الخميس، 22 يوليو، 2010

الكيمونو الأبيض ينافس الساحرة المستديرة في نوادي مصر

الكاراتيه من شغف الشباب إلى الخطط التربوية للأسر


قبل عقود كان الشباب يتجهون للكاراتيه انجذابا للعبة قتالية مثيرة، بعضهم اتخذها مهنة وساهموا في نشرها في النوادي والمدارس حتى أصبحت رياضة تدفع أعداد غفيرة من الأسر أبنائهم إليها في سن مبكرة. في السنوات الأخيرة تنافس رياضة الكاراتيه كرة القدم أو تتفوق عليها من حيث عدد الممارسيين بشكل منظم في النوادي ومراكز الشباب.


لا حرارة الصيف ولا الشمس المسلطة يبدو أنهما تزعجان الآباء والأمهات أو تدفعهم للبحث عن ظل بدلا من الجلوس في الممر المكشوف المجاور لصالة الكاراتيه في مركز شباب روض الفرج لمتابعة أبناءهم.
عشرات الأطفال يرتدون البدلات البيضاء وأحزمة بيضاء أيضا تدل على كونهم ما زالوا مبتدئين، يقفون أمام المدرب الذي يحاول أن يكون لطيفا وحازما وهو يعلم الصغار المباديء الأولى للعبة. ينتهي تدريبهم فيخرجون بنظام وياتي دور الأطفال الأكبر سنا الذين قطعوا شوطا أطول في اللعبة. تطلب السيدة سماح حسين من ابنتها نعمة أن تنادي على أخيها الأصغر مختار ليلحق بالتدريب، مختار كان في صالة كرة السلة أمام شاشة عملاقة تعرض مباراة كرة قدم ضمن منافسات كأس العالم.
لم تفكر السيدة سماح أبدا في دفع ابنها للعب كرة القدم. تقول أنها لا تشعر أنها لعبة مفيدة لجسم وشخصية الأطفال بقدر الكاراتيه.
عبر مدرسة عمر جوهر الابتدائية في إمبابة، حيث تسكن الأسرة، بدأت علاقة الأولاد بالكاراتيه. مدرس الألعاب كان مدربا للكاراتيه، أعطى التلاميذ ورقة تعلن عن بدء مدرسة لتعليم الكاراتيه لمن يرغب في أيام الإجازات. ألحقت السيدة سماح ولديها بمدرسة الكاراتيه وبعدما رحل المدرب وتوقفت مدرسة تعليم الكاراتيه بحثت عن مكان آخر مناسب ليستكمل أولادها مشوارهم فكان مركز شباب روض الفرج على الضفة الأخرى من النيل. مكان رخيص نسبيا، الاشتراك الشهري للطفل 35 جنيها، ومركز الشباب العتيق لحقه تطوير ملحوظ جعله أفضل في نظرها من مركز شباب إمبابة. إعجابها برياضة الكاراتيه لا ينافسه إلا إيمانها بضرورة ممارسة الأطفال للسباحة أيضا.
أكثر من 400 لاعب للكاراتيه في فريق مركز شباب روض الفرج يجعلها اللعبة الأولى من حيث عدد الممارسين في المركز. لهذا السبب كان هناك يقين فؤاد، الباحث الشاب في الجامعة الأمريكية والذي يعد أطروحة لنيل درجة الماجستير في الأنثروبولوجيا عن ممارسة رياضة الكاراتيه في مصر. يجوب يقين النوادي ومراكز الشباب في القاهرة والمحافظات محاولا الوقوف على نمط ممارسة الرياضة وعلاقته بأفكار وسلوكيات وممارسات اجتماعية وفردية لممارسيها. اختيار يقين لرياضة الكاراتيه تحديدا يعود لأكثر من سبب، منها ما انتهى إليه ولاحظه من انتشارها الكبير. في إحصاء لمركز معلومات مجلس الوزراء صدر عام 2009 عن الحالة الرياضية للشباب، اعتمادا على مسوح أجريت ما بين عامي 2000 و2007، أن رياضة الكاراتيه لها أكبر عدد من الفرق بين كل الرياضات في مصر وإن كان يقول أن عدد ممارسي كرة القدم هو الأكثر. ولكن يقين فؤاد حصل من مصادر من اتحاد الكاراتيه على معلومات أحدث تفيد أن عدد المسجلين في مسابقات هذا العام وصلوا 73 ألفا في مقابل 28 ألفا في مسابقات كرة القدم بحسب نقل يقين عن مصادر أخرى في اتحاد كرة القدم. من الصعوبة المقارنة بين لعبتين واحدة جماعية والأخرى فردية ولكن المؤشرات تشير إلى أن رياضة الكاراتيه من حيث الممارسة المنظمة تنافس كرة القدم إن لم تتفوق عليها.

يقول يقين فؤاد أن لهذه الظاهرة بعد تاريخي نوعا ما متعلق بملابسات دخول الرياضة إلى مصر في أوائل السبعينات ورواج اسمها الذي كان يطلق في فترات على كل الألعاب القتالية: “شكى لي مدرب كونغ فو أن بعض الناس يطلقون على أي رياضة قتالية اسم كاراتيه، بل إنه وجد أفلام حركة كانت الترجمة العربية فيها تحول الكونغ فو إلى كاراتيه!”.
لا يوجد تاريخ موثق لدخول اللعبة إلى مصر، ولكن أبرز من بدأوا تدريبها هو إيكوموتو الذي ظل مستشارا لاتحاد الكاراتيه ومنتخب مصر وتوفى قبل 3 سنوات. ويرى يقين أن انتشار الكاراتيه في مصر ارتبط بحركة وتنقلات واجتهاد تلاميذ المدربين الأوائل الذين احترفوا التدريب ونشروا الرياضة.
على عكس ما يحدث الآن من اهتمام الأسر، فإن الكاراتيه كان يجتذب الشباب من أبناء الفئات الشعبية الذين يشاهدوه في مكان ما أو في الأفلام. أشرف الجزار، مدرب الكاراتيه في مركز شباب روض الفرج الذي يسكن في الحي نفسه، يقول أنه قرر لعب الكاراتيه عندما شاهده في فيلم "الأبطال" لأحمد رمزي، فاتجه إلى مركز شباب روض الفرج وهو شاب في منتصف العشرينات وبعد ممارسته فترة ترك مهنته كمحاسب في أعمال أسرته واتجه إلى احتراف التدريب منذ عام 1986 إلى الآن.

تميز وتحقق
من المقابلات التي أجراها يقين فؤاد في العديد من الأندية ومراكز الشباب يرى أن توجه الشباب أنفسهم إلى ممارسة الكاراتيه في الأحياء الشعبية والريف فيه بحث عن مجال للتميز والتحقق. يقول يقين: "بالنسبة لأبناء الفئات الاجتماعية الأفقر تبدأ ممارسة الكاراتيه بشغف شخصي و رغبة في الخروج من التنميط الاجتماعي بممارسة بمختلفة فيها استعراض ومنافسة، قد تجعله بطلا وعلى الأقل تجعله مميزا. أيضا احتراف الكاراتيه يظل بالنسبة لشباب هذه الفئات شيئا جذابا سواء كلاعب محترف يحقق بطولات أو كمدرب في مقابل صعوبة الحصول على مهن أخرى مستقرة. وجدت كثيرين يحترفون الكاراتيه ولكنهم سرعان ما يتركونه أو ينوون إن وجدوا فرصة عمل مستقرة".
الميل لرياضة قتالية أعنف وأكثر شراسة يجعل الشباب يتوجهون إلى الكونغ فو أو الملاكمة، ولكن بسبب انتشار مدربي الكاراتيه في مدارس ومراكز شباب فإن رياضة الكاراتيه كسبت أرضا أكبر، ومع نمو الرياضة تزيد جاذبيتها وجمهورها وفرص احترافها والتدريب فيها مع تراكم الخبرات.
السيدة سهام ظريف، مأمورة الضرائب التي تسكن بالقرب من مركز الشباب وتنتظر ابنها مينا و ابنتها ميرا، وجهتم أولا إلى الكونغ فو ولكن لم تعجبها. تعبر عن رأيها قائلة: "رأيت أن الكاراتيه أرقى. فيه نظام واحترام أكثر. أنا أريد لأولادي أن يكونوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم وأن يثقوا بأنفسهم وأن يشغلوا وقتهم بشيء مفيد بدلا من الاتجاه للشارع أو البلاي ستيشن".
الفئات المختلفة في الطبقة الوسطى لها دوافعها المختلفة عند توجيه الأولاد إلى رياضة الكاراتيه. لدي يقين فؤاد بعض الافتراضات بعد جولاته ومقابلاته، أولاها لها علاقة بالنوادي ومراكز الشباب كمكان عام يشهد إقبالا متزايدا. ففي رأيه أن علاقة الفئات الأبسط من الطبقة الوسطى بالأماكن العامة تقل، لا يوجد مجال لخروج الأسرة بشكل ممتع للمشي أو للتسوق في الكثير من الأحياء. النوادي ومراكز الشباب هي المتنفس الأهم. الأسر تهرب بأولادها من الشارع انزعاجا من سلوكياته وتريد أن تظبط سلوك الأبناء وتوجهه في مسارات محددة. ممارسة الرياضة تأتي في هذا الإطار.
على عكس روح الجموح والبحث عن الإثارة في اتجاه أبناء الفئات الشعبية للرياضات القتالية، هناك بحث عن الانظباط والتحكم في توجيه الأسر المتوسطة لأبنائها. المهارات القتالية هنا مهارات مفيدة للدفاع عن النفس في الشارع الخطير الفوضوي، والرياضة بالطبع مفيدة صحيا ونفسيا للأطفال. خبرة المنافسة الرياضية والقتالية تجعل الطفل في الحلبة وحيدا إلا من خبرات جسده وأفكاره ومهاراته.

وعي بحدود الجسد
يضيف يقين فؤاد أن الرياضات القتالية بشكل عام تجعل من تجربة العراك، أن تضرب وتُضرب، تجربة معتادة فتتنزع منها الخوف والرهبة وتجعل الفرد واعيا بجسمه وحدوده وإمكاناته، قد يعرف أنه قد لا ينتصر هذه المرة ولكن ذلك لن يسبب له هلعا أو فقدان الثقة في النفس.
يعبر عن هذا المعنى المهندس أحمد علام قائلا: "الكاراتيه بيساعد الولد إنه ينشف". ينتظر علام ابنه وابن أخيه مؤكدا أنه يحرص على تعليمهم الكاراتيه لأنه هو نفسه مارسه لفترة طويلة. تعرف علام على الكاراتيه من مدرب جارهم وهو شاب عمره 18 عاما ولكنه وجه ابنه وابن أخيه إليه في سن مبكرة، و يضيف أن تميز رياضة الكاراتيه عن غيرها أنها تعلم الدفاع عن النفس ولكن بلا ميل لإيذاء الخصم عكس رياضات أخرى فيها روح شرسة أكثر.
يقول أشرف الجزار، مدرب فريق الكاراتيه: “ أحد أسباب جاذبية رياضة الكاراتيه عند الأسر هو أنها رياضة تعلم مهارات القتال ولكنها ليست قتالا عنيفا. يتعلم اللاعب حركات قوية ومؤثرة لكنه يتعلم أيضا ضرورة أن يوقف يده أو قدمه عند جسد خصمه بشكل معين لكي لا يؤذيه".
هناك روح تربوية منضبطة في الكاراتيه، وفي أثناء التدريبات والمباريات هناك اهتمام كبير بالتقاليد واحترام اللاعب لزميله وخصمه ومدربه والتزام آداب معينة في الحركة والكلام.
تلك الروح جعلت من الكاراتيه رياضة أسرية، تدفع الأسر أبنائها في سن مبكرة للعبها. ولكن نفس الروح هي التي تجعل كلا من الأهل والأبناء يفكرون في أن الكاراتيه، مثل أي رياضة، نشاط أدنى من التعليم. يتركه الأبناء في مرحلة الثانوية العامة أو الجامعة.
يقول أشرف الجزار أن 80 % من لاعبي الكاراتيه في المركز لهذا السبب هم من سن 4 إلى 9 سنوات. وأصبح من الصعب الآن أن يبدأ شاب اللعب في سن كبيرة لأن المنافسة أصبحت قوية وتحتاج بدء التدريب من سن صغيرة، ولكن هناك استثناءات لو كان شاب عنده استعدادات استثنائية أو في الأندية التي لديها ترف وجود مدربين كثر للفئات السنية المختلفة لتتحمل وجود مبتدئين في كل سن.
المتميزون الذين يحصدون البطولات يواجهون خيارا صعبا، ولكن يحسمه مدى تميز تعليمهم في مقابل تميزهم في الكاراتيه. يقول يقين أن كل الذين يلتحقون بكليات الطب والهندسة يتركون الكاراتيه تماما، حتى كريم شريف بطل العالم في الكاراتيه تركه عندما أصبح ضمن هيئة تدريس كلية الطب بالقصر العيني. ولكن هناك استثناءات فردية، فيذكر أن مهندسا ترك الهندسة رغبة في احتراف تدريب الكاراتيه ويضيف يقين أنه أحيانا ما يدر ذلك دخلا أعلى لو كان المدرب متميزا ومشهورا في أوساط اللعبة، يمكنه أن يدرب في أكثر من ناد وصالات خاصة بالإضافة للتدريب في المنتخب.
يظل الاستمرار في ممارسة الكاراتيه واحترافه فرصة أكثر للفئات التي تمثل الهامش وتفتقد الفرص الواسعة. يعتبر يقين كون 15 لاعبا من أصل 20 في منتخب مصر في الكاراتيه من الأقاليم و5 فقط من القاهرة هو مؤشر على جاذبية اللعبة في الأقاليم التي تفتقد الفرص بالمقارنة بالقاهرة. وفي بعض المحاقظات لاحظ يقين الوجود الكثيف لإعلانات على الحوائط والأسوار عن مدارس تعليم الكاراتيه.
لا يزال يقين فؤاد يصيغ أطروحته بشأن ممارسي لعبة الكاراتيه ولكن هناك انطباع عام وصله خلال بحثه وهو انطباع يصله أيضا من حياته اليومية أيضا: "هناك حالة عامة من الإحساس بعدم الأمان تحرك خيارات الجميع بشكل ملحوظ".
قد يبدو ذلك مثيرا للدهشة فيما يتعلق بأبناء رياضة قتالية، وقد يبدو متسقا مع كونها طريقهم إلى الثقة والأمان. ولكنهم معظمهم يعتبرون أن اللعبة نفسها تعاني من التجاهل رغم إنجازاتها. يقول أشرف الجزار أن مصر في نوفمبر الماضي احتلت المركز الثالث في بطولة العالم للكاراتيه، وفازت فتاة من مركز شباب روض الفرج بالمركز الثاني في وزنها بينما كان الجميع مشغولين بالمعركة الكروية بين مصر والجزائر. ولكنه على كل حال متفائل بالصالة الجديدة الأكبر التي لا تزال تحت التجهيز والتي خصصتها إدارة مركز الشباب للكاراتيه لكي تستوعب الأعداد المتزايدة من اللاعبين كل عام.


نشر في "الشروق" الخميس 8 يوليو 2010
PDF

تصوير: محمود خالد

هناك تعليق واحد: