الاثنين، 29 مارس 2010

جروح مفتوحة .. حرائق محتملة

كنيسة مؤقتة في حوش بيت مسقوف بجريد النخل لأقباط عزبة بشرى - تصوير: عمرو عزت

الأساليب السريعة لإطفاء نيران «الفتن الطائفية» تترك تحت الرماد مواد قابلة للاشتعال فى انتظار تجدد الشرارة. زيارة لعزبة «بشرى الشرقية" في بني سويف التي تجددت فيها الأحداث الطائفية على مدار سنتين.

"كل شيء على ما يرام منذ جلسة الصلح. العلاقة بيننا وبين إخواننا المسلمين في العزبة جيدة جدا. صحيح لم يصدر بعد ترخيص ببناء كنيسة. لكن سمح الأمن لنا بالصلاة في بيت مؤقتا ونحن في انتظار الترخيص" يبدو الأب يعقوب متفائلا وهو يتحدث عن الأحوال في عزبة بشرى الشرقية التابعة لقرية تلت مركز الفشن ببني سويف.
العزبة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها الألفين، ثلثهم تقريبا من المسيحيين، شهدت حادثين طائفيين. كلاهما بسبب مكان صلاة المسيحيين، ولا يفصل بينهما سوى عام واحد وجلسة صلح سابقة.
في يوليو 2008، بحسب تقريرالمركز الحقوقي "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، حرق مجهولون محاصيل بعض المزارعين الأقباط وحاولوا حرق منزل أحدهم، وهدموا سورا تم بناؤه بين أرض زراعية وأرض مملوكة لمطرانية الفشن بها منزل الكاهن السابق الأب إسحق الذي كان المسيحيون يزورونه لإقامة الصلاة فيه، وتردد في العزبة أن ذلك تمهيدا لبناء كنيسة. بعد جلسة صلح منع الأمن إقامة الصلاة في منزل الكاهن داخل قطعة الأرض.
وفي يونيو2009، حسب نفس التقرير، حدثت اشتباكات بين المسيحيين وأفراد أمن حاولوا منعهم من دخول منزل الكاهن السابق الأب إسحق لإقامة الصلاة عنده، وتدخل بعض الأهالي المسلمين إلى جانب أفراد الأمن. وبعض قدوم تعزيزات الأمن التي تتهمها الشهادات في التقرير بالاعتداء على منازل الأقباط أثناء اعتقالهم، وقعت إصابات لعشرات الأقباط و ثمانية من المسلمين وتم إلقاء القبض على 19 مسيحيا والمصابين الثمانية من المسلمين. تم إخلاء سبيل الجميع من نيابة الفشن، ولكن على مدى 3 أيام تجدد إتلاف محاصيل المزارعين الأقباط. وفي 30 يونيو 2009 عقدت جلسة صلح بحضور محافظ بني سويف ومطران الفشن ووكيل وزارة الأوقاف واقتصرت على خطب ودية ولم تتطرق إلى مشكلة مكان صلاة المسيحيين، ولكن تم الاتفاق على رحيل الأب إسحق من العزبة ووعد المحافظ برصف الطريقين المؤديين للعزبة!
وهو يقطع الطريق الترابي غير الممهد بين قرية تلت وعزبة، يبدي سائق التاكسي المقيم في مركز الفشن تعجبه من أنها المرة الأولى التي يعرف فيها باسم عزبة بشرى، بل لم يسمع عن كل هذه الأحداث من الأصل. وعندما يقترب من سور العزبة وبوابتها القديمة ذات الشكل المميز يعلق ضاحكا: كأننا ندخل التاريخ !
البوابة والسور مما تبقى من عزبة بشرى حنا باشا التي تم تقسيمها بعد يوليو 1952 بين مزارعين وبين ورثة بشرى باشا الذين باعوا كل نصيبهم ورحلوا. خلف السور الذي يفصل العزبة عن المحيط الزراعي الأخضر، تبدأ البيوت المتقشفة الطينية في أغلبها. مبان قليلة تبدو في حالة أحسن، منها المدرسة الصغيرة والمسجد الفخم ومنزل الكاهن الذي حدثت حوله الاشتباكات. وفي حالة أقل ولكنها أفضل قليلا تبدو البيوت التي تطل على الترعة التي تحد العزبة شرقا. هناك يسكن ميخائيل تادرس، أحد وجهاء الأقباط في العزبة، الذي لا يحب أيضا الخوض في تفاصيل المشكلة ويؤكد كثيرا على أن الأمور هادئة الآن خاصة بعد العلاقة الجيدة بين الأمن والأب يعقوب الكاهن الجديد، والتي جعلت الأمن يعطي موافقة شفهية على إقامة الصلاة في بيت آخر بجوار بوابة العزبة وتحت حراسة أفراد أمن. ولكن حديثه المطمئن يثير سؤالا قلقا حول مصير هذا الهدوء في حالة حدوث خلاف بين الأب وضابط أمن الدولة.
يقول إسحق إبراهيم، الباحث في برنامج حرية الدين والمعتقد ب"المبادرة المصرية”: “في ظل المشكلات الكثيرة التي تعترض وتؤخر صدور تراخيص بناء الكنائس، فإن العلاقة بين كاهن الكنيسة وأمن الدولة وأحيانا المحافظ وسمات كل منهم الشخصية تحدد طريقة التعامل مع أماكن صلاة الأقباط. أحيانا يصلي الأقباط في بيوت عادية بموافقة شفهية من الأمن. وأحيانا يوافق الأمن على إقامة الصلاة في جمعية أهلية مشهرة بوزارة التضامن الاجتماعي".
يتهم مصري عبد المولى، أحد سكان العزبة ورئيس المجلس المحلي بقرية أقفهص المجاورة، الأب إسحق الكاهن السابق بأنه سبب توتر العلاقات بين مسلمي العزبة ومسيحييها بالإضافة إلى محاولته إقامة صلاة في أماكن تنقصها التراخيص اللازمة.
يتهم بعض مسلمي العزبة، منهم مصري عبد المولى أحد ا لقيادات المحلية في المنطقة، الأب إسحق بأنه سبب توتر الأمور وقت الحادثتين بسبب عناده وإصراره على إقامة الصلاة في أماكن بلا تراخيص، بينما يشير ميخائيل تادرس إلى أن ذلك كان يمكن أن يمر لولا توتر العلاقة بين الأب إسحق وضابط أمن الدولة.
يلمح عادل رمضان، المسئول القانوني بالمبادرة والذي قام بجمع الشهادات من أهالي القرية وحضر جلسة الصلح الأخيرة، إلى أن سخط الأمن على كاهن الكنيسة وتعامل الأمن الفظ مع المسيحيين كان بمثابة تحريض وتشجيع على تلك الأحدث: “الأمن يمسك تماما بخيوط اللعبة. وإذا رأي بعض الأهالي أفراد الأمن يتعاملون بهذه الطريقة مع المسيحيين فهو بمثابة تشجيع. هذا ناهيك عن إشراف الأمن على مخالفة القانون بالضغط من أجل التناول عن كل المحاضر وقضايا التعويض عن الخسائر، بل وصل الأمر إلى حدوث تصالح في قضية حرق المنازل وهي قانونا جناية لا يجوز التصالح فيها".
يحكي عادل رمضان أن جلسة الصلح الأخيرة كانت بمثابة إعلان انتصار للمعتدين، فلم يتطرق كل الأطراف للمشكلة الرئيسية ولا للأحداث ولا لأي مسئولية ولا تعويض للخسائر، تم الاتفاق على إبعاد الكاهن وأن يكون المنزل محل الخلاف مجرد منزل للكاهن لا تقام فيه الصلاة. خرج بعض المسلمين يهتفون هتافات مستفزة وكأنه انتصار للإسلام! بينما خرج المسيحيون في ذهول يتساءلون عن مصير المشكلة الرئيسية التي حدث كل ذلك بسببها".
بعد جلسة الصلح الرسمية البروتوكولية، عقدت في أكتوبر الماضي جلسة صلح أخرى وافق فيها الأمن شفاهة على صلاة الأقباط في بيت صغير مع وعد بقرب صدور ترخيص لبناء كنيسة مكان هذا البيت.
على دكة في مواجهة البيت يجلس خفيرين للحراسة، وفي مدخله تقف أم معوض تبيع بعض البقالة والمشروبات. مكان الصلاة هو حوش صغير من جزئين سقفه مغطى بجريد النخل، على حوائطه علقت صور القديسين والآباء وبعض اللوحات الكرتونية التي تحمل صلوات، ومن بينها تظهر صورة حنا معوض، الزوج الراحل لأم معوض التي تسأل باهتمام عن موعد صدور ترخيص بناء الكنيسة التي ستظل تقيم فيها وتخدمها: “المكان ضيق. في الصيف نتنفس بصعوبة وفي الشتاء لا سقف فوقنا كما ترى. ولكن نحمد الله أننا نصلي".
يبدي معظم أقباط العزبة رضاهم، حتى كمال نعومي أحد المزارعين الذين أحرقت بعض أرضهم. لا يعلم كمال شيئا عن مصير المحضر الذي تقدم به وبالطبع لم يقدم أي مشتبه به للمحاكمة كما في معظم الأحداث الطائفية، لم يصرف له أي تعويض عما لحق به من خسائر ولكنه في النهاية يقول: “فرحت أننا صلينا عيد الميلاد الماضي في المكان الجديد، لا بأس به. لا أفكر في تعويضات ولا محاضر. الله يعوّض علينا وتصدر التراخيص وستكون الكنيسة عوضنا".


"الميزان يزداد اختلالا"
" قاصر وقصير النظر ومعيب وأحيانا مخالف للقانون" هذه هي خلاصة وصف تعامل الدولة مع المشكلات الطائفية في رأي حسام بهجت، المدير التنفيذي للمركز الحقوقي "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" الذي يصدر تقريرا ربع سنويا عن حالة حرية الدين والمعتقد في مصر.
يوضح حسام بهجت أسباب وصفه ذلك بأن التدخل الأولي للأمن يكون متأخرا يعجز عن حماية ضحايا الاعتداءات، أحيانا يمتنع عن التدخل السريع بسبب قلة أعداد الأمن عن المعتدين أو المتجمهرين، و بعد وصول تعزيزات يحدث قمع عشوائي وعنيف لكل التجمعات حتى لو كانت لأهالي الضحايا مثلا، مثلما حدث أمام مستشفى نجع حمادي بعد الجريمة الأخيرة هناك.
يتابع حسام: “غالبا ما تحدث اعتقالات عشوائية هدفها تشتيت انتباه الجميع وشغلهم بالإفراج عن الضحايا وأحيانا يستخدم ذلك للضغط من أجل التنازل عن المحاضر والقضايا".
ما يحدث بعد التنازل هو إفلات المعتدين وهو ما يشجعهم وآخرين على تكرار نفس السلوك مرة أخرى. يلاحظ حسام: “حرق المنازل صار سلوكا متكررا يفلت صاحبه". إحساس الضحايا بالقهر يزيد خاصة في غياب التعويضات المناسبة في معظم الحالات وعدم وجود آلية مستقرة لتقديرها وصرفها في باقي الحالات، إضافة إلى تجاهل جلسات الصلح غالبا للمشكلة الأساسية، يضيف حسام: “هكذا يزداد الميزان اختلالا. وهذه الطريقة في التعامل هي روشتة مثالية لتكرار الأحداث وهو ما يحدث بالفعل في أكثر من مكان منهم عزبة بشرى في بني سويف".
يرصد حسام في الفترة الأخيرة تغيرا في خطاب الدولة، تمثل في استخدام الرئيس في خطبه التالية لحادث نجع حمادي لكلمات مثل "التحريض الطائفي" و"العنف الطائفي" ويتمنى أن يلاحظ صدى لهذا التغير في طريقة التعامل بدلا من تلك الحالة التي يبدو وكأن هدفها هو نسيان ما حدث كأنه لم يحدث.


نشر في "الشروق" الخميس 25 مارس 2010
PDF

المزيد

الثلاثاء، 23 مارس 2010

حرامي في مولد

التعذيب الشعبي

من المفترض أن يكون الفرق بين المجتمع الحديث الذي يحكمه القانون وبين "المولد" هو نفسه الفرق بين احترام الفرد وحقوقه ولو كان متهما بارتكاب جريمة وبين "العلقة" التي ينالها الحرامي في المولد ويضرب بها المثل.

لم تتمكن المهندسة المعمارية رشا أسامة من الدخول بسهولة إلي بيتها في منطقة الهرم ذلك المساء. فقد وجدت حشدا كبيرا متحمسا يتفرج على شيء ما في مدخل العمارة، وبصعوبة بالغة تمكنت من مناداة البواب الذي كان من الحشد فأفسح لها طريقا لتمر إلى السلم. وفي طريقها بدأت تدرك سبب ذلك الحشد: شاب في حالة رثة ملقى على الأرض وحوله مجموعة كبيرة من الناس ينهالون عليه بالسباب والضرب، وأحدهم يقوم بدور قيادي ويتولي التحقيق مع الشاب ممسكا بحزام جلدي ينهال به عليه بين الحين والآخر وهو يطالبه بالاعتراف.
علمت فيما بعد أن جريمة سرقت حدثت لأحد سكان العمارة، وأنهم اشتبهوا في علاقة هذا الشباب بالجريمة، فـ"ألقوا القبض عليه" و"تولوا التحقيق معه"، ولكن في النهاية لم يتمكنوا من إجباره على الاعتراف فـ"أطلقوا سراحه".
"الجماهير" التي تقمصت دور الشرطة لم تكتف بذلك، بل تجاوزت إلى استخدام قدرمن "التعذيب" في التعامل مع المتهم المفترض. وهو التجاوز الذي تتهم تقارير حقوقية متعددة ضباط الشرطة بارتكابه، بل واعتماده كسياسة منهجية في الأقسام والسجون. وأدين عدد منهم بالفعل، وأشهرهم الضابط إسلام نبيه المحكوم عليه بالسجن 3 سنوات لتعذيبه عماد الكبير الذي أصبح اسمه عنوان قضية شغلت الرأي العام لفترة. ولكن هل هذا "الرأي العام" يقف بشكل مبدئي ضد التعذيب أم أن الكثيرين منا لن يترددوا عن استخدامه عندما يجدون أنفسهم في مكان ضابط الشرطة ويودون إجبار شخص آخر على الإدلاء بمعلومات أو اعتراف، أو يودون عقابه بعيدا عن القانون؟
لا وجود لإجابة قاطعة بالتأكيد، فمن جهة ما ترويه المهندسة رشا أسامة يرويه آخرون أيضا، ومن جهة أخرى هذه الروايات تعكس اختلافا في الرأي حولها. فرشا أسامة لم يعجبها ما حدث، بينما الحشد المكون من أهل الشارع كان الأمر يعجبه إلى حد المشاركة. ولكن بالتأكيد تكرار مثل هذه الحوادث وعلى نطاق أكبر من هذه الحكاية مؤشر سلبي.
قبل عام، اتهم خفير في فيلا بالشروق، الطيار صاحب الفيلا وزوجته وشقيقته باحتجازه وتعذيبه، بل واستئجار رجل لانتهاكه جنسيا وتصوير ذلك وإجباره على التوقيع على إيصالات أمانة، عقابا له على إعطاء رقم تليفون زوجة الطيار لرجلين مجهولين قاما بمعاكستها تليفونيا. وسجلت التحقيقات اعترافاتهم بذلك، ولكنهم أنكروها في المحاكمة. وفي الشهر الماضي، تم اتهام تاجر من قرية "وردان" التابعة لمركز إمبابة باحتجاز أحد عماله و تعذيبه، لأنه شك في اختلاسه مبلغا ماليا. وقال في التحقيقات أن أمين شرطة هو الذي نصحه بذلك وقال له أن الطريق القانوني لن يعيد إليه أمواله.
يقول مصطفى حسين، الطبيب النفسي الذي يعمل ضمن فريق مركز النديم لإعادة تأهيل ضحايا العنف "عدم ثقة المواطنين في فاعلية القانون والقضاء في إعادة حقوقهم ربما يكون سببا في هذه الحالات. ولكن هذه الحالات لا تصل للمنظمات الحقوقية، ولا يزال التعريف الرسمي للتعذيب الذي تعمل على مناهضته ومعالجة آثاره هو الفعل الذي يأتي من جهة رسمية أو ذات سلطة" ويضيف أن بعض الحالات التي يقوم بالتعذيب فيها مواطنون عاديون يكونون أحيانا أصحاب سلطة بشكل ما على من يتم تعذيبه.
يمكن تقسيم حالات "التعذيب الشعبي" – إن أمكن أن نسميه كذلك- إلى نوعين: نوع يكون فيه المتهم بارتكاب التعذيب في موقع يمكن اعتباره "سلطة ما" أو "وضع اجتماعي أعلى" من الضحية، مثل الطيار مع خفير الفيلا والتاجر مع أحد عماله. والنوع الآخر هوالنوع الذي يتقمص فيه الناس دور أفراد الشرطة تطوعا لـ"تأديب" متهم ما شكوا فيه أو ينفجر غضبهم تجاهه بعد ضبطه متلبسا. والنوع الأخير هو ما يعبر عنه المثل الشعبي واصفا العلقة الساخنة بأنها "ما أخدهاش حرامي في مولد". المثل يمكن أن يكون صورة معبرة عن هذا النوع وما يحيطه من ملابسات. فالمولد عبارة عن حالة استثنائية من الفوضي يغيب فيها النظام وبالتالي القانون بشكل كبير. تنتشر السرقات نتيجة لذلك، وبالتالي فإن رد الفعل على نفس القدر من الفوضى. ينفجرالناس وينتقمون ممن يتم "الحكم عليه" في لحظة ما بأنه لص على كل تلك الجرائم التي حدثت سابقا لهم أو سمعوا عنها. وفي الغالب فإنهم يتركون "اللص" دون تسليمه إلى الشرطة، ويعتقدون أن ما حدث هو عقاب مناسب وكاف.
عبد الهادي سلامة، صاحب متجر للمحمول في بولاق الدكرور، يعتقد أن هذا الوضع هوالأفضل للناس وللصوص معا:"الحكومة ما عندهاش وقت للتحقيق في سرقة موبايل أو ألف جنيه، والناس بتخلّص حقها بدراعها. وكمان الحرامي ممكن يكون شاب غلط لأول مرة.حرام يتبهدل وتبقى سابقة ويدخل السجن ويبقى مجرم رسمي. كفاية عليه علقة تربيه ويتعلم الأدب". يضيف عبد الهادي أنه تعاطف مع عماد الكبير في قضية تعذيبه ولكنه أيضا يعتقد أن ضابط الشرطة "معذور" لأنه يواجه قضايا كثيرة ويتعامل أحيانا مع"أشكال واطية" لا ينفع معها الأدب أو القانون أوحقوق الإنسان و"كل الكلام الحلو ده" على حد تعبيره.
وجهة نظر عبد الهادي سلامة، هي إحدى زوايا النظر التي تفسر جانبا من الظاهرة التي تجمع معا تبريرالقيام بفعل التعذيب أوقبول وقوعه لآخرين من قبل بعض ضباط الشرطة. وهذ القبول له علاقة أيضا بما تشير إليه تقارير حقوقية من أن بعض حوادث التعذيب المتهم فيها ضباط شرطة تمت كشكل من أشكال "المجاملة" لأصدقاء أوأقارب أو أصحاب نفوذ. من ذلك ما يرويه المهندس محمد عبد القادر، وهو شديد الأسف، من أنه استعان مرة بأحد ضباط الشرطة من معارفه لردع "مسجل خطر" كان يهدد أسرته. وكان رأي الضابط أن التعامل الرسمي لن يفيد، وقام هو بما يظنه أصلح وأمر بتعذيب المواطن المسجل خطر في شارعهم وبأساليب "جنسية" مهينة ليضمن ألا يقترب من هذا الشارع مرة أخرى. يقول محمد عبد القادر: "لم أكن معترضا ساعتها ولكني الآن مستاء جدا من هذه الطريقة العنيفة خارج القانون". ما يرويه يؤكد جانبا من الظاهرة ولكن ندمه وأسفه يؤكدان جانبا آخر وهو أن هناك حالة من عدم الحسم أوالاستقرار في وجهة نظر بعض المصريين تجاه أشكال العنف ومن بينها التعذيب.
يقول مصطفى حسين، الطبيب النفسي: "تصاعد العنف في المجتمع المصري في الفترة الأخيرة في مجالات متعددة منها العنف داخل الأسرة أو في المدراس قد يغري الكثيرين بالتسرع واتهام المجتمع المصري بقبول فكرة التعذيب رغم أنه لا توجد دراسات كافية أو مؤشرات علمية في هذا الشأن".
ولكن مصطفى حسين قام ببنفسه بتجربة مصغرة ومحدودة، فأعد استفتاء صغيرا أجاب عليه أكثر من ثلاثين من أصدقائه، حول قبولهم تصرف ضابط قام بتعذيب متهم في قضية مقتل طفلين، بحرمانه من الطعام لمدة48 ساعة وضربه بعصا على مؤخرته حتى يعترف. ووضع تخيلين لحالة المتهم: الأولى أنه شخص تم إدانته سابقا باغتصاب سيدة والآخر هو شخص يدخل للمرة الأولى قسم شرطة. وكان غرضه من الأساس قياس اختلاف الموقف من التعذيب تبعا لنظرتنا للمتهم. ولكن النتائج لