الأربعاء، 28 أبريل 2010

ليلة واحدة من النجومية



الاحتفاظ بلحظات الليلة المميزة التي تسلط فيها الأضواء على العروسين وتطاردهما العيون والكاميرات، هي مهمة مصوري ومعدي فيديو الأفراح، الذين يوازنون بين رؤيتهم لمهنتهم وتصورات كل طبقة وفئة عن ليلة العمر وكيف يجب أن تكون.

"الشعبي" في برواز فاخر

يمر العروسان في الحارة الضيقة الموصلة إلى الساحة الأوسع بين البيوت. حولهما زحام الأهل والأقارب والمعازيم وضجة الزفة. يصعدان إلى المسرح ويجلسان في الكوشة.
في الشاشيتن الموضوعتين على جانب المسرح تظهر صورتيهما وسط برواز ألوانه بهيجة على خلفية وردية مكتوب عليها: مبروك للعروسين. في الفيديو الذي سيشاهده العروسان فيما بعد ستكون أغنية فيلم "تيتانيك" الشهيرة لسيلين ديون في الخلفية بدلا من ضجة الزفة. مشهد التوك توك الذي أوصلهما إلى مدخل الحارة ستتبعه صورة مرسومة لسيارة فخمة وضخمة تقف أمام مدخل قصر كقصور ألف ليلة وليلة، من أكبر أبوابه تظهر الصورة الحقيقية للعروسين وهما يصعدان إلى المسرح.
"أطيب الفن أكذبه" يقولها أحمد صالح بعناية معتبرها أساس عمله. يجلس صالح، صاحب وحدة فيديو صالح بقرية الجوادية التابعة لمركز طلخا بالدقهلية، على جهاز الميسكر Mixer بجوار المسرح وأمامه الشاشات المتعددة التي يختار من بينها الصورة التي تظهر على شاشتي المسرح. على رأسه السماعات وعلى فمه المايك ليتحدث مع المصورين الثلاثة الذين يتحركون فوق المسرح وبين المعازيم. بين حين وآخر يركب صالح صورا للعروسين أو لوالدي كل منهما على خلفيات ورسومات جاهزة متاحة لديه.
يقول أحمد صالح: "كلما كان الأمر أبعد عن الحقيقة وفيه خيال يعجب الناس. مثلا صورة السيارة الفخمة غير المتاحة. وصورة القصر قبل أن يدخلا المسرح المقام في الشارع".
افتتح أحمد صالح وحدة الفيديو عام 1986 عندما كان لا يزال طالبا في كلية التربية النوعية. مقر الوحدة في قرية الجوادية ولكنها تنتقل لتصور الأفراح في محيط واسع حولها. يضع بعض مصوري الوحدة لقطات فيديو من بعض الأفراح على يوتيوب على سبيل الدعاية ومعها تليفون الوحدة. اللقطات من الأفراح التي شهدت حضور نجوم شعبيين مثل شعبان عبد الرحيم وعبد الباسط حمودة وغيرهم.
يقول أحمد صالح:”طبعا عندما يكون هناك فرقة أفراح مميزة أو نجوم الأغنية الشعبية نركز عليهم وعلى فقراتهم. يحب أهل العروسين أن يوثقوا أنهم كلّفوا الفرح وأتوا بنجوم".
يضيف صالح أن العروسين وأهلهما يطلبان الآن أيضا تصوير الشقة وتأثيثها لتضاف إلى مقدمة فيديو الفرح. عادة ما يذهب مصور مع العروسين إلى الشقة بعد خروجهما من الكوافير.
يضحك صالح وهو يقول:”هناك أحيانا طلبات غريبة. إذا كان أهل العريس هم من يدفعون يطلبون أحيانا التركيز عليهم والعكس صحيح. وأحيانا يطلب الأهل تصوير الجاموسة أو البقرة التي سيذبحونها لتقديمها إلى المعازيم".
يهتف النوبتجي في الفرح بأسماء من حيوا ونقطّوا العروسين. يتابع أحمد صالح على الميكسر ما يحدث ويضع صورة العروسين في لقطة قريبة داخل برواز على خلفية بها ورود ويكتب عليها اسم من حياهم لتظهر الصورة النهائية على شاشات العرض في المسرح.
يقول أحمد صالح:”يجب أن يكون الجالس على الميسكر مواكبا لما يحدث ويقال على المسرح. أيضا إذا غنى المطرب مثلا عن زمن الوحوش أضع صورة أسود ونمور. إذا غنى عن بحر الهوى أضع صورة بحر. هذه الأشياء تعجب الناس وتعطي لمسات فنية".
يحفظ أحمد صالح عن ظهر قلب الفقرات التي يؤديها المطربين المعتادين في أفراح المنطقة ويكون مستعدا بالصور المناسبة: "زمان كان الجالس على الميسكر يضطر لاستعمال شرائط كثيرة في كل منها خلفية واحدة. لكن الآن هناك كارت هندي يوضع في الجهاز ويوفر خلفيات كثيرة. الهنود أيضا جعلوا هناك قسما خاصا سموه أفراح المصريين. مجهز بخلفيات لأشياء مصرية مثل الأهرامات وأبو الهول والنيل ومكتوب عليها عبارات جاهزة مثل: ألف مبروك للعروسين، خطوبة سعيدة وهكذا".
ولكن بخلاف الخلفيات والإطارات الجاهزة، هناك تقليد معتاد يطلبه كل عروسين وهو التصوير فوق كوبري بسنديلة العلوي، الكوبري الوحيد في مجموعة القرى المحيطة بالجوادية. يقف العروسين فوق أعلى نقطة في الكوبري ليبدو من خلفهما امتداد الترعة الصغيرة التي يسميها أهل المنطقة "بحر بسنديلة".
يحاسب أحمد صالح مصوريه على اللقطات المميزة الضرورية لشريط الفيديو، التي منها المشاهد القريبة للعروسين، فستان العروس وتفاصيله وذهبها، صور أهالي العروسين، المعازيم المهمين من الوجهاء والمسئولين.
يقول أحمد صالح:"بخلاف الأفكار التقليدية التي ترضي العلائلات، الشباب يتابعون الأفكار الجديدة ويجب أن نواكب ذلك. الآن يطلبون تصوير كليب يعرض قبل الفرح على شاشة العرض ويكون ذكرى لطيفة".
قبل الزفاف بأيام على شاطيء جمصة، يقف أحمد صالح ومصور مع عروسين في كامل هندامهما يقومان بتمثيل بعض المشاهد اللطيفة التي تبدو رومانسية ومرحة. قد يحاول استعمال بعض الخدع. يوقف التسجيل ويثبت الكاميرا ليتحرك العريس خارجا من الكادر ثم يعيد التسجيل لكي يبدو ذلك في الفيديو فيما بعد اختفاء مفاجئا للعريس. تبحث العروس عنه حتى تجده مع ذورة الموسيقى الرومانسية أو الشعبية الفرحة.
يبدو أن فكرة الكليب الذي يصور قصة تحكي كيفية لقاء العروسين أو تصور مشاهد من علاقتهما انتقلت من تقاليد الطبقات الوسطى فما فوقها إلى الطبقات الشعبية والريفية.

في دكان صغير بالجوادية يجلس أحمد صالح أمام الكمبيوتر الذي يتم به عملية المونتاج:"في المونتاج نداري أي عيوب في الصوت والصورة. نصنع سيناريو لفقرات اليوم المتتالية. نراعي طلبات الزبون لو له طلبات". يضحك قائلا أن العريس أحيانا ما يكون طلبه هو حذف صورة واحد من المعازيم لأنه يكرهه ولا يريد أن يراه في شريط الفرح.
أحيانا ما تكون مهمة صالح هي حذف بعض الكلمات أو الحركات "البذيئة" من راقصة أو مطرب لكي لا تضايق أهل العروسين عند مشاهدة الفيديو.
خلف ظهر صالح تبدو على الأرفف العديد من شرائط الفيديو التي تراكم عليها تراب:"لا زال الناس يطلبون شرائط فيديو والقليل يطلب اسطوانات CD والبعض بدأ يطلب مؤخرا تحويل الفيديو إلى صيغة تسمح بمشاهدته على الموبايل. ولكن هذا في حالة أنه دفع لنا أجرنا !".
يشير صالح إلى الأرفف خلفه ويقول أن النصف الأيسر منها- الذي يحوي قرابة م ائة شريط- هي شرائط أفراح لم يسدد أصحابها أجر التصوير ولم يأتوا للحصول على الشريط! يتعجب صالح قائلا أن أجرهم يبدأ من 70 جنيه إذا كان الفرح "على القد" ونصوره بكاميرا واحدة، وقد ترتفع التكلفة إلى 2000 جنيه في الأفراح الحاشدة مع أكثر من مصور وتجهيزات مسرح وليزر، ويضيف أنه قد يعطي الشريط للبعض إذا دفع فقط تكلفة الشريط الفارغ، ويعتبر ذلك "جميلا" في رقبة العائلة التي ينتمي إليها العريس. بعض العائلات تأخذ شريط الفيديو وتطلب منه الانتظار حتى يتم تقسيم "النقوط" لكي تعطيه أجره، البعض يقولون ذلك ولا يدفعون أبدا. يبتسم أحمد صالح :" لا مشكلة. بعض الأفراح تعوض بعضها".


المرح أكثر فخامة

ينفتح باب القاعة الفخمة، فيدخل العروسان وهما يهرولان على موسيقى سريعة مرحة. العروس ترتدي فستانا بسيطا يسمح لها بذلك. يدخلان إلى وسط القاعة وحدهما ليؤديا الرقصة الأولى معا. لم تكن كما هي العادة هادئة على موسيقى حالمة، بل تابعت نفس الموسيقى السريعة المرحة.
الكاميرات تدور معهما، تقترب لتلتقط فرحتهما وتبتعد لتظهر في خلفيتهما جمال وأناقة القاعة ودائرة المعازيم.
إيقاع الفيديو سريع ومتتابع وينتقل سريعا لينقل ثوان من معظم فقرات، المونتير محمد عبد الظاهر في شركة "ديجيتال فيجن" Digital Vision يشرح: "نقوم دائما بعمل فيديو قصير ( ديمو Demo ) يلخص الفرح، لأن العروسين لن يعرضا على أصحابهما وأقاربهما الفيديو الكامل لحفل الزفاف والذي قد يكون 6 ساعات مثلا".
تسود روح المرح الفيديو القصير على أغان أجنبية وعربية سريعة، وصورته عالية الجودة HD يقول طارق البدري، المدير العام للاستديو: "نحن نتعامل مع شريحة معينة لديها تصور معين عن الجودة وتوقع لتكلفة ذلك. بالإضافة للأفكار الجديدة دائما التي يجب أن نواكبها بالتكنولوجيا الحديثة".
في المقر الفخم ذي الواجهة الفضية في مدينة نصر يستقبل موظفو التسويق والمبيعات العملاء للتعرف على طلباتهم وإذا كانت هناك طلبات تفصيلية تخص فيديو الفرح فإنهم يتلقون مع هاني شانة، مدير التصوير بالاستديو الذي يحاول التعرف على أفكارهم وتطويرها معهم: “دائما يريد العميل أن يظهر كل شيء وكل تفصيلة. ولذلك من المهم جدا لفريق التصوير أن يعرف بدقة برنامج الفرح ومواعيد كل فقرة وحركة لكي يمكنه التقاطها بالشكل المناسب".
فريق العمل في الفرح يتكون من مخرج ومساعد مخرج، يكونان عادة أمام شاشات جهاز الميكسر Mixer لتوجيه المصورين ومساعديهم وعمل المونتاج الحي لما سيظهر عل شاشات العرض في القاعة.
يكمل هاني شانة:"تصوير تجهيزات القاعة واستعدادات العروسين في البيت أو الكوافير مهمة جدا لعرضها في بداية حفل الزفاف. يحب الناس أن يروا ما وراء المظهر الجميل والفخم والتفاصيل الجميلة من عناية وتعب".
إظهار التفاصيل والعناية بها لا يجب أن يكون بشكل فج وكأنه يريد إثبات يسر الحال، ففي رأي طارق البدري أن تركيز التصوير على بعض الأشياء وأنواع الطعام قد يكون مناسبا لفئات متوسطة تريد أن توحي بالثراء، بينما الفئات الثرية بالفعل لا تحتاج لذلك فيكفي المشهد العام للمكان أو للناس ليقول ذلك وحده.
بالنسبة للفئة التي يتحدث عنها طارق البدري فتفكير العملاء يكون موجها معظمه للظهور بشكل مرح ومبتكر. ويلبي الاستديو ذلك باللجوء لأفكار من نوع تصميم بوستر يجمع العروسين يشبه بوستر الأفلام ويوضع على مدخل القاعة أو مكان الزفاف، بالإضافة لطباعة مجلة فيها تفاصيل عن علاقة العروسين وشخصيتهما، ويتم توزيعها على المعازيم.
هناك إقبال أيضا على تصوير كليب مرح يعرض للعروسين يصور قصة لقائهما الحقيقية أو المتخيلة.
فريق تصوير من ستديو "ديجيتال فيجن" كان في إحدى المدن الجديدة يصور فيديو كليب لعروسين قبل الزفاف بأيام. ورغم الخلفية التي تبدو فيها الفيلات الفاخرة، فإن العروس تخرج بجلباب بلدي مقلم وعلى رأسها منديل مطرز. تسير بدلال على موسيقى أغنية "إيه الأساتوك ده" لحمدي باتشان. يظهر شاب ذو جسم رياضي ويبدأ في مضايقتها لفترة، حتى يأتي ساعي بريد على دراجة ويقف بجوارهما ويشتبك مع الشاب الرياضي ويغلبه رغم الفارق الواضح في الحجم. ساعي البريد، الذي نعرف الآن أنه العريس، ينفض ملابسه ويأتي بدراجته ويمشي بجانب العروس ويتبادلان الحديث الودي. ينتقلان إلى حديقة إحدى الفيلات والعريس يغازل عروسه التي تتدلل فحسب هذه المرة وحمدي باتشان يغني: "كلّمني .. فهّمني".
يضيف طارق البدري:"أيضا يجب أن نكون على استعداد لتلبية الرغبات في إقامة الزفاف في أماكن وأوقات غير تقليدية. هناك اتجاه كبير الآن للزفاف النهاري. والزفة دائما غير تقليدية". بالإضافة لذلك قد يضطر لمحاولة تلبية طلبات وأفكار بالغة الغرابة وقد تكون صعبة.
يبتسم طارق وهو يتذكر أن عروسا طلبت أن يتم تصويرها مع أسد حقيقي في المسرح الروماني في مارينا ويضيف:"يجب أن ألبي كل طلبات العملاء أو على الأقل أبدأ في ذلك وأحاول النقاش معهم لتطويرها أو تعديلها بشكل يبدو لي جيدا كمحترف ومرضٍ لهم كعملاء".
في الكثير من أفراح الفئات المتعاملة مع الاستديو يكون هناك مسئولون أو شخصيات عامة بارزة، وأحيانا تكون هناك تعليمات بشأن التعامل مع صورتهم بشكل لائق. أيضا النجوم ومشاهير الفنانين يحرصون عل التنسيق مع مخرج الفرح. يقول طارق البدري:"المطربون يحرصون أكثر على جودة الصوت والتأكد من خروج أصواتهم بشكل ملائم في فيديو الفرح، والممثلون يهتمون أكثر بوضعهم أمام الكاميرا وصورتهم في كل لحظة".
المزيد

الخميس، 15 أبريل 2010

الأخوات المسلمات .. ظل الجماعة


رغم قلة الوجوه النسائية عموما في الأوساط السياسية، إلا أن جماعة الإخوان لديها قسم ضخم من الكوادر النسائية وزوجات الإخوة وبناتهم. وباستثناء التظاهرات الحاشدة فهن في العادة بعيدا عن دائرة الضوء إلا من محاولات قليلة وراءها تململ بعض الأخوات وارتفاع أصواتهن بالشكوى.

من حماسة السبعينات إلى تململ الألفية

أثناء دراستها للطب في جامعة القاهرة منتصف السبعينات، كانت "الجماعات الإسلامية" في أوج ازدهارها. تحكي أم عبد الرحمن عن ذكرياتها آنذاك: المعسكرات التي حاضرهم فيها محمد الغزالي وزينب الغزالي والنشاط الكبير لكوادر جيل السبعينات في الإخوان، دراسة كتب سيد قطب وأبو الأعلى المودودي عن الدولة الإسلامية.
تقول أم عبد الرحمن:”كانت الطالبات يرجعن إلى بيوتهن بعد انتهاء أوقات المحاضرات في المعسكرات بينما يبيت الطلبة". تقول أنه في ذلك الوقت كان الكل يعمل تحت مسمى "الجماعات الإسلامية" في الجامعة. والطالبات كانوا أبعد عن التمايزات التنظيمية. زوجها الذي كان أيضا طالبا للطب في نفس الفترة قال لها في الثمانينات أنه من الإخوان. تضحك وهي تقول:”كان وقتا عصيبا. والقيادات وقتها لم يكونوا يثقون بالنساء".
انتقلت مع زوجها إلى باكستان للعمل في الأغاثة الإسلامية وقت حرب أفغانستان ثم إلى إحدى دول الخليج ومن ساعتها والأسرة تعيش بين الخليج والقاهرة.
تقول: "في حلقات النساء في باكستان لم يكن الجانب التنظيمي واضحا عند النساء. كان الانتماء أقرب للإسلامي العام. ولم تكون هناك مسئولات حتى على حلقات النساء. لأن كثيرين كانوا يعتقدون أنه لا تجوز أن تكون المرأة أميرة أو قائدة ولو على نساء. في الدولة الخليجية ثم في مصر كانت هناك حلقات الأخوات التابعة للإخوان المسلمين. وأصبحت مشرفة على حلقة منهم لأنني زوجة قيادي".
كان ذلك في أوائل التسعينات، بدأت أم عبد الرحمن الإشراف على بعض الأخوات تربية وتثقيفا عبر كتاب "رياض الجنة" المتعدد الأجزاء للمستويات المختلفة، وهو البرنامج المعتمد في الجماعة لحلقات الأخوات.
تقول أم عبد الرحمن أن "رياض الجنة" يحوي أساسيات العقائد والأخلاقيات الإسلامية والأحكام الفقهية والسيرة وغيرها، بالإضافة لجانب تطبيقي تربوي. ترى أم عبد الرحمن أن "رياض الجنة" لا يمثل إلا حدا أدنى من الثقافة الإسلامية. بعض حلقات النساء تكتفي به والبعض تزيد عليه بحسب شخصية المشرفة. وتنتقد فيه الجزء التطبيقي التربوي الذي يكون على شكل تقارير تملأ عن الحالة الإيمانية والأخلاقية لكل أخت:”هناك ِأشياء قلبية وأخلاقية لا يمكن اختزالها بهذا الشكل".
أثناء تجربة إشرافها على حلقة نساء، بدأت تتململ من إشراف الرجال على المشرفات، بل وإحساس الأزواج والآباء أنهم فوق المشرفة على نسائهم وبناتهم:”بعض الأزواج والآباء كان يسأل الزوجة والبنت عما درسته في الحلقة وبيدي اعتراضه على ما لا يعجبه من آراء".
زاد الأمر عندما كانت أم عبد الرحمن أوغيرها تنتقدن بعض تفاصيل التنظيم، فكانت تواجههم كليشيهات "ضرورة السمع والطاعة"، كما أنها حاولت تطوير خطابها في 2005 وقت خوض الإخوان للانتخابات البرلمانية الأخيرة بالتأكيد على الطابع الوسطي المنفتح للجماعة، فواجهت انتقاد بعض المسئولين في الجماعة :”دائما التنظيميون أكثر تشددا من الباحثين والأكاديميين ومفكري الجماعة".
بدأت أم عبد الرحمن تضيق أحيانا بالجانب التنظيمي الذي رأته أقرب للميل العسكري منه لجماعة مدنية، كما أن أعباء الإشراف على حلقة نساء بما فيه من فصل في منازعات وحل لمشاكل اجتماعية بدأ يرهقها فاعتذرت عن ذلك وابتعدت عن حلقات النساء نهائيا.
لاحظت أم عبد الرحمن تحولا في التعامل مع "الميل السلفي" عبر مسيرتها. ففي الثمانينات اهتم الإخوان بالتمايز عن الجماعات العنيفة ذات الطابع السلفي وكانوا لا يحبذون النقاب ويؤكدون على ضرورة كون الداعية تقدم واجهة مشرفة للإسلام الوسطي وتتواصل بكفاءة مع الجمهور. ولكن فيما بعد لاحظت أن سطوة الفضائيات السلفية تلقي بظلالها على اختيارات النساء عموما ونساء الإخوان أيضا فانتشر النقاب بينهم بعض الشيء. غيّرت أم عبد الرحمن مع الوقت بعض أفكارها عن النقاب – الذي ارتدته في الجامعة لا زالت ترتديه بحكم التعود- وأيضا التعامل مع الفنون والاختلاط مع الجنس الآخر ولكنها تلمس تراجعا في الميل الوسطي بين قطاعات مختلفة داخل الإخوان وإن كان ذلك متفاوتا بحسب المستوى الاجتماعي والثقافي داخل الجماعة الكبيرة.
ما زالت أم عبد الرحمن تقدر أهمية حلقات النساء في جانبها الاجتماعي بين نساء الجماعة: “في المدن بالذات تشكل تلك الحلقات مجتمعا للتواصل والتكافل لا يمكن الاستغناء عنه عند الغالبية. في الريف من الصعب أصلا أن تخترق حلقات النساء الروابط القريبة للعائلات ولذلك هي ليست منتشرة هناك".
تقول أن ابنتها الكبرى لا تزال تقدر أهمية الحلقات في جانبها الاجتماعي وإن كانت أكثر استقلاية فكريا، في حين أن ابنتها الصغرى تململت من أن هذه الحلقات تجعلها دائما داخل مجتمع الإخوان بينما تريد هي أن تصادق وتعرف أناسا آخرين "عاديين". تضيف: “ربيت أبنائي على الانفتاح على الآخر عموما ولهم أصدقاء ليسوا إخوان. ولكن الأطفال والشباب ينفرون بطبعهم من تلك الأشياء النظامية الأقرب للمدرسة".
لبنى، الابنة الكبرى، باحثة في العلوم السياسية وتعمل صحفية في موقع إسلامي، تخرجت مؤخرا من كلية الإعلام. تحكي أنها ظلت فترة طويلة بعيدة عن حلقات الأخوات وأي نشاط لهن. عملها في الموقع الإسلامي في وسط مثقف أكثر كما تقول كان مشبعا لها عن أجواء الحلقات التي لا جديد فيها فكريا وتثقيفيا. تبتسم لبنى وهي تقول "أحيانا كنت أنقطع وأعود فأجدهم يدرسن نفس الجزء من رياض الجنة لأن عضوات جديدات أتين. أفكر أن ما دعاني للعودة إلى الحلقات هو الجانب الروحاني والإيماني أكثر” تقول لبنى " البنات لا يذهبن للمساجد عادة. ولذلك قد نفتقد بعض الروحانيات التي لا يمكن الحفاظ عليها إلا بين جماعة ما". تضيف أيضا أن الجانب الاجتماعي مهم جدا إذا كنت قد نشأت في أسرة إخوانية: “ساعتها يكون لديك مجتمع قريب وباقي الناس يظلون لفترة طويلة "ناس عاديين" أو آخرين. عندما تنفصل عن الحلقات والأنشطة تنفصل عن هذا المجتمع القريب. عندما عدت اكتشفت أن بعضهن تزوجن وبعضهن أنجبت وغير ذلك".
تتذكر لبنى أيضا أن أحد أسباب انقطاعها عن حلقات الأخوات التي تعرف في الأدبيات الإخوانية بـ"الأسرة" هو أن معظم الحلقات صباحية لأن الأخوات المسئولات لا يستطعن في الغالب الإشراف على حلقة مسائية لكي يتمكنّّ من رعاية أزواجهن وأسرهن. ولذلك قد تجد الأخوات العاملات صعوبة في العثور على حلقة مسائية.
تلعب الحلقات أيضا دورا مهما بالنسبة للفتيات فهي أساس ترشيحات الزواج وسط المجتمع الإخواني الذي لا تتاح فيه فرصة للاختلاط بين الشباب والفتيات.
تقول لبنى: “لا توجد أنشطة مشتركة اللهم إلا المحاضرات العامة في جمعية أو مركز ويجلس الرجال في جانب والنساء في جانب" تبتسم وهي تضيف: “حتى في الجامعة كنا نتعامل مع زملائنا الذكور من غير الأخوان بينما كان هناك بعض الحرج والحساسية من الزملاء الإخوان رغم أنهم أقرب إلينا فكريا. في كلية الإعلام كانت الإخوات أكثر عددا من الإخوة. ولم نتعرف على الشباب الإخوان في دفعتنا إلا عندما في نهاية العام الدراسي الأخير عندما انضموا إلينا في مشروع التخرج".
تلاحظ لبنى على خلاف ما يقال أن هناك تململ من الطابع المحافظ للإخوان بين بناتهم. وترى أنهم أبعد عن الميل السلفي:"في الحلقة التي كنت أحضرها كانت هناك مجموعة من البنات المتمردات اللاتي كن يناقشن كل شيء ابتداء من ضوابط الزي إلى ضرورة حضور بعض اللقاءات التنظيمية".
وتحكي أيضا أن مجموعة قريبة منها في الجامعة كانت تضم أربعة صديقات يسكنّ في شبرا الخيمة: "التقيتهن من فترة قريبة. ثلاث منهن ارتدين النقاب وواحدة فقط ظلت بحجابها العادي الملتزم. الأخيرة فقط هي الإخوانية المنظمة. والثلاثة ملتزمات بشكل حر". تضيف أن الأخوات اللاتي يتلقين مناهج فكرية وتربوية فيها رغم كل شيء إطلاع على مدراس فقهية وفكرية متنوعة يكن أبعد عن السلفية التي تضيّق الخيارات. وترى أن الميل السلفي بين النساء يزداد بالفعل لكنه أقل كثيرا بين نساء الإخوان المنظمات وبين أجيالهن الجديدة المفتحة على وسائل الاتصالات الحديثة.



بعيدا عن الواجهة ولكن ليس على الهامش

"والدي الكريم، أنا باقية ان شاء الله في هذه الدعوة شاء من شاء وأبي من أبي، وأسأل الله الثبات حتي الممات ، ولكن هناك سيدي بعض الاشياء والمشاكل التي بح صوتنا من الحديث عنها ورفع الشكوي بها ولم نري استجابة او تفاعلا معها" هكذا افتتحت د. رشا أحمد، المدرس بكلية الطب مقالها أو رسالتها التي وجهتها للمرشد العام للإخوان. نشر المقال قبل أكثر من عامين على مدونة "أمواج في بحر التغيير" بعنوان "موجة نسائية"، وتضمن عرضا لأهم لشكاوى الأخوات داخل الإخوان المسلمين.
تتركز شكاوى د. رشا على ضعف الجانب الفكري والتثقيفي فيما يخص متغيرات العالم والسياسة. بالإضافة إلى عدم توظيف النساء في مواقع دعوية وتنظيمية كثيرة، فضلا عن حرمانهن من حق التصويت في الانتخابات الداخلية للجماعة.
رغم أنها تصف نفسها بـ"المعارضة" داخل الجماعة، إلا أن د. عبير عبد المنعم، الأستاذة الجامعية بإحدى جامعات الصعيد والناشطة في المجتمع المدني، تدافع بشدة عن وضع الأخوات داخل الجماعة وفي الوقت نفسه لا تنكر وجود مشكلات.
“البرامج التربوية فعلا غير مرضية" تقول د.عبير " ولكن هناك تطوير دائم لها، ليس على الوجه المأمول ولكنها في النهاية حد أدنى يمكن للأخوات أن يزدن عليه بأنفسهم".
وفي حين ترى زهراء النجار، الطالبة بجامعة الأزهر والمدوِّنة والناشطة الإخوانية، أن القصور هو في الجانب الفكري العام المواكب للمتغيرات، ترى د.عبير أن الجانب الفكري مفتوح ومتنوع وأن برامج التربية تضع أساسيات المنهج الإسلامي وتترك ما هو متغير للاجتهاد، وتقول :”كان جيلي يرجع لأمهات الكتب الشرعية. ولكن الأجيال الجديدة تجد صعوبة في ذلك وهذه البرامج تحاول تبسيط أوليات العلوم الشرعية".
ولكن المشكلة من وجهة نظر د.عبير والتي تطالب بتغييرها أن من يكتبون هذه المناهج كلهم رجال: “هناك لهجة ذكورية واضحة. لا تتفهم طبيعة المرأة. ولذلك هناك نقص في جوانب قد تهم النساء أكثر مثل كيفية التعامل مع المشكلات الزوجية مثلا".
ولكن كلا من د.عبير وزهراء ينكران أن ذلك يؤثر على دور النساء أو يهمشهن. بل تريان أن مشاركة النساء في الإخوان موجودة وفاعلة ولكن يحدها من جانب القمع الأمني الذي يدفع النساء للتراجع خطوات وراء الرجال أو هي ثقافة المجتمع المفروضة على الجميع والتي تجعل للمراة في أوساط كثيرة أدوارا مختلفة عن أدوار الرجل.
ترد د.عبير عبد المنعم على طلب بعض النساء حق الوجود في مكتب الإرشاد مثلا: “هانطلع نعمل إيه فوق؟! الجري وراء شعارات تحرير المرأة سيضيعنا. لماذا يجب أن نتذمر من قيادة الرجال؟ أنا رئيسي في الجامعة رجل، هل يجب أن أتذمر؟ مشرف قسم الأخوات ينقل كل مطالبنا وملاحظاتنا وصوتنا يصل لأعلى مستوى. وأنا أتحدثى مباشرة مع المرشد العام بلا حرج". في المقابل ترى أنه لا تتحمل أعباء عمل إداري تنظيمي في قيادة الجماعة إلا أرملة أومطلقة، بسبب تبعات الوقت والسفر. بالإضافة أنه في رأيها لا يتحمل أي مصري اعتقال زوجته أوابنته.
تختلف معها لبنى عبد الحميد، الباحثة والصحفية ذات الانتماء الإخواني، وتقول أن التاريخ الإسلامي شهد عذابات نساء بسبب تصدرهن للدعوة، ولكنها تتفق مع الرأي القائل أن النساء الإخوانيات لسن على الهامش بلا نشاط ولكنهن فقط بعيدا عن الواجهة وعن تبعات الظهور.
ترى زهراء النجار أن ترشح جيهان الحلفاوي ومكارم الديري في الانتخابات البرلمانية كمرشحات للإخوان كان بداية جيدة لبروز رموز نسائية في ساحة السياسة، ولكن د.عبير ترى غير ذلك: “كانت تجارب فاشلة جدا أشك أن كلاهما ترغب في تكرارها. الظروف كانت استثنائية. جيهان الحلفاوي كانت جدة وأعبائها قليلة. بيوت الإخوان تديرها الأخوات، لأن الأخ بين عمله ومهام دعوته أو يكون معتقلا. لا يجب أن ننقاد وراء الغرب بلا تفكير، نحن هنا لدينا أسر وأعباء تربوية يجب أن نقوم بها".



الأخ رئيس قسم الأخوات

في إبريل 1932 صدرت لائحة تنظيم "فرقة الأخوات المسلمات" في جمعية الإخوان المسلمين التي تأسست في الإسماعيلية آنذاك. وذلك بعد ازدهاء مدرسة "أمهات المؤمنين" الملحقة بمعهد حراء الإسلامي التابع للجمعية. وبحسب الموقع الرسمي للجماعة، فإن الغرض من الفرقة "التمسك بالآداب الإسلامية والدعوة إلى الفضيلة وبيان أضرار الخرافات الشائعة بين المسلمات"، و" رئيس الفرقة هو المرشد العام لجمعيات الإخوان المسلمين، وتتصل بأعضائها وكيلة عنه تكون صلة بينهن وبينه".
وبعد انتقال إدارة جماعة الإخوان المسلمين إلى القاهرة تكونت فرقة الأخوات المسلمات بالقاهرة، واختيرت السيدة لبيبة أحمد رئيسة لها، ولفرق الأخوات بكل من الإسماعيلية وبور سعيد.
كانت لبيبة أحمد من الناشطات مع هدى شعراوي ونبوية موسى إبان ثورة 1919. ولكن بعد تأسيس شعراوي للاتحاد النسائي في 1923، الذي رأته لبيبة أقرب للأفكار الأوروبية، قامت هي بتأسيس "جمعية نهضة السيدات المسلمات" ذات الطابع الإسلامي. وبعد اضطرار لبيبة أحمد للانتقال إلى المملكة السعودية تأسست في 1944 لجنة إرشاد للأخوات المسلمات رأستها السيدة آمال عشماوي.
زادت لجان النساء بالإخوان المسلمين حتى وصل عددها 50 لجنة في 1948 ثم 150 لجنة في 1951. ومع تزايد حجم الجماعة تم تعديل اللائحة ليسند الإشراف على قسم الأخوات للمرشد العام رأسًا، وله أن ينتدب من الإخوان العاملين سكرتير اتصال لتنظيم الأعمال الإدارية بالقسم ويتصل السكرتير بالأخوات في شُعب الجماعة. ولا يزال قسم الأخوات حتى الآن يرأسه أخ مشرف من أعضاء مكتب الإرشاد يتولي الاتصال بالأخوات.
من مشاهير الأخوات المسلمات الداعية زينب الغزالي، التي رفضت في البداية الانضمام إلى الأخوان بعد تأسيسها جمعية "السيدات المسلمات" عام 1937، ولكنها انضمت للجماعة عام 1948 بعد صدور قرار بحلها. تعاطفت في مع حركة يوليو 1952 في بداياتها ولكن توترت العلاقة بعد قمع الإخوان ومحاكماتهم، وتروى في مذكراتها أنها رفضت لقاء جمال عبد الناصر، ورفضت محاولة ضمها وجمعيتها ومجلتها إلى الاتحاد لاشتراكي، فصدر قرار بحل الجمعية وإيقاف المجلة في 1964. وتم اعتقالها في 1965.



نشر في "الشروق" الخميس 15 إبريل 2010
PDF

المزيد

الثلاثاء، 13 أبريل 2010

أحلام الدرجة الثالثة

ماذا ستفعل اللائحة الحديثة في مراكز الشباب العتيقة؟



منذ صدور اللائحة الجديدة لتنظيم مراكز الشباب نهاية العام الماضي، لا تزال بعض المراكز تنتظر بقلق توضيحات وتفسيرات بشأن ما قد يؤثر على فرصة ملايين الشباب في التمتع بمساحة رخيصة لممارسة الأنشطة.


انتهت المباراة بين فريقي "مركز شباب البدرشين" ونادي "عادل نصّار" بهدف لكل منهما. الجمهور القليل الذي أحاط بالملعب في مركز شباب مدينة البدرشين كان أكثر ابتهاجا بنهاية المبارة. أول ما خرج الفريقين من الملعب الذي تبدو به بعض آثار لنجيلة قديمة، حتى احتله الشباب والكهول وقسموه أجزاء إلى ملاعب صغيرة وجرت في الملعب كرات كثيرة.
يحتل ملعب كرة القدم معظم مساحة مركز شباب البدرشين، والمساحة الترابية حوله احلتها منذ ساعات من سبقوا إلى المركز بعد صلاة الجمعة مباشرة.
يضحك خالد البغدادي، مدير المركز:"قريبا سيدخلون إلى مكتبي ويحولونه لملعب كرة". لا ينتهي من جملته حتى يدخل كهل بدون استئذان وبعشم كبير يمازح البغدادي: "مش عيب ما نلاقيش كرة نلعب بها؟!" ويطلب كرة حالا ليبدأوا المباراة. يبادله البغدادي المزاح بود ثم يقول له أن كرة ستكون عنده حالا. بعدما يخرج يقول: "المدينة كلها عائلات وكلنا نعرف بعضنا. والأستاذ من قدامى المترددين على النادي مع مجموعة خاصة يلعبون معا دائما، حتى أن لهم مكانا محددا للعبهم يوم الجمعة يعرفه الجميع".

يمتليء المركز بالنشاط كل جمعة، باعة ترمس وعصائر يدخلون إلى المركز ليببعوا للشباب والأطفال الذين ينتظرون مكانا ليبدأوا اللعب.
يعلق محمد المتناوي، العضو الشاب في مجلس إدارة المركز: "المركز مفتوح للجميع، لا أحد على البوابة المفتوحة يسأل عن العضوية ولا توجد تذاكر. مستوى المعيشة هنا لا يسمح بذلك. اشتراك العضوية كان 3 جنيهات في السنة ورغم ذلك لا يمكن أن نسأل الأطفال والشباب عن العضوية ونحرمهم من اللعب. المشكلة التي تواجهنا الآن أن اللائحة الجديدة لتنظيم مراكز الشباب ستجبرنا على جعل اشتراك العضوية 100 جنيه للعضو العامل فوق 18 سنة و50 جنيه للعضو التابع. لا أحد سيدفع طبعا. وسنفقد المورد القليل الذي يوفره دفع المئات من الأعضاء للاشتراكات قبل انتخابات مجلس إدارة المركز لكي يتمكنوا من الترشح والانتخاب".
اللائحة التي صدرت في نوفمبر الماضي، لا تزال تثير الجدل والقلق، ومجالس إدارات العديد من المراكز، خاصة تلك العتيقة في المدن الصغيرة والقرى لا يزالون يتساءلون عن توضيحات وتفسيرات عن العديد من بنودها التي يرونها معوقة لتطوير المراكز وإمكاناتها المتواضعة، التي لا تزال رغم كل شيء تقدم خدمات يحتاجها العديد من الشباب.
فبخلاف الملعب والممرات التي تستخدم كلها في لعب كرة القدم. يضم مركز شباب البدرشين مبنى للإدارة هو الأحسن إنشاءا وتأثيثا. ومبنى متهالكا يضم صالة خلع ملابس مشتركة لكل الفرق، وصالة للندوات أو المعارض وأحيانا لتدريب فريق الكاراتيه والكونغ فو، بالإضافة لحمامات تم تجديدها مؤخرا لكنها غير مفتوحة لاستعمال الجميع من أجل الحفاظ عليها. ومبنى قديم لصالة جيمينزيوم ورفع أثقال ينتظر التجديد. ثم مبنى يضم قاعة يطلع فيها الأعضاء على محتويات مكتبة المركز وتقام فيها دورات الكمبيوتر. في القاعة الأخيرة مجموعة من أجهزة الكمبيوتر العتيقة التي لا يمكنها تشغيل البرامج الحديثة التي تدرّس في الدورات. يقول محمد المتناوي: "لدينا جهاز واحد صالح للاستخدام يشرح عليه المحاضر ثم يتناوب عليه الدارسون. هنا تواجهنا مشكلة أخرى خاصة باللائحة الجديدة. إمكانيات المركز محدودة والقيود على التبرعات تشترط موافقة الجهة المركزية في مديرية الشباب بالمحافظة وفي وزارة الشباب. وهذه الموافقة تأخذ وقتا داخل المكاتب الحكومية كالعادة. نعرف أن هدفها هو التأكد الأمني من مصدر التبرعات لكي لا تستخدم كرشوة انتخابية أو فساد، ولكنها تكرس المركزية بدلا من أن تحدد ضوابط لمجلس الإدارة وتحاسبه. ما يحدث أن المبترعين يملون ويذهبون بهباتهم إلى المساجد أو الجمعيات ويريحون أنفسهم".

