الخميس، 1 يوليو، 2010

ما يجمعه الرب وتفرقه الطوائف


الاختلافات العقائدية بين الطوائف المسيحية الثلاث في مصر لا تبدو بالنسبة للبعض شأنا كبيرا يؤثر على العلاقات بين أفراد هذه الطوائف، ولكنها وما يتبعها من تقاليد وطقوس تؤثر في نظر البعض على طريقة التفكير وأسلوب الحياة والمزاج الاجتماعي وقد تسبب بعض التوتر بين الطوائف أو أفرادها أحيانا.

يحكي ماهر ميخائيل ببساطة أنه قضى فترة الثانوية كلها يتردد على كنيسة كاثوليكية وفترة الجامعة كلها يتردد على كنيسة بروتستانتية رغم أنه مسيحي أرثوكسي ومقتنع بهذا المذهب بما يكفي.
لا يعتبر ماهر، الصيدلي الشاب، نفسه متدينا بما يكفي للحديث عن الخلافات العقائدية بين الطوائف الثلاث التي يتوزع مسيحيو مصر بينها، ولكن ما يعرفه منها تجعله يعتقد أنها خلافات قشرية إذا ما قورنت بالاتفاق الكبير في أساس العقيدة. ولكن هذا لا يمنعه أيضا أن يقول أن هناك العديد من الشباب الأرثوكس وأسرهم ممن لا يستسيغون ما فعله ذلك ويضخمون من هذه الاختلافات ويتحفظون أحيانا عند التعامل مع أبناء الطائفة المسيحية الأخرى.
لا يوجد إحصاء معلن ورسمي لعدد المسيحيين في مصر وبالتالي لا توجد إحصاءات رسمية لأعداد الطوائف، ولكن هناك تقديرات تشير إلى كون الأقباط الأرثوكس 80% من مسيحيي مصر، وتتوزع النسبة الباقية على البروتستانت ثم الكاثوليك.
يقول ماهر: "مثل أي أغلبية، يفكر الأقباط الأرثوذكس أنهم الأصل وينظرون إلى الطوائف المسيحية الأخرى في مصر باعتبارهم مذاهب جديدة أو وافدة ومنحرفة عن المذهب الصحيح".
تؤرخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لنفسها بداية من قدوم القديس مرقس تمليذ المسيح إلى مصر للتبشير بالمسيحية قبل ما يزيد عن 19 قرنا.وفي مجمع خلقدونية عام 451 م الذي انعقد لمناقشة بعض الاختلافات العقدية حول طبيعة المسيح حدث الانشقاق الذي نتج عنه الانفصال بين الكنائس الشرقية وعلى رأسها كنيسة الإسكندرية القبطية المصرية عن الكنائس الغربية الرومانية وعلى رأسها كنيسة روما وعرفت الأولى بالكنائس الأرثوذكسية والثانية بالكنائس الكاثوليكية.
وفي القرن السادس عشر قاد مارتن لوثر في أوروبا حركة إصلاحية معترضا على مجموعة من تعاليم وتقاليد الكنيسة الكاثوليكية فخرجت من هذه الحركة الكنائس البروتستانتية.
يؤرخ لبداية تأسيس الكنيسة الكاثوليكية في مصر بقدوم الحملة الفرنسية إلى مصر ومعها الإرساليات الكنسية الكاثوليكية. بينما اعترفت الدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر بالكنيسة الإنجيلية أكبر فروع البروتستانت في مصر كطائفة قائمة بذاتها بجانب الكنيستين القبطية والكاثوليكية.
الخلافات بين الكنائس المختلفة حول طبيعة المسيح والعذراء وبعض المسائل اللاهوتية قد لا تهم سوى رجال الدين، ولكن بعض هذه الخلافات وما يترتب عليها من طقوس وتقاليد ترسم نوعا من المزاج الاجتماعي المختلف لكل طائفة وتميز أفرادها.
يرى ماهر ميخائيل أن أهم ما يميز الأقباط الأرثوكس هو روحهم التقليدية، فهم من جانب يحاولون الحفاظ على العقيدة والطقوس كما تم معرفتها وممارستها أول مرة. وذلك يمنحه ارتياحا أنه يتعلم الدين بلا أي محاولة للتأويل أو التعديل بسبب أي ضغوط عصرية أو تحديات، ولكنه يعتقد من جانب آخر أن هذه الروح تربط الأرثوذكس أكثر بالطقوس والشعائر إلى حد قد يصل أحيانا إلى الشكلية، في حين أن الكاثوليك مشغولون أكثر بخدمة المجتمع والتجديد الفكري اللاهوتي والبروتستانت يفسرون نصوص الإنجيل بحرية وينتقدون الاتباع الشكلي للأجيال الأولى في الطقوس والأفكار.

تقاليد وأسرار
في كتاب اللاهوت المقارن للبابا شنودة الثالث يجمل الاختلافات بين الأقباط الأرثوكس من جهة وبين الكاثوليك والبروتستانت من ناحية أخرى. الكاثوليك على خلاف الأرثوكس يمارسون بعض التعديل في الطقوس التي مارسها المسيح وتلاميذه بشكل يحافظ في رأيهم على معنى الطقس وجوهره ويسهل ممارسته، مثل التساهل في تغيير بعض تفاصيل طقس التناول، الذي يناول فيه الكاهن الخبز للمسيحي بوصفه جزءا من جسد المسيح، وهو أحد "الأسرار السبعة للكنيسة". البروتستانت ينكرون الأسرار السبعة تماما بما فيه طقس التناول لأنهم لا يؤمنون إلا بنصوص الإنجيل ويتجاهلون – في رأي الطوائف الأخرى – التقاليد التي وضعها الرسل والقديسين والآباء.
هرماس فوزي، مهندس الكمبيوتر، المنتمي للكنيسة الإنجيلية أكبرالكنائس البروتستانتية في مصر لا يحب كثيرا أن يوصف بأنه إنجيلي ويعتقد أن مسألة الطوائف هذه مسألة مصطنعة، ولكن عند الحديث عن التفاصيل يؤكد أنه فعلا يعتقد أن الطريقة الإنجيلية في تفسير المسيحية هي الأقرب إليه والأكثر إقناعا، فلا يجب أن يلتزم المسيحيون بطقوس وأساليب مورست في العهود الأولى بسبب مزاج أو رأي فردي أو ظروف اجتماعية معينة، ولذلك يحب تحرر البروتستانت من الاتباع والتقليد والرجوع إلى الإنجيل وتفسيره بحرية. يضيف: "أعتقد أنه نتيجة لذلك يميل الأقباط الأرثوذكس عادة لممارسة الطقوس بكثافة وتجنب الجدل والحوارات العقائدية بينما تحد البروتستانتي متحمس عادة للحوار والجدل والنقاش حول الأفكار مع أي أحد، لأن أفكاره ليست عقائد موروثة بقدر ما هي تفسير وتأمل متجدد في الكتاب المقدس. وذلك الاختلاف قد تجده أيضا عند النقاش في السياسة أو أي أمر آخر".
يتخذ الكاثوليك موقفا وسطا في الموقف من الطقوس والتقاليد القديمة، ولذلك يرى رامز شرقاوي، مهندس الكهرباء الذي ينتمي إلى الكنيسة الكاثوليكية أن بعض المرونة في الطقوس عندها تبرر أيضا روح الانفتاح والتجدد عند الكاثوليك مقابل الروح التقليدية المحافظة عند الأرثوكس أو أغلبهم.
يقول رامز: "الرهبنة على سبيل المثال، يمارسها الأرثوذكس بالشكل التقليدي كما فعله الآباء الأوائل بالاعتزال الكامل عن الناس وشرور الحياة الدنيوية وخطاياها، ربما حدث بعض التغيير مؤخرا. بينما الكاثوليك لديهم تاريخ عريق في الخدمة الاجتماعية من خلال الرهبان الذين يسيرون في الاتجاه المعاكس ويقتربون من الناس، مثل (الآباء اليسوعيين أو الجزويت) في مجال التعليم، و(الراهبات الهنديات) في مجال التمريض والإغاثة ومنهم الأم تريزا".
يشير رامز أيضا إلى أن تاريخ الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا ينعكس على علاقة أفرادها بالسياسة، فمنذ حدث فصل الدين عن الدولة أصبحت الممارسة السياسية للأفراد خارج نطاق سلطة الكنيسة تماما التي لا تشارك بالسياسة لا تأييدا ولا معارضة. يلمح إلى كون جورج إسحق، الناشط المعروف والمنسق العام الأسبق لحركة كفاية، كاثوليكي المذهب. يرى رامز في المقابل أن الكنيسة الأرثوذكسية متورطة بشكل ما في الحياة السياسية ولكنه يرفض تعبير "دولة داخل دولة" الذي يراه مبالغة كبيرة.
العلاقة مع رجل الدين داخل الكنيسة تبدو قريبة الصلة بالمزاج السياسي، فرجل الدين بما يمثله من سلطة والحدود التي ترسم علاقة الأفراد به تربيهم على سلوك معين في مواجهة السلطة. يرى رامز أن الكاثوليك أكثر تحررا من سلطة رجل الدين مقارنة بالأرثوكس الذين يضعونه في مكانة مبالغ فيها، ويقول أنه كثيرا ما يعترض على رأي الكاهن ويناقشه إن لم يقتنع. ولكن ماهر ميخائيل يرى أن المكانة التي يضع فيها الأرثوكس رجل الدين لا تضعه بشخصه، فالقس يغير اسمه الشخصي ويختار اسما آخر قبل أن ينخرط في سلك الكهنة، ولذلك فالعلاقة معه لا تعد علاقة مع شخص بقدر ما هي علاقة مع رمز يمثل الكنيسة.
البروتستانت لا يعترفون بالكهنوت من الأصل، ورجل الدين عندهم هو مجرد راع. يقول هرماس فوزي: "رعاة الكنيسة عندنا قد يرتدون الجينز ونتحدث معهم عن السينما والموسيقى. أعتقد أن البروتستانت بشكل عام يتميزون بعلاقة أكثر بساطة مع رجال الدين. فليس لدينا طقس الاعتراف بالخطايا لآباء الكنيسة، العلاقة هي بين العبد والله مباشرة".

الاعتراف والخلاص

يحب رامز شرقاوي أن يقول أنه بالرغم من وجود طقس الاعتراف عند الكاثوليك إلا أن العلاقة بين رجل الدين والأفراد فيها بساطة شديدة بسبب ميلهم لروح الخدمة الاجتماعية والدور الاجتماعي لرجل الدين.
يشير رامز أيضا إلى أن عقيدة الخلاص عند الكاثوليك تجعلهم جميعا، رجال دين وغيرهم، أكثر انفتاحا على المجتمع وبساطة وتسامحا. فهو يقول أن الخلاص في الآخرة وفق بعض الكنائس الكاثوليكية قد يناله غير المسيحي وغير الكاثوليكي إن حسنت نيته، هناك خلافات لاهوتية داخل الكنيسة بهذا الخصوص. ولكن على خلاف الكنيسة الكاثوليكية لا ترى الكنيسة الأرثوذكسية خلاصا إلا لشعب الكنيسة الأرثوكسية والبروتستانت لا يرون خلاصا إلى مع الإيمان بالمسيح.
يضيف رامز:"لذلك ترى أن الكثير من الأرثوذكس يغلب على سلوكهم التحفظ في التعامل مع الآخر، وبعض المتشددين يتوجسون من أبناء الطوائف الأخرى. البروتستانت يبدو أكثر انفتاحا وتسامحا ولكن لديهم روح تبشيرية تحب التطرق للدين والعقيدة وإقناع الآخر أن كان ذلك ممكنا. بينما الكاثوليك نتيجة لعقيدة بعضهم بشأن الخلاص يركزون على العمل ويخدمون المجتمع ويقدمون صورة للمسيحية لمن أراد أن يعتنقها ولكن لا يقدمون تبشيرا في خطاب مباشر".
يعلق هرماس أن هذه الروح لا تعيب البروتستانت مؤكدا أن المسيح دعا إلى التبشير وأن أي إنسان يؤمن بفكرة ويحاول نقلها لآخر فهذا تعبير عن الحب، وفي النهاية كل إنسان حر في اختياره.
بين الحين والآخر، يشكو رجال الكنيسة الأرثوذكسية من "محاولات تبشير بروتستانتية" ويعتبرونها محاولات اختراق وتأثير على الكنيسة القبطية. يقول ماهر ميخائيل أن ذلك بسبب جاذبية أنشطة الكنائس البروتستانتية ذات الطابع العصري والمنفتح، مشيرا على سبيل المثال إلى أن الترانيم البروتستانتية تستخدم كل تقنيات وآلات الموسيقى، بينما لا تزال الكنائس الأرثوذكسية تحافظ على استخدام المثلث والناقوس فقط. ولكنه يعتبر رد فعل الأرثوكس مشابها لرد فعل المسلمين تجاه أي تبشير مسيحي، هو رد فعل أغلبية تعتبر نفسها الأصل والصواب.
لا يبدو أن للتبشير بين المسيحيين أثر قوي إلى حد دفع عدد كبير إلى تغيير الطائفة والانتقال لأخرى، قد يكون ذلك مؤثرا في اجتذاب البعض لأفكار تنتمي للطائفة الأخرى، ولكن التحول بين الطوائف لا يزال ضئيلا وأغلبه يحدث بسبب الزواج. خاصة أن الكنيسة الأرثوذكسية لا تعترف بزواج يتم بين أفرادها وأفراد من طوائف أخرى.
يقول هرماس: "ما رأيته من حالات تغيير الطائفة معظمه فعلا بهدف الزواج، ولكن يحدث أيضا تحول بسبب الاقتناع، فالتحول إلى كنيسة بروتستانتية يأتي عادة من أشخاض انجذبوا إلى فكرها المتحرر نوعا. ولكن هناك أيضا متحولون إلى الأرثوذكسية بهدف الحصول على اطمئنان روحي من خلال الطقوس والشعائر التقليدية".
قد يمثل ربط بعض الاختلافات العقائدية باختلاف السلوك الاجتماعي لأنباء الطوائف المسيحية المختلفة نوعا من التعميم والاختزال للفروق الفردية، وقد لا يلاحظ المسلمون تلك الاختلافات، إلا أن مفهوم الكنيسة كجماعة يربط عقائدها بأسلوب معين للحياة تجعل مسيحيين كثيرين، يعتبر رامز شرقاوي نفسه منهم، يميزون بمجرد النظر أو بعد حوار قصير طائفة من يحادثونهم.


نشر في جريدة "الشروق" الأحد 13 يونيو 2010
PDF

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق