الاثنين، 5 يوليو، 2010

تعبيرات الروح المرهقة في القاهرة


عن كل تلك الحواجز بيننا وكل ذلك الذي يحدث بلا طائل

إيقاع متراخٍ متعَب لدرامز يصاحب خطوات الشاب ذي الشعر المبعثر وربطة العنق غير المحكمة، نظرة باهتة يرمق بها حركة الفتاة ذات الوجه المرهق التي تسير إلى جانبه وإن أسرع قليلا. ماكياجها يكاد يزول بينما عيناها الزائغتان تحاولان اللحاق بشيء ما بين جنبات "المول" المزدحم بالبشر والأشياء. ينتهي يوم الشاب والفتاة المقبلين على الزواج بلا إنجاز، محبوسين بالبذلات الرسمية في السيارة المحتجزة في أزمة مرورية في حي مصر الجديدة بالقاهرة. بعد جولات لاهثة وتفاصيل متداخلة تعوق شراء ذلك الجهاز أو تعطلهما عن موعد معاينة الشقة التي ينويان شراءها، يتركان السيارة في شارع جانبي بعدما اشتبكا في مشادة كلامية متوترة. يجلسان على مقعد في جانب الطريق ليلتقط الشاب أنفاسه ويعبّر عن تعبه وإرهاقه من هذا الزحام، وسأمه من تلك التفاصيل التي تستهلك يومهما، ثم يبدأ تساؤلا عما حدث لهما، وما الذي تغير فيهما وفي حي مصر الجديدة الذي كان يأتي إليه لزيارتها ويلتقيان بلا مواعيد ليتمتعا بأيام طويلة وسعيدة.

في ذلك المشهد من فيلم "هليوبوليس"، العمل الأول لمؤلفه ومخرجه الشاب أحمد عبد الله السيد، الذي عرض لفترة قصيرة قبل أسابيع، قد تبدو تساؤلات الشاب مبالغاً فيها كردً فعل على يوم مرهق من المشاوير في زحام القاهرة. لكن الفيلم الذي تدور أحداثه كلها في يوم واحد، يفشل الجميع خلاله في إنجاز ما يريدون ويبيتون ليلتهم على أمل معاودة الكرة في اليوم التالي، يلتقط بحساسية حال العطالة والمراوحة والتخبط الجماعيّ بين الفرادى في زحام مسكون بالفوضى والعبث، ليصعّد الشكوى من زحام المدينة وأزماتها المرورية إلى شكوى من حالة تعطل وشلل اجتماعي تحاصر الجميع وتضعهم أمام خططهم ورغباتهم في أزمات وجودية عنوانها المراوحة وعدم الحسم.
علي ومها المقبلان على الزواج، يتخبطان في لحظة لا تتقدم نحو استقرار منشود ولا تعود إلى لحظة البهجة بالحب، ويبدو احتمال الفراق ماثلاً تحت نفاد الصبر. إبراهيم (خالد أبو النجا)، الشاب الذي يريد إنجاز بحث جامعي عن الأقليات الدينية فيعطله تحفظ السيدة اليهودية، التي تنسى كل شيء إلا أنها تتذكر أن فتاة ما كانت تشاركه البحث لتكشف ملامحه عن أسى شفيف يخبرنا عن طول زمان البعد وبقاء التورط، يعطله ضابط يسأله عن التصريح بتصوير المباني العتيقة ذت الطراز المعماري المميز، ثم يعاتبه صديقه في البار في نهاية اليوم على مراوحته في أسى حبه الضائع ويطلب منه أن يتجاوز الأمر وهو يخبره بنبأ ارتباطها بآخر. الرسالة الصوتية من الفتاة (هند صبري) التي يسمعها إبراهيم في نهاية اليوم من جهاز الرد الآلي، تنبئ عن مراوحة وقلق مماثلين على رغم تجاوزها الظاهري.
العلاقة الغاربة بين إبراهيم وفتاته التي تسكن حي مصر الجديدة، وفي ما يبدو هي سبب ألفته وولعه بالمكان، تبدو كلحظة عالقة سابقة متعطلة لو تحركت ربما لوقفت في مربّع متعطل آخر يقف فيه كلٌّ من علي ومها. في لحظة موازية ومربّع مواز، يقف هاني الشاب الذي لم يحسم قرار هجرته إلى كندا ولم يُتم بشكل كامل استيفاء أوراق سفره لزيارة عائلته هناك، بينما يبدو طيف علاقة ما يلمع بارق الأمل فيها ويخبو بينه وبين يسرا التي تسأله بقلق عن احتمال سفره وتدعوه بإلحاح ليشاهد أداءها ضمن كورال الكنيسة. المجند الذي تقوده خطة ما لتوفير الحراسات ليكون عند سور الكنيسة، يمضي يوما من سلسلة أيام متشابهة في الحراسة، يمضيها مع التفاصيل التي تتبعثر كلها في نهاية اليوم عندما يغادر موقعه ولا يعرف إن كان سيعود إليه مرة أخرى. الفتاتان اللتان تعملان في الفندق يدور بينهما في نهاية اليوم، جدل يبدو مكررا في البار حول اختلاسهما بعض المتع، وإن كان ذلك سيرا في "طريق خطأ"، بينما البحث عن "الاستقرار" وفق تقاليد المجتمع هو الصواب. الفتاة الأكثر تحررا وجرأة، تبدو الأكثر تكيفا، لكنها تتوارى خجلا من مروّج المخدرات "الديلر" تشتري منه الحشيشة التي تنهي بها يومها، بينما الأخرى تمضي يومها أمام قنوات تلفزيونية فرنسية وتقنع أهلها في الريف بأنها تعمل في باريس وترسل اليهم شهريا نقودا من هناك.
اليوم الضائع بالنسبة الى كل الأبطال، يبدو كحبة في مسبحة لا نهائية من الأيام المتشابهة العالقة في خيط خفي يشد الجميع، زحام الشوارع والمدينة التي يبدو كأنها حُمّلت فوق ما تحتمل، المواعيد المغدورة والتواصل الواهي بين الأبطال يكرس الإيقاع الرتيب لمساراتهم المرغوبة، بينما يتسارع إيقاع أحداث عرضية تتراكم ثم تنتهي إلى لا شيء. المجند الذي يحرس الكنيسة، هو الوحيد تتطور علاقة الألفة بينه وبين كلب شارع أطعمه وأواه معه في كشك الحراسة، لكنه قد لا يراه ثانية. هكذا سيعرف المجند وهو يلقي نظرة أخيرة على رفيق وحدة اليوم عندما يصعد إلى السيارة التي أتت لتجمع جنود الحراسة من مواقعهم في نهاية النهار، لتلقي بهم غدا في مواقع أخرى تحددها خطة الحراسات.
الضابط المسؤول عن الحراسات يمر في لحظة عشوائية ويهين المجند كجزء من روتين يومي، بعدما منع إبراهيم من تصوير المباني وطالبه بتصاريح ومبررات. حضور السلطة في أحد مستوياتها الدنيا، ممثلة في الضابط، حضور نافد الصبر، منفلت الأعصاب، وهو يتعامل مع كل ما يراه خارجا على المألوف والعادي، أو هو حضور يستعرض بعض سلطاته بفجاجة ظاهرة بديلة من ضبط فعليّ لنظام أو قانون.
لذلك لا أحد يفهم أو يتفهم ما تريده "اللجان الأمنية" التي تملأ ليلاً شوارع القاهرة، وتسأل عن الهويات وتنظر في الوجوه وتشتبه في هذا أو ذاك بشكل عام بعيدا من جريمة محددة.

بعد غرائبي
العرض المسرحي "فانتازيا اللجنة" الذي قدّمته "فرقة الطمي" المسرحية بدءا من نيسان 2009 من إخراج سلام يسري، يضفي على عمل "اللجنة" بعداً فانتازياً وغرائبياً. يقف أبطال المسرحية، يقدم كلٌّ منهم عرضاً منفرداً يحكي فيه عن بعض يومياته. الحكايات ليست عن عمل يستهدف إنجازاً محدداً، بل كلها عن تفاصيل تعترض مسار الحياة المرغوب أو الطبيعي، وتعوقه. "اللجنة" ممثلةً في ضابط بوليس، تحضر في أكثر من حكاية، في حكاية الشاب الذي يعود ليلا ليجد نفسه مطالباً بتقديم معلومات عن علاقته بجار مطلوب أمنيا، وآخر اضطر للاستعانة ببطاقة هويته كمخرج سينمائي لكي يتخلص من لجنة مرورية فعلية، والفتاة التي توقظها طرقات عنيفة لتنزل وتحرك سيارتها بأمر الأمن لأن موكباً مهماً لمسؤول سيمر من هنا ويجب إخلاء الطريق وتأمينه، ثم اضطرارها هي وقريبها لتوضيح سبب وجودهما معاً بملابس سهرة بعدما ارتكبا مخالفة مرورية. لكن اللجنة التي تعطل وتستجوب، ترتدي زيا مختلفا في سلوك آخرين، ليسوا في الضرورة في موقع سلطة: جيران سلام يسري، مخرج العرض، المعترضون على أسلوب حياته كفنان، المضايقات التي تتعرض لها فتاة أخرى في طريقها اليومية ومعاناتها في المواصلات المزدحمة، نظرات المحيطين التي تلجئ الفتاة الأولى الى تكيتكات ومناورات للحفاظ على سمعتها لأنها تقيم وحدها موقتا وقت سفر أهلها.
أيام الأبطال تبدو مشغولة بتجاوز هذه "اللجان" والإجابة عن أسئلتها. لا يحكي أحدهم شيئا عما يريد أو يرغب. الرغبة مضمرة، وتبدو دائماً من خلف "الحواجز" في البعيد كنقطة مفترضة للوصول، تماما كما تبدو الرغبات والأمنيات في صمت أبطال "هليوبوليس" والتفاتات أعينهم الحائرة.
على عكس حالة الأسى التي تغلّف السرد في "هليوبوليس"، تنفجر الكوميديا في حكايات أبطال "فانتازيا اللجنة"، لكن الأسى المتمسك بالأمل يعود في بعض الأغاني التي تتخلل حكيهم.
تتشابه بنية العملين: المسارات المتوازية لحكايات الأبطال، التي بالكاد تتلاقى في "هليوبوليس"، أو التي لا يجمعها إلا المكان المحتشد بـ"اللجان" في "فانتازيا اللجنة"، وكذلك الموقع الذي يصدر عنه الحكي والشكوى: الشباب الجامعي المتعلم المثقف من طبقة متوسطة، الذي يقارن بين ما يحدث وما يجب أن يحدث وفق قيم يؤمن بها أو يتطلع إليها. أو بحسب ما يحدث في أماكن أخرى في العالم، يمتلك رفاهية التفكير في الانتقال إليها بدون خيارات انتحارية. قد يمتلك بعض الحنين وبعض الأمل بروح سياسية أو بروح فردية متشبثة بحب الحياة، وإن كانت لا تفتقد بعض القلق والتساؤل والمراوحة بين التحرر والمحافظة.
هذه الفئة من الشباب هي التي أقبلت أيضا على فكرة "كورال شكاوى القاهرة"، بعض أفراد "فرقة الطمي" المسرحية شاركوا في مبادرة الكورال الذي دعا في أيار الماضي كل من يريد أن يغنّي شكواه الى المشاركة. وانعقدت ورشة لصياغة شكاوى المشاركين في أغنيات جماعية.
لم تخل الشكاوى من بعض الروح السياسية الساخطة، بالإضافة إلى عين هذه الفئة في رؤية ما يجب الشكوى منه. كالعادة، كان الفضاء العام للمدينة محل مساحة معتبرة من الشكوى دفعت الكورال لأن يغنّي ردا على سؤال "أين تذهب هذا المساء؟"، ليقول: "أوعى تروح في حتة!" بسبب الزحام بالطبع، أو يشكو الجميع من اللجنة أو الكمين: "اللي ما لهش ضهر/ هايلبس في الكمين"، أو الشكوى من الزمن المهدر: "بقالي مستنّي سنتين/ موظف يمضي لي ورقتين".
الروح الجماعية والغنائية للكورال، تصوغ الخيط الناظم للشكوى بشكل أبسط وأقل تركيبا مما يبدو في الفيلم والمسرحية. لكن مأزق المكان المعطل لا يزال موجوداً.

استعراض ساخط
تتحول البساطة الى شيء من التبسيط ومن التضخيم الهزلي في سيناريو أحدث أفلام النجم أحمد حلمي، "عسل أسود"، الذي يُعرض حاليا. يحكي الفيلم محاولة شاب مصري أميركي، اسمه الأول مصري، للعودة إلى القاهرة بعد فترة طويلة، بحنين جارف ورغبة في إنجاز معرض فوتوغرافي عنها وعرضه في الولايات المتحدة.
الفيلم هو عبارة عن استعراض ساخط لمشكلات الفضاء العام في القاهرة الذي لا يتم فيه شيء. يتخبط مصري في هذه المشكلات التي تبدأ بالزحام وسلوكيات المرور، وتلامس روح الفهلوة مرةً والنصب والاحتيال مرةً أخرى، ولا تنتهي أيضا بالتعامل الأمني الذي يصادر الكاميرا الخاصة به ويعتقله للاشتباه به. يجد سلواه الوحيدة في مساعدة جيران أسرته في الحي الشعبي، ولكن هذه الأسرة نفسها تعاني حالةً من التعطل والمراوحة: الشاب العاطل الذي ينتظر، والزوجان الذين يفتقدان لحظة حميمة وسط زحام الشقة المكدسة بالأجيال المختلفة.
البطل الوحيد هذه المرة، يعاني من الزحام والفوضى والاحتكاك العنيف في حركته في فضاء القاهرة، يمتلئ سخطاً ولا ينجز شيئاً، لكن الفيلم التجاري يجد نفسه مطالباً بوضع "إجابة نموذجية" عند النهاية. الإجابة النموذجية النمطية: البطل الذي يقرر العودة إلى أميركا ساخطاً، يغيّر قراره وهو في الطائرة تحت تأثير الحنين إلى "الجدعنة" المصرية والشهامة وروح الحي الشعبي ودفء الوطن، ويحاول أن يتمارض لكي تعود به الطائرة إلى مطار القاهرة فيتم تجاهله، فلا يجد طريقة إلا الاستعانة بجواز سفره الأميركي ليكون له ما أراد. الروح الهزلية تبدو حلاً شعبياً مقبولاً يغلف النهاية التي لا بأس بها لجمهور يترك صالة العرض غير مكترث إلا بكم المواقف الكوميدية.
الشكوى الحارة اليائسة يبدو أنها لا تشغل بال الجمهور الواسع، المنخرط تماماً في المأساة، الذي يخرج من صالة العرض ليشارك بكونه جزءاً من الزحام والحالة المتعطلة. أما أبطال "هليوبوليس" و"فانتازيا اللجنة" و"كورال الشكاوى"، فهم متحيّرون بين قرار الهروب إلى الخارج، عكس خيار بطل الفيلم الجماهيري، أو مسكونون بالحنين إلى حالة أخرى للمكان كما في "هليوبوليس". حي مصر الجديدة في حالته القديمة، الأكثر بهاءً ولطفاً وحداثةً وتسامحاً وأريحية. لا يبدو الحنين سياسياً في مجمله إلى ما قبل ثورة يوليو 1952، فالحنين إلى بعض ملامح الحياة يظهر في بعض اللقطات التسجيلية في الفيلم، التي تضع جنباً إلى جنب في أسى، بعض جماليات العمارة الباقية ولقطات فظة للشارع ومشاجرات حول مكان الانتظار يتدافع فيها بشر وسيارات.
بينما في عرض "فانتازيا اللجنة"، هناك بحث عن "فسحة الأمل"، فيغنّي الأبطال متمسكين بـ"الوطن" لكنهم يحلمون في الوقت نفسه بـ"مكان جديد" بديل، لتكون الأغنية: "نعمل مكان جديد اسمه الوطن".
بعيدا من الحنين أو الأمل، قد يكون الموقف البسيط هو الصياغة الأبسط للشكوى، مع الوعي بحدود قدرتها وحدود قدرة أصحابها. ففي نهاية عرض "كورال شكاوى القاهرة" يغنّي الجميع في إيقاع أبطأ كثيراً من إيقاع الأغاني الشاكية: الشكوى مافيش أسهل منها... وبرضه ما فيش حاجة بتتغيّر!



نشر في جريدة "النهار" اللبنانية الأحد 4 يوليو 2010
الصورة من فيلم "هليوبوليس" من إخراج أحمد عبد الله السيد

هناك تعليق واحد:

  1. حلو المقال ده أوي وعجبني العنوان. أعتقد فعلا أن الأرواح في القاهرة مرهقة جدا، بس مش بنعرف نبعد عنها كتير!

    ردحذف