الخميس، 26 مارس، 2009

من ضحايا إلى منقذات




نشر في الشروق - الأربعاء 25 مارس 2009 - صفحة 14
المزيد

الأحد، 22 مارس، 2009

قرى البدرشين العطشى ستنتظر طويلا


’’ تمدد البناء العشوائي أفسد المياه الجوفية، وشبكات المياه والصرف تحتاج كلها للتغيير. وحتى إشعار آخر، الجمعية الشرعية وجمعيات مقربة من الحزب الوطني يقيمون في كل منطقة محطات صغيرة لمعالجة المياه بالتبرعات والجهود الذاتية،،





وحده الخزان العالي لمحطة معالجة المياه بقرية المرازيق مركز البدرشين يحاول أن يطول أشجار النخيل التي تميز القرية وتنتشر على مد البصر، محيطة بالتجمعات السكنية الصغيرة والأبنية البسيطة المتلاصقة رغم سعة الغيطان الخضراء.
تقف المحطة الصغيرة في منطقة كفر بحري بالقرية وسط مساحة واسعة يحيطها سور قصير يفصلها عن تجمع سكني محدود تبدو آثار تمدده في أعمال بناء حديثة تزحف على مساحات حقول النخيل، وفي المساحة الواسعة حول المحطة يجلس حارساها اللذين تركا الكارافان الأبيض الصغير وفضلا الجلوس على راحتهما فوق حصيرة يشربان الشاي وبجوراهما مصدر المياه الحلوة: جركن بلاستيكي، لم يملآه من مياه المحطة التي يعملان بها، ولكن من محطة المعالجة الصغيرة القريبة التي تديرها "الجمعية الشرعية".
من سنين طويلة، لم تعرف قرية المرازيق مياه النيل الذي تطل عليه من شريط طويل بدأت تحتله حاليا فيلات فاخرة. وباستثناء أصحاب الأراضي الزراعية القليلة الباقية في هذا الشريط، فإن أهل القرية اعتادوا على مياه الآبار الجوفية سواء عبر الطلمبات، أو عبر محطة معالجة المياه التي كانت تابعة للوحدة المحلية ثم انتقلت تبعيتها للشركة القابضة لمياه الشرب. ولكن بسبب التكتلات السكنية العشوائية التي لا تخدمها شبكة صرف، اعتمد الأهالي على الصرف في "ترنشات" تحت الأرض بجوار المنازل، وكانت النتيجة أن مياه الصرف لوثت المياه الجوفية، فلم تعد مياه الطلبمات الصغيرة صالحة للشرب ولم تفلح محطة المعالجة القديمة في تنقيتها.
بعد الإلحاح في الدعوة على كوب شاي، مؤكدا أنه سيصنعه من المياه الحلوة، يقول محمد محمود، أحد حارسي المحطة، أن الاختبارات التي قامت بها الشركة القابضة وجدت أن نسبة الملوحة عالية جدا في مياه المحطة ، ولذلك يستخدمها أهل القرية في أغراض أخرى غير الشرب والطبخ، ومصدر المياه الحلوة – يشير بيده إلى الجركن- إما محطات الجمعيات أو الشراء من باعة المياه.
أينما ذهبت لن تفتقد مشهد عربات الكارو التي تحمل خزانات بلاستيكية ضخمة تجوب القرية تملأ الجركن سعة 20 لترا بمقابل يتراوح من نصف جنيه إلى جنيه، حسب المواسم وضغط الطلب. والسعر يرتفع في أطراف القرية التي يضطر سكانها إلى الاتصال بالباعة تليفونيا ليأتوا إليهم خصيصا وبالتالي يرتفع السعر.
يقول خالد عبد المنعم، موجه مادة الحاسب الآلي بمديرية البدرشين والذي يسكن في كفر زهران بالمرازيق: "تجارة المياه أصبحت رائجة، فالباعة يملؤنها في التبين أو حلوان من صنابير عمومية مجانا أو مقابل إكراميات قليلة للمكلفين من المجالس المحلية بتنظيم استهلاك المياه. والكثير من الأسر تحتاج إلى أكثر من جركن في اليوم، مما يشكل عبئا ماليا كبيرا على العديد من محدودي الدخل والفلاحين، ولذلك فمحطات الجمعيات أنقذت أهل المرازيق".
أنشيء معظم محطات الجمعيات أواخر العام الماضي، وهي محطات معالجة صغيرة تخدم محيطا محدودا حولها. في كفر بحري بجوار المحطة الرئيسية للقرية، توجد محطة معالجة أنشئت بتبرع من جمعية "حسن الخلق" القاهرية وتديرها "الجمعية الشرعية"، تملأ الجركن سعة 20 لترا مقابل 25 قرشا، ويمول الدخل تشغيل المحطة وأجور عمالها. الأطفال في الغالب هم المسئولون عن رحلات ملء الجراكن، ولذلك كلهم يعرفون جيدا الشيخ عبد ربه عبد الله المشرف على المحطة ويمازحونه وهو في طريقه من بيته إلى المحطة.
في منطقة كفر زهران الجمعية الشرعية حاولت تحفيف عبء النقل، الشيخ أحمد سعد، عضو مجلس إدارة الجمعية في كفر زهران يقول:"بعد إنشاء محطة معالجة في كفر زهران استأجرنا عربة بحصان تملأ خزانا كبيرا مكتوب عليه "الجمعية الشرعية" وتجوب القرية من السادسة صباحا".
بخلاف محطات الجمعية الشرعية، هناك محطات مماثلة تديرها جمعيات تنمية المجتمع المحلي التي يشكلها أبناء العائلات الكبيرة في القرية، وأغلبهم أعضاء في الحزب الوطني. منها محطة مياه في كفر بحري أمام منزل عائلة الدرجلي الشهيرة هناك، ويرأس مجلس إدارة الجمعية المحاسب وعضو الحزب الوطني ناصر الدرجلي. محطة تنمية المجتمع المحلي، تبرعت بها أيضا جمعية قاهرية هي "منابر النور" وتبيع الماء بنفس سعر الجمعية الشرعية بالإضافة لإتاحة اشتراك شهري قيمته 3 جنيهات يتيح للمشترك 30 جركن شهريا.
محطات الجمعيات الخيرية خففت كثيرا من تكاليف شراء المياه، إلى حين تتحقق الوعود بمياه نظيفة تصل للبيوت،وهي التي انتظرها طويلا أهالي قرية المرازيق ومعهم أهالي قرى أخرى حولها مثل الشوبك الغربي وأبو رجوان وسقارة وميت رهينة وحتى مركز البدرشين نفسه.
لى إحدى المقاهي بجوار سنترال البدرشين، يؤكد المحامي محمد سيف والمهندس محمد المتناوي أن المياه المستخدمة في أكواب الشاي والقهوة الموضوعة أمامهما ليست من مياه الصنبور، بل يشتريها أصحاب المقاهي خصيصا. يمسك سيف بكوب الشاي ويقول أنه حتى مدينة البدرشين لم يسلم من أزمة المياه الحلوة، وأهلها صاروا يعرفون درجة جودة المياه من استخدامها في الشاي، إن زادت رداءة المياه يبدو الشاي كالكاكاو وتطفو فوق طبقة غريبة سميكة.
سعر جركن المياه في مدينة البدرشين يرتفع مع المستوى المعيشي لأهلها ليصل أحيانا إلى خمسة جنيهات. وخاصة في الأجزاء الغربية من المدينة. يفسر المهندس محمد المتناوي ذلك بأن المحطة المركزية للبدرشين التي تضخ مياه النيل توجد شرق المدينة ونظرا لضعف شبكة المياه في المدينة وعدم تحملها الضغوط الكبيرة اللازمة لضخ المياه إلى غرب المدينة، يتم الاكتفاء بضغط مياه قليل واستكمال كمية المطلوبة من محطات مياه آبار جوفية.
يشكو معظم الأهالي من ارتفاع معدل الإصابة بأمراض جلدية وخاصة للأطفال، بسبب رداءة المياه. بالإضافة للشكاوى المتكررة من ارتفاع تكلفة استهلاك المياه واضطرار الأهالي لشراءها بسبب الانقطاع المتكرر للمياه ولفترات طويلة.
هذه الشكاوى تصل إلى المجلس المحلي للبدرشين الذي يذكر أعضاءه أن تبعية محطات المياه انتقل من مرفق المياه التابع للوحدات المحلية إلى الشركة القابضة لمياه الشرب التي لا سلطان للمجلس المحلي عليها، وإنما تتبع مباشرة وزارة الإسكان.ولكن أيمن عبد الحي المتناوي عضو المجلس المحلي، يقول مبشرا أن هذه الأزمة ستنفرج في شهر يونيو القادم حيث سيعاد افتتاح تجديدات المحطة المركزية القديمة للبدرشين. ولكنه يعترف أن ذلك لن يحل المشكلة إلا في مناطق محدودة في مدينة البدرشين، ويتفق مع خالد السقعان، عضو المجلس، الذي يؤكد أن المشكلة الأساسية ليست في كم المياه الحلوة، فمحطة البدرشين تعطي فائضا من إنتاجها للحوامدية، ولكن المشكلة تكمن في قدم شبكات المياه والصرف التي لا تتحمل ضغط المياه العالي اللازم لوصول المياه إلى كل المدينة وإلى القرى،وتحتاج كلها للتجديد والإحلال. يضيف خالد السقعان: "تعالوا إلينا في شهر يونيو لتشهدوا انفجار شبكات المياه والصرف في البدرشين والقرى تحت الضغط العالي للشبكة الجديدة". أيمن المتناوي، يعود ويؤكد أنه بالرغم من صحة ذلك الكلام إلا أن هناك ما يدعو للتفاؤل لأن البدرشين كانت تعاني الإهمال في رأيه بسبب تبعبتها لمحافظة الجيزة التي تهتم في رأيه بالمناطق الشمالية منها فقط، ولكنها الآن تمثل جزءا هاما من محافظة 6 أكتوبر، وتحديات مدينة كثيفة السكان مثل البدرشين تمثل أهم تحديات تواجه مسئولي المحافظة الجديدة.
البدرشين وقراها ينتظرون ذلك، وإن كان ظاهر الأمر أن الانتظار سيطول فشبكات المياه والصرف القديمة لا زالت على حالها. ومشروعات محطات المياه الصغيرة في القرى التي بدأت أواخر العام الماضي تقول أن الأهالي قد وطنوا أنفسهم على ذلك الانتظار الطويل.