يفتح خالد البغدادي الموازنة التي كان قد أعدها لموسم 2009/ 2010. والتي تبلغ قيمتها 130 ألف جنيه. إعانة وزارة الشباب السنوية لا تزيد عن 12 ألف جنيه، وإيرادات المركز من الأنشطة والخدمات لا تزيد عن 60 ألف جنيه. وباقي الموازنة تحتاج لإعانة اتحاد الكرة التي تتراوح من 60 ألف جنيه إلى 80 ألف جنيه. والتي تحتاج إلى بقاء الفريق الأول لكرة القدم في المركز في دوري الدرجة الثالثة.

يعلق البغدادي: "لذلك ننفق كثيرا على فريق الكرة. لأنه في الحقيقة أهم موارد المركز، فبالإضافة لإعانة اتحاد الكرة هناك دخل من بيع اللاعبين، قد يوفر بيع لاعب واحد للنادي 100 ألف جنيه . وهو ما يعني تغطية ميزانية المركز وإتاحة الفرصة للتجديدات والتحديث".

بخلاف الفريق الأول للمركز، هناك فريقي تحت 17 سنة و15 سنة، وهناك مدرسة الكرة التي يشترك فيها الأطفال مقابل 20 جنيه يتغاضى المدرب عصام حب الدين عنهم إذا كان الطفل من أسرة غير قادرة.

لا يكتفي الفريق الأول بالمواهب من مدرسة الكرة والفريقين السابقين، ولكن يضم أحيانا لاعبين من قرى ومدن مجاورة. يقول خالد البغدادي : "لا يمكن أن نخاطر بمستوى الفريق الأول لأنه مورد مهم. وهنا تواجهنا مشكلة أخرى في اللائحة التي تشترط أن يكون اللاعب عضوا في مركز الشباب وهو ما يعني أن يكون من سكان مدينة البدرشين لا مدينة أخرى ولا حتى القرى التابعة لمركز البدرشين".
ملعب كرة القدم الكبير في مركز شباب مدينة البدرشين هو الوحيد من نوعه في كل مراكز شباب القرى التابعة لها، بعض هذه المراكز هي "مراكز نوعية" أي أنها مجرد مقرات بساحات صغيرة بلا ملاعب. ولذلك يأتي بعض أبناء هذه القرى لممارسة بعض الرياضات والأنشطة.
محمد أحمد، أخصائي المساحة، الذي يجلس مع رفاقه ينتظر انتهاء إحدى المباريات يعبر عن ضيقه من أن يكون ملعب مدينة البدرشين بهذا المستوى، لا إضاءة ليلية، ولا مدرجات، نجيلته متهالكة. يرد خالد البغدادي: " يتحمل الملعب تدريبات الفرق الثلاث ومدرسة الكرة ولعب الأهالي ولا نجد وقتا كافيا للعناية به أو صيانته. أبراج الإضاءة العالية أنشئت هنا في وقت مقارب لإضافتها في ملعب نادي الزمالك، ولكنها تحتاج لميزانية كبيرة لتجديدها وصيانتها".
العديد من الأشياء توقفت بسبب نقص الإمكانات منها فريق رفع الأثقال وفريق السلة، ولكن مجلس الإدارة الجديد يطمح لإعادة هذه الألعاب مرة أخرى وبجانب طلب الدعم من الوزارة وإعاناتها وبيع اللاعبين، يسعى أعضاء المجلس لتطوير موارد المركز.
المساحة المبلطة أمام مبنى الإدارة هي إحدى هذه الموارد. فهي التي تؤجر ليقام فيها الأفراح مساء الخميس والجمعة مقابل 250 أو 300 جنيه. كما أنها تؤجر لعقد جلسات الصلح و "الحق" أو التحكيم العرفي، والإيجار هنا يكون بحسب أهمية وجسامة موضوع التحكيم، وكما يقول البغدادي قد يصل الإيجار لبضعة آلاف.
يفكر مجلس إدارة المركز في تأجير هذه المساحة لكافيتريا تخدم زوار المركز وتقدم لهم مشروبات وبذلك يجتذب المركز الأسر في أيام العطلات، ولكن يشكو المتناوي من أن اللائحة الجديدة قيدت حق مجلس الإدارة في التعاقد مع شركة خارجية لإدارة الكافيتريا وأصبح من الضروري أن توافق الإدارة المركزية لمراكز الشباب على كل تعاقد وهو ما يعطل خطط تطوير موارد المركز.
الألعاب الأخرى قلما تدر مواردا، ولكن بعضها نشط مثل الفرق الكشفية بمراحلها المختلفة، وبعض الأنشطة الأخرى تتحايل على الإمكانات مثل فريق المسرح الذي يستخدم مسرح قصر ثقافة البدرشين إلى حين توفر مسرح خاص بالمركز. معظم الأنشطة يتحمل ممارسوها تكاليف الملابس ورسوم المسابقات والاختبارات، ويدفعون اشتراكا شهريا قد يقتسمه المدرب والمركز مثلما هو الحال في رياضة الكاراتيه والكونغ فو. فالأجور وفق الميزانية المتاحة هزيلة جدا، ولكن الأمور يجب أن تستمر.


"من بره أبو تريكة ومن جوه الكابتن حسن محمد"

يجلس على حدود الملعب يتابع تدريب الفريق الأول لمركز شباب البدرشين. يحضر الكرات التي تبتعد عن الملعب، يلم مع رفاقه الأقماع والحواجز المستخدمة في التدريب.
كريم سيد، البالغ من العمر خمسة عشر عاما، واحد من أشبال مدرسة الكرة في مركز شباب البدرشين، يرتدي فانلة حمراء مكتوب على ظهرها " هنري". لا يعرف كريم من هو هنري ولكنه يرتدي الفانلة الحمراء لأنه أهلاوي ولأنه يريد أن يصبح لاعبا محترفا مشهورا في الأهلي. إذا سألته عن مثله الأعلى يسألك:”بره ولا جوه؟" ثم يجيب:”من بره زي الكابتن أبو تريكة، من جوه زي الكابتن حسن محمد".
حسن محمد هو مدافع فريق مركز شباب البدرشين، وكريم يحبه ويتابعه لأن مدربي مدرسة الكرة قالوا له أنه موهوب مثله في موقع الدفاع.
يقول كريم أن والده العامل بمصنع الحديد والصلب بحلوان وافق بعد عناء على التحاقه بمدرسة الكرة في المركز. قبلها خاض كريم اختبارات نادي سكر الحوامدية في مدينة الحوامدية القريبة وتم قبوله ولكن والده رفض لبعد المسافة وتأثير ذلك على دراسته.
يشير كريم بيده إلى ناحية نخيل عال:”ساكن هناك في منطقة العزبة القريبة من المركز". ولذلك كان المركز هو المكان المناسب ليبدأ كريم:” آتي يوميا تقريبا. إما للتدريب أو لمشاهدة تدريبات الفريق الأول أو للعب" ويضيف :” آتي بعد المدرسة مباشرة، وحتى لو لم أذهب إلى المدرسة يجب أن آتي للنادي". يتحدث كريم وعينه لا تفارق الكرة التي تجري بين أقدام اللاعبين في التدريب، وأول ما تقفز الكرة خارج سور الملعب يهب جريا ليعيدها ثم يعود إلى حافة الملعب يقف ويشاهد في صمت.

الإعجاب في عيني كريم لا يتأثر ببعض التراخي في أداء لاعبي الفريق الأول أثناء التدريب. مكانهم هو حلم كريم المؤقت ولكن كلهم يفكرون أن المشوار لا زال طويلا وربما غير مضمون. في الملعب يقف المدير الفني للفريق غير راض عن أداء معظمهم ويصيح: “انتم مش ناقصين خصومات". يقولها بلهجة هي بين الوعيد والمزاح.
يبلغ متوسط دخل اللاعب في الفريق شاملا المكافآت 700 جنيه. بعض اللاعبين موظفين وبعضهم طلبةو المتفرغون منهم يلعبون لصالح شركة في دوري الشركات لتحسين دخلهم. الأمل يتجدد في نهاية كل موسم عندما تنشط إدارات أندية دوري الدرجة الثانية أو الدوري الممتاز في ضم بعض المتميزين والواعدين ليرتقوا درجة أو درجتين.

إدارة جديدة

"وفق اللائحة الجديدة العديد من المجالس المنتخبة لمراكز الشباب تعد باطلة، ومديري المراكز لم يعودوا تنطبق عليهم الشروط" يشرح محمد المتناوي ذلك قائلا أن اللائحة الجديدة تمنع الجمع بين رئاسة مجلسي إدارة وهوما ينطبق على رئيس مجلس إدارة مركز شباب البدرشين مجدي المتناوي. كما أن اللائحة الجديدة تشترط أن يكون مدير المركز حاصل على مؤهل عال بينما خالد البغدادي حاصل على مؤهل متوسط.
في اللائحة السابقة كانت الشروط التي يجب أن تنطبق على مدير المركز هي إما أن يكون حاصل على مؤهل عال وخبرة 5 سنوات في العمل الشبابي أو مؤهل متوسط وخبرة 10 سنوات في العمل الشبابي، أما اللائحة الجديدة فطلبت فقط الحصول على مؤهل عال ولم تشترط أي خبرة. يعلق خالد البغدادي مدير المركز: "أما رئيس مجلس الإدارة وفق نفس اللائحة فلا يشترط إلا أن يكون مجيدا للقراءة والكتابة!”.
يقول المتناوي: “هناك إيجابيات في اللائحة هي أنها جعلت للشباب تحت 30 سنة نصف عدد أعضاء المجلس المكون من رئيس ونائب و5 أعضاء منتخبين و3 أعضاء معينين، ويجب توفر امرأتين على الأقل في عضوية المجلس".
فيما يخص عضوية المرأة في مجالس الإدارة، يقول البغدادي أن الأمر ينتهي في المناطق الريفية إلى عضوية صورية لهن، فالفتيات بالأساس لا يترددن على مراكز الشباب الصغيرة التي لا توجد بها فرق للفتيات، اللهم إلا في المسابقات الثقافية والدينية وحضور بعض الدورات.


نشر في "الشروق" 7 إبريل 2010
PDF
المزيد

الأحد، 4 أبريل 2010

لماذا حمل جارك المسيحي السعف الأحد الماضي؟



"مديري في المستشفى رفض التصريح لي بإجازة يوم "خميس العهد". قال إنه لا يفهم لماذا يعتبر عيدا وتكفي إجازة أحد السعف وأحد القيامة" يعبر الطبيب المسيحي الشاب عن أسفه، ولكنه لم يجد الوقت ولا المكان المناسبين ليخوض جدالا دينيا حول أهمية مناسبة ما وحول رغبته في حضور طقس صباحي هام في ذلك اليوم. فهو يعرف جيدا أن زملائه ورؤسائه المسلمين يعرفون القليل جدا من المعلومات عن المسيحية وعن طقوسها ومناسباتها.
يتفهم الكثير من المسيحيين ذلك باعتبار أن ثقافة الأغلبية هي الأكثر شيوعا، ولكن البعض الآخر يرى أن غياب الحد الأدنى من المعلومات عن أهم المناسبات الدينية للزملاء والأصدقاء المسيحيين قد يقلل من بهجة الاحتفال وتسبب نوعا من الانفصال بين زملاء العمل والدراسة وجيران السكن.
يلوم رامي سيدهم، مهندس نظم المعلومات، الإعلام الذي يهتم أحيانا بالتراث القبطي أكثر من اهتمامه بتقديم بعض المعلومات عن طقوس وأعياد معاصرة. وبسبب ذلك قد لا يلاحظ بعض المسلمين أن هناك مناسبة أصلا تخص المسيحيين إن لم تكن إجازة، وقد لا يلاحظون في مناسبات أخرى إلا غياب زملائهم المسيحيين بسبب "عيد ما"، وعند مرورهم في الطريق على الكنائس أو مشاهدة القداس في التليفزيون يرون أنهم يقومون بطقوس غريبة غير مفهومة لهم. يضيف رامي :"لذلك تظل أبرز أشكال الاحتفال وهي حمل السعف غامضة بالنسبة للمسلمين ولا يعرفون معناها، رغم أنه طقس رمزي مشابه لما فعله أهل القدس عند قدوم المسيح إليهم، وهو حدث مشابه لدخول النبي محمد إلى المدينة واستقبال أهلها له".
انتقل رامي من السكن في شبرا إلى المقطم، وهو ما جعله يلاحظ أن التعامل المباشر بين المسلمين والمسيحيين في مناطق فيها أعداد كبيرة منهم هو مصدر المعلومات الوحيد. ويقول أن هذا الفارق في فهم مناسبات وأعياد المسيحيين نلاحظه أيضا بين أسيوط والمنصورة مثلا. ويضيف :"أيضا الأحياء الشعبية فيها تعامل مكثف بين الجيران بينما الأحياء الجديدة مثل مدينة نصر والمقطم تفتقد هذا فتقل فرصة الإطلاع على بعض ثقافة جارك وتفاصيل حياته".
في المقابل، يتفهم ناجي بطرس، المهندس المعماري، أن هناك ثمة قلق خاص تجاه الإفصاح عن تفاصيل وخلفية احتفالات أسبوع الآلام وعيد القيامة لأنهما يتعلقان بحدث صلب المسيح وهو محل اختلاف بين العقيدتين الإسلامية والمسيحية. ولكنه يعتقد أن بعض التفهم قد ينهي هذا القلق. وهو يلقي ببعض اللوم على بعض المسيحيين: "بعضهم لا يتمتع بالانفتاح الكافي لكي يطلع زملائه المسلمين ممن يسألون بفضول على تفاصيل ومعنى الأعياد خوفا من حدوث جدال ديني". يستدرك أن بعض التفهم مطلوب من الطرفين لكي تزول الرغبة في الجدال لتخطئة الآخر ودفاع كل طرف عن عقيدته أو شعوره بالتهديد بسبب اختلاف العقيدة، وهي في النهاية اختلافات عقائدية لا يجب أن تكون سببا لأي حواجز اجتماعية بين الزملاء والأصدقاء والجيران.
يقول ناجي أنه تعود أن يقدر وجود هذه المساحة من التفهم، فإن أحس أنها موجودة يمكنه أن يجيب على تساؤلات زملائه المسلمين حول تفاصيل الدين المسيحي ومناسباته وطقوسه. ولكنه يحكي أنه بعض زملائه يسألونه عن سبب هذا العيد أو ذاك ومعاني طقوسه ويجيبهم. وفي العام التالي في نفس المناسبة يلتقيهم فيجدهم يعيدون نفس السؤال!
يضحك وهو يقول: "لا بأس، لأن الباقين يقولون فقط: كل سنة وأنت طيب. والسؤال عن التفاصيل يكون أحيانا زيادة في التودد وليس بغرض المعرفة أو الفضول الحقيقي، مثل السؤال اليومي عن الأحوال: إزيّك ؟ - الحمد لله". يضيف ناجي مبتسما "ولا مشكلة، سأجيب كل سنة".
اقرأ أيضا: لحن حزايني بين لحنين فرايحي.


نشر في "الشروق" 4 إبريل 2010
PDF

المزيد

لحن حزايني بين لحنين فرايحي


أسبوع الآلام بين أحد السعف وأحد القيامة

لحسن الحظ أن السبت إجازة في الشركة التي يعمل بها المحاسب سامح عزيز، وهو ما جعله السبت قبل الماضي يشهد البداية المبهجة لطقوس أسبوع الآلام الذي ينتهي اليوم بعيد القيامة. فمنذ الصباح الباكر للسبت أطل من شرفة منزله في شبرا ليجد باعة ينتشرون في الشوارع وخاصة حول الكنائس يبيعون سنابل القمح التي تعلق على مداخل البيوت وأعواد السعف الخام أو أعمال فنية بسيطة مصنوعة من السعف.
الأعمال قد تكون على شكل خواتم وأساور للأولاد والبنات الصغار أو على شكل صلبان أو بيوت صغيرة وقد تكون على شكل جحش صغير، فالسيد المسيح دخل القدس يوم الأحد، الذي كان بداية عبد الفصح عند اليهود، راكبا على جحش. وكان المسيح قبلها وفقا للإنجيل قد اعتزل في الجيل وصام 40 يوما وليلة منقطعا تماما عن الطعام، وهو ما اعتبره أهل القدس معجزة واستقبلوه بالفرحة والبهجة حاملين أعواد السعف.
يحب سامح اقتناء السعف المشكل على شكل جحش، ويحتفظ في حجرته بـ"قطيع" منها، يقارن كل سنة جودة الصناعة وطرافة الشكل والإبداع فيه فهو مهتم بالفن التشكيلي.
يوم أحد السعف يتجه سامح إلى الكنيسة صباحا ليحضر صلاة صباحية، ترانيم هذه الصلاة لحنها مبهج أو بتعبيرات الكنيسة "لحن فرايحي". فهي في مناسبة دخول المسيح القدس. في الكنيسة تلتقي أسرة سامح بأسر أعمامه وعماته وجده وجدته المقيمين في شبرا ومن عادتهم التوجه للتجمع في بيت الجد القريب.
لكن عند الغروب تبدأ طقوس الحداد. تقام صلاة "الجناز العام" فالكنيسة لا تقيم أي صلوات جنائز لأي متوف خلال الأسبوع، لتتفرغ طوال الأسبوع لطقوس تذكر آلام المسيح التي انتهت بصلبه وموته بحسب الاعتقاد المسيحي. مساء الأحد تعلق الأستار السوداء على أعمدة الكنائس وهياكلها ويرتدي الكهنة الأردية السوداء بدلا من البيضاء.
بدءا من الأحد يبدأ ما يسمى "أسبوع البصخة"، والبصخة هي نفسها كلمة "الفصح" وتعني العبور والاجتياز. وأيام البصخة هي نفسها في أيام عيد الفصح عند اليهود التي يحتفلون فيها بخروج الشعب اليهودي مع موسى من مصر هربا من بطش فرعون.
في هذه الأيام، بدأ المسيح يتخذ بعض الإجراءات ضد ما رآه من انحرافات اليهود. فطرد الباعة من الهيكل وقال لهم بحسب نص الإنجيل:"بيتي بيت صلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص". وهو ما سيكون سبب غضب رجال الدين اليهودي واتهامهم له بالتجديف والخروج عن الدين.
يقول سامح: "طوال أيام البصخة تقام في الكنيسة صلوات معينة صباحا ومساء، تحكي ما حدث في هذه الأيام من أحداث. ويغلب عليها اللحن الحزايني، وهذه الأيام مثل رمضان عند المسلمين، من لا يأتون إلى الكنيسة طوال العام يحرضون على حضور هذه الصلوات. ولكن لا أتمكن من حضور الصلوات الصباحية بسبب العمل. الصلوات المسائية التي تبدأ من التاسعة مساء وتمتد حتى الفجر أحضر جزءا منها قدر ما أستطيع لكي أتمكن من الذهاب للعمل في اليوم التالي، ولكن هناك من يتمكن من أخذ إجازة طوال الأسبوع للتفرع للصلاة والروحانيات".
طوال هذه الأيام يستمر المسيحيون في الصيام الكبير، الذي يمتد إلى 55 يوما. يمتنعون عن أكل الروح وهو ما يشمل الأسماك أيضا. وفي أيام البصخة يصوم الكثيرون انقطاعا كاملا عن الطعام حتى العصر. يبتسم سامح قائلا أنه ليس متدينا جدا ولا يحرص على ذلك دائما ولكنه يحاول من سنة لأخرى.
يوم الخميس هو "خميس العهد"، وفيه اجتمع المسيح مع تلاميذه مساء في العشاء المعروف بالعشاء الأخير. وفيه أسس لأحد أسرار الكنيسة وهو سر التناول، أي تناول الغذاء والشراب بشكل يرمز إلى تناول غذاء وشراب روحي كأنهما من جسد المسيح ودمه من أجل تثبيت الإيمان وغفران الخطايا. وفي هذا المساء أيضا غسل المسيح أرجل تلاميذه لكي يعلمهم أن يكونوا خداما للناس. يقول سامح: "في خميس العهد هناك صلاة صباحية هامة تقرأ فيها أسفار الإنجيل التي تتحدث عن هذه المواقف، ويقوم الكهنة بمحاكاة فعل المسيح بشكل رمزي والمسح على أرجل الحضور بالماء. ولكن يحدث ذلك في الكنائس قليلة العدد ، وفي الكنائس الكثيرة العدد يتم المسح على أرجل الأطفال فقط أو لا يتم بسبب كثرة العدد".
العشاء الأخير شهد أيضا خيانة يهوذا أحد تلاميذ المسيح له وتسليمه إلى اليهود الذين حاكموه وحكموا عليه بالصلب حتى الموت. ولهذا السبب يكون المسيحيون خلال أيام البصخة أو أسبوع الآلآم في حالة روحانية حزينة يتذكرون فيها آلام المسيح ومواقفه وكلماته. يقول سامح: "نجتهد أيضا في الصلوات الفردية، ونقلل من مشاهد التليفزيون وسماع الأغاني. وهناك بيوت تتشدد في الالتزام فتغلق التليفزيون نهائيا وبعض النساء تلتزمن لبس الأسود طوال الأسبوع".
يوم الجمعة، وهو ذكرى "الجمعة الحزينة" التي شهدت صلب المسيح وموته بحسب الاعتقاد المسيحي، تكون ذروة أيام التعبد والصلاة، فتقام صلاة طويلة من الثامنة صباحا حتى الغروب، والألحان تتنوع بين الفرايحي والحزايني. وفي المساء تقام صلاة أخرى إلى فجر السبت يقرأ فيها بشكل خاص "سفر الرؤية" من الإنجيل. يقول سامح :" نصوم هذا اليوم بشكل انقطاعي حتى الغروب ونفطر على رشفة خل، لأن الإنجيل يروي أن الجنود قدموا للمسيح لما طلب الماء إسفنجة بها خل. وهناك عادة مصرية وهي أكل الفول النابت والطعمية في الجمعة الحزينة".
يوم السبت هو "سبت النور"، حيث يروى الإنجيل أن قبر المسيح تحول إلى النور قبل أن يفارقه ويقوم من بين الأموات. وفي هذا اليوم يكسر المسيحيون صيامهم ويأكلون الكحك بشكل خاص بالإضافة إلى اللحوم. ومساء تقام صلاة أو قداس ليلة العيد الذي يرأسه البابا في الكاتدرائية ويذيعه التليفزيون المصري. وفي هذه الصلاة تعود الألحان الفرايحي ابتهاجا بذكرى قيامة المسيح من بين الأموات. الصباح التالي هو أحد القيامة أو عيد القيامة، وفيه يتزاور المسيحيون ويتبادلون التهاني. وتحتفل كل أسرة بطريقتها وبعض الأسر تذهب للكنيسة التي تقيم احتفالات خاصة. وهناك صيغة دينية لتبادل التهاني تقال باللغة القبطية باللغة اليونانية :"اخرستوس آنستي" والرد "آليسوس آنستي"، وتعني "المسيح قام" والرد" بالحقيقة قام".

اقرأ أيضا: لماذا حمل جارك المسيحي السعف الأحد الماضي ؟


نشر في الشروق 4 إبريل 2010
PDF
المزيد