشاليه لا يزال شاطيء البحر حرا. يفرش الشباب بطانيات على الرمل، يخرجون البطيخ والجبن ويجلسون يتناول عشاء خفيفا. بعضهم يستسلم لنسيم البحر ويفترش بطانية بعيدا بعض الشيء عن التجمع وينام.
يقول عايد أن قطعة الأرض التي يجلسون فيها بيعت وأن فندقا سيقام عليها قريبا. يهز سلمان رأسه أسفا قائلا:”لقد باع البدو أو أجروا معظم أراضي الشاطي بأثمان بخسة قبل أن ينتبهوا إلى قيمتها الحقيقة. الآن ينتبهون للثمن، ولكنهم يبيعون في النهاية و لن نجد بعد سنوات أراض خالية على الشاطيء نجلس فيها كما نفعل الآن".
يشير عايد بيده إلى ما خلف الفندق المجاور قائلا أن أرضا متنازع عليها بين عائلته ومجلس المدينة تكاد تعود إلى العائلة بعد نزاع قضائي استمر 15 عاما :”الحكم في صالحنا، فعلى هذه الأرض كان بيت جدي”. يقاطعه أحدهم ساخرا:”كان بيت جدك على مساحة 5000 متر؟" يبتسم عايد ويكمل: "المشكلة أننا ننسى ونتأخر في دفع آلاف قليلة هي مصاريف تسدد لمجلس المدينة كرسوم لتخصيص الأرض التي أصبحت قيمتها ملايين".
تنوي عائلة عايد بيع الأرض بعد استلامها بشكل نهائي. يدخل الشباب في جدل حول ميل البدو دائما للبيع والتأجير أو الدخول في شراكات مع آخرين يتولون هم الإدارة.

احتياج وحرية
في القصة شبه الأسطورية عن علاقة قبيلة مزينة بجبال دهب تظهر الصورة النمطية للبدوي الذي يرتحل ويقاتل ولا يرتبط بأراض لأن الصحاري والجبال ليست كريمة معه، ولكنه قد يبذل الجهد ويخوض المعارك من أجل الواعد منها، وقد يكمل ذلك بما قد يعتبره البعض خديعة ومكر واحتيالا على القوانين، كما في القصة.

العلاقة بالأرض لا تستمر كثيرا، وإن استمرت فهي علاقة تميل للبساطة: إقامة مخيم يقدم للسياح الحياة البدوية أو حياة الطبيعة الخالية من رفاهية الخدمات السياحية.
يعمل حميد، الشاب الثلاثيني الذي لم يكمل دراسته الجامعية في الأزهر، في مخيم يملكه بدوي. فضل ذلك على الذهاب إلى القاهرة للدراسة على أمل أن يحصل على وظيفة ثابتة حكومية أو خاصة ترميه في مدينة ما. يقول حميد :”أنا هنا أكثر حرية وراحة. السنة التي قضيتها في الجامعة لم أحتمل الحياة في القاهرة".
"ثمة فكرة بسيطة جعلت فصيلا من الناس يصيرون بدو. بعض البدو يؤدونها بعقل، بينما الغالبية تؤديها بفطرية... هذه الفكرة باختصار تقول: أن ثمة علاقة عكسية بين احتياجك للآخرين وحريتك". هكذا يقول مسعد أبو فجر، الروائي والناشط السيناوي كما يحب البعض أن يسميه، على لسان راوي روايته "طلعة البدن".
ربما بسبب هذه الفكرة يفضل معظم الشباب المهن التي تجعلهم أكثر حرية في المكان والزمان وبعيدا عن الهياكل الإدارية المركبة. وربما لذلك لن يذهب سلمان للعمل كمدرس للتاريخ في مدرسة، وسيفضل التنقل بين العمل في رحلات الجمال إلى الجبل أو الصيد البحري مع أبيه وأعمامه وأخواله أو العمل أحيانا في مخيمات يملكها بدو.
يحكي سلمان أنه كان يضيق ذرعا بالقاهرة أثناء دراسته فيها: "كنت أشعر وكأني محبوس في مكان سكني. إذا زرت أحدا أجلس ضيفا على كرسي في غرفة لا يمكنني أن أبرحها. هنا أزور من أشاء ونجلس في الساحات. يمكننا أن نفترش الأرض على البحر أو فوق الجبل. أنا أحب هذه الحرية".
عند الحديث عن التهريب والمخدرات يجفل الجميع مؤكدين أن بدو جنوب سيناء مشاكلهم أقل مع الدولة لأنهم أكثر مسالمة والتزاما بالقانون.
في موضع آخر من رواية مسعد أبو فجر يصف قلق عُودة- أحد أبطال الرواية والذي سيتزوج غاليت - من الأنشطة المخالفة للقانون ومحاولته إخفاء ذلك بين أقرانه من شباب البدو، ذلك لأن عودة – كما يصفه أبو فجر – يقف على جسر بين البداوة وغيرها.
ولكن بين ثنايا الأحاديث الأريحية قد تتناثر حكايات متفاخرة ببطولات ومهارات بعض الأجداد أو الآباء في مناورة خفر السواحل وحرس الحدود في عمليات تهريب.
على لسان غاليت، السائحة الرومانية التي ستتزوج بدويا، يقول مسعد أبو فجر في "طلعة البدن" أن معظم الوظائف التي توفرها السياحة لا تناسب البدوي، لن يعمل نادلا مثلا. ولكن تجارة الحشيش – على سبيل المثال- توفر للبدوي شيئين: جو الخطر والمغامرة، والعمل بالتجارة التي هي مهنة أرستقراطية في وعيه.
يعلق حسن، المتخصص في نظم المعلومات وخريج إحدى المعاهد العالية في القاهرة، أن الصورة النمطية للبدوي ربما تكون لا تزال سائدة ولكنها تتغير. بدأ بعض الشباب يعملون في خدمات السياحة، وبعضهم -وإن كانوا لا يزالون قلة- يقبل أن يعمل نادلا.

حلم السياة نصف النقل
السيارة الخاصة، الجيب أو نصف النقل، تحتل أهمية خاصة لدى الشاب البدوي. فهي أداة تحرره أكثر من قيود الزمان والمكان. تتيح له جني بعض الأموال في أي وقت. توصيلات للسياح أو نقلات للمحال التجارية والمخيمات. وهناك النزهات الخلوية مع الأصدقاء في الجبل أو في المناطق الخالية البعيدة في الشواطيء التي لم يسيطر عليها الاستثمار السياحي.
يشعر سلمان بالظلم لأنه أباه اشترى لأخيه سيارة نصف نقل ولم يشتر له مثلها، واعتبر أن تعليمه في الأزهر حتى تخرجه من الجامعة يكفيه. ولا يبدو أن ذلك يقنع سلمان، يبدو ذلك في نظرته لإبراهيم الذي يصغره بعشر سنوات على الأقل الذي يقود سيارته نصف النقل ويوقفها بالقرب من التجمع وينضم إليه .
إبراهيم في نهاية المرحلة الثانوية الأزهرية. ظهرت نتيجته للتو، يمازحه سلمان قائلا: طبعا حصلت على مجموع أكثر من 95%. يهز إبراهيم رأسه ضاحكا.
يشرح إبراهيم سبب الضحك قائلا: “في المدارس الأزهرية لا يتركونك تغش من زميل. بل يكون الكتاب معنا في لجان الامتحان! أو يساعدنا المدرس بشكل مباشر!”.
يصدق سلمان على كلامه قائلا أن ذلك حدث معه دائما: تجاوز الامتحانات بفضل اللجنة المتعاونة والكتاب المصاحب له داخلها. يقول أن مدرسا حاول مرة أن يوقف ما يحدث فواجه تهديدات واضحة من شيخ المعهد الذي أخبره أن هذا المعهد مبني بقرار سياسي في منطقة البدو ويجب أن تستمر الأمور بنجاح.
من جانب، يحتاج البدو أبناءهم لمساعدتهم في الأعمال، وقد يحتاج الأبناء أنفسهم إلى الهرب من المدرسة ظهرا لممارسة عمل ما أو لمجرد الجلوس في الدار كما يقول سلمان. الذي يضيف أيضا أن بعض المعاهد الأزهرية أصبحت تتكيف مع هذا الأمر.
التعليم الأزهري منتشر بكثافة أكبر. يعلق حميد: "ليست بسبب ميول دينية بقدر ما هو إقبال على الغش ولأن الكل ينجح. بينما في مدارس وزارة التربية والتعليم، قلما تجاوز صبي بدوي المرحلة الإعدادية". يتذكر سلمان وعايد أسماء قريب لهم في نويبع خريج كلية العلوم السياسية أو آخر في شرم الشيخ خريج كلية العلوم، كحالات قليلة معدودة.
يعترف سلمان أنه رسب كثيرا في الجامعة وأنه أنهى دراسته في عشر سنوات مؤكدا أن السبب هو افتقاده للجنة المتعاونة والكتاب المصاحب داخل اللجان كما تعود في كل المراحل، يضيف آسفا أن البيت البدوي أيضا لا يشجع على التعليم. لطالما قال له والده أن يكتفي بهذا القدر وأن يتفرغ للعمل معه في الصيد، ولكن سلمان أصر على مواصلة الدراسة. يهز سلمان رأسه ويضحك وهو يضيف: "أنا كافحت والله !”.

تعليم سياسي
مثل "التعليم السياسي" الذي يخرج أجيالا بعضها لا يعرف كتابة اسمه ولكن ماكينته تستمر لكي تذكر البيانات عدد المدارس وخريجيها ،تنتصب في حي العصلة هنا وهناك شواهد وجود الدولة، بيت ثقافة دهب ومركز شباب دهب، وعلى الأطراف مساكن جديدة تحت اسم "إسكان مبارك" و"إسكان الشباب". يتحدث الشباب عن رغبتهم في سكنى هذه الشقق ولكن وجودها في طرف المدينة يعني ضرورة اعتيادهم على نمط حياة مختلف بعيدا عن التجمع البدوي المتعاضد.
يتحدث حميد، عضو مجلس إدارة مركز الشباب، عن أن نشاط المركز يقتصر على تقديم الكرات إلى الشباب والصبيان وقت العصر، وبعض المسابقات الهزيلة على فترات متباعدة. البعض الآخر يتحدث عن اختفاء "القبيلة" من الحياة اليومية إلا وقت المشاكل والمصائب وبالطبع أيام الانتخابات. بينما الساحات الاجتماعية البديلة لا تزال ضعيفة.
يتحدث سلمان كثيرا عن رغبته في تأسيس جمعية لتنمية المجتمع المحلي لبدو دهب. عندما يسألونه ماذا تريد أن تفعل. يقول :"أريد تنظيم ندوات ودورات تثقيفية يأتي فيها كتاب وسياسيون ومثقفون يحدثوننا عن حقوقنا وواجباتنا. بدلا من أن نعيش هكذا نتحدث عن الظلم ويخرج البعض للاحتجاج بالسلاح كل فترة أو يسكت طول العمر. أفكر في نشر ثقافة التعليم والعمل في كل المهن".
يتحدث سلمان عن مواجهة خرافات تنتشر بين البدو أو مواجهة أفكار خاطئة عن ازدهار حياة البدو وقت الاحتلال الاسرائيلي. باختصار يريد سلمان أن يصلح الجسر المتهالك بين مجتمع بدو سيناء وبين باقي المجتمع المصري. الأهم أنه لا ينكر أنه يريد أن يعمل على إصلاح الجزء المتهالك من جانبه ولا يشغل نفسه كثيرا بانتقاد الجانب الآخر. لا يبدو سلمان فيما يخص مهنته ونمط حياته اليومية حاسما في التضحية بمميزات الحياة البدوية الهادئة والرائقة ولكنه في الوقت نفسه مشغول بتدعيم مجتمع البدو بخبرات وأفكار من الجانب الآخر من الجسر. الجسر الذي يبدو أنه لم يقم أبدا كما يجب وكما يرضي الطرفين على جانبيه.


بدو وآخرون

على الجدار فوق باب محله الصغير مكتوب بالإنجليزية: خلف ماركت، وبالعربية: تجارة خلف السوهاجي.
أكثر من خمس سنوات قضاها خلف في محله الصغير في حي العصلة في دهب مجاورا البدو، علمته قواعدهم التي يجب أن يسير وفقها.
أولا، عليه أن يعتاد البيع بـ"الصبر" أي "الشكك" لأن البدو لا يحبون حمل النقود والتعامل بها طوال الوقت، يأخذون ما يريدون ويدفعون أول الشهر أو عندما تأتيهم "مصلحة" يجنون ثمارها. ثانيا، عليه أن يتجنب الدخول في جدل أو مشادة مع أي بدوي تجنبا لإثارة مشاكل سيناصر فيها كل البدو أخاهم. ثالثا، عليه أن يحتفظ بكليم أو بطانية يستعد لفرشها أمام المحل ليجلس مع أصدقاءه من شباب البدو الذين يستثنيهم من انتقاداته اللاذعة.
من هؤلاء سلمان جمعة الذي يسميه خلف "شعراوي" لأنه أزهري ومتدين. على خلف أيضا أن يعتاد التعامل مع الأجانب الذين يمرون أمام محله ذهابا وإيابا من البلو هول إلى المسبط والعكس، يقحم خلف كلمات إنجليزية في كلامه ويعتذر بأن ذلك بسبب كثرة تعامله مع الأجانب.
عندما يتطرق الحديث إلى الوافدين من أي مكان في مصر إلى سيناء، ينتقدهم خلف أيضا قائلا أنهم سببوا ازدحام دهب التي كانت أجمل سابقا. وتجنبا لكونه واحدا منهم يظهر خلف هويته البدوية المبطنة ويقول أنه من عرب بني واصل في سوهاج. فيمازحه سلمان بأنه بدوي صعيدي وليس بدويا أصيلا.
إذا جلست مع خلف بعض الوقت ستعرف أنه يتباطأ في خدمة هذا الشاب البدوي عندما يطلب منه كبريتا لأنه يعلم كونه مدمنا للمخدرات. وقد يتذمر وهو يلبي طلبات الخواجة أدريانو، الكندي معلم اليوجا الذي يسير في العصلة بالشورت فقط فوق دراجته التي يعلق في مقبضها كيس الطلبات الذي لا يحوي كثيرا.
يتشارك سلمان وخلف التذمر من أدريانو الذي يجاهر ضاحكا أنه غير مؤمن وأنه يعيش حياته هائما ليستمتع فحسب، يضيف خلف سببا إضافيا يتعلق بهذا العدد من النساء اللائي يصاحبهن إلى بيته. ولكنهما أمامه يحاولان رص ما يعرفانه من كلمات إنجليزية لممازحته وسؤاله عن طريقة ما في تعاليم اليوجا قد تعالج وجع الظهر أو الكاحل.
على عكس خلف الذي يفيض في إظهار رأيه في كل فئة، يحجم شباب البدو عن ذلك إلا في أضيق نطاق. وكأن البدوي في تعامله مع الآخر يحتفظ بمسافة تتيح له أن يكون متسامحا لأقصى الحدود ومتقبلا لكل شيء وفي نفس الوقت تتيح له هذه المسافة أن يكون بعيدا عن كل أنواع الآخرين وأفكارهم وأخلاقهم إن أراد. مع ازدياد تفكك الحياة التقليدية كقبيلة تبدأ هذ المسافة في التقلص، فكما يحاول سلمان ورفاقه ان يكونوا أقرب إلى الآخرين من باقي أنحاء مصر يعاملونهم بأريحية أكثر وينتقدون البدو المتوجسين المنغلقين، هم في الوقت نفسه أكثر جرأة في انتقاد أخلاق السياح الأجانب وسلوكهم. وذلك يوفر دائما مادة شيقة للحديث والدردشة بينهم وبين صديقهم خلف.


نشر في "الشروق" الأحد 25 يوليو 2010
PDF

المزيد

الخميس، 22 يوليو 2010

الكيمونو الأبيض ينافس الساحرة المستديرة في نوادي مصر

الكاراتيه من شغف الشباب إلى الخطط التربوية للأسر


قبل عقود كان الشباب يتجهون للكاراتيه انجذابا للعبة قتالية مثيرة، بعضهم اتخذها مهنة وساهموا في نشرها في النوادي والمدارس حتى أصبحت رياضة تدفع أعداد غفيرة من الأسر أبنائهم إليها في سن مبكرة. في السنوات الأخيرة تنافس رياضة الكاراتيه كرة القدم أو تتفوق عليها من حيث عدد الممارسيين بشكل منظم في النوادي ومراكز الشباب.


لا حرارة الصيف ولا الشمس المسلطة يبدو أنهما تزعجان الآباء والأمهات أو تدفعهم للبحث عن ظل بدلا من الجلوس في الممر المكشوف المجاور لصالة الكاراتيه في مركز شباب روض الفرج لمتابعة أبناءهم.
عشرات الأطفال يرتدون البدلات البيضاء وأحزمة بيضاء أيضا تدل على كونهم ما زالوا مبتدئين، يقفون أمام المدرب الذي يحاول أن يكون لطيفا وحازما وهو يعلم الصغار المباديء الأولى للعبة. ينتهي تدريبهم فيخرجون بنظام وياتي دور الأطفال الأكبر سنا الذين قطعوا شوطا أطول في اللعبة. تطلب السيدة سماح حسين من ابنتها نعمة أن تنادي على أخيها الأصغر مختار ليلحق بالتدريب، مختار كان في صالة كرة السلة أمام شاشة عملاقة تعرض مباراة كرة قدم ضمن منافسات كأس العالم.
لم تفكر السيدة سماح أبدا في دفع ابنها للعب كرة القدم. تقول أنها لا تشعر أنها لعبة مفيدة لجسم وشخصية الأطفال بقدر الكاراتيه.
عبر مدرسة عمر جوهر الابتدائية في إمبابة، حيث تسكن الأسرة، بدأت علاقة الأولاد بالكاراتيه. مدرس الألعاب كان مدربا للكاراتيه، أعطى التلاميذ ورقة تعلن عن بدء مدرسة لتعليم الكاراتيه لمن يرغب في أيام الإجازات. ألحقت السيدة سماح ولديها بمدرسة الكاراتيه وبعدما رحل المدرب وتوقفت مدرسة تعليم الكاراتيه بحثت عن مكان آخر مناسب ليستكمل أولادها مشوارهم فكان مركز شباب روض الفرج على الضفة الأخرى من النيل. مكان رخيص نسبيا، الاشتراك الشهري للطفل 35 جنيها، ومركز الشباب العتيق لحقه تطوير ملحوظ جعله أفضل في نظرها من مركز شباب إمبابة. إعجابها برياضة الكاراتيه لا ينافسه إلا إيمانها بضرورة ممارسة الأطفال للسباحة أيضا.
أكثر من 400 لاعب للكاراتيه في فريق مركز شباب روض الفرج يجعلها اللعبة الأولى من حيث عدد الممارسين في المركز. لهذا السبب كان هناك يقين فؤاد، الباحث الشاب في الجامعة الأمريكية والذي يعد أطروحة لنيل درجة الماجستير في الأنثروبولوجيا عن ممارسة رياضة الكاراتيه في مصر. يجوب يقين النوادي ومراكز الشباب في القاهرة والمحافظات محاولا الوقوف على نمط ممارسة الرياضة وعلاقته بأفكار وسلوكيات وممارسات اجتماعية وفردية لممارسيها. اختيار يقين لرياضة الكاراتيه تحديدا يعود لأكثر من سبب، منها ما انتهى إليه ولاحظه من انتشارها الكبير. في إحصاء لمركز معلومات مجلس الوزراء صدر عام 2009 عن الحالة الرياضية للشباب، اعتمادا على مسوح أجريت ما بين عامي 2000 و2007، أن رياضة الكاراتيه لها أكبر عدد من الفرق بين كل الرياضات في مصر وإن كان يقول أن عدد ممارسي كرة القدم هو الأكثر. ولكن يقين فؤاد حصل من مصادر من اتحاد الكاراتيه على معلومات أحدث تفيد أن عدد المسجلين في مسابقات هذا العام وصلوا 73 ألفا في مقابل 28 ألفا في مسابقات كرة القدم بحسب نقل يقين عن مصادر أخرى في اتحاد كرة القدم. من الصعوبة المقارنة بين لعبتين واحدة جماعية والأخرى فردية ولكن المؤشرات تشير إلى أن رياضة الكاراتيه من حيث الممارسة المنظمة تنافس كرة القدم إن لم تتفوق عليها.

يقول يقين فؤاد أن لهذه الظاهرة بعد تاريخي نوعا ما متعلق بملابسات دخول الرياضة إلى مصر في أوائل السبعينات ورواج اسمها الذي كان يطلق في فترات على كل الألعاب القتالية: “شكى لي مدرب كونغ فو أن بعض الناس يطلقون على أي رياضة قتالية اسم كاراتيه، بل إنه وجد أفلام حركة كانت الترجمة العربية فيها تحول الكونغ فو إلى كاراتيه!”.
لا يوجد تاريخ موثق لدخول اللعبة إلى مصر، ولكن أبرز من بدأوا تدريبها هو إيكوموتو الذي ظل مستشارا لاتحاد الكاراتيه ومنتخب مصر وتوفى قبل 3 سنوات. ويرى يقين أن انتشار الكاراتيه في مصر ارتبط بحركة وتنقلات واجتهاد تلاميذ المدربين الأوائل الذين احترفوا التدريب ونشروا الرياضة.
على عكس ما يحدث الآن من اهتمام الأسر، فإن الكاراتيه كان يجتذب الشباب من أبناء الفئات الشعبية الذين يشاهدوه في مكان ما أو في الأفلام. أشرف الجزار، مدرب الكاراتيه في مركز شباب روض الفرج الذي يسكن في الحي نفسه، يقول أنه قرر لعب الكاراتيه عندما شاهده في فيلم "الأبطال" لأحمد رمزي، فاتجه إلى مركز شباب روض الفرج وهو شاب في منتصف العشرينات وبعد ممارسته فترة ترك مهنته كمحاسب في أعمال أسرته واتجه إلى احتراف التدريب منذ عام 1986 إلى الآن.

تميز وتحقق
من المقابلات التي أجراها يقين فؤاد في العديد من الأندية ومراكز الشباب يرى أن توجه الشباب أنفسهم إلى ممارسة الكاراتيه في الأحياء الشعبية والريف فيه بحث عن مجال للتميز والتحقق. يقول يقين: "بالنسبة لأبناء الفئات الاجتماعية الأفقر تبدأ ممارسة الكاراتيه بشغف شخصي و رغبة في الخروج من التنميط الاجتماعي بممارسة بمختلفة فيها استعراض ومنافسة، قد تجعله بطلا وعلى الأقل تجعله مميزا. أيضا احتراف الكاراتيه يظل بالنسبة لشباب هذه الفئات شيئا جذابا سواء كلاعب محترف يحقق بطولات أو كمدرب في مقابل صعوبة الحصول على مهن أخرى مستقرة. وجدت كثيرين يحترفون الكاراتيه ولكنهم سرعان ما يتركونه أو ينوون إن وجدوا فرصة عمل مستقرة".
الميل لرياضة قتالية أعنف وأكثر شراسة يجعل الشباب يتوجهون إلى الكونغ فو أو الملاكمة، ولكن بسبب انتشار مدربي الكاراتيه في مدارس ومراكز شباب فإن رياضة الكاراتيه كسبت أرضا أكبر، ومع نمو الرياضة تزيد جاذبيتها وجمهورها وفرص احترافها والتدريب فيها مع تراكم الخبرات.
السيدة سهام ظريف، مأمورة الضرائب التي تسكن بالقرب من مركز الشباب وتنتظر ابنها مينا و ابنتها ميرا، وجهتم أولا إلى الكونغ فو ولكن لم تعجبها. تعبر عن رأيها قائلة: "رأيت أن الكاراتيه أرقى. فيه نظام واحترام أكثر. أنا أريد لأولادي أن يكونوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم وأن يثقوا بأنفسهم وأن يشغلوا وقتهم بشيء مفيد بدلا من الاتجاه للشارع أو البلاي ستيشن".
الفئات المختلفة في الطبقة الوسطى لها دوافعها المختلفة عند توجيه الأولاد إلى رياضة الكاراتيه. لدي يقين فؤاد بعض الافتراضات بعد جولاته ومقابلاته، أولاها لها علاقة بالنوادي ومراكز الشباب كمكان عام يشهد إقبالا متزايدا. ففي رأيه أن علاقة الفئات الأبسط من الطبقة الوسطى بالأماكن العامة تقل، لا يوجد مجال لخروج الأسرة بشكل ممتع للمشي أو للتسوق في الكثير من الأحياء. النوادي ومراكز الشباب هي المتنفس الأهم. الأسر تهرب بأولادها من الشارع انزعاجا من سلوكياته وتريد أن تظبط سلوك الأبناء وتوجهه في مسارات محددة. ممارسة الرياضة تأتي في هذا الإطار.
على عكس روح الجموح والبحث عن الإثارة في اتجاه أبناء الفئات الشعبية للرياضات القتالية، هناك بحث عن الانظباط والتحكم في توجيه الأسر المتوسطة لأبنائها. المهارات القتالية هنا مهارات مفيدة للدفاع عن النفس في الشارع الخطير الفوضوي، والرياضة بالطبع مفيدة صحيا ونفسيا للأطفال. خبرة المنافسة الرياضية والقتالية تجعل الطفل في الحلبة وحيدا إلا من خبرات جسده وأفكاره ومهاراته.

وعي بحدود الجسد
يضيف يقين فؤاد أن الرياضات القتالية بشكل عام تجعل من تجربة العراك، أن تضرب وتُضرب، تجربة معتادة فتتنزع منها الخوف والرهبة وتجعل الفرد واعيا بجسمه وحدوده وإمكاناته، قد يعرف أنه قد لا ينتصر هذه المرة ولكن ذلك لن يسبب له هلعا أو فقدان الثقة في النفس.
يعبر عن هذا المعنى المهندس أحمد علام قائلا: "الكاراتيه بيساعد الولد إنه ينشف". ينتظر علام ابنه وابن أخيه مؤكدا أنه يحرص على تعليمهم الكاراتيه لأنه هو نفسه مارسه لفترة طويلة. تعرف علام على الكاراتيه من مدرب جارهم وهو شاب عمره 18 عاما ولكنه وجه ابنه وابن أخيه إليه في سن مبكرة، و يضيف أن تميز رياضة الكاراتيه عن غيرها أنها تعلم الدفاع عن النفس ولكن بلا ميل لإيذاء الخصم عكس رياضات أخرى فيها روح شرسة أكثر.
يقول أشرف الجزار، مدرب فريق الكاراتيه: “ أحد أسباب جاذبية رياضة الكاراتيه عند الأسر هو أنها رياضة تعلم مهارات القتال ولكنها ليست قتالا عنيفا. يتعلم اللاعب حركات قوية ومؤثرة لكنه يتعلم أيضا ضرورة أن يوقف يده أو قدمه عند جسد خصمه بشكل معين لكي لا يؤذيه".
هناك روح تربوية منضبطة في الكاراتيه، وفي أثناء التدريبات والمباريات هناك اهتمام كبير بالتقاليد واحترام اللاعب لزميله وخصمه ومدربه والتزام آداب معينة في الحركة والكلام.
تلك الروح جعلت من الكاراتيه رياضة أسرية، تدفع الأسر أبنائها في سن مبكرة للعبها. ولكن نفس الروح هي التي تجعل كلا من الأهل والأبناء يفكرون في أن الكاراتيه، مثل أي رياضة، نشاط أدنى من التعليم. يتركه الأبناء في مرحلة الثانوية العامة أو الجامعة.
يقول أشرف الجزار أن 80 % من لاعبي الكاراتيه في المركز لهذا السبب هم من سن 4 إلى 9 سنوات. وأصبح من الصعب الآن أن يبدأ شاب اللعب في سن كبيرة لأن المنافسة أصبحت قوية وتحتاج بدء التدريب من سن صغيرة، ولكن هناك استثناءات لو كان شاب عنده استعدادات استثنائية أو في الأندية التي لديها ترف وجود مدربين كثر للفئات السنية المختلفة لتتحمل وجود مبتدئين في كل سن.
المتميزون الذين يحصدون البطولات يواجهون خيارا صعبا، ولكن يحسمه مدى تميز تعليمهم في مقابل تميزهم في الكاراتيه. يقول يقين أن كل الذين يلتحقون بكليات الطب والهندسة يتركون الكاراتيه تماما، حتى كريم شريف بطل العالم في الكاراتيه تركه عندما أصبح ضمن هيئة تدريس كلية الطب بالقصر العيني. ولكن هناك استثناءات فردية، فيذكر أن مهندسا ترك الهندسة رغبة في احتراف تدريب الكاراتيه ويضيف يقين أنه أحيانا ما يدر ذلك دخلا أعلى لو كان المدرب متميزا ومشهورا في أوساط اللعبة، يمكنه أن يدرب في أكثر من ناد وصالات خاصة بالإضافة للتدريب في المنتخب.
يظل الاستمرار في ممارسة الكاراتيه واحترافه فرصة أكثر للفئات التي تمثل الهامش وتفتقد الفرص الواسعة. يعتبر يقين كون 15 لاعبا من أصل 20 في منتخب مصر في الكاراتيه من الأقاليم و5 فقط من القاهرة هو مؤشر على جاذبية اللعبة في الأقاليم التي تفتقد الفرص بالمقارنة بالقاهرة. وفي بعض المحاقظات لاحظ يقين الوجود الكثيف لإعلانات على الحوائط والأسوار عن مدارس تعليم الكاراتيه.
لا يزال يقين فؤاد يصيغ أطروحته بشأن ممارسي لعبة الكاراتيه ولكن هناك انطباع عام وصله خلال بحثه وهو انطباع يصله أيضا من حياته اليومية أيضا: "هناك حالة عامة من الإحساس بعدم الأمان تحرك خيارات الجميع بشكل ملحوظ".
قد يبدو ذلك مثيرا للدهشة فيما يتعلق بأبناء رياضة قتالية، وقد يبدو متسقا مع كونها طريقهم إلى الثقة والأمان. ولكنهم معظمهم يعتبرون أن اللعبة نفسها تعاني من التجاهل رغم إنجازاتها. يقول أشرف الجزار أن مصر في نوفمبر الماضي احتلت المركز الثالث في بطولة العالم للكاراتيه، وفازت فتاة من مركز شباب روض الفرج بالمركز الثاني في وزنها بينما كان الجميع مشغولين بالمعركة الكروية بين مصر والجزائر. ولكنه على كل حال متفائل بالصالة الجديدة الأكبر التي لا تزال تحت التجهيز والتي خصصتها إدارة مركز الشباب للكاراتيه لكي تستوعب الأعداد المتزايدة من اللاعبين كل عام.


نشر في "الشروق" الخميس 8 يوليو 2010
PDF

تصوير: محمود خالد
المزيد

الاثنين، 19 يوليو 2010

الطرق المتقاطعة فوق هضبة المقطم

أفكار وأجيال جديدة في ساحة المجتمع المدني


الخصائص المميزة لحي المقطم تجعل من شبكة المجتمع المدني فيه واعدة و مترابطة ومتشابكة رغم اختلاف الأفكار والاتجاهات والأساليب، والتركيبة الاجتماعية تجعل صوته أقوى.

بعد انتهاء عرض الفيلم ومناقشته في نادي السينما الأسبوعي الذي ينظمه "منتدى المقطم" في مقر جمعية" تنمية البيئة بالمقطم"، وقفت سيدة تقول: هل سنسكت على مشروع افتتاح "كارفور إكسبريس" في ميدان النافورة بمدخل المقطم؟
دار حوار بينها وبين الحاضرين حول ذلك الافتتاح الذي يظن العديد من أهالي المقطم أنه سيؤدي إلى اختناق مروري في مدخل المنطقة. بعد أسابيع تشكلت لجنة تحت اسم "مقطم بلا زحام" وبدأوا بحث طرق الاحتجاج ضد افتتاح المشروع في هذا المكان.
يحكي زياد العليمى، المحامي والناشط وأحد أعضاء المنتدى، أن معظم أعضاء لجنة "مقطم بلا زحام" هم من رواد نادي السينما الذي ينظمه المنتدى منذ فبراير 2009: “فكرنا في نشاط عروض الأفلام ومناقشتها كبداية لنشاط المنتدى لأنه نشاط ممتع وجذاب ويمكن أن يثير اهتمام العديد من سكان المنطقة الذين يمكن أن يشتركوا في أنشطة أخرى ويطوروا المنتدى مثلما حدث في مبادرة لجنة "مقطم بلا زحام".”
في يناير الماضي بدأت اللجنة حملة ضد إنشاء كارفور في هذا المكان، ونظموا وقفة احتجاجية هناك وأعدوا عريضة احتجاج أرسلوها إلى الشركة الأم في فرنسا ووزعوا نشرة في المقاهي والتجمعات تدعو الأهالي للمشاركة في الاحتجاج، وقام بعض الأعضاء بمخاطبة المسئولين والنواب لمساندة المبادرة.

النشاط الذي يقوده شباب المنتدي وينطلق من مقر جمعية" تنمية البيئة بالمقطم" بعد فترة من الركود بالتأكيد يبهج د. شكري عازر، الطبيب والناشط السياسي اليساري: “الجمعية تأسست في أوئل التسعينات من ناشطين ميولهم مدنية ومهتمين بالعمل الاجتماعي من سكان حي المقطم. التيارات الدينية كانت نشطة جدا وقتها. ورغم بعض الصعوبات في الحصول على ترخيص الجمعية، إلا أننا تمكننا من الحصول عليها وشكلنا مجلس إدارة رأسه د.رفعت السعيد، رئيس حزب التجمع".
وقتها كانت التركيبة الاجتماعية أكثر تجانسا وأقل عددا، وكلها من طبقة متوسطة وما فوقها، ولديهم بعض الترف في الوقت والمال للاهتمام بعمل اجتماعي يهتم بشئون المنطقة. الطبيعة الجغرافية للمنطقة التي تقع فوق هضبة لها مداخل ومخارج قليلة شكلت أيضا مجتمعا مرسوم الحدود. وكان نشاط الجمعية الذي ركز على مشاكل المنطقة والتفاصيل اليومية لحياة أهلها جذابا لأهالي الحي الذين تفاعلوا معه بدرجة ما.
يحكي د.شكري عازر عن حماستهم وقتها: "كنت آخذ كاميرتي وأصور وأنتقل لمكان أي حادث أو شكوى، كنت مشرف نشرة "المقطم" التي تصدر شهريا من ورقتين فقط. كنا ننشر أخبارا وصورا ومقالات وشكاوى مع إعلان من راع يتحمل تكلفة العدد''.

يشير د. شكري عازر إلى أن طبيعة الطبقة التي شكلت السكان القدامي للمقطم ساعدت في تمويل الأنشطة الاجتماعية والخدمية والخيرية، نظرا لوجود عدد كبير من رجال الأعمال. من أعضاء ومؤسسي الجمعية هناك د. هاني عنان وهناك عائلات مثل آل سلام وخاطر يمولون ويساعدون بعض مشروعات الجمعيات أو يتطوعون لمساعدة أجهزة الدولة في تطوير الخدمات.

بمساعدة بعض الممولين وبنشاط من عدد محدود من مؤسسي الجمعية النشطين استمرت الجمعية في تناول مشكلات المقطم بل وتقديم مقترحات والقيام بمبادرات فعلية لحل هذه المشكلات.
يقول د. شكري عازر:”نظمنا قبل سنوات حملة نظافة تطوع فيها العديد من طلبة المدارس. وتناولنا مشكلات تآكل حواف الهضبة واستعنا بجيولوجيين ومهندسين من أهل المقطم تقدموا بمقترحات وحلول. وكذلك دعونا إلى إنشاء طريقين منفصلين، صاعد وهابط- إلى ومن المقطم بدلا من الطريق المزدوج الخطر حتى تم ذلك".

شيوخ وشباب
استمرت النشرة التي كانت محور أنشطة الجمعية بانتظام نسبي من 1993 حتى 2006 ثم توقفت. الأعضاء المؤسسين أصبحوا أكبر سنا وأقل حماسة وزادت أعباءهم ولم تتجدد العضوية في الجمعية. يقول د.شكري عازر أن ذلك حدث بسبب تشدد إدارة الجمعية في فترة في قبول عضوية الشباب بسبب الخوف من اختراقها من قبل التيارات الإسلامية وخاصة الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى أن تقدير بعض الناس لنشاط الجمعية لا يعني بالضرورة استعدادهم للانخراط بأنفسهم فيها.
لا تزال الجمعية تقوم بأنشطة نمطية نوعا ما تنشط صيفا مثل دورات الكمبيوتر واللغات وتعليم بعض المهارات. ولكن النشاط بدأ يدب شتاء أيضا مع مجموعة الشباب التي انضمت إلى الجمعية وبدأت نادي السينما الأسبوعي مساء كل خميس ثم انطلقت منها مبادرة "مقطم بلا زحام" التي يبدو أن احتجاجها نجح حتى الآن في الضغط على الأجهزة الحكومية، فرفضت إدارة المرور إصدار ترخيص للمشروع رغم استكماله لكل التراخيص الأخرى.
على جانب آخر، هناك من له رأي آخر محايد نوعا ما في قضية إنشاء كارفور. فريق عمل جريدة "أخبار المقطم" الذين يقودون مبادرات تبدو قريبة في طبيعتها من مبادرات تنمية البيئة أوائل نشاطها. السمت الإسلامي واضح على فريق الجريدة وفي بعض جوانب الجريدة نفسها. الجريدة بالأساس مشروع هادف للربح ومرتكز أكثر على الإعلانات ومهتم بالجودة العالية للمطبوعة والتوزيع الواسع. تطبع الجريدة 10 آلاف نسخة شهريا وتوزعها مجانا وتقدم خدمة توصيلها للمنازل مقابل اشتراك سنوي.
يقول م. هاني محمود، المدير العام للجريدة: “كان هناك إصدار سابق من نفس الجريدة بدأ عام 2006 ولكن كان خطه هجوميا بعض الشيء في تناوله للمشاكل وكان ذلك يسبب خسارة العلاقات مع المسئولين وفي نفس الوقت نحن مطبوعة محدودة التأثير وليس لدينا أوراق قوية للضغط. الإصدار الجديد بدأ في سبتمبر 2009 وبدأ يهتم أكثر بأن يكون جذابا للقراء من خلال مواد خفيفة عن التكنولوجيا ومعلومات تهم الشباب والأسرة وننشر أيضا مشاركات القراء وحوارات مع رموز ومشاهير من سكان المقطم مع تقديم الخدمات الإعلانية لكل الأنشطة في حي المقطم. أما عن أخبار المقطم ومشاكله فنتناولهم بشكل هاديء وغير صدامي".
تحاول الجريدة التعاون والتشبيك مع الجمعيات النشطة في المقطم، كجزء من مهمتها الإخبارية وأيضا من أجل دعم مبادراتها وحملاتها.
في المقطم 155 جمعية أهلية، بحسب معلومات م.هاني محمود، هناك 25 منهم نشطون وتتعاون الجريدة معهم. معظم الجمعيات تتجه للأعمال الخيرية التقليدية خاصة الجمعيات ذات الطابع الديني، يؤكد م.هاني على ذلك ويقول أنهم يحاولون إقناع هذه الجمعيات بالاهتمام بأنواع أوسع من العمل الاجتماعي بدلا من التكرار: "هناك مثلا 20 دار أيتام في المقطم تفوق حاجة الحي، وأحيانا تجد في كل دار طفلين أو ثلاثة بسبب سوء التنسيق”.
بخلاف التيار الأكثر انتشارا في العمل الخيري هناك جمعيات تقدم أفكارا مختلفة في العمل الاجتماعي، مثل جمعية "فاتحة خير" التي كانت نشاطها الأساسي منح القروض متناهية الصغر لبدء مشروعات وأعمال صغيرة. والتي قام بعض أعضائها فيما بعد بإنشاء جمعية "ألوان وأوتار" التي تركز على تنمية مهارات أطفال الفقراء لزيادة فرصهم.

هايد بارك المقطم
تحاول الجريدة أيضا أن تقدم أفكار مبادرات خدمية مثل حملة "مقطم بلا قمامة" والتي قامت فيها بالتعاون مع الحي وهيئة النظافة والتجميل بنشر أرقام تليفونات متعدي النظافة لكل منطقة لكي يتمكن الأهالي من التواصل معهم إن لم يجدوهم، بالإضافة لأرقام خاصة باستقبال الشكاوى إذا لم يقم المتعهدون بمهمتهم. وفي الحملة الأخيرة "هايد بارك المقطم" أو "المقطم بلا كراكيب" تدعو الجريدة أهالي المقطم إلى التبرع بما لا يحتاجونه من الملابس والأثاث والأجهزة لبيعها بأسعار مخفضة في منطقة مساكن الزلزال، التي يسكنها شرائح أقل دخلا، وتخصيص دخلها لإنشاء حديقة عامة لأهالي المقطم.
في هذه الحملة يبدو تقاطع وتشبيك الجمعيات واضحا، فالجمعية التي تقدمت بطلب تخصيص أرض وتصريح لإنشاء حديقة هي جمعية "تبارك" بينما تشارك جمعيات"تنمية البيئة بالمقطم" و"خدمات المقطم" و"المقطم" بمجهود أعضائها في جمع "الكراكيب" ونقلها وبيعها.
فيما يخص قضية إنشاء كارفور كانت هناك محاولة أخرى للتشبيك وتقريب وجهات النظر المختلفة. فريق عمل "أخبار المقطم" كان رأيه أن يحدث تفاوض مع الشركة للوصول لحل مرضي. ودعوا رفعت السعيد بصفته رئيس جمعية "تنمية المقطم" القريبة من لجنة "مقطم بلا زحام" وباعتباره عضو في مجلس الشورى وقريب من المسئولين للقاء مع مسئول من شركة كارفور. يقول م.هاني محمود أن فريق "أخبار المقطم" حاول ترتيب الموعد لكن د.رفعت السعيد اعتذر عنه ومضى أعضاء “مقطم بلا زحام” في طريقهم ودعونا للاشتراك معهم لكننا رفضنا لأننا قررنا منذ البداية أن نكون بعيدا عن التحركات ذات الطابع السياسي وأن نقدم ما يتناسب مع حجم تأثيرنا.
يرى زياد العليمي أن هناك انتماء ما للحي وتجانس فيما يخص طريقة التفكير تتيح إمكانية كبيرة للتنسيق والتشبيك بين مختلف العاملين في المجتمع المدني رغم اختلاف التوجهات. يوضح أن معظم الجمعيات والمبادرات هي امتدادات لأخرى قديمة مستمرة، ومعظمها يتعاون ويشارك في أنشطة مشتركة يتحمس لها رجال أعمال وشباب ناشطون ومدونون.
الأجيال والأفكار الجديدة رغم اختلاف المزاج والاتجاهات تبدو مبشرة بشبكة مجتمع مدني واعدة فوق هضبة المقطم.


نشر في "الشروق" الأربعاء 14 يوليو 2010
PDF

المزيد

الأربعاء، 7 يوليو 2010

المطربة الشعبية ترتدي الكاجوال

الشعبي متأثرا بالفيديو كليب

تصوير: هبة خليفة

الأزياء الفولكلورية التي ناسبت الفنانة الشعبية التقليدية أو فساتين السهرة الكلاسيكية التي ناسبت مطربات الأفراح لفترة طويلة لم تعد تناسب الفنانة الشعبية الحديثة التي تقدم عرضا بصريا على مسرح الفرح الشعبي.

بعد فاصل طويل من السلامات والنقوط والتحيات، يعلن نوبتجي الفرح عن بدء الفقرات مع "نجمتي الغناء العربي و مسارح القاهرة".
ترتفع الموسيقى باللحن الشعبي الشهير "زكي يا زكي" لفترة قبل أن تدخل الشقيقتان يارا وشيماء بخطوات سريعة راقصة إلى المسرح. يارا وشيماء ترتديان زيا متشابها: تي شيرت مع جيليه وجونلة عليهم اسم الماركة العالمية الشهيرة D&G.
تبدأ الشقيقتان في الغناء. تمزجان الغناء الشعبي باستعراضات يؤدونها في تزامن. تمزج حركاتهما بين الرقص الشرقي وبين بعض حركات الرقصات الفولكلورية الصعيدية أو السواحلية وبين الرقص الغربي.
يتحمس الجمهور الممتد من أول ذلك الشارع من مدينة رشيد إلى آخره حيث ينتصب المسرح، ويعاني أهل الفرح بعد كل أغنية وهم يقنعون الشباب والصبيان بالنزول من على المسرح بعد أن صعدوا إليه متحمسين.
القبول الذي يحظيان به يدل عليه ذلك الانتشار الكبير في أفراح الدلتا على وجه الخصوص، تلك الليلة كان لدي الشقيقتان أكثر من فقرة في أكثر من فرح في رشيد وحدها. بالإضافة للفيديوهات الكثيرة المنتشرة على اليوتيوب التي صورها، بالإضافة للفرق الموسيقية التي اشتركوا معها.
قد يكون نموذج يارا وشيماء كثنائي فريدا في عالم الأفراح الشعبية، ولكن نموذج الفنانة الشعبية الذي يمثلانه في المظهر والأداء له نماذج أخرى: المطربة منار محمود سعد وعازفة الأورج مها عبد المؤمن وغيرهن، ومن عالم المشاهير هناك أمينة وهدى وأخريات.
بدأت الشقيقتان عملهما في سن مبكرة. دفعهما والدهما الممثل إلى قصر ثقافة بورسعيد حيث تقيم الأسرة فمارسا هناك التمثيل والغناء والرقص، ثم بدأوا يقدمون فقرات في الأفراح في سن الثالثة عشر والخامسة عشر. درسا الموسيقى كهواة في أوبرا الإسكندرية وتدربا على الرقص مع وليد عوني في مركز الإبدع بالقاهرة.
اختار والدهم لهما شكل الثنائي ليكونا متميزتين. واختارا هما شكل ملابسهما مثل الملابس العادية اليومية للبنات في سنهما.
تحكي يارا: "في الأول فيه ناس استغربتنا. لكن بعد كده بقينا محبوبين بالشكل ده ومطلوبين جدا".
نموذج الفنانة الشعبية بزيها الفولكلوري الريفي يتراجع أمام الزحف المديني وتغير المزاج. الجيوب الريفية للمدن التي تتحول إلى أحياء شعبية تتغير تركيبتها وتستمتع بالأغاني "الشعبي" التي قد تأخذ من الفولكلور الريفي ولكنها تعبر عن مزاج مختلف يناسب الحياة الجديدة.
كذلك نموذج المطربة التي ترتدي السوارية يتراجع أمام المظهر الكاجوال الأكثر عصرية.
تقول شيماء :"دلوقتي الناس متعودة على شكل المغنية الأجنبية وحركاتها زي شاكيرا وغيرها. وإحنا بنقدم شكل قريب من ده بس مع الأغاني الشعبي".
مع تغير أزياء الأحياء الشعبية من التقليدي إلى الكاجوال أصبح من الطبيعي أن تتغير أزياء فنانيهم. ومع الغزو البصري للفيديوكليب أصبح المظهر الجذاب للفتاة مختلفا عن ذي قبل. نموذج الموديل التي ترتدي الكاجوال يسيطر على الخيال.
تحكي يارا أنهم كانوا أحيانا في سن صغيرة يقدمون أغان عادية، بعض الأغاني العربية القديمة أو بعض الأغاني الشبابية السريعة، "الفرانكو" كما تسميها. ولكن قبل 6 أو 7 سنوات بدأت الناس تطلب الأغاني "الشعبي" في الأفراح وأصبحت كل فقراتهم منها.

كوكتيل شعبي
تقول شيماء: "لأننا درسنا الموسيقى يمكننا أن نمزج الأجزاء الجامدة من مجموعة من الأغاني الشعبية من مقامات متقاربة أو متناسقة ونتفق على الحركات التي نؤديها معا. نحاول دائما أن نغني آخر الأغاني التي تعجب الناس، نغني أغاني محمود الليثي ومحمود الحسيني وغيرهم".
تقسم يارا الأغاني الشعبية إلى نوعين: الشعبي البحت والشعبي الشيك وتضيف:"نقيّم كل فرح حسب المكان ونوع الناس ونقدم ما يلائمهم. ولكن كل الناس في كل الأفراح تحب اللون الشعبي حتى أفراح الفنادق الفاخرة".
تحكي أنهما كانتا مؤخرا في فرح حضره محافظ الإسماعيلية ومسئولين كبار. ولكن الكل استمتع بفقرتهم حتى عندما غنوا من "الشعبي البحت" مثل الأغنية التي ذاعت مؤخرا "شربت حجرين ع الشيشة"!
في الدلتا ومنطقة القناة لا زال الأهالي يقيمون الأفراح الشعبية الحاشدة التي تستضيف الفرق وفقرات الفنانين الشعبيين. وفي هذه المنطقة انتشر اسم يارا وشيماء ويسافرون دائما بين المدن لتقديم فقرتهما. اللون الشعبي أصبح أيضا مطلوبا في المصايف الشعبية، ولذلك تؤكدان أن رأس البر كانت أهم محطات شهرتهما وجعلتهما مطلوبتين في أفراح هذه المنطقة.
تؤكد شيماء أنهما يحييان أفراحا في القاهرة أيضا، حيث انتقلت الأسرة كلها حاليا، وأن لهما في الشرابية والزاوية الحمراء جمهورا كبيرا، وتضيف أنهما قدما فقرات في فنادق كبرى، فالطبقات الثرية أصبحت تحب اللون الشعبي أيضا إن تم تقديمه بشكل "شيك" على حد تعبيرها.
يبدو أحيانا وكأن الغناء الشعبي ونجوم الأفراح الشعبية في عالم ونجوم الطبقات الوسطى وما فوقها في عالم آخر. هناك مساحة تقاطع، ولكن النجوم الأشهر للشعبي لا يهتمون بالفيديو كليب مطلقا، ربما يظهرون بأغنيتهم في فيلم ما إن ذاع صيت الأغنية.
كذلك يارا وشيماء تعتقدان أنه لا فائدة كبيرة بالنسبة لهما في إنتاج فيديو كليب، فالانتشار في الأفراح له قواعده الأخرى. وهم يرددون أغان لنجوم عالم الشعبي مثل الليثي والحسيني ومنار محمود سعد وكلهم لم يهتموا بأمر الفيديو كليب.
منار محمود سعد نموذج آخر. ترتدي دائما الجينز والتي شيرت. اشتهرت أغنيتها "آه يا نا يا تعبانة" فتم اقتباس لحنها وتيمتها الرئيسية لتتر مسلسل الباطنية الذي عرض في رمضان الماضي. على موقع يوتيوب العديد من فيديوهات منار في أفراح وحفلات شعبية حاشدة معظمها في الدلتا أيضا.
صوت منار وأدائها يشترك مع باقي المطربات الشعبيات في أن به بعض القوة والخشونة مع الدلال. لا يجب أن يكون رقيقا للغاية. قد يبدو ذلك متفقا مع روح الحي الشعبي التي تقدر في الفتاة بعض الخشونة الكافية لردع المتطفلين أو ربما التي ترد الحبيب فتزيد شوقه. يتسق ذلك أيضا مع تفضيل المزاج الشعبي لبعض الخشونة في صوت المطرب الذكر. يشترك معظم المطربين الشعبيين في ذلك، وحتى غير المصريين الذين يحققون جماهيرية في عالم الشعبي مثل جورج وسوف.
رغم المظهر العصري لمنار أو يارا وشيماء إلا أنهن تغنين من هذه الطبقة التي تبدي بعض القوة. قد تبدو تلك القوة في موضوع الأغنية نفسه أحيانا.
كانت يارا وشيماء قد نزلتا من على المسرح وانتقلتا للغناء بين الجمهور وفوق الطاولات الموزعة في الشارع. تقف شيماء على طاولة وتنادي على الفرقة الموسيقية التي يبدو أنها تعمل معها للمرة الأولى، تأمرهم بأن يضبطوا المقام على نهاوند السي. تنتظر لحظة ثم تبدأ مع الموسيقى وتغني: "إنت يا عم الحلو. إنت يا عم الأمّور. شايف نفسك حلو. ما تلفش بينا وتدور".


نشر في "الشروق" الأربعاء 7 يوليو 2010
PDF
المزيد

الاثنين، 5 يوليو 2010

تعبيرات الروح المرهقة في القاهرة


عن كل تلك الحواجز بيننا وكل ذلك الذي يحدث بلا طائل

إيقاع متراخٍ متعَب لدرامز يصاحب خطوات الشاب ذي الشعر المبعثر وربطة العنق غير المحكمة، نظرة باهتة يرمق بها حركة الفتاة ذات الوجه المرهق التي تسير إلى جانبه وإن أسرع قليلا. ماكياجها يكاد يزول بينما عيناها الزائغتان تحاولان اللحاق بشيء ما بين جنبات "المول" المزدحم بالبشر والأشياء. ينتهي يوم الشاب والفتاة المقبلين على الزواج بلا إنجاز، محبوسين بالبذلات الرسمية في السيارة المحتجزة في أزمة مرورية في حي مصر الجديدة بالقاهرة. بعد جولات لاهثة وتفاصيل متداخلة تعوق شراء ذلك الجهاز أو تعطلهما عن موعد معاينة الشقة التي ينويان شراءها، يتركان السيارة في شارع جانبي بعدما اشتبكا في مشادة كلامية متوترة. يجلسان على مقعد في جانب الطريق ليلتقط الشاب أنفاسه ويعبّر عن تعبه وإرهاقه من هذا الزحام، وسأمه من تلك التفاصيل التي تستهلك يومهما، ثم يبدأ تساؤلا عما حدث لهما، وما الذي تغير فيهما وفي حي مصر الجديدة الذي كان يأتي إليه لزيارتها ويلتقيان بلا مواعيد ليتمتعا بأيام طويلة وسعيدة.

في ذلك المشهد من فيلم "هليوبوليس"، العمل الأول لمؤلفه ومخرجه الشاب أحمد عبد الله السيد، الذي عرض لفترة قصيرة قبل أسابيع، قد تبدو تساؤلات الشاب مبالغاً فيها كردً فعل على يوم مرهق من المشاوير في زحام القاهرة. لكن الفيلم الذي تدور أحداثه كلها في يوم واحد، يفشل الجميع خلاله في إنجاز ما يريدون ويبيتون ليلتهم على أمل معاودة الكرة في اليوم التالي، يلتقط بحساسية حال العطالة والمراوحة والتخبط الجماعيّ بين الفرادى في زحام مسكون بالفوضى والعبث، ليصعّد الشكوى من زحام المدينة وأزماتها المرورية إلى شكوى من حالة تعطل وشلل اجتماعي تحاصر الجميع وتضعهم أمام خططهم ورغباتهم في أزمات وجودية عنوانها المراوحة وعدم الحسم.
علي ومها المقبلان على الزواج، يتخبطان في لحظة لا تتقدم نحو استقرار منشود ولا تعود إلى لحظة البهجة بالحب، ويبدو احتمال الفراق ماثلاً تحت نفاد الصبر. إبراهيم (خالد أبو النجا)، الشاب الذي يريد إنجاز بحث جامعي عن الأقليات الدينية فيعطله تحفظ السيدة اليهودية، التي تنسى كل شيء إلا أنها تتذكر أن فتاة ما كانت تشاركه البحث لتكشف ملامحه عن أسى شفيف يخبرنا عن طول زمان البعد وبقاء التورط، يعطله ضابط يسأله عن التصريح بتصوير المباني العتيقة ذت الطراز المعماري المميز، ثم يعاتبه صديقه في البار في نهاية اليوم على مراوحته في أسى حبه الضائع ويطلب منه أن يتجاوز الأمر وهو يخبره بنبأ ارتباطها بآخر. الرسالة الصوتية من الفتاة (هند صبري) التي يسمعها إبراهيم في نهاية اليوم من جهاز الرد الآلي، تنبئ عن مراوحة وقلق مماثلين على رغم تجاوزها الظاهري.
العلاقة الغاربة بين إبراهيم وفتاته التي تسكن حي مصر الجديدة، وفي ما يبدو هي سبب ألفته وولعه بالمكان، تبدو كلحظة عالقة سابقة متعطلة لو تحركت ربما لوقفت في مربّع متعطل آخر يقف فيه كلٌّ من علي ومها. في لحظة موازية ومربّع مواز، يقف هاني الشاب الذي لم يحسم قرار هجرته إلى كندا ولم يُتم بشكل كامل استيفاء أوراق سفره لزيارة عائلته هناك، بينما يبدو طيف علاقة ما يلمع بارق الأمل فيها ويخبو بينه وبين يسرا التي تسأله بقلق عن احتمال سفره وتدعوه بإلحاح ليشاهد أداءها ضمن كورال الكنيسة. المجند الذي تقوده خطة ما لتوفير الحراسات ليكون عند سور الكنيسة، يمضي يوما من سلسلة أيام متشابهة في الحراسة، يمضيها مع التفاصيل التي تتبعثر كلها في نهاية اليوم عندما يغادر موقعه ولا يعرف إن كان سيعود إليه مرة أخرى. الفتاتان اللتان تعملان في الفندق يدور بينهما في نهاية اليوم، جدل يبدو مكررا في البار حول اختلاسهما بعض المتع، وإن كان ذلك سيرا في "طريق خطأ"، بينما البحث عن "الاستقرار" وفق تقاليد المجتمع هو الصواب. الفتاة الأكثر تحررا وجرأة، تبدو الأكثر تكيفا، لكنها تتوارى خجلا من مروّج المخدرات "الديلر" تشتري منه الحشيشة التي تنهي بها يومها، بينما الأخرى تمضي يومها أمام قنوات تلفزيونية فرنسية وتقنع أهلها في الريف بأنها تعمل في باريس وترسل اليهم شهريا نقودا من هناك.
اليوم الضائع بالنسبة الى كل الأبطال، يبدو كحبة في مسبحة لا نهائية من الأيام المتشابهة العالقة في خيط خفي يشد الجميع، زحام الشوارع والمدينة التي يبدو كأنها حُمّلت فوق ما تحتمل، المواعيد المغدورة والتواصل الواهي بين الأبطال يكرس الإيقاع الرتيب لمساراتهم المرغوبة، بينما يتسارع إيقاع أحداث عرضية تتراكم ثم تنتهي إلى لا شيء. المجند الذي يحرس الكنيسة، هو الوحيد تتطور علاقة الألفة بينه وبين كلب شارع أطعمه وأواه معه في كشك الحراسة، لكنه قد لا يراه ثانية. هكذا سيعرف المجند وهو يلقي نظرة أخيرة على رفيق وحدة اليوم عندما يصعد إلى السيارة التي أتت لتجمع جنود الحراسة من مواقعهم في نهاية النهار، لتلقي بهم غدا في مواقع أخرى تحددها خطة الحراسات.
الضابط المسؤول عن الحراسات يمر في لحظة عشوائية ويهين المجند كجزء من روتين يومي، بعدما منع إبراهيم من تصوير المباني وطالبه بتصاريح ومبررات. حضور السلطة في أحد مستوياتها الدنيا، ممثلة في الضابط، حضور نافد الصبر، منفلت الأعصاب، وهو يتعامل مع كل ما يراه خارجا على المألوف والعادي، أو هو حضور يستعرض بعض سلطاته بفجاجة ظاهرة بديلة من ضبط فعليّ لنظام أو قانون.
لذلك لا أحد يفهم أو يتفهم ما تريده "اللجان الأمنية" التي تملأ ليلاً شوارع القاهرة، وتسأل عن الهويات وتنظر في الوجوه وتشتبه في هذا أو ذاك بشكل عام بعيدا من جريمة محددة.

بعد غرائبي
العرض المسرحي "فانتازيا اللجنة" الذي قدّمته "فرقة الطمي" المسرحية بدءا من نيسان 2009 من إخراج سلام يسري، يضفي على عمل "اللجنة" بعداً فانتازياً وغرائبياً. يقف أبطال المسرحية، يقدم كلٌّ منهم عرضاً منفرداً يحكي فيه عن بعض يومياته. الحكايات ليست عن عمل يستهدف إنجازاً محدداً، بل كلها عن تفاصيل تعترض مسار الحياة المرغوب أو الطبيعي، وتعوقه. "اللجنة" ممثلةً في ضابط بوليس، تحضر في أكثر من حكاية، في حكاية الشاب الذي يعود ليلا ليجد نفسه مطالباً بتقديم معلومات عن علاقته بجار مطلوب أمنيا، وآخر اضطر للاستعانة ببطاقة هويته كمخرج سينمائي لكي يتخلص من لجنة مرورية فعلية، والفتاة التي توقظها طرقات عنيفة لتنزل وتحرك سيارتها بأمر الأمن لأن موكباً مهماً لمسؤول سيمر من هنا ويجب إخلاء الطريق وتأمينه، ثم اضطرارها هي وقريبها لتوضيح سبب وجودهما معاً بملابس سهرة بعدما ارتكبا مخالفة مرورية. لكن اللجنة التي تعطل وتستجوب، ترتدي زيا مختلفا في سلوك آخرين، ليسوا في الضرورة في موقع سلطة: جيران سلام يسري، مخرج العرض، المعترضون على أسلوب حياته كفنان، المضايقات التي تتعرض لها فتاة أخرى في طريقها اليومية ومعاناتها في المواصلات المزدحمة، نظرات المحيطين التي تلجئ الفتاة الأولى الى تكيتكات ومناورات للحفاظ على سمعتها لأنها تقيم وحدها موقتا وقت سفر أهلها.
أيام الأبطال تبدو مشغولة بتجاوز هذه "اللجان" والإجابة عن أسئلتها. لا يحكي أحدهم شيئا عما يريد أو يرغب. الرغبة مضمرة، وتبدو دائماً من خلف "الحواجز" في البعيد كنقطة مفترضة للوصول، تماما كما تبدو الرغبات والأمنيات في صمت أبطال "هليوبوليس" والتفاتات أعينهم الحائرة.
على عكس حالة الأسى التي تغلّف السرد في "هليوبوليس"، تنفجر الكوميديا في حكايات أبطال "فانتازيا اللجنة"، لكن الأسى المتمسك بالأمل يعود في بعض الأغاني التي تتخلل حكيهم.
تتشابه بنية العملين: المسارات المتوازية لحكايات الأبطال، التي بالكاد تتلاقى في "هليوبوليس"، أو التي لا يجمعها إلا المكان المحتشد بـ"اللجان" في "فانتازيا اللجنة"، وكذلك الموقع الذي يصدر عنه الحكي والشكوى: الشباب الجامعي المتعلم المثقف من طبقة متوسطة، الذي يقارن بين ما يحدث وما يجب أن يحدث وفق قيم يؤمن بها أو يتطلع إليها. أو بحسب ما يحدث في أماكن أخرى في العالم، يمتلك رفاهية التفكير في الانتقال إليها بدون خيارات انتحارية. قد يمتلك بعض الحنين وبعض الأمل بروح سياسية أو بروح فردية متشبثة بحب الحياة، وإن كانت لا تفتقد بعض القلق والتساؤل والمراوحة بين التحرر والمحافظة.
هذه الفئة من الشباب هي التي أقبلت أيضا على فكرة "كورال شكاوى القاهرة"، بعض أفراد "فرقة الطمي" المسرحية شاركوا في مبادرة الكورال الذي دعا في أيار الماضي كل من يريد أن يغنّي شكواه الى المشاركة. وانعقدت ورشة لصياغة شكاوى المشاركين في أغنيات جماعية.
لم تخل الشكاوى من بعض الروح السياسية الساخطة، بالإضافة إلى عين هذه الفئة في رؤية ما يجب الشكوى منه. كالعادة، كان الفضاء العام للمدينة محل مساحة معتبرة من الشكوى دفعت الكورال لأن يغنّي ردا على سؤال "أين تذهب هذا المساء؟"، ليقول: "أوعى تروح في حتة!" بسبب الزحام بالطبع، أو يشكو الجميع من اللجنة أو الكمين: "اللي ما لهش ضهر/ هايلبس في الكمين"، أو الشكوى من الزمن المهدر: "بقالي مستنّي سنتين/ موظف يمضي لي ورقتين".
الروح الجماعية والغنائية للكورال، تصوغ الخيط الناظم للشكوى بشكل أبسط وأقل تركيبا مما يبدو في الفيلم والمسرحية. لكن مأزق المكان المعطل لا يزال موجوداً.

استعراض ساخط
تتحول البساطة الى شيء من التبسيط ومن التضخيم الهزلي في سيناريو أحدث أفلام النجم أحمد حلمي، "عسل أسود"، الذي يُعرض حاليا. يحكي الفيلم محاولة شاب مصري أميركي، اسمه الأول مصري، للعودة إلى القاهرة بعد فترة طويلة، بحنين جارف ورغبة في إنجاز معرض فوتوغرافي عنها وعرضه في الولايات المتحدة.
الفيلم هو عبارة عن استعراض ساخط لمشكلات الفضاء العام في القاهرة الذي لا يتم فيه شيء. يتخبط مصري في هذه المشكلات التي تبدأ بالزحام وسلوكيات المرور، وتلامس روح الفهلوة مرةً والنصب والاحتيال مرةً أخرى، ولا تنتهي أيضا بالتعامل الأمني الذي يصادر الكاميرا الخاصة به ويعتقله للاشتباه به. يجد سلواه الوحيدة في مساعدة جيران أسرته في الحي الشعبي، ولكن هذه الأسرة نفسها تعاني حالةً من التعطل والمراوحة: الشاب العاطل الذي ينتظر، والزوجان الذين يفتقدان لحظة حميمة وسط زحام الشقة المكدسة بالأجيال المختلفة.
البطل الوحيد هذه المرة، يعاني من الزحام والفوضى والاحتكاك العنيف في حركته في فضاء القاهرة، يمتلئ سخطاً ولا ينجز شيئاً، لكن الفيلم التجاري يجد نفسه مطالباً بوضع "إجابة نموذجية" عند النهاية. الإجابة النموذجية النمطية: البطل الذي يقرر العودة إلى أميركا ساخطاً، يغيّر قراره وهو في الطائرة تحت تأثير الحنين إلى "الجدعنة" المصرية والشهامة وروح الحي الشعبي ودفء الوطن، ويحاول أن يتمارض لكي تعود به الطائرة إلى مطار القاهرة فيتم تجاهله، فلا يجد طريقة إلا الاستعانة بجواز سفره الأميركي ليكون له ما أراد. الروح الهزلية تبدو حلاً شعبياً مقبولاً يغلف النهاية التي لا بأس بها لجمهور يترك صالة العرض غير مكترث إلا بكم المواقف الكوميدية.
الشكوى الحارة اليائسة يبدو أنها لا تشغل بال الجمهور الواسع، المنخرط تماماً في المأساة، الذي يخرج من صالة العرض ليشارك بكونه جزءاً من الزحام والحالة المتعطلة. أما أبطال "هليوبوليس" و"فانتازيا اللجنة" و"كورال الشكاوى"، فهم متحيّرون بين قرار الهروب إلى الخارج، عكس خيار بطل الفيلم الجماهيري، أو مسكونون بالحنين إلى حالة أخرى للمكان كما في "هليوبوليس". حي مصر الجديدة في حالته القديمة، الأكثر بهاءً ولطفاً وحداثةً وتسامحاً وأريحية. لا يبدو الحنين سياسياً في مجمله إلى ما قبل ثورة يوليو 1952، فالحنين إلى بعض ملامح الحياة يظهر في بعض اللقطات التسجيلية في الفيلم، التي تضع جنباً إلى جنب في أسى، بعض جماليات العمارة الباقية ولقطات فظة للشارع ومشاجرات حول مكان الانتظار يتدافع فيها بشر وسيارات.
بينما في عرض "فانتازيا اللجنة"، هناك بحث عن "فسحة الأمل"، فيغنّي الأبطال متمسكين بـ"الوطن" لكنهم يحلمون في الوقت نفسه بـ"مكان جديد" بديل، لتكون الأغنية: "نعمل مكان جديد اسمه الوطن".
بعيدا من الحنين أو الأمل، قد يكون الموقف البسيط هو الصياغة الأبسط للشكوى، مع الوعي بحدود قدرتها وحدود قدرة أصحابها. ففي نهاية عرض "كورال شكاوى القاهرة" يغنّي الجميع في إيقاع أبطأ كثيراً من إيقاع الأغاني الشاكية: الشكوى مافيش أسهل منها... وبرضه ما فيش حاجة بتتغيّر!



نشر في جريدة "النهار" اللبنانية الأحد 4 يوليو 2010
الصورة من فيلم "هليوبوليس" من إخراج أحمد عبد الله السيد

المزيد

الجمعة، 2 يوليو 2010

قانوني أم ناشط سياسي؟


مهنة محامي حقوق الإنسان لا تزال تتردد بين أسلوب المناضلين المتحمسين وأسلوب المهنيين في مؤسسات محددة المهمة.

لم يكن ذلك اليوم استثناء في مركز هشام مبارك للقانون. ولكنه كان أكثر ازدحاما عن باقي الأيام بسبب استضافة المركز ندوة عن قانون النقابات المهنية. يجلس على المنصة متحدثا أحمد سيف الإسلام المحامي الحقوقي المخضرم ومدير المركز، وبين الحضور يتحرك المحامي الشاب أحمد راغب، المدير التنفيذي، يتحاور مع عدد من العمال والناشطين حول توكيلات وتفاصيل قانونية تخص مشاكل.
أحمد سيف الإسلام المولود في أوائل الخمسينات وينتمي إلى جيل السبعينات في السياسة وراغب المولود في نهاية السبعينات وينتمي إلى جيل نهاية التسعينات وبدايات الألفية، يجمعهما أنهما محاميان دخلا إلى مجال العمل في حقوق الإنسان من بوابة السياسة والنشاط مع اليسار المصري. أوجه التشابه بينهما تحمل ملامح ثابتة للمحامي الحقوقي في مصر منذ بداية الحركة الحقوقية في الثمانينات وحتى الآن، وبعض الاختلاف يشير إلى التحولات التي تنتظر مسار هذا التخصص كمجال مهني مرتبط بشكل كبير بحراك اجتماعي وسياسي يشهد لحظات من الفوران.
درس سيف الإسلام، خريج العلوم السياسية، القانون أثناء سجنه بتهمة الانضمام إلى تنظيم سري وفي التسعينات بدأ تطوعه في قضايا حقوق الإنسان مع مركز المساعدة القانونية بجانب عمله في مكتبه الخاص. وفي عام 1996 وأثناء الانتخابات العمالية حدثت زيادة في عدد القضايا التي احتاجت محامين متطوعين. يقول سيف الإسلام:”بجانب عملي الخاص في مكتبي يمكنني أن أتحمل في السنة 5 أو 6 قضايا تطوعية. وعندما شعرت بضرورة العمل على المزيد من القضايا التي لا تخدم الأفراد بل المئات، وتساهم أحيانا في تعديلات قانونية تخدم أجيال لاحقة. فكرت في التحول بشكل كامل للعمل في مركز حقوقي. ذلك النوع من العمل يتطلب قدرا من التفرغ وباحثين وإمكانات مادية مساعدة".
وعبر مركز المساعدة القانونية ثم المشاركة في تأسيس مركز هشام مبارك استمرت مسيرة سيف الإسلام، التي تجاورت فيها روح الالتزام السياسي والخدمة القانونية.
كطالب في الجامعة وناشط بدأت علاقة راغب بالمركز مستفيدا من أنشطته وخدماته ومتدربا فيه. وبعد تخرجه وعمله لفترة في مكاتب محاماة لم يعجبه الحال وشعر أن عمله في مجال حقوق الإنسان يتسق أكثر مع فكرته عن نفسه كناشط أكثر منه موظف.
يقول راغب:"هناك تضحية مادية في المستقبل. فالمحامي الأكبر والأشهر في السوق يتقاضي دخلا أكبر بكثير من محامي حقوق الإنسان بنفس الخبرة. ولكن مقابلها هناك تحقق وإشباع للاهتمام السياسي وروح العمل العام. مؤخرا فقط يمكن أن نقول أن أجور المحامين حديثي التخرج في منظمات حقوق الإنسان توفر دخلا ثابتا أفضل من أقرانهم في مكاتب المحاماة".
يقول أحمد سيف الإسلام أنه شخصيا حسم أمره لأنه لم يعد لديه طموحات مادية ولكنه يريد أن يقوم بعمل يحبه ويتحمس له، ولكن الشباب لديهم التزامات مالية ضرورة في بداية حياتهم ولذلك المحامين الشباب في المركز ومراكز أخرى يعملون أيضا في مكاتب خاصة أو لديهم مكاتب تخصهم.
بعض الشباب يتجهون الآن لطلب التدريب والعمل في منظمات حقوق الإنسان بعد تخرجهم، بدون أن يكونوا من أصحاب النشاط السياسي، ولكن راغب يرى أن الأفق السياسي مهم جدا لمحامي حقوق الإنسان لأن علاقته بالقانون علاقة جدلية يجب أن يكون فيها إبداع، فهو ليس كمحامي السوق مهمته أن يفسر القانون لمصلحة الموكل، بل ينطلق من حق من حقوق الإنسان أو مصالح قطاعات واسعة وربما يسعى لاقتراح قوانين أو تعديل قوانين أو الدفع بعدم دستوريتها.
رغم تبنيهم لقضايا عامة إلا أنه كان على المحامين الحقوقين قبل سنوات الدعوة لمراكزهم بشكل ما أواستغلال شبكات العلاقات السياسية القريبة من أجل تشجيع الناس على التعامل معهم. يحكي سيف الإسلام أن بعض العمال كانوا يحضرون مظروفا به بعض المال ظنا أن المراكز الحقوقية التي لا تتقاضى منهم أتعابا لن تقوم بواجبها جيدا، مثل كل خدمة مجانية يرونها في مصر. ولكنه يرى أن جهد المحامين الحقوقيين وبعض الانتصارات في المحاكم تشجع المزيد على الثقة بهم. أما بعد سنوات الحراك السياسي والدعوة إلى التغيير وازدهار الصحافة الخاصة والتدوين، بدأ المحامون الحقوقيون يحتلون الصفحات الأولى مع الجدل السياسي والدفاع عن الحريات وتبني قضايا التعذيب التي تتحول لقضايا رأي عام. يضيف سيف الإسلام: "أصبح الناس يتصلون بنا ويأتون إلينا، وبينما خطتنا السنوية هي 100 قضية نتولى الآن سنويا ما بين 300 إلى 400 قضية".
يعترف سيف الإسلام أن أهم مشاكل المحامين الحقوقيين هو عدم قدرتهم حتى الان في مواجهة تزايد الاعباء على صياغة برنامج تدريبي لاعداد المحامين الحقوقيين الشباب الأكفاء والأمر يصبح متروكا أمام الاستعداد الشخصي والحماس.
الكفاءة مقابل الحماس، هي أيضا ما يراه راغب تحديا أمام المحامين الحقوقيين. المنظمات القانونية الحقوقية لا تزال تتحمل قضايا أكثر من طاقتها ولا تزال تحاول صياغة شكل مؤسسي منظبط لعملها.
يضيف راغب أيضا أن نظرة المحامين لدورهم يجب أن تتطور، فالروح السياسية الأحادية المعارضة للدولة التي شكلت عمل بعض الأجيال الأكبر في المجال الحقوقي يجب على الأجيال الأحدث أن تتجاوزها لتدرك أكثر أن هناك تنوعات داخل الدولة ويمكن التأثير على قرارها.
في أطروحته التي يعدها لنيل الدكتوراة من جامعة "إسكس" ببريطانيا حول حقوق الإنسان والسياسة في مصر، يتناول عمرو عبد الرحمن مشكلة هوية المحامي الحقوقي، ويرى أن تطور مهنية المحامين الحقوقين في مصر لا تزال في بدابتها وأسيرة النظرة للعمل الحقوقي كبديل وتعويض للفشل أو الركود السياسي، وأن الإحساس بالجانب الأخلاقي في العمل الحقوقي عند الدفاع عن منتهك مثلا لا يزال يعطل كفاءة الجانب المهني في إثبات ذلك، وهو ما تلاحظه بعض الجهات الدولية في العمل الحقوقي المصري. ويضيف أن هناك شخصية منقسمة وعلاقة متوترة بالسياسة بسبب عدم استقرار التقاليد الديمقراطية، بينما في أوروبا مهنية المحامي الحقوقي متشكلة لأن هناك حقوق واضحة مستقرة ومحفوظة ولا جدال عليها يقوم المحامي بتقديم خدمة قانونية مرتبطة بها وليس نضالا من أجلها.



حقوقي إسلامي ؟

الذين عرفوا إسلام لطفي أثناء دراسته الجامعية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة كان رأيهم أنه ناشط سياسي إسلامي مختلف عن أقرانه من النشطاء الإسلاميين بشكل ملحوظ. بعد تخرجه أقدم إسلام على ما يدل على ذلك واختار العمل في المجال الحقوقي واستمر حتى الآن.
الصورة المعتادة لـ"المحامي الإسلامي" في المجال العام إما أنه يدافع عن الإسلاميين فحسب أو أنه المحامي الذي يرفع دعاوى ضد بعض المنشورات أو الأفلام أو الممارسات التي يراها خارجة عن آداب المجتمع وأعرافه وفي العادة يكون في مواجهة محام حقوقي آخر يدافع عن الحريات.
"صحيح أن عددا قليلا جدا من الإسلاميين يعملون في مجال حقوق الإنسان، لكني لا أرى تناقضا بين توجهي السياسي الإسلامي وبين عملي" يشرح إسلام لطفي فكرته :"أرى أن أفكار ومباديء حقوق الإنسان لا يوجد بينها وبين الإسلام تناقض جذري. حتى تلك التي يبدو أنها مخالفة للدين يمكن أن نجد لها تخريجات أو اجتهادات ما تمكّن الإسلاميين من التعامل معها والتواجد على الساحة الحقوقية".
بعد تخرجه عمل إسلام في برنامج للمساعدة القانونية للاجئين، وهناك واجه بعض المواقف الحرجة. يحكي إسلام أنه في نهاية العام كان يحصل على أعلى تقدير للأداء كموظف ولكنه فعليا كان يعاني من التكيف مع سلوكيات زملائه في محيط العمل، الحفلات والعلاقات بين الشباب والفتيات، مشيرا إلى أن الأوساط الحقوقية يغلب عليها تاريخيا الانتماءات اليسارية والقومية، ثم الليبرالية بعد ذلك. وفي الوقت نفسه تعرض للانتقاد لأنه يصلي في مكان العمل، مما جعل بعض رؤسائه يطلبون منه ألا يقوم بذلك لأن بعض اللاجئين السودانيين هاربين من اضطهاد النظام الإسلامي هناك مما قد يجعلهم يتوجسون عند التعامل معه ظنا أنه "إسلامي”. يضحك إسلام : "وهو ما كان صحيحا!”
الموقف الأكثر تعقيدا كان عندما أخذ لاجيء سوداني يحكي له عن تعرضه لانتهاكات بسبب كونه مثليّ الجنس. يقول إسلام أنه كان لا يزال شابا متحمسا وبينه وبين بعض معطيات الواقع حواجز نفسية، فبكى من هول الموقف والمأزق الأخلاقي، بينما ظن اللاجيء أنه يبكي تعاطفا منه. لجأ إسلام إلى رمز إسلامي يثق برأيه فطمأنه أنه لا حرج من مساعدة اللاجيء المظلوم مهما كان الأمر. يعلق إسلام: "موقفي الآن لا يزال معترضا على المثلية الجنسية كحق يجب الدفاع عنه، ولكن يمكنني أن أدافع عن حق المثليّ في الخصوصية إن مارس ذلك في بيته المغلق عليه ولم يخرج إلى العلن، وأدافع عن حقه في محاكمة عادلة بلا انتهاكات أو إهانة ولكني في هذه الحالة لا أدعو لتغيير القانون المصري الذي أعمل في إطاره ويعتبر ذلك فجورا".
يستدرك إسلام أن مجال حقوق الإنسان أوسع من تلك النقاط الحساسة: ”ولكن للأسف تلك النقاط تشكل حساسية بين جمهور الإسلاميين ومنهم الإخوان المسلمين، خاصة في الريف، وبين فكرة العمل في مجال حقوق الإنسان التي لا تزال تلقى توجسا".
تنقل إسلام بين عدد من الوظائف، ولكن كان أبرزها في مجاله أنه كان المنسق العام والمؤسس الفعلي لمركز "سواسية" لحقوق الإنسان في 2004، والمعروف أنه المركز الحقوقي التابع للإخوان المسلمين ويرأسه محاميهم عبد المنعم عبد المقصود. ولكن لم يستمر إسلام لطفي فيه طويلا لأنه وجد إدارة الإخوان للمركز تحدد أفقه ولا تطوره: " الإخوان تعاملوا معه كأداة سياسية وتوجسوا من تدريب كوادر جديدة لكيلا يستفز ذلك الأمن. بالإضافة أن تعامل الإسلاميين بشكل عام مع حقوق الإنسان يقتصر على المباديء التي لصالحهم دون وعي أن عليهم أن يتعاملوا مع المنظومة كلها بشكل ما".
يعي إسلام لطفي جيدا أن خيار العمل كمحامي حقوقي رغم انتمائه الإسلامي يضعه دائما بين مطرقة التوجس منه بين أوساط غير الإسلاميين وسندان توجس الإسلاميين التقليديين منه، ولكنه حسم أمره ويعتبر أن عمله يجمع بين تخصصه في القانون وشغفه بالسياسة والعمل العام، متفائلا بأن المستقبل يحمل الأفضل.



نشر في جريدة "الشروق" الخميس 1 يوليو 2010
PDF
المزيد

الخميس، 1 يوليو 2010

ما يجمعه الرب وتفرقه الطوائف


الاختلافات العقائدية بين الطوائف المسيحية الثلاث في مصر لا تبدو بالنسبة للبعض شأنا كبيرا يؤثر على العلاقات بين أفراد هذه الطوائف، ولكنها وما يتبعها من تقاليد وطقوس تؤثر في نظر البعض على طريقة التفكير وأسلوب الحياة والمزاج الاجتماعي وقد تسبب بعض التوتر بين الطوائف أو أفرادها أحيانا.

يحكي ماهر ميخائيل ببساطة أنه قضى فترة الثانوية كلها يتردد على كنيسة كاثوليكية وفترة الجامعة كلها يتردد على كنيسة بروتستانتية رغم أنه مسيحي أرثوكسي ومقتنع بهذا المذهب بما يكفي.
لا يعتبر ماهر، الصيدلي الشاب، نفسه متدينا بما يكفي للحديث عن الخلافات العقائدية بين الطوائف الثلاث التي يتوزع مسيحيو مصر بينها، ولكن ما يعرفه منها تجعله يعتقد أنها خلافات قشرية إذا ما قورنت بالاتفاق الكبير في أساس العقيدة. ولكن هذا لا يمنعه أيضا أن يقول أن هناك العديد من الشباب الأرثوكس وأسرهم ممن لا يستسيغون ما فعله ذلك ويضخمون من هذه الاختلافات ويتحفظون أحيانا عند التعامل مع أبناء الطائفة المسيحية الأخرى.
لا يوجد إحصاء معلن ورسمي لعدد المسيحيين في مصر وبالتالي لا توجد إحصاءات رسمية لأعداد الطوائف، ولكن هناك تقديرات تشير إلى كون الأقباط الأرثوكس 80% من مسيحيي مصر، وتتوزع النسبة الباقية على البروتستانت ثم الكاثوليك.
يقول ماهر: "مثل أي أغلبية، يفكر الأقباط الأرثوذكس أنهم الأصل وينظرون إلى الطوائف المسيحية الأخرى في مصر باعتبارهم مذاهب جديدة أو وافدة ومنحرفة عن المذهب الصحيح".
تؤرخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لنفسها بداية من قدوم القديس مرقس تمليذ المسيح إلى مصر للتبشير بالمسيحية قبل ما يزيد عن 19 قرنا.وفي مجمع خلقدونية عام 451 م الذي انعقد لمناقشة بعض الاختلافات العقدية حول طبيعة المسيح حدث الانشقاق الذي نتج عنه الانفصال بين الكنائس الشرقية وعلى رأسها كنيسة الإسكندرية القبطية المصرية عن الكنائس الغربية الرومانية وعلى رأسها كنيسة روما وعرفت الأولى بالكنائس الأرثوذكسية والثانية بالكنائس الكاثوليكية.
وفي القرن السادس عشر قاد مارتن لوثر في أوروبا حركة إصلاحية معترضا على مجموعة من تعاليم وتقاليد الكنيسة الكاثوليكية فخرجت من هذه الحركة الكنائس البروتستانتية.
يؤرخ لبداية تأسيس الكنيسة الكاثوليكية في مصر بقدوم الحملة الفرنسية إلى مصر ومعها الإرساليات الكنسية الكاثوليكية. بينما اعترفت الدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر بالكنيسة الإنجيلية أكبر فروع البروتستانت في مصر كطائفة قائمة بذاتها بجانب الكنيستين القبطية والكاثوليكية.
الخلافات بين الكنائس المختلفة حول طبيعة المسيح والعذراء وبعض المسائل اللاهوتية قد لا تهم سوى رجال الدين، ولكن بعض هذه الخلافات وما يترتب عليها من طقوس وتقاليد ترسم نوعا من المزاج الاجتماعي المختلف لكل طائفة وتميز أفرادها.
يرى ماهر ميخائيل أن أهم ما يميز الأقباط الأرثوكس هو روحهم التقليدية، فهم من جانب يحاولون الحفاظ على العقيدة والطقوس كما تم معرفتها وممارستها أول مرة. وذلك يمنحه ارتياحا أنه يتعلم الدين بلا أي محاولة للتأويل أو التعديل بسبب أي ضغوط عصرية أو تحديات، ولكنه يعتقد من جانب آخر أن هذه الروح تربط الأرثوذكس أكثر بالطقوس والشعائر إلى حد قد يصل أحيانا إلى الشكلية، في حين أن الكاثوليك مشغولون أكثر بخدمة المجتمع والتجديد الفكري اللاهوتي والبروتستانت يفسرون نصوص الإنجيل بحرية وينتقدون الاتباع الشكلي للأجيال الأولى في الطقوس والأفكار.

تقاليد وأسرار
في كتاب اللاهوت المقارن للبابا شنودة الثالث يجمل الاختلافات بين الأقباط الأرثوكس من جهة وبين الكاثوليك والبروتستانت من ناحية أخرى. الكاثوليك على خلاف الأرثوكس يمارسون بعض التعديل في الطقوس التي مارسها المسيح وتلاميذه بشكل يحافظ في رأيهم على معنى الطقس وجوهره ويسهل ممارسته، مثل التساهل في تغيير بعض تفاصيل طقس التناول، الذي يناول فيه الكاهن الخبز للمسيحي بوصفه جزءا من جسد المسيح، وهو أحد "الأسرار السبعة للكنيسة". البروتستانت ينكرون الأسرار السبعة تماما بما فيه طقس التناول لأنهم لا يؤمنون إلا بنصوص الإنجيل ويتجاهلون – في رأي الطوائف الأخرى – التقاليد التي وضعها الرسل والقديسين والآباء.
هرماس فوزي، مهندس الكمبيوتر، المنتمي للكنيسة الإنجيلية أكبرالكنائس البروتستانتية في مصر لا يحب كثيرا أن يوصف بأنه إنجيلي ويعتقد أن مسألة الطوائف هذه مسألة مصطنعة، ولكن عند الحديث عن التفاصيل يؤكد أنه فعلا يعتقد أن الطريقة الإنجيلية في تفسير المسيحية هي الأقرب إليه والأكثر إقناعا، فلا يجب أن يلتزم المسيحيون بطقوس وأساليب مورست في العهود الأولى بسبب مزاج أو رأي فردي أو ظروف اجتماعية معينة، ولذلك يحب تحرر البروتستانت من الاتباع والتقليد والرجوع إلى الإنجيل وتفسيره بحرية. يضيف: "أعتقد أنه نتيجة لذلك يميل الأقباط الأرثوذكس عادة لممارسة الطقوس بكثافة وتجنب الجدل والحوارات العقائدية بينما تحد البروتستانتي متحمس عادة للحوار والجدل والنقاش حول الأفكار مع أي أحد، لأن أفكاره ليست عقائد موروثة بقدر ما هي تفسير وتأمل متجدد في الكتاب المقدس. وذلك الاختلاف قد تجده أيضا عند النقاش في السياسة أو أي أمر آخر".
يتخذ الكاثوليك موقفا وسطا في الموقف من الطقوس والتقاليد القديمة، ولذلك يرى رامز شرقاوي، مهندس الكهرباء الذي ينتمي إلى الكنيسة الكاثوليكية أن بعض المرونة في الطقوس عندها تبرر أيضا روح الانفتاح والتجدد عند الكاثوليك مقابل الروح التقليدية المحافظة عند الأرثوكس أو أغلبهم.
يقول رامز: "الرهبنة على سبيل المثال، يمارسها الأرثوذكس بالشكل التقليدي كما فعله الآباء الأوائل بالاعتزال الكامل عن الناس وشرور الحياة الدنيوية وخطاياها، ربما حدث بعض التغيير مؤخرا. بينما الكاثوليك لديهم تاريخ عريق في الخدمة الاجتماعية من خلال الرهبان الذين يسيرون في الاتجاه المعاكس ويقتربون من الناس، مثل (الآباء اليسوعيين أو الجزويت) في مجال التعليم، و(الراهبات الهنديات) في مجال التمريض والإغاثة ومنهم الأم تريزا".
يشير رامز أيضا إلى أن تاريخ الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا ينعكس على علاقة أفرادها بالسياسة، فمنذ حدث فصل الدين عن الدولة أصبحت الممارسة السياسية للأفراد خارج نطاق سلطة الكنيسة تماما التي لا تشارك بالسياسة لا تأييدا ولا معارضة. يلمح إلى كون جورج إسحق، الناشط المعروف والمنسق العام الأسبق لحركة كفاية، كاثوليكي المذهب. يرى رامز في المقابل أن الكنيسة الأرثوذكسية متورطة بشكل ما في الحياة السياسية ولكنه يرفض تعبير "دولة داخل دولة" الذي يراه مبالغة كبيرة.
العلاقة مع رجل الدين داخل الكنيسة تبدو قريبة الصلة بالمزاج السياسي، فرجل الدين بما يمثله من سلطة والحدود التي ترسم علاقة الأفراد به تربيهم على سلوك معين في مواجهة السلطة. يرى رامز أن الكاثوليك أكثر تحررا من سلطة رجل الدين مقارنة بالأرثوكس الذين يضعونه في مكانة مبالغ فيها، ويقول أنه كثيرا ما يعترض على رأي الكاهن ويناقشه إن لم يقتنع. ولكن ماهر ميخائيل يرى أن المكانة التي يضع فيها الأرثوكس رجل الدين لا تضعه بشخصه، فالقس يغير اسمه الشخصي ويختار اسما آخر قبل أن ينخرط في سلك الكهنة، ولذلك فالعلاقة معه لا تعد علاقة مع شخص بقدر ما هي علاقة مع رمز يمثل الكنيسة.
البروتستانت لا يعترفون بالكهنوت من الأصل، ورجل الدين عندهم هو مجرد راع. يقول هرماس فوزي: "رعاة الكنيسة عندنا قد يرتدون الجينز ونتحدث معهم عن السينما والموسيقى. أعتقد أن البروتستانت بشكل عام يتميزون بعلاقة أكثر بساطة مع رجال الدين. فليس لدينا طقس الاعتراف بالخطايا لآباء الكنيسة، العلاقة هي بين العبد والله مباشرة".

الاعتراف والخلاص

يحب رامز شرقاوي أن يقول أنه بالرغم من وجود طقس الاعتراف عند الكاثوليك إلا أن العلاقة بين رجل الدين والأفراد فيها بساطة شديدة بسبب ميلهم لروح الخدمة الاجتماعية والدور الاجتماعي لرجل الدين.
يشير رامز أيضا إلى أن عقيدة الخلاص عند الكاثوليك تجعلهم جميعا، رجال دين وغيرهم، أكثر انفتاحا على المجتمع وبساطة وتسامحا. فهو يقول أن الخلاص في الآخرة وفق بعض الكنائس الكاثوليكية قد يناله غير المسيحي وغير الكاثوليكي إن حسنت نيته، هناك خلافات لاهوتية داخل الكنيسة بهذا الخصوص. ولكن على خلاف الكنيسة الكاثوليكية لا ترى الكنيسة الأرثوذكسية خلاصا إلا لشعب الكنيسة الأرثوكسية والبروتستانت لا يرون خلاصا إلى مع الإيمان بالمسيح.
يضيف رامز:"لذلك ترى أن الكثير من الأرثوذكس يغلب على سلوكهم التحفظ في التعامل مع الآخر، وبعض المتشددين يتوجسون من أبناء الطوائف الأخرى. البروتستانت يبدو أكثر انفتاحا وتسامحا ولكن لديهم روح تبشيرية تحب التطرق للدين والعقيدة وإقناع الآخر أن كان ذلك ممكنا. بينما الكاثوليك نتيجة لعقيدة بعضهم بشأن الخلاص يركزون على العمل ويخدمون المجتمع ويقدمون صورة للمسيحية لمن أراد أن يعتنقها ولكن لا يقدمون تبشيرا في خطاب مباشر".
يعلق هرماس أن هذه الروح لا تعيب البروتستانت مؤكدا أن المسيح دعا إلى التبشير وأن أي إنسان يؤمن بفكرة ويحاول نقلها لآخر فهذا تعبير عن الحب، وفي النهاية كل إنسان حر في اختياره.
بين الحين والآخر، يشكو رجال الكنيسة الأرثوذكسية من "محاولات تبشير بروتستانتية" ويعتبرونها محاولات اختراق وتأثير على الكنيسة القبطية. يقول ماهر ميخائيل أن ذلك بسبب جاذبية أنشطة الكنائس البروتستانتية ذات الطابع العصري والمنفتح، مشيرا على سبيل المثال إلى أن الترانيم البروتستانتية تستخدم كل تقنيات وآلات الموسيقى، بينما لا تزال الكنائس الأرثوذكسية تحافظ على استخدام المثلث والناقوس فقط. ولكنه يعتبر رد فعل الأرثوكس مشابها لرد فعل المسلمين تجاه أي تبشير مسيحي، هو رد فعل أغلبية تعتبر نفسها الأصل والصواب.
لا يبدو أن للتبشير بين المسيحيين أثر قوي إلى حد دفع عدد كبير إلى تغيير الطائفة والانتقال لأخرى، قد يكون ذلك مؤثرا في اجتذاب البعض لأفكار تنتمي للطائفة الأخرى، ولكن التحول بين الطوائف لا يزال ضئيلا وأغلبه يحدث بسبب الزواج. خاصة أن الكنيسة الأرثوذكسية لا تعترف بزواج يتم بين أفرادها وأفراد من طوائف أخرى.
يقول هرماس: "ما رأيته من حالات تغيير الطائفة معظمه فعلا بهدف الزواج، ولكن يحدث أيضا تحول بسبب الاقتناع، فالتحول إلى كنيسة بروتستانتية يأتي عادة من أشخاض انجذبوا إلى فكرها المتحرر نوعا. ولكن هناك أيضا متحولون إلى الأرثوذكسية بهدف الحصول على اطمئنان روحي من خلال الطقوس والشعائر التقليدية".
قد يمثل ربط بعض الاختلافات العقائدية باختلاف السلوك الاجتماعي لأنباء الطوائف المسيحية المختلفة نوعا من التعميم والاختزال للفروق الفردية، وقد لا يلاحظ المسلمون تلك الاختلافات، إلا أن مفهوم الكنيسة كجماعة يربط عقائدها بأسلوب معين للحياة تجعل مسيحيين كثيرين، يعتبر رامز شرقاوي نفسه منهم، يميزون بمجرد النظر أو بعد حوار قصير طائفة من يحادثونهم.


نشر في جريدة "الشروق" الأحد 13 يونيو 2010
PDF
المزيد