- نشر في الشروق 21 مارس 2009
- تصوير: محمد حسن

المزيد

الخميس، 19 مارس، 2009

الكثير من الكلام .. القليل من الإنصات

kalam
تصوير: السيد عبد القادر


عندما يتعلق الأمر بالدين، فالمساحات الحرة للتعبير على الإنترنت قليلا ما تكون نوافذ واسعة لرؤية الآخر والتواصل معه، وكثيرا ما تتحول إلى مجرد فتحات ضيقة في جدران متباعدة يختفي خلفها المختلفون في الدين أو المذهب أو حتى الرأي، يتبادلون من خلالها التصويب وإطلاق النار!

" حاربهم بمثل سلاحهم، وهو السخرية. فأنت كلما نشرت كلاماً قيماً سخروا منك، (إذن) كلما وجدت منهم كلاماً يبدو قوياً بليغاً .. اسخر منهم "
هذه واحدة من عديد من النصائح كتبها مشرف مجموعة على موقع "الفيس بوك" Facebook. المجموعة ليست مخصصة للحوارحول موضوع ما، ولكن هدفها يبدو من اسمها "الطريقة الفعالة للتعامل مع الجروبات(المجموعات) العلمانية المتطرفة التي تهاجم الإسلام".
يبدو الأمر كمعسكر تدريبي لأعضاء جبهة ما قبل الدخول إلى ساحة المعركة، ومشرف المجموعة ينصح الأعضاء بالاستعداد جيدا وينبههم إلى ضرورة الإطلاع الكافي على علوم الدين قبل الدخول في جدل مع "هؤلاء"، محذرا من أن خلاصة تجربته ودراسته لفكرهم وأساليبهم تؤكد أنهم "ليسوا مسلمين ولا علمانيين.. إنها حملات تبشيرية".

لقد وصل المتحاربون إلى "الفيس بوك" ! جزء من شبكة التواصل الاجتماعي الشهيرة تحول لخنادق للفصائل المتحاربة التي تحتل أجزاء لا بأس منها من المواقع والمنتديات وغرف الحوار والمدونات. باختصار، تحتل أجزاء كبيرة من المساحات التفاعلية على شبكة الإنترنت.
هذه المساحات تتيح لكل من يستخدم الكمبيوتر الإعلان عن رأيه والدعوة إليه والتعليق على آراء الآخرين والحوار معهم. بينما في الواقع الحقيقي، لا يمكن لفرد عادي أن يقوم بذلك إلى في دائرة معارفه الخاصة، وأما في المساحات العامة مثل الندوات العامة أو وسائل الإعلام، لا يمكن للجمهور الواسع إلا أن يكون مستقبلا، وإن تكلم فهو يسأل ويستفتي أهل العلم والتخصص، وإن أتيح له التعبير عن رأيه يجب أن يكون ذلك ضمن الهامش المتاح وبما لا يتجاوز الخطوط الحمراء، وفي الغالب أيضا سيكون هناك متخصص يرد ويصحح من وجهة نظره.
الموضوعات الدينية وما يتعلق بها هي من أكثر الموضوعات جذبا للاهتمام العام، وفي الإنترنت كما في الواقع تستقطب متحاورين عديدين. ولكن حالة الحوار وأسلوبه وما ينتهي إليه ليست مبشرة بالمرة بالنسبة لكثيرين.

"الأمر يشبه حالة شخص اشترى سيارة حديثة ولكنه لا يستغل من إمكاناتها سوى عجلة القيادة ودواسة البنزين" هكذا يشبه المهندس شريف عبد العزيز، صاحب مدونة "العدالة للجميع"، استخدام معظم المشتركين في حوارات دينية على الإنترنت. ويوضح فكرته أكثر "في كل تجربة جانب عاكس وجانب تفاعلي، في الجانب الأول الإنترنت عكست حالة الحوار الديني في الواقع بكل ما يسودها من توتر ويقين مسبق وكسل معرفي ورغبة كل فرد في تحقيق انتصار لما يؤمن به لكي يطمئن قلبه".
يعتقد عبد العزيز أن هذه خصائص الثقافة الدينية السائدة لدى كثيرين، وفي مدونته يحاول أن ينقد هذه الخصائص بهدف "إعادة تعريف الأصولية" كما يعلن في صدارة المدونة. "هذه الخصائص هي التي تفسد الجانب الآخر التفاعلي وتحرم المتحاورين من إمكاناته، فالإنترنت تتيح بسهولة معلومات عن الاتجاهات والمذاهب المختلفة ونقاط اتفاقها واختلافها، وبالتالي صورة أوضح للآخر. كما يتيح الحوار المكتوب مثلا فرصة أكبر للإنصات للآخر والتفكير في كلامه بل وتفكير الشخص في كلامه هو وتأمله جيدا، وهو ما لا يوفره الحوار السريع المباشر، ولكن هذه الإمكانات لا يستفيد منها معظم المتحاورين ويكتفون بترديد ما يؤمنون به وبتبادل الصراخ".
الصراخ هنا ليس مجازا. محاولة استطلاع الأمر في منتديات ذات شعبية أو غرف حوار صوتية مثل تلك التي تتيجها خدمات مثل IMRC أو Paltalk، إن كان الحوار يدور بين مسلمين ومسيحيين حول "الدين الصحيح" أو بين مسلمين سنة وآخرين شيعة حول "الإسلام الصحيح"، فإن الأمر قد يقودك لأن تسمع صراخا بالفعل، أو أن ترى بعض المتحاروين بالكلمات لا يكتفون بالعنف اللفظي بل ويدعمونه بحجم خط كبير وألوان ساخنة للتعبير عن مدى الغضب أو السخرية أو الازدراء.
ولكن هذا ليس الجانب الوحيد وإن كان طاغيا، فلا يمكن أن ننسى أن مدونة عبد العزيز نفسها تستفيد من حرية طرح الأفكار الدينية من قبل أفراد عاديين لا يتمتعون بشهرة ومكانة علماء الدين المتخصصين، وهو يطرح فيها بحرية أفكارا دينية تخالف الآراء السائدة والتقليدية، ولهذه المدونة وحواراتها الفضل في تعرفه على آخرين مقاربين له في طريقة التفكير وربما لم تكن لتتاح لهم فرصة اللقاء بسبب بعد المكان، فتعرفوا على بعضهم البعض من خلال تفاعل أفكارهم في فضاء الإنترنت. ولكن مدونته لم تعدم أيضا معارضين له يرون فيما يكتبه هو الجانب السيء في حرية "الكلام في الدين" على الإنترنت، من هؤلاء " الصارم الحاسم" .
"الصارم الحاسم" مهندس أيضا، ولكنه يفضل أن يظل خلف اسمه المستعار في مدونته وصفحته على الفيس بوك، ليعطيه ذلك حرية أكبر ويبقيه بعيدا عن طائلة أي قمع يطال أصحاب "الاتجاهات الإسلامية" التي توصف بـ"المتطرفة". أحيانا ما يصف "الصارم" نفسه في حوارات على المدونات بالمتطرف. كاستباق ساخر قبل أن يتهمه آخر بذلك بسبب انتقاده لما يراه تجاوزا لثوابت الدين و"جرأة على الله" على حد تعبيره، وهو ما يعتبره أكبر سلبيات الحوار الديني المفتوح على الإنترنت، ويقول:"الإيمان بالغيب هو أساس الدين، والفهم يأتي لاحقا، فهناك أشياء ربما لا نكتشف حكمتها على الفور، و يحتاج منا الأمر للامتثال والتسليم والرجوع لفهم السلف الصالح والعلماء الثقات لنكتشف الحكمة الإلهية في العديد من الأمور بدلا من التشكيك في ثوابت الدين".
معركة الثوابت
اقتربنا قليلا من ساحة المعركة. فمناقشة أو نقد العقائد وثوابت الدين من جهة، في مقابل التسليم بها ورفض التشكيك فيها من جهة أخرى، هي الصورة المتكررة للحوارات التي تتحول إلى معارك.
ومن بين الثوابت الأكثر إثارة للجدل ثم العراك، يبدو الحجاب في مكانة مميزة. فبرغم الحجج المكررة لأنصار الحجاب والانتقادات المكررة من قبل مهاجميه، لا تنتهي فصول المعركة أبدا. على موقع الفيس بوك تتكاثر المجموعات التي تتناول الحجاب بشكل زوجي،تنشأ المجموعة وفورا تنشأ الأخرى التي ترد عليها. الرد هنا ليس معناه الرد على الكلام فقط، بل أحيانا توجيه الدعوة لعدد كبير من الناس للتكاتف ومطالبة موقع الفيس بوك بحذف المجموعة الأخرى، أو محاولة "الاستيلاء" على المجموعة وإغلاقها بوسائل تقنية. وهو ما يشير إليه محمد ثابت، مشرف مجموعة "الحجاب ليس فريضة" عندما يحكي عن تعرضه لمحاولات قرصنة إلكترونية وتهديدات بسبب إنشائه لهذه المجموعة وإدارته لحوار حول "فرضية الحجاب". هذا غير محاولات إفساد الحوار داخل المجموعة بإغراقها بتعليقات خارج الموضوع أو شتائم. ورغم ذلك يؤكد ثابت "الجانب الإيجابي في مثل هذه الحوارات أنها أحيانا ما تنجح في اجتذاب بعض أصحاب الآراء شبه المتطرفة إليها، كما أنها تظل تذكر الأطراف الرافضة لفكرة التسامح الديني والأفراد من ذوي الثقافة والإطلاع المحدودين بأن هناك دائماً وجهة نظر أخرى أكثر اعتدالاً وتسامحاً وأن الرأي الديني المتطرف ليس هو الرأي الوحيد الموجود والذي لابد بالتالي من تبنيه والتحمس له"
الاعتدال والتسامح والتطرف مفاهيم نسبية خاصة بين من يتبنون أفكارا مختلفة، ولكن يظل، كما قال ثابت، لساحات الحوار الديني على الإنترنت الفضل في إتاحة حق الوجود لك الأصوات من كل الاتجاهات.
هذا الفضل هو ما يؤكده شادي سمير، صاحب مدونة " بهائي مصري" ويشير إلى أنه كان السبب في التحسن النسبي في النظرة لأبناء الديانة البهائية منذ إثارة قضية حقهم في إثبات ديانتهم في البطاقة الشخصية. ويقول "الإنترنت كان عاملا هاما في انفتاح غير مسبوق على البهائيين لم يحدث في باقي وسائل الاعلام. فقد أعطى الفرصة للبهائيين أنفسهم لعرض مشاكلهم وقضاياهم بشكل واضح دون اي مزايدات إعلامية. وأعطى المجال للبهائيين للرد على المعلومات المغلوطة المنتشرة عن الدين البهائي. وأتاح لناشطي حقوق الانسان والمدونين المتضامنين الفرصة لعرض وجهة نظر مخالفة للمألوف عن قضية البهائيين المدنية وأيضا الجانب الديني منها، كما أن ظهور مدونين بهائيين أعطى للأمر بعدا إنسانيا بدلا من صورة القضية المجردة".
ولكن هذا التحسن النسبي لم يكن كبيرا، فالإنصات إلى الآخر وتغيير أحد أطراف حوار ديني على الإنترنت لقناعاته أمر عزيز، وما يحدث غالبا أن ساحات الحوار هذه تساهم في توطيد علاقة القريبين في الفكر والقناعات، وهذا ماحدث بعد الجدل حول حقوق البهائيين.. "الصارم الحاسم" وآخرين معه كانوا صوتا واحدا أثناء الجدل رافضين لهذه الحقوق بدعوى أن "الدين البهائي دين وضعي لاحق للإسلام ولا يمكن الاعتراف به"،. في الوقت الذي كانت هناك "جبهة" أخرى متضامنة مع حقوق البهائيين، ضمت شريف عبد العزيز وآخرين ممن يرون أن الإيمان بأي دين لا يجب أن يمس التعايش بحقوق متساوية بين أبناء الديانات المختلفة. وكان من أبرز الأنشطة التضامنية التي نظمها هؤلاء، وقفة أمام مجلس الدولة أثناء نظر القضية وقف فيها شريف عبد العزيز وهو يرفع لافتة كتب عليها:" أنا مسلم أؤمن ببطلان الديانة البهائية، وأؤيد حق البهائي في إضافة كلمة "بهائي" في خانة الديانة بالبطاقة الشخصية له ولأولاده" مع الآية القرآنية: " إن الله يأمر بالعدل".
من الإنترنت إلى العالم الحقيقي
هكذا انتقل بعضا من نتاج الحوار على الإنترنت إلى أرض الواقع، وهو ما حدث ويحدث ولكن ليس كله مما يسعدنا.
فقبل ذلك في العام 2005، شهد حي محرم بك في الإسكندرية اشتباكات طائفية بسبب اتهام كنيسة محرم بك بعرض مسرحية رآها البعض مسيئة للإسلام، واستدعى ذلك جدلا ونقاشات متعددة على الإنترنت. غرف دردشة على الـ Paltlak ومنتديات إسلامية دعت أعضائها إلى التجمع أمام الكنيسة والتظاهر احتجاجا، ونظم بعضهم بالفعل رحلات من محافظات أخرى إلى هناك. وهو ما سبب في المزيد من تأجيج الاحتقان. ولكن في الوقت نفسه، كان مدونون آخرن يعبرون عن غضبهم ورفضهم لهذا الاحتقان وتداعياته، ووقعوا بيانا جماعيا حمل اسم "معا أمام الله .. نحو للمصارحة والمصالحة"، ودعوا فيه إلى معالجة جذرية لأسباب الاحتقان الديني في مصر.
هذا البيان كان نواة مبادرة شكلها مجموعة من المدونين من المسلمين والمسيحيين تحت نفس الاسم " معا أمام الله – مصارحة ومصالحة" ، وبدأت تتخذ شكلا مؤسسيا، وتخطط لأنشطة أساسها "المصارحة" بأسباب الاحتقان الديني لكي يمكن تحقيق "المصالحة" وتجاوز حالة التوتر الطائفي.
" الإنترنت كان نواة البناء الاساسية للمبادرة "تؤكد ماريان ناجي حنا، المنسق العام للمبادرة "التعارف تم بين عقول الأفراد أولا على الإنترنت، وبالتدريج ومع النقاش المستمر اكتشفنا إمكانية الحركة على الارض. ولكن حتى بعد تكوين المبادرة ظل الإنترنت الوسيلة الأهم والأفضل للتواصل والمناقشة بسبب ضيق الوقت والالتزامات"
الحوار والإنصات إلى الآخر هو أساس المبادرة، وهو ما تؤكد ماريان أنه غير موجود في الواقع الحقيقي لذا كان لابد أن يبدأ من الإنترنت " قبل الإنترنت لم يكن هناك حوار أصلا، ما كان موجودا هو تطييب الخواطر بعد كل أزمة، وإجراءات ومعالجات رسمية غير مجدية تتم بين الأزهر والكنيسة والحكومة". وتضيف ماريان "ولكن في الحقيقة لا الكنيسة تمثل جموع المسيحيين ولا المفترض أن تكون كذلك، ولا الأزهر يمثل المسلمين ولا المفترض أن يكون كذلك، ولا الحكومة تعبر عن جموع المصريين رغم أنها هذه المرة من المفترض أن تعبر عنهم...الإنترنت هو الذي ساهم في وجود حوار حقيقي بين الناس من الأغلبية والأقلية، صحيح أنه أحيانا ما ينتهي إلى معارك وخطاب كراهية ولكن على الأقل أصبح هناك حوار".
لقد قطع الإنترنت هذه المسافة ووضع الناس في مواجهة بعضهم البعض، ولكن ذلك ليس معناه أن هناك حالة حوار يسمع فيها كل طرف ما يقوله الآخر. شريف عبد العزيز، وهو أيضا المنسق المساعد لمبادرة "مصارحة ومصالحة"، لا يخفي تشاؤمه من حجم التأثير الإيجابي لهذا الحوار حتى في وجود مبادرات جدية ومخلصة "الاهتمام بقضية الاحتقان الديني يزيد وقت الأزمات ويقل بعدها ويعود الحال لما هو عليه، هل يجب أن يصل الأمر إلى حدث مروع يمسنا جميعا لندرك فداحة هذه المشكلة ويبدأ الناس فعلا في الإنصات لبعضهم البعض؟". لا أحد يتمني ذلك.

نشر في الشروق الأربعاء 18 مارس 2009

المزيد

السبت، 14 مارس، 2009

من ليس معنا فهو ضدنا


TALABA
على كل طالب أن يحدد جبهته! - تصوير: أحمد عبد اللطيف

ساحة النشاط الجامعي لم تعد فقط مسرحا لـ"الحرب ضد الإخوان" على غرار حرب أمريكا ضد الإرهاب، فسياسة الأمن و"رعاية الشباب" تجاه الطلاب "الآخرين" من غير الإخوان تقترب أكثر وأكثر من طريقة خوض بوش لهذه الحرب:"من ليس معنا فهو ضدنا".

بعد حديث قصير مع مجموعة من أعضاء اتحاد الطلبة بكلية الآداب جامعة القاهرة في مقر لجنة الجوالة، وقبل أن يجيبوا عن سؤال يتعلق بمدى حرية نشاطهم واستقلاليته أو تبعيته لإدارة رعاية الشباب، تطوع مشرف لجنة الجوالة بالكلية وقدم إجابة عملية، تدخل متسائلا عن سبب إجراء هذا الحديث وطلب أن نوقفه فورا. لم يوجه حديثه مباشرة إلى الطلاب أعضاء الاتحاد، ولكنهم فور رحيله اعتذروا عن مواصلة الحديث وطلبوا ألا يتم نشر أسمائهم واقترحوا إن تم نشر ما قالوا أن ينسب بدون ذكر أسماء إلى "طلبة في كلية الآداب".
أعضاء اتحاد الطلبة ليسوا أي طلبة، من المفترض أنهم شخصيات عامة داخل الجامعة ويمثلون آلاف الطلبة، ومن المنتظر أن يكونوا بحكم اهتمامهم بالمجال العام شخصيات عامة في المجتمع. ولكن ما حدث، ويعد مؤشرا على درجة استقلاليتهم وتفهمهم لدورهم، ليس مستغربا أبدا بالنظر إلى الطريقة التي تدير بها إدارة "رعاية الشباب" النشاط الطلابي في الجامعة. والتبعية والخضوع لها من جانب الطلبة أعضاء الاتحادات الطلابية هو الوجه الآخر لما يملأ الصحف وقت الانتخابات الطلابية من أخبار الشطب والتهديد بالفصل للطلبة "الآخرين" الذين ليسوا معها.

"هذا ليس صحيحا" يعترض محمد معز، الطالب البارز في أسرة "شباب النيل" في كلية الهندسة، والأمين العام السابق للجنة الفنية في اتحاد طلاب الكلية، "نحن لسنا تابعين لإدارة رعاية الشباب، نحن فقط نجحنا في عقد علاقات قوية معهم وهو ما يسهل لنا ممارسة النشاط، أما شطب زملائنا من الإخوان والتيارات الأخرى، فهذه سياسة لا يمكننا تغييرها إذا كنا لا نحبها، فنحن لا نملك أمامها شيئا ولن توقفنا عن ممارسة نشاطنا".
ولكنها ليست فقط علاقات قوية، بل علاقات "حصرية". فهذه العلاقة التي تسهل ممارسة الأنشطة طول العام تنتهي في أوقات الانتخابات لتصبح "جلسة مغلقة" تضم الأسر المرضيّ عنها من قبل إدارة الشباب، لإتمام الانتخابات بطريقة التزكية عن طريق تقسيم مقاعد اتحاد الطلبة على هذه الأسر، وإما التعيين إن لم يتفقوا. وهو ما يؤكده معز ويتأسف أن الأسر الثلاثة في كلية الهندسة الناجية من الشطب والتي تحظى بحق "الجلسةالمغلقة": "شباب النيل" و"الفراعنة" و"فيو View" لم تتفق، وانتهى الأمر إلى التعيين الذي تجاهل معز هذا العام.
ولكن عضو نفس الأسرة محمد صبري، الطالب بالسنة الثالثة بقسم هندسة القوى الكهربية والأمين المساعد للجنة الفنية في اتحاد هذا العام "المعيّن"، يرى أن هذه "العلاقة التي تسهل ممارسة النشاط"- التي تحدث عنها معز- ضرورية ليتأكد المسئولين عن رعاية الشباب من أن هؤلاء الطلبة "مناسبون" ولن يسببوا أي مشاكل. صبري لا يرى الإقصاء والشطب قمعا ولكنه "حرص شديد" مشروع لحماية النشاط الطلابي. ويضيف صبري "من خلال هذه العلاقة أيضا نقوم بتعريف رعاية الشباب على الطلبة الجدد، نقيم حفلات استقبال ونضم "المناسب" منهم إلى أسرتنا ونعرفهم على أنشطة رعاية الشباب ".

شبكة أمنية وأخرى إخوانية
من الواضح أن شبكة العلاقات هذه، تحقق هدفها "الأمني" لدى إدارة رعاية الشباب وأمن الجامعة، لتمنع "تسلل" طلبة "مشاغبين أو مثيرين للقلق" في نظرهم. ولكن في الحقيقة هذه الشبكة لم تعد ذات معنى بالنسبة لطلبة الإخوان، فبعد سنوات من حصر النشاط الطلابي على هذه الشبكة وإقصاء ما دونها، لا يحاول طلبة الإخوان التعامل مع أنشطة رعاية الشباب، إلا في محاولاتهم المستمرة لتأسيس أسر. ولكن بخلاف ذلك فهم يدخلون إلى الجامعة ويصحبون معهم "شبكة علاقات" أخرى، يوفرها التنظيم خارج الجامعة كما يوفر هذا التنظيم دعما ماليا وبشريا لبدء الأنشطة الخاصة بطلبة الإخوان. ولكن يبقى في النهاية بلا داعم طلبة "الطريق الثالث"، إن جاز التعبير.
محمد عبد المحسن، الطالب بالسنة الثالثة بقسم الهندسة الكيميائية، من الأعضاء البارزين في فريق الغناء بالكلية وهو عضو أيضا في الفرقة القومية للموسيقى العربية. ورغم نشاطه الملحوظ وفوزه بالعديد من الجوائز في المسابقات الجامعية إلا أنه يشكو من أسلوب إدارة رعاية الشباب الذي يضعف النشاط الجامعي، ويرى أنه يلائم أكثر الطلبة ممن لديهم الوقت والرغبة في الدخول في شبكة العلاقات والقبول بشروطها، ويقول "هذه العلاقات أيضا تجعل الإدارة تركز على من يفيدونها، فتهتم باستقطاب الطلبة "الجاهزين" ممن لديهم قدرات ناضجة وليست مجرد مواهب، لأنهم مفيدون في المسابقات الجامعية ويحصدون الجوائز".
لهذا السبب، يحظى عبد المحسن بوضع خاص ويشترك في أنشطة وحفلات تنظمها رعاية الشباب، رغم أنه طالب ذو ميول ليبرالية وعضو في حزب الوفد، ولكنه لا يعول كثيرا على هذه الأنشطة وهامش الحرية المتاح من خلالها، ويرى أن النشاط الأفضل هو ما ينظمه الطلبة بشكل حر ومستقل، بعيدا عن الارتباط برعاية الشباب التي "تستسهل" وتريد تحقيق إنجازات وإقامة أنشطة في حدود هامش حرية ضيق، لذا فهي تجتذب بشكل أساسي الطلبة الراغبين في تحقيق "مصالح خاصة" من وراء النشاط.

الخط المفتوح

المصالح الخاصة لا تنطبق فقط على الاتهامات لبعض طلاب الاتحاد بالتكسب المادي من تنظيم الرحلات والأنشطة الأخرى، وهي الاتهامات التي يظل معظمها مرسلا ولا يمس إلا أفراد بعينهم. ولكن "المصلحة الكبرى" تتمثل في الخط المفتوح الواصل بين الاتحاد والأسر المرضي عنها وبين الحزب الوطني.
محمد معز، عضو أسرة "شباب النيل" كان ينفي أن يكون للحزب الوطني دخلا في إتاحة الفرصة لأسر بعينها يصل أفرادها إلى اتحاد الطلبة وهو يقول "الحزب ليس طريقا إلى الإتحاد، ولكن العكس صحيح: الاتحاد طريق إلى الحزب"،ويضيف أن العلاقة بين الحزب وبعض الأسر واتحاد الطلبة هي علاقة دعم وتعاون وليس سيطرة. فهو يشكو أن ميزانية الاتحاد ضئيلة ولا تكفي ويشيد بدور أمانة الشباب بالحزب الوطني في دعم النشاط.
يؤكد محمد صبري عضو الاتحاد ذلك ويقول "لسنا كلنا أعضاء في الحزب، ولكننا من خلال بعض الطلبة من أعضاء الحزب نحصل على الاعتمادات المالية لبعض الأنشطة".
في ظل القمع لبعض الطلبة ودعم آخرين، لا يمكن بالطبع الحديث عن نشاط طلابي حر ومستقل. يزيد الأمر صعوبة في نظر بعض الطلبة هو وقوعهم بين مطرقة الإدارة والأمن –أضف الحزب الوطني - وسندان الإخوان. وهي المشكلة التي يشير إليها محمد عبد المحسن عندما يقول أن الإخوان يريدون فرض ضوابطهم الخاصة التابعة لرؤيتهم الدينية على النشاط الطلابي وخاصة النشاط الفني، ويضيف أنه في الوقت الذي يتم فيه قمع طلبة الإخوان فأنهم يقومون أحيانا يقمع بعض الأنشطة و يعترضون عادة على إقامة حفلات غنائية مختلطة ويحكي أنهم قاموا قبل 3 سنوات بإفساد حفل غنائي، فأخذ أحدهم الميكروفون ووعظ الطلبة، بينما احتك آخرون بمنظمي الحفل.

" من حقنا أن نعترض، ولكن ليس من منهجنا إفساد أنشطة الآخرين" يرد محمد محيي الدين، الطالب بكلية الصيدلة والمتحدث الرسمي باسم طلبة الإخوان في جامعة القاهرة، ويقول" نحن نعلن اعتراضنا وننصح الآخرين وندعوهم للالتزام بالضوابط، التي ليست ضوابطنا الخاصة، ولكنها الضوابط التي يؤمن بها أغلب الناس الذين يمنحنوننا أصواتهم عندما تحدث انتخابات حرة". يستنكر محيي اعتبار الإخوان سببا في المشكلة "لا يمكن أن نسوّي بين الجاني والضحية، نحن نتعرض للقمع والشطب والفصل، ونحن نحترم الطلبة من كل التيارات والاتجاهات ونسعى للتعاون معهم، ولكن الطبيعي أن يقاوم الكل القمع والحجر على الطلبة ومن واجبهم أن يعترضوا على ما يحدث لطلبة الإخوان".
يعبر محيي الدين عن تفهمه لما يعانيه الطلبة المستقلون عن الكتلتين المتصارعتين مؤكدا: "الحرب ليست ضد الإخون أو غيرهم، الحرب على الوعي الطلابي وأي نشاط يحمل رسالة ما".

ممنوع الكلام !

إذا عدنا لكلية الهندسة كنموذج، فما يقوله محيي الدين يبدو منطبقا. فالنشاط السياسي والثقافي والفني المستقل عليه قيود شديدة، لا ينجو منها إلا الأنشطة التي تركز على الجانب الخيري وجانب تنمية المهارات الشخصية. ففي كلية الهندسة بدأ نشاط أسرة "رسالة" للأعمال الخيرية التي توسعت لتصبح جمعية "رسالة" الخيرية التي تنشط في مناطق متعددة، كما بدأ مشروع "ستب STP" الذي يهدف لتنمية مهارات الطلبة وتأهيلهم لسوق العمل، الذي انطلق من كلية الهندسة ليصبح مشروعا لكل طلبة الجامعات من مختلف المحافظات. ولكن حتى هذه الأنشطة تتعرض لمضايقات وعوائق إذا بدا للإدارة أنها بصدد توجيه أي "رسالة" أخرى موازية لعملها. فأسرة "رسالة" تم تجميد نشاطها في كلية الهندسة، ويعتقد معظم الطلبة أن ذلك جاء بسبب محاولة بعض أفراد الأسرة توجيه رسالة دعوة دينية بجانب النشاط الخيري وهو ما أدي للتجميد الذي يرفض قادة الأسرة الحديث عنه وعن أسبابه أملا في التوصل لحل ودي مع الإدارة.

"ستب" واجهت أيضا مشكلة العام الماضي بسبب دعوتها لأفرادها لتجمع في حديقة الأزهر وقيام أحد الطلبة بإلقاء كلمة عامة. التخوف من أن يتم جمع الطلبة خلال نشاط ما "مسموح" وتوجيه رسالة ما إليهم خارج نطاق "الرقابة"، سبب بعض المشاكل لـ"ستب" واضطرهم لنقل اجتماعهم السنوي العام الماضي إلى قاعة القبة داخل الحرم الجامعي بعد فشل تسوية هذه المشكلة مع عميد كلية الهندسة.
بدو كلية الهندسة بجامعة القاهرة أرضا خصبة للعديد من الأفكار والمبادرات المستقلة التي تنطلق خارجها إلى مجال أوسع. وربما كانت أحدث هذه المبادرات هي أسرة "عشاق الحياة" التي أسسها هذا العام طلاب مستقلون لهم اهتمامات مختلفة وبعضهم له ميول سياسية ليبرالية أو يسارية ومعظمهم مهتم بممارسة نشاط مختلف. مؤسسو "عشاق الحياة" ينطلقون من فكرة الاستقلال والرغبة في تأسيس تيار ثالث يعبر- وفقا لبيان تأسيس الأسرة - "عن جموع التجارب الجديدة و الطلبة غير الممثلين وغير القادرين على التعبير عن أنفسهم في ظل مناخ الجامعة الحالي". ويكون بديلا عن الاتجاهين الذين يسيطران على الحياة الجامعية، وهما – بحسب البيان أيضا – تيار محافظ يضم التيارات الدينية وبعض المجموعات الخيرية وتيار آخر يضم الأسر التي تخدم مصالح أفرادها الذاتية او مصالح إدارة الكلية أو جهات أخرى.

"معانا ولا مع التانيين !"

ولكن يبدو أن الكثير من العوائق تنتظر الطموح الكبير لـ"عشاق الحياة"، حيث يقول مجد زهران، الطالب بالسنة الثالثة بقسم الهندسة المعمارية وعضو "عشاق الحياة": "واجهنا مشاكل متعددة في تأسيس الأسرة و اضطررنا لدفع كل من نعرفه من أساتذة الجامعة للتوسط من أجل قبول أوراق الأسرة بعد مماطلة رعاية الشباب، وفي انتخابات هذا العام تم شطب كل طلاب الأسرة .. إنهم يحاربون كل تجربة جديدة بـ"الزهق"، يردوننا أن نمل ونتعب وننسى التفكير في الأمر".
يوضح محمد أنور، الطالب بالسنة الرابعة بقسم الهندسة الطبية وعضو الأسرة دور شبكة العلاقات إياها التي حاولت احتوائهم أو مواجهتهم "لقد فوجئت الإدارة بنا وبعددنا الكبير مقارنة بأسرة حديثة، فحاولت من خلال الأسر القريبة أن تحتوينا عن طريق دفعنا للاشتراك في لعبة تقسيم المقاعد بالتزكية ولما رفضنا كان نصيبنا الشطب بعد "قعدة الأمن" التي تعقب تقديم أوراق الترشيح، وفيها يحضر ممثلون عن رعاية الشباب والأمن وقادة الأسر المقربة ويقوم كل قائد أسرة بتحديد أوراق الطلبة المرشحين عن هذه الأسرة، والأوراق الباقية تخص الطلبة المستقلين ومنهم طلبة "عشاق الحياة"، لأن الإخوان لم يرشحوا أحدا هذا العام" ويضيف "كل اللي مش معاهم تم شطبه".
الاستبعاد من الانتخابات كان متوقعا من قبل طلبة المجموعة الوليدة، وكذلك عدم الاعتراف بهم وتسجيل الأسرة حتى الآن، ولكنهم بدأوا بالفعل في العمل كمجموعة مستقلة ترفض القبول بالهامش الضيق من الحرية، و تقاوم سياسة "من ليس معنا فهو ضدنا" بلغة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش أو "إنت معانا ولا مع التانيين" كما تقول النكتة. فالمجموعة بدأت في التعاون مع أعضاء هيئة التدريس القريبين منها ونظمت على مدار العام الدراسي الحالي عشر عروض لأفلام قصيرة أنتجها شباب ضمن خطة لنادي سينما أسبوعي، وبدأ نادي هواة التصوير الفوتوغرافي التابع للمجموعة نشاطه برحلة تصوير إلى جزيرة القرصاية ويعد لورش تصوير يشرف عليها فنانون ومحترفون، وتخطط المجموعة لتخصيص يوم ثقافي دوري يتضمن عروضا موسيقية وقراءات أدبية.

أسرة "عشاق الحياة" واحدة من تجارب مماثلة أو قريبة تتناثر هنا وهناك في الجامعات المصرية، ربما تنجح في فترة قصيرة في اجتذاب العديد من الشباب الذين يريدون التعبير بحرية، ليس بالضرورة تحت شعار سياسي، ولكن عن طريق التجمع حول ما يحبونه من الفنون والثقافة وطريقة التعبير. ولكن المعركة القاسية التي لا يقوى تنظيم قوي وعريق مثل الإخوان على مواجهتها، تجعل كثيرا من تلك التجارب تنتهي بعد قليل من مولدها إن لم يكن لديها أكثر من حرارة الأمل والحماسة. لننتظر ونرى.

من ليس معنا فهو ضدنا - الشروق 12 مارس 2009
المزيد

الجمعة، 13 مارس، 2009

أول فيلم وثائقي عن البطل المنسي أحمد عبد العزيز

قائد المتطوعين الذي منعوه من التقدم نحو القدس وقتلته "نيران صديقة"البطل أحمد عبد العزيز وموشى ديانصورة نادرة للبطل أحمدعبد العزيز يتفاوض مع موشى ديان واقفا رافضا أن يجلس معه على طاولة واحدة.

لم تكن المرة الأولى التي يحاول فيها سائق التاكسي أن يمزح وهو يتجه إلى شارع "البطل أحمد عبد العزيز" في المهندسين، فيتساءل مستنكرا أنه لا أحد يعرف في أي رياضة كان ذلك البطل! ولكن مجرد ذكر شيء من تاريخ البطل الراحل قائد كتائب المتطوعين في حرب فلسطين عام 1948، يعيد الجدية إلى الحوار، ومعها أحيانا بعضا من الأسى.
بالتأكيد كانت الجدية ستزيد وسيخفت الأسى مؤقتا ليحل محله بعض الاعتزاز، لو أن هؤلاء الذين لا يعرفون البطل، رأوا صورته النادرة وهو يتفاوض مع موشى ديان- قائد قوات قطاع القدس آنذاك- من الوضع واقفا، رافضا أن تجمعهما طاولة واحدة. وذلك بعد أن تكبدت القوت الإسرائيلية خسائر كبيرة في معركة "جبل المكبر" قرب القدس أمام قوات المتطوعين، فكانت الهدنة التي دعت إليها هيئة الأمم، وقالت مصادر عسكرية أنها بطلب من الجانب الإسرائيلي.
الصورة هي إحدى الوثائق النادرة التي يكشف عنها الفيلم الوثائقي "الطريق إلى القدس" الذي أنتجته قناة "الجزيرة" الوثائقية ونفذته شركة "إيمدج باور" المصرية وأعده وأخرجه رضا فايز.الفيلم الذي يعد الأول من نوعه عن البطل، تم الانتهاء منه في مناسبة مرور 60 عاما على نكبة فلسطين ومقتل أحمد عبد العزيز.
يلقى الفيلم الضوء على جوانب هامة من حياة البطل الراحل، منذ ولادته عام 1907 في الخرطوم لأب عسكري كان في مهمة للجيش المصري هناك، ثم اعتقاله شابا بتهمة قتل ضابط إنجليزي انتقاما لمقتل أخيه عمر أمام عينيه برصاص الإنجليز أثناء اشتراكهما في مظاهرات 1919، ثم الإفراج عنه بعد عفو عام عن المعتقلين السياسيين. وكونه أول ضابط في الجيش المصري يطلب إحالته إلى الاستيداع ليصبح قائدا للقوات الخفيفية الكوماندوز التي تضم متطوعين وتتبع جامعة الدول العربية، والمتجهة إلى فلسطين بعد قرار التقسيم عام 1947.


من خلال وثائق ودراسات متخصصين وشهادات أفراد من أسرته ومتطوعين كانوا ضمن قواته ومعاصرين له أهمهم الفريق سعد الدين الشاذلي، يسجل الفيلم جوانب من يوميات معاركه ضد العصابات الصهيونية التي أصبحت فيما بعد قوات دولة إسرائيل. ويكشف عن الوثيقة التي يأمره فيها قائد الجيش المصري النظامي بوقف التقدم نحو القدس الغربية قبل يوم من قبول الحكومات العربية للهدنة الثانية، بعد أن كانت قواته تكبد القوات الإسرائيلة خسائر كبيرة وتقطع خطوط اتصالاتهم، وبعد أن طلب عبد العزيز أن يمهلوه يوما واحدا لكي يستولي على كل المستعمرات الصهيونية وتصبح كل القدس في أيدي القوات العربية.
تظل قوات المتطوعين مرابطة ما بين بيت لحم وصور باهر قرب القدس، إلى حين الحادث الغامض الذي قتل فيه أحمد عبد العزيز في أغسطس 1948، بعد ساعات من اجتماعه مع موشى ديان، وأثناء توجهه في سيارة جيب مع صلاح سالم إلى مقر قيادة الجيش المصري في غزة لينقل لهم ما دار في الاجتماع، وكان صلاح سالم موفدا من الجيش المصري لكن عبد العزيز أصر على العودة معه ليبلغ القيادة بنفسه ماحدث.
تتعدد الروايات حول مقتله، وما نشر في "الأهرام" من روايات رسمية ومنها رواية صلاح سالم أن السبب نيران صدرت بالخطأ من كتيبة مصرية كانت تعسكر في منطقة "عراق المنشية" واشتبهت في السيارة. بينما تشير رواية أخرى أنها مجموعة فلسطينية مقاتلة تقوم بعمليات عشوائية واشتبهت أيضا في السيارة. ويلمح البعض إلى دور قيادة الجيش المصري الغاضبة من أحمد عبد العزيز وحماسه وعدم التزامه التام بالأوامر، وهناك روايات عديدة تلمح إلى أنها عملية اغتيال ورائها الملك فاروق الذي خشي من تصاعد نجم أحمد عبد العزيز الذي بدأت الصحافة تصفه بـ"البطل" متابعة لمحمد حسنين هيكل الذي نشر بعضا من يومياته وصوره في الجبهة في "أخبار اليوم"، وبدأت الناس تنتظر أخباره. هناك رواية أخرى تلمح إليها بعض المصادر من مؤرخي الإخوان المسلمين عندما تنقل إشارة حسن التهامي إلى أن كتيبة"عراق المنشية" كانت في ذلك الوقت تحت قيادة جمال عبد الناصر.
يشير الفيلم إلى بعض الروايات ويلمح إلى أخرى، وبعض الروايات توفر تفسيرات مبدئية لحالة النسيان والتجاهل لسيرة البطل الراحل. يضاف إليها أن قسم كبير من قوات المتطوعين كان من جماعة الإخوان المسلمين، وأن البطل لم يكن ضمن تنظيم الضباط الأحرار رغم أن كمال الدين حسين- عضو مجلس قيادة الثورة لاحقا- كان من بين قواته ورغم اعتراف أغلبهم بأستاذيته والإشارة لمكانته فيما بعد.
مما يسجله الفيلم نقلا عن مذكرات كمال الدين حسين أن أحمد عبد العزيز قال له ذات مرة، بعد تعرضه للإحباطات، أن الجهاد الحقيقي يبدأ من مصر، وتحديدا من قصر عابدين.الفيلم الذي استغرق إعداده عشرة أشهر مرشح للاشتراك في مهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقية ومن المنتظر عرضه بعد انتهاء المهرجان الشهر القادم. وتبلغ مدة الفيلم 100 دقيقة تنتهي بمشهد النصب التذكاري المشيد عند قبر البطل الراحل في قبة راحيل شمال بيت لحم بفلسطين، قبل أن يتم نقل جثمانه إلى القاهرة لاحقا.
ويبدو أن الإسرائيلين لم ينسوا بعد البطل الراحل، فشاهد قبره القديم لا يزال محاطا بأسوار عالية وأسلاك شائكة تظهر من ورائها أبراج مراقبة يقف فيها حراس مسلحون ويرفرف فوقها العلم الإسرائيلي.


نشر في" الشروق" - 12 مارس 2009 - صفحة 5 أول فيلم وثائقي عن البطل المنسي أحمد عبد العزيز - الشروق 12 مارس 2009
المزيد

السبت، 7 مارس، 2009

كاميليا جبران في القاهرة تحكي وتغني: "لي مكان هو لحني"

كاميليا جبران في القاهرة
كاميليا جبران في القاهرة - تصوير: رندا شعث

المرة الأولى التي دندنت فيها كاميليا جبران بقصيدة جبران خليل جبران "غريبة في هذا العالم/وفي الغربة وحدة قاسية/ووحشة موجعة" كانت لا تزال في فلسطين قبيل عام 2000 تحضر مع فرقة "صابرين" المقدسية لاسطوانة "على فين".
لم تظهر "غريبة" ضمن أغنيات الألبوم، فقد كانت مجرد محاولة للتجريب. لم تكن كاميليا تعرف وقتها أن هذه الأغنية التي ستبدأ غنائها في مشروع محطات" عام 2002 ستظل أحد عناوين مشروعها الموسيقى، ولم تكن تخطط أن تظل منذ ذلك التاريخ وإلى الآن بين "غربة أخرى" اختارتها في مدينة برن بسويسرا وتجوال دائم مع موسيقاها في أوروبا والعالم.

لا قرابة بين كاميليا جبران وجبران خليل جبران، لكن ربما ما يجمعهما هو ذلك الشعور بالغربة الذي يولد دهشة تجد تعبيرها في فن مميز كبصمة إصبع. منذ ولادتها عام 1963 لأسرة من قرية "الرامة" قرب الجليل كانت غربة ما بانتظارها. فأسرتها كانت ممن رفضوا ترك أراضيهم التي أصبحت بعد قرار التقسيم جزءا من إسرائيل، وأصبح ساكنيها من "فلسطيني 48"، عرب فلسطينيون بجنسية إسرائيلية.

في الفيلم التسجيلي "حكي الأوتار" الذي عرض الأربعاء الماضي ضمن مهرجان الفيلم السويسري في القاهرة، تعود كاميليا إلى "الرامة" في إحدى زياراتها لتحكي عن أسرتها، وتخص والدها إلياس جبران معلم الموسيقى وصانع الأعواد بمساحة كبيرة يحكي هو فيها. في هذا البيت تربت كاميليا على الموسيقى، ولا يزال العود في حضنها معظم الوقت ومحور مشروعها الموسيقى. درست في القدس وهناك انضمت لفرقة "صابرين" وقدمت معها أربع ألبومات "دخان البراكين" و"موت النبي" و"جاي الحمام" و"على فين". عرف الجمهور العربي "صابرين"، وانتشرت أغنياتها على مواقع الإنترنت التي صنفته في قسم" الأغاني الملتزمة". في ألبومات "صابرين" تعبير مختلف عن الوطن، بعيد عن الحماسيات والتمجيد، قريب من حالة شجية متأملة ومن تفاصيل إنسانية حميمة، وفي ألحان مختلفة ورغم ذلك قريبة قدمها سعيد مراد، لكن صوت كامليا كان علامة مميزة للتجربة. يكفي أن يكون اللحن توقيعا هادئا ليملأه صوت كاميليا جبران بالشجن واللوعة كما في أغنية "حب على الطريقة الفلسطينية".

تقول كاميليا "تجربة صابرين التي استمرت 20 سنة أكسبتني جرأة التجديد والتجريب. كنا في تساؤل وحوار دائم وكانت كل أغنية تصيب الناس بالدهشة". كانت صابرين تجربة جماعية في اختيار الكلام ونوع الموسيقى، لا ينسى محبو كاميليا وصابرين أن ألبوم "جاي الحمام" في 1994ضم أغنية "ثلاثين نجمة تضوى على وادي السرو.. ثلاثين نجمة تهوى على وادي السرو .. نص العمر يهوي وتغيرت الأيام" من كلمات حسين البرغوثي. وكانت كاميليا آنذاك قد تجاوزت لتوها عامها الثلاثين.

من قبل "جاي الحمام" كانت الفرقة قد بدأت في السفر للمشاركة في مهرجانات عربية ودولية، وفي هذا الوقت بدأ تساؤل كاميليا جبران وهي تشاهد وتتصل بفنانين مختلفين من أنحاء العالم، وتخوض تجارب معهم. في فرنسا غنت قصيدتها الأثيرة "غريبة" مع فرقة راب وهيب هوب فرنسية وكان أول ألحانها الخاصة. تقول كاميليا: "لم يخرج هذا الألبوم إلى النور للأسف، ولكني خرجت منه بأغنية".حملت كاميليا أغنيتها معها إلى أن أتيحت لها في 2002 فرصة الاشتراك في ورشة موسيقية في برن بسويسرا، والتقت بموسيقيين آخرين، منهم فيرنر هاسلر عازف الجاز على آلة الترومبت. أعادت تلحين "غريبة" في ورشة مع هاسلر الذي كان يخوض أول تجاربه في الموسيقى الإلكترونية، وقدمت عرض "محطات” الذي تنتقل فيه بين أغان وألحان مختلفة منذ نشأتها على الموسيقى الكلاسيكية مرورا بتجربة صابرين وصولا لألحانها الخاصة الأولى. ثم تلقت دعوة للبقاء في برن والاستمرار في عرض "محطات". تقول كاميليا: "لم يكن ذلك مخططا له، ولكن كانت فرصة لأبتعد قليلا وأجرب مشروعي الخاص في مكان جديد".

بعد "محطات" أكملت مع هاسلر ما بدئاه، وظهر ألبوم "وميض" في 2004، الذي ضم "غريبة" مع قصائد نثر أخرى لبول شاؤول وعائشة أرناؤوط وفاضل العزاوي وآخرين. كلمات اتجهت إلى هم إنساني معاصر: مشاعر الوحدة والحيرة والأسئلة المعلقة، ووجدت في لقاء العود والموسيقى الإلكترونية تعبيرا عنها. انقسم الجمهور حول وميض بشكل كبير. البعض رفضوه تماما والبعض أحبوه كثيرا. لم يزعج كاميليا رد الفعل هذا، فهي تعلم أنها تقدم شيئا مختلفا، وموسيقى ليست لحالة مؤقتة من المتعة، وتقول: "نحن مجتمعات بحاجة لتعبيرات مختلفة عن تجارب حياتنا المختلفة. ألا نمر جميعا بهذه الحالات؟ لم لا نغينها!؟”.

تحضر كاميليا مع هاسلر لمشروع لقاء آخر. ولكنها مؤخرا قدمت وحدها مشروع "مكان" من أشعار سلمان مصالحة وحسن النجمي وآخرين، وهي الأغاني التي قدمتها في القاهرة الأربعاء الماضي للمرة الثانية بعد عرض فيلم "حكي الأوتار". و مرة أخرى انقسم محبوها حول الكلمات والموسيقى، ورآها البعض موغلة في الغرابة والتجريب. بعض الجمهور لا يزال يطلب منها في الحفلات أن تقدم أغاني "صابرين". تتفهم كاميليا ذلك ولكن لا تستجيب له "لا يوجد أسلوب واحد للغناء للوطن، ومشروعاتي الجديدة حالات مختلفة ومستقلة". تعترف كاميليا أن أجواء المدن الأوربية الباردة حيث تقضي معظم وقتها تنطبع في أغانيها لكنها تراهن على أن الموسيقى يمكن أن تنتقل بسلاسة بين من يعيشون تجارب حياة مختلفة. ولذا فهي مستمرة في تجريبها وتساؤلها وترحالها الموسيقى الذي أصبح وطنها. في القصيدة التي رافقتها لفترة طويلة "غريبة" تغني "وفي الغربة وحدة قاسية، ووحشة موجعة، غير أنها تجعلني أفكر أبداً، بوطن سحري لا أعرفه" وفي آخر مشروعاتها "مكان" تغني: "لي مكان هو لحني، ولذا طفت أغني".

- نشر في الصفحة الأخيرة لجريدة الشروق عدد 7 مارس 2009


المزيد

الخميس، 5 مارس، 2009

طــرق بـعيــدة

بينما ينفي مشايخ الطرق الصوفية ذلك، يعترف شباب الصوفية بأنهم أقلية بين شباب الاتجاهات الدينية الأخرى. ولكنهم جميعا ينكرون أن بعض أفكار التصوف ومباديء الطرق هي السبب في تحول الصوفية يوما بعد يوم إلى طريق غامض تنظر الأجيال الجديدة إليه من بعيد، وتفضل أن تسلك طرقا أخرى.
sofi
حضرة الخميس في مقر الطريقة الجازولية بحي قايتباي - تصوير: هبة خليفة

بعد انتهاء صلاة العشاء في مسجد الأشرف، يتبع رضا، أمين الشرطة في القسم القريب، الشيخ مرتضى محمد، إمام وخطيب المسجد، إلى غرفته الصغيرة يمين المنبر، التي يجلس فيها الشيخ في غير أوقات الصلاة. ويسأله الفتوى: ماذا يفعل وقد فاته بالأمس أداء ركعات الشفع والوتر بعد صلاة العشاء؟ يرد الشيخ بأن هذه الركعات ليست من الواجبات بل من المستحبات ولا مشكلة في نسيانها ولا تصلى قضاء في اليوم التالي، ولكن الوتر من السنن التي كان النبي لا يتركها، ويمكن لمن يحب المواظبة عليه إن نسيه أن يصليه في اليوم التالي إن أحب، وأضاف "يعني براحتك". رد رضا "لأ، ما تقولليش براحتك، قل لي اعمل كذا وكذا، وأنا أنفذ".

قد يكون سبب عدم راحة رضا للإجابة في وظيفته التي تتلخص في طاعة الأوامر الواضحة والقاطعة، ولكن شعور رضا هو جزء من ظاهرة كبيرة لا يكن تجاهلها. تظهر في الميل المتزايد عند مختلف فئات المجتمع المصري للإلحاح في طلب الفتوى في أمور حياتهم ومطالبة العلماء والمشايخ بإيضاح أدق التفاصيل وكل الاحتمالات الممكنة، وكأنهم يريدون أن يكون في الدين إجابة عن كل شيء وبطريقة محددة مثل مسائل الحساب لا تحتمل التنوع والتعدد أو الاختلاف والجدل.

من الجيد إذن أن رضا لم يكن موجودا، والشيخ مرتضى يسترسل في الحديث عن المنهج الصوفي في التفسير الذي يؤدي إلى تأويلات متعددة لظاهر للنصوص الدينية، وبالتالي تعدد الطرق الصوفية وتنوع أساليبها في الذكر والدعاء وفي التربية ومجاهدة النفس. فالشيخ مرتضى وكيل عموم مشيخة الطرق الصوفية في قسم الخليفة، وأحد رجال الطريقة الجازولية الحسينية الشاذلية، التي أسسها الشيخ جابر الجازولي عام 1950. وهي أحد تفرعات الطريقة الشاذلية، نسبة إلى أبي الحسن الشاذلي، المتصوف الشهير الذي ولد بالمغرب، وتوفي ودفن في "الخميثراء" بالصحراء الشرقية في مصر قرب مرسى علم عام 656 هـ، وأشهر تلامذيه أبو العباس المرسي في الإسكندرية. ومن الطريقة الشاذلية تتفرع أكثر الطرق المصرية شهرة وعددا مثل الحامدية الشاذلية والمحمدية الشاذلية "العشيرة المحمدية" والعزمية الشاذلية.

"نحبكم ولكن"
يقول الشيخ مرتضى:”عندما بدأت في الخطابة وإمامة الصلاة في هذا المسجد منذ سنوات، أحببت كل أهل المنطقة وأحبوني، ولكنهم كانوا يقولون لي: نحن نحب كل ما تفعل وتقول، إلا "الحضرة" التي تقيمها الطريقة مساء كل خميس" ولكنه يضيف مبتسما "تطلب الأمر فترة من الوقت حتى بدأوا في الاطمئنان للطريقة وواظب بعضهم على الحضرة".

"الحضرة" من أهم طقوس الطرق الصوفية، وهي تعني اجتماع أهل الطريقة وترديد الأذكار والأوراد والأناشيد الخاصة بها، وتستخدم بعض الطرق، ومنها الطريقة الجازولية، بعض الآلات الموسيقية في الإنشاد والغناء. وتخوف المتدينين من أهم طقوس الصوفية، رغم التاريخ العريق للطرق الصوفية في مصر، وفي هذا الحي تحديدا، حي قايتباي المنعزل بين المقابر والذي يضم المراكز الرئيسية للكثير من الطرق الصوفية ويقع على مرمى حجر من مقر المشيخة العامة، لا يعني إلا التراجع الفادح في تأثير الطرق الصوفية على عامة المصريين، لصالح للانتشار المتزايد لأفكار التيارات الدينية الأخرى، ومنها التيار السلفي الذي يقوم على التمسك الصلب بأقوال ومنهج السلف في التفسير والعبادة، ويرى أن هذه الأذكار والأوراد التي يؤلفها شيوخ الطرق هي "بدع" لا أصل لها ولا يجوز التعبد بها، كما يرى أن الموسيقى والغناء والتصفيق والتمايل هي من المحرمات، فما بالك بممارستها بهدف التعبد والتقرب إلى الله. وبشكل عام، بين الصوفية والسلفية عداء وخصام تاريخي ومعاصر.

يعترف الشيخ مرتضى أن هذا التأثير السلفي أحد الأسباب، ولكنه لا يتفق مع القول بأن انتشار التيار السلفي وإقبال الشباب المتدين على الإلتزام وفق تعاليمه، يقابله تراجع في الإقبال على الاهتمام بالتصوف والانتساب للطرق الصوفية. ويقول:"تعداد أبناء الطرق الصوفية يقترب من 15 مليونا. وفي طريقتنا خاصة الكثير من الشباب". تتفاوت تصريحات مصادر المشيخة العامة للطرق حول عدد أبناء الطرق الصوفية من 15 مليونا إلى 10 مليونا وأحيانا إلى 7 مليون، ولكن يشكك الكثيرون في دقة هذا التعداد الصادر عن الصوفية أنفسهم، ويرون فيه مبالغة كبيرة، مشيرين إلى تراجع أعداد المحتفلين بالموالد المختلفة، وهي مناسبات هامة وأساسية بالنسبة للطرق، تحشد فيها كل طريقة أبنائها. يقول الشيخ مرتضى"إذن، تعال حضرة الخميس وشاهد بنفسك".

من أبناء الطرق إلى "أحفادها"
في مقر السادة الجازولية الذي يقع على بعد أمتار من مسجد الأشرف، أقيمت الحضرة التي ضمت حوالي 240 من أبناء الطريقة. لا يخلو الحضور من الشباب، ولكن أكثر من ثلثي الحاضرين سنهم فوق الأربعين.بينما يمكن أن تلاحظ هذه النسبة معكوسة في أي تجمع سلفي أو إخواني أو في جمهور أي داعية شاب.

الكثير من شباب الجازولية هم من أسر أو عائلات تنتمي إلى الطريقة، من هؤلاء المهندس أحمد عزت، من أبناء الطريقة في مدينة نصر، والمهندس إيهاب أبو الخير، من أبناء الطريقة الجازولية في شبرا، اللذان يقولان أن العائلة كانت سبب وجودهما في الطريقة وأنهما تربيا فيها وعلى تعاليمها منذ الطفولة. يعترف المهندس إيهاب على مضض بصعود السلفية والإخوان والدعاة الجدد وتراجع التصوف كخيار للشباب المتدين، ولكنه يُرجع ذلك إلى الجهل بحقيقة التصوف ويقول إنه يفتقر لوسائل إعلام تنقل تعاليمه إلى الناس.

بالفعل تخلو وسائل الإعلام من رموز صوفية مؤثرة، وفي المقابل هناك العديد من الفضائيات السلفية المصرية مثل "الناس" و"الرحمة" و"البركة" وغيرهم، وهناك حضور لرموز قريبة من تيار الإخوان مثل الشيخ القرضاوي على قناة "الجزيرة"، وتمثل الفضائيات النافذة الرئيسية للدعاة الشباب غير المنتمين لتيار بعينه. ولكن هذا الأمر يعتبره البعض مظهرا دالا على تقلص المكانة الصوفية لا سببا لها.لأن الكثير من وسائل الإعلام يبحث عن الرموز التي يحبها الناس ويظهرها، وبعض الدعاة المستقلين بدءوا من مساجد صغيرة وظهروا في الفضائيات بعد تحقيقهم شهرة مناسبة.

يمكن أن يكون مؤشرا أيضا على تراجع المكانة الصوفية، ما يلاحظه سيد عبد الله طالب الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وعضو الطريقة المحمدية الشاذلية، من انتشار السلفية بين طلبة الأزهر، رغم أن مؤسسة الأزهر أقرب للصوفية منها للسلفية. على الأقل يدرس طلاب الأزهر مادة "التصوف الإسلامي". والكثير من علماء الأزهر قريبون من أوساط الصوفية وبعضهم من رجال الطرق فعلا.

يضيف سيد عبد الله، أن الإخوان يأتون بعد السلفية بسبب التضييق الأمني على نشاطهم السياسي، ولكن ما يزيد من أزمة الغياب الصوفي هو تفرق أبناءه بين الطرق، وهو ما يعوق ممارسة نشاط طلابي ذى طابع صوفي. بينما الإخوان جماعة واحدة في كل أنحاء مصر، والسلفية رغم أنها تيار غير منظم لكن أفكارها ورموزها تجمع كل المنتسبين لها في كل مكان في مصر وخارجها.

محبون لا مريدون
ولكن الأمر قد يكون مرتبطا بطبيعة التصوف وطرقه نفسها، لا عوامل خارجه ولا عوامل الصراع بينه وبني تيارات أخرى، وهو ما يراه تامر رؤوف طالب الطب الذي يسكن بجوار مسجد الحامدية الشاذلية في المهندسين، ويحضر أحيانا بعض مجالس الذكر والإنشاد، ولأنه يحب الشعر والموسيقى فإنه ينتشي كثيرا ببهجة الشعر والغناء الصوفي، كما يشعر بدفء هذه الجلسات التي تعيد إليه التوازن النفسي بعيدا عن ضغوط الحياة وصراعاتها. ولكنه في المقابل لا يشعر أبدا أنه يمكن أن يتخذ قرارا بالانضمام للطريقة ليكون "مريدا" بين يدي "شيخ" يتولى تربيته، وتجب عليه طاعته. ويقول "أنا أحب أن أكون حرا، أقرأ كتب المتصوفة أوالإخوان أو مفكرين مثل طارق البشري والمسيري وغيرهم. أستمع إلى خطب القرضاوي أو الحبيب الجفري. أحب الإنشاد في حضرات الصوفية وحفلات الموسيقى في الأوبرا" ويضيف أن هناك مادة في القانون الداخلي للطريقة الحامدية الشاذلية نصها "يجب على التلميذ ألا ينازع شيخه ولا أن يطلب منه دليل على ما أمر به أو فعله فإن الأشياخ أمناء الله".

ما يتحدث عنه تامر يمثل اتجاها لقطاع واسع من شباب المدن، وهو ما ترصده د. منال عبد المنعم جاد الله في دراستها "التصوف في مصر والمغرب"1997، وتفسره بأن طبيعة الدين تختلف بين المجتمعات الريفية والقبلية وبين المجتمعات الحديثة في المدن، ففي الأولى هناك حاجة لشخص الشيخ بينما في الثانية هناك حاجة إلى الكتاب المطبوع. وفي الأولى هناك حاجة إلى "النسب الشريف" وإلى "الأشراف" أبناء آل البيت أو العائلات الكبرى الذين يعتمد الناس عليهم ويثقون بهم، بينما في الثانية يعتمد الناس على صفوة ثقافية أو أكاديمية. وهي تربط ذلك بما تلاحظه من قلة المنتسبين للطرق من شباب المدن ولكنها تقول أن الطرق عوضت ذلك عن طريق انتساب كبار السن والفئات الريفية.

تلقي المريد العلم والتربية علي يد الشيخ أمر أساسي في التصوف، لذلك فهو "طريقة" وليس "مذهبا"، طريقة عملية في التربية والسلوك يتم نقلها بالاتصال الشخصي المباشر. ويقول الشيخ مرتضى محمد "علمنا لا يؤخذ من الكتاب أو التلفاز، لابد من الشيخ المربي"، ومن مأثورات الشاذلية "من لا شيخ له فشيخه الشيطان".وترى د. منال جاد الله أن التغيرات الاجتماعية تجعل المتعلمين والشباب أقل قبولا لسلطة الشيخ الصوفي التي تشبه سلطة الأب نتيجة لازدياد ميل الشباب إلى الاستقلال وربما السخرية من وجهة النظر الأبوية.

في التيارات الأخرى، العلاقة بين العالم وطالب العلم السلفي تشبه علاقة الأستاذ بالطالب الجامعي أو علاقة المفكر والمثقف بالشباب المتأثرين بأفكاره. وفي جماعة الإخوان، الطاعة التنظيمية قد لا تخلو أيضا من خليط من التراتب العسكري وسلطة الأب المربي، ولكن الأجيال الجديدة في الجماعة لم تتوقف عن انتقاد بعض أساليب إدارة الجماعة والدعوة لأسلوب أكثر ديمقراطية. ومثل هذا الجدل لا يمكن أن يوجد داخل طريقة صوفية.

بعيدا عن السياسة أو في الحزب الحاكم
الاهتمام المتزايد بالسياسة في الشارع المصري يجعل الشباب الذي يعاني من الأوضاع الاجتماعية، أكثر ميلا للاتجاهات الدينية التي تقدم رؤى سياسية أو اجتماعية بديلة، حتى ولو نظرية. وفي المقابل يرصد فاروق مصطفى في دراسته عن "البناء الاجتماعي للطريقة الشاذلية"1974 أن مبدأ التوريث الذي يغلب على الطرق الصوفية، بحيث يختيار شيخ الطريقة ابنه الأكبر أو أخيه لخلافته، قد جعل كل طريقة حكرا على عائلة بعينها، وهو ما أبعد الطرق الصوفية عن الناحية الاجتماعية وجعلها تميل لخدمة الوضع القائم، كما أنه يضعف جاذبية الطرق في أعين الناس بسبب افتقاد الشيوخ الأبناء لكاريزما الآباء المؤسسين.

وفي كتابه "الصوفية والسياسة في مصر"1997، يرصد د. عمار على حسن، عبر دراسة تطبيقية على عينة من طريقتين إحداهما الحامدية الشاذلية والأخرى الخليلية، أن تربية الطرق الصوفية تنمي قيما إيجابية مثل التسامح والأخوة. ولكن لأن هذه التربية تعتمد على اتباع الشيخ "الملهم" أو "صاحب النسب الشريف "، الذي لا يمكن مناقشته لأن علمه وأمره إلهام من الله، فهي تنمي في المقابل قيم الخضوع للسلطة، وتضعف قيمة الاستقلال والرأي الحر والإيجابية السياسية، وتكرس قبول الأمر الواقع بدلا من السعي إلى تغييره، وتبرر قبول التفاوت الاجتماعي باعتباره من قدر الله أو مما يأمر به الدين. وكان دالا أن أفراد عينة الدراسة من الطرقتين المنتمين لأحزاب، ونسبتهم 23.6% من الحامدية الشاذلية و12.5% من الخليلية، ينتمون جميعهم لحزب واحد فقط هو "الحزب الوطني". بينما غير المنتمين لأحزاب يبررون ذلك بالتفرغ للعمل الصوفي أو عدم الاهتمام بالسياسة.

هذه العلاقة بالسلطة ساعدت الطرق الصوفية على التكيف والاستمرار، وضمنت لرؤسائها المكاسب ولو اقتصرت على المكانة الاجتماعية والروحية. كما أن السيطرة على الأعداد الكبيرة المنضوية تحت رايات الطرق، وضمان تأييدها أو سلبيتها، كان مكسبا للسلطة. ولكن يبدو أن الأمور لا تسير في صالح كليهما، فالاتجاهات الدينية الأخرى تنتعش بينما تفتقد الصوفية للدماء الجديدة لأنها لم تعد قادرة على اجتذاب الشباب، وقد تكتشف السلطة أنها تتكيء على عصا قديمة لم تعد تحتمل.

ولكن بعيدا عن رؤساء الطرق ورجال السلطة وعن الشباب الذي يجد طرقه البديلة، فإن أفول الطرق الصوفية قد يعني "يتما روحيا" لبعض أبنائها من البسطاء الذين لا يجدون ضالتهم لا في يقين السلفيين الجامد، ولا في حماسة الإخوان. ولكنهم يجدونه في الحب المشخص للأولياء وآل بيت النبي، وفي بهجة ليالي الذكر والإنشاد. وربما كان منهم ذلك الكهل الحرفي الذي وضع بين قدميه حقيبة أدواته، واكتفى وقت تمايل الآخرين في حضرة الجازولية بهز رأسه بينما تفيض عيناه بدمع غزير رغم ابتسامته الوسعة وهو يرفع يديه ووجهه إلى السماء وشفتاه تتمتمان بما لا يعلمه إلا الله.


الصوفية - عمرو عزت - جريدة الشروق - 6 مارس 2009
المزيد