الأربعاء، 28 أبريل، 2010

ليلة واحدة من النجومية



الاحتفاظ بلحظات الليلة المميزة التي تسلط فيها الأضواء على العروسين وتطاردهما العيون والكاميرات، هي مهمة مصوري ومعدي فيديو الأفراح، الذين يوازنون بين رؤيتهم لمهنتهم وتصورات كل طبقة وفئة عن ليلة العمر وكيف يجب أن تكون.

"الشعبي" في برواز فاخر

يمر العروسان في الحارة الضيقة الموصلة إلى الساحة الأوسع بين البيوت. حولهما زحام الأهل والأقارب والمعازيم وضجة الزفة. يصعدان إلى المسرح ويجلسان في الكوشة.
في الشاشيتن الموضوعتين على جانب المسرح تظهر صورتيهما وسط برواز ألوانه بهيجة على خلفية وردية مكتوب عليها: مبروك للعروسين. في الفيديو الذي سيشاهده العروسان فيما بعد ستكون أغنية فيلم "تيتانيك" الشهيرة لسيلين ديون في الخلفية بدلا من ضجة الزفة. مشهد التوك توك الذي أوصلهما إلى مدخل الحارة ستتبعه صورة مرسومة لسيارة فخمة وضخمة تقف أمام مدخل قصر كقصور ألف ليلة وليلة، من أكبر أبوابه تظهر الصورة الحقيقية للعروسين وهما يصعدان إلى المسرح.
"أطيب الفن أكذبه" يقولها أحمد صالح بعناية معتبرها أساس عمله. يجلس صالح، صاحب وحدة فيديو صالح بقرية الجوادية التابعة لمركز طلخا بالدقهلية، على جهاز الميسكر Mixer بجوار المسرح وأمامه الشاشات المتعددة التي يختار من بينها الصورة التي تظهر على شاشتي المسرح. على رأسه السماعات وعلى فمه المايك ليتحدث مع المصورين الثلاثة الذين يتحركون فوق المسرح وبين المعازيم. بين حين وآخر يركب صالح صورا للعروسين أو لوالدي كل منهما على خلفيات ورسومات جاهزة متاحة لديه.
يقول أحمد صالح: "كلما كان الأمر أبعد عن الحقيقة وفيه خيال يعجب الناس. مثلا صورة السيارة الفخمة غير المتاحة. وصورة القصر قبل أن يدخلا المسرح المقام في الشارع".
افتتح أحمد صالح وحدة الفيديو عام 1986 عندما كان لا يزال طالبا في كلية التربية النوعية. مقر الوحدة في قرية الجوادية ولكنها تنتقل لتصور الأفراح في محيط واسع حولها. يضع بعض مصوري الوحدة لقطات فيديو من بعض الأفراح على يوتيوب على سبيل الدعاية ومعها تليفون الوحدة. اللقطات من الأفراح التي شهدت حضور نجوم شعبيين مثل شعبان عبد الرحيم وعبد الباسط حمودة وغيرهم.
يقول أحمد صالح:”طبعا عندما يكون هناك فرقة أفراح مميزة أو نجوم الأغنية الشعبية نركز عليهم وعلى فقراتهم. يحب أهل العروسين أن يوثقوا أنهم كلّفوا الفرح وأتوا بنجوم".
يضيف صالح أن العروسين وأهلهما يطلبان الآن أيضا تصوير الشقة وتأثيثها لتضاف إلى مقدمة فيديو الفرح. عادة ما يذهب مصور مع العروسين إلى الشقة بعد خروجهما من الكوافير.
يضحك صالح وهو يقول:”هناك أحيانا طلبات غريبة. إذا كان أهل العريس هم من يدفعون يطلبون أحيانا التركيز عليهم والعكس صحيح. وأحيانا يطلب الأهل تصوير الجاموسة أو البقرة التي سيذبحونها لتقديمها إلى المعازيم".
يهتف النوبتجي في الفرح بأسماء من حيوا ونقطّوا العروسين. يتابع أحمد صالح على الميكسر ما يحدث ويضع صورة العروسين في لقطة قريبة داخل برواز على خلفية بها ورود ويكتب عليها اسم من حياهم لتظهر الصورة النهائية على شاشات العرض في المسرح.
يقول أحمد صالح:”يجب أن يكون الجالس على الميسكر مواكبا لما يحدث ويقال على المسرح. أيضا إذا غنى المطرب مثلا عن زمن الوحوش أضع صورة أسود ونمور. إذا غنى عن بحر الهوى أضع صورة بحر. هذه الأشياء تعجب الناس وتعطي لمسات فنية".
يحفظ أحمد صالح عن ظهر قلب الفقرات التي يؤديها المطربين المعتادين في أفراح المنطقة ويكون مستعدا بالصور المناسبة: "زمان كان الجالس على الميسكر يضطر لاستعمال شرائط كثيرة في كل منها خلفية واحدة. لكن الآن هناك كارت هندي يوضع في الجهاز ويوفر خلفيات كثيرة. الهنود أيضا جعلوا هناك قسما خاصا سموه أفراح المصريين. مجهز بخلفيات لأشياء مصرية مثل الأهرامات وأبو الهول والنيل ومكتوب عليها عبارات جاهزة مثل: ألف مبروك للعروسين، خطوبة سعيدة وهكذا".
ولكن بخلاف الخلفيات والإطارات الجاهزة، هناك تقليد معتاد يطلبه كل عروسين وهو التصوير فوق كوبري بسنديلة العلوي، الكوبري الوحيد في مجموعة القرى المحيطة بالجوادية. يقف العروسين فوق أعلى نقطة في الكوبري ليبدو من خلفهما امتداد الترعة الصغيرة التي يسميها أهل المنطقة "بحر بسنديلة".
يحاسب أحمد صالح مصوريه على اللقطات المميزة الضرورية لشريط الفيديو، التي منها المشاهد القريبة للعروسين، فستان العروس وتفاصيله وذهبها، صور أهالي العروسين، المعازيم المهمين من الوجهاء والمسئولين.
يقول أحمد صالح:"بخلاف الأفكار التقليدية التي ترضي العلائلات، الشباب يتابعون الأفكار الجديدة ويجب أن نواكب ذلك. الآن يطلبون تصوير كليب يعرض قبل الفرح على شاشة العرض ويكون ذكرى لطيفة".
قبل الزفاف بأيام على شاطيء جمصة، يقف أحمد صالح ومصور مع عروسين في كامل هندامهما يقومان بتمثيل بعض المشاهد اللطيفة التي تبدو رومانسية ومرحة. قد يحاول استعمال بعض الخدع. يوقف التسجيل ويثبت الكاميرا ليتحرك العريس خارجا من الكادر ثم يعيد التسجيل لكي يبدو ذلك في الفيديو فيما بعد اختفاء مفاجئا للعريس. تبحث العروس عنه حتى تجده مع ذورة الموسيقى الرومانسية أو الشعبية الفرحة.
يبدو أن فكرة الكليب الذي يصور قصة تحكي كيفية لقاء العروسين أو تصور مشاهد من علاقتهما انتقلت من تقاليد الطبقات الوسطى فما فوقها إلى الطبقات الشعبية والريفية.

في دكان صغير بالجوادية يجلس أحمد صالح أمام الكمبيوتر الذي يتم به عملية المونتاج:"في المونتاج نداري أي عيوب في الصوت والصورة. نصنع سيناريو لفقرات اليوم المتتالية. نراعي طلبات الزبون لو له طلبات". يضحك قائلا أن العريس أحيانا ما يكون طلبه هو حذف صورة واحد من المعازيم لأنه يكرهه ولا يريد أن يراه في شريط الفرح.
أحيانا ما تكون مهمة صالح هي حذف بعض الكلمات أو الحركات "البذيئة" من راقصة أو مطرب لكي لا تضايق أهل العروسين عند مشاهدة الفيديو.
خلف ظهر صالح تبدو على الأرفف العديد من شرائط الفيديو التي تراكم عليها تراب:"لا زال الناس يطلبون شرائط فيديو والقليل يطلب اسطوانات CD والبعض بدأ يطلب مؤخرا تحويل الفيديو إلى صيغة تسمح بمشاهدته على الموبايل. ولكن هذا في حالة أنه دفع لنا أجرنا !".
يشير صالح إلى الأرفف خلفه ويقول أن النصف الأيسر منها- الذي يحوي قرابة م ائة شريط- هي شرائط أفراح لم يسدد أصحابها أجر التصوير ولم يأتوا للحصول على الشريط! يتعجب صالح قائلا أن أجرهم يبدأ من 70 جنيه إذا كان الفرح "على القد" ونصوره بكاميرا واحدة، وقد ترتفع التكلفة إلى 2000 جنيه في الأفراح الحاشدة مع أكثر من مصور وتجهيزات مسرح وليزر، ويضيف أنه قد يعطي الشريط للبعض إذا دفع فقط تكلفة الشريط الفارغ، ويعتبر ذلك "جميلا" في رقبة العائلة التي ينتمي إليها العريس. بعض العائلات تأخذ شريط الفيديو وتطلب منه الانتظار حتى يتم تقسيم "النقوط" لكي تعطيه أجره، البعض يقولون ذلك ولا يدفعون أبدا. يبتسم أحمد صالح :" لا مشكلة. بعض الأفراح تعوض بعضها".


المرح أكثر فخامة

ينفتح باب القاعة الفخمة، فيدخل العروسان وهما يهرولان على موسيقى سريعة مرحة. العروس ترتدي فستانا بسيطا يسمح لها بذلك. يدخلان إلى وسط القاعة وحدهما ليؤديا الرقصة الأولى معا. لم تكن كما هي العادة هادئة على موسيقى حالمة، بل تابعت نفس الموسيقى السريعة المرحة.
الكاميرات تدور معهما، تقترب لتلتقط فرحتهما وتبتعد لتظهر في خلفيتهما جمال وأناقة القاعة ودائرة المعازيم.
إيقاع الفيديو سريع ومتتابع وينتقل سريعا لينقل ثوان من معظم فقرات، المونتير محمد عبد الظاهر في شركة "ديجيتال فيجن" Digital Vision يشرح: "نقوم دائما بعمل فيديو قصير ( ديمو Demo ) يلخص الفرح، لأن العروسين لن يعرضا على أصحابهما وأقاربهما الفيديو الكامل لحفل الزفاف والذي قد يكون 6 ساعات مثلا".
تسود روح المرح الفيديو القصير على أغان أجنبية وعربية سريعة، وصورته عالية الجودة HD يقول طارق البدري، المدير العام للاستديو: "نحن نتعامل مع شريحة معينة لديها تصور معين عن الجودة وتوقع لتكلفة ذلك. بالإضافة للأفكار الجديدة دائما التي يجب أن نواكبها بالتكنولوجيا الحديثة".
في المقر الفخم ذي الواجهة الفضية في مدينة نصر يستقبل موظفو التسويق والمبيعات العملاء للتعرف على طلباتهم وإذا كانت هناك طلبات تفصيلية تخص فيديو الفرح فإنهم يتلقون مع هاني شانة، مدير التصوير بالاستديو الذي يحاول التعرف على أفكارهم وتطويرها معهم: “دائما يريد العميل أن يظهر كل شيء وكل تفصيلة. ولذلك من المهم جدا لفريق التصوير أن يعرف بدقة برنامج الفرح ومواعيد كل فقرة وحركة لكي يمكنه التقاطها بالشكل المناسب".
فريق العمل في الفرح يتكون من مخرج ومساعد مخرج، يكونان عادة أمام شاشات جهاز الميكسر Mixer لتوجيه المصورين ومساعديهم وعمل المونتاج الحي لما سيظهر عل شاشات العرض في القاعة.
يكمل هاني شانة:"تصوير تجهيزات القاعة واستعدادات العروسين في البيت أو الكوافير مهمة جدا لعرضها في بداية حفل الزفاف. يحب الناس أن يروا ما وراء المظهر الجميل والفخم والتفاصيل الجميلة من عناية وتعب".
إظهار التفاصيل والعناية بها لا يجب أن يكون بشكل فج وكأنه يريد إثبات يسر الحال، ففي رأي طارق البدري أن تركيز التصوير على بعض الأشياء وأنواع الطعام قد يكون مناسبا لفئات متوسطة تريد أن توحي بالثراء، بينما الفئات الثرية بالفعل لا تحتاج لذلك فيكفي المشهد العام للمكان أو للناس ليقول ذلك وحده.
بالنسبة للفئة التي يتحدث عنها طارق البدري فتفكير العملاء يكون موجها معظمه للظهور بشكل مرح ومبتكر. ويلبي الاستديو ذلك باللجوء لأفكار من نوع تصميم بوستر يجمع العروسين يشبه بوستر الأفلام ويوضع على مدخل القاعة أو مكان الزفاف، بالإضافة لطباعة مجلة فيها تفاصيل عن علاقة العروسين وشخصيتهما، ويتم توزيعها على المعازيم.
هناك إقبال أيضا على تصوير كليب مرح يعرض للعروسين يصور قصة لقائهما الحقيقية أو المتخيلة.
فريق تصوير من ستديو "ديجيتال فيجن" كان في إحدى المدن الجديدة يصور فيديو كليب لعروسين قبل الزفاف بأيام. ورغم الخلفية التي تبدو فيها الفيلات الفاخرة، فإن العروس تخرج بجلباب بلدي مقلم وعلى رأسها منديل مطرز. تسير بدلال على موسيقى أغنية "إيه الأساتوك ده" لحمدي باتشان. يظهر شاب ذو جسم رياضي ويبدأ في مضايقتها لفترة، حتى يأتي ساعي بريد على دراجة ويقف بجوارهما ويشتبك مع الشاب الرياضي ويغلبه رغم الفارق الواضح في الحجم. ساعي البريد، الذي نعرف الآن أنه العريس، ينفض ملابسه ويأتي بدراجته ويمشي بجانب العروس ويتبادلان الحديث الودي. ينتقلان إلى حديقة إحدى الفيلات والعريس يغازل عروسه التي تتدلل فحسب هذه المرة وحمدي باتشان يغني: "كلّمني .. فهّمني".
يضيف طارق البدري:"أيضا يجب أن نكون على استعداد لتلبية الرغبات في إقامة الزفاف في أماكن وأوقات غير تقليدية. هناك اتجاه كبير الآن للزفاف النهاري. والزفة دائما غير تقليدية". بالإضافة لذلك قد يضطر لمحاولة تلبية طلبات وأفكار بالغة الغرابة وقد تكون صعبة.
يبتسم طارق وهو يتذكر أن عروسا طلبت أن يتم تصويرها مع أسد حقيقي في المسرح الروماني في مارينا ويضيف:"يجب أن ألبي كل طلبات العملاء أو على الأقل أبدأ في ذلك وأحاول النقاش معهم لتطويرها أو تعديلها بشكل يبدو لي جيدا كمحترف ومرضٍ لهم كعملاء".
في الكثير من أفراح الفئات المتعاملة مع الاستديو يكون هناك مسئولون أو شخصيات عامة بارزة، وأحيانا تكون هناك تعليمات بشأن التعامل مع صورتهم بشكل لائق. أيضا النجوم ومشاهير الفنانين يحرصون عل التنسيق مع مخرج الفرح. يقول طارق البدري:"المطربون يحرصون أكثر على جودة الصوت والتأكد من خروج أصواتهم بشكل ملائم في فيديو الفرح، والممثلون يهتمون أكثر بوضعهم أمام الكاميرا وصورتهم في كل لحظة".

هناك تعليق واحد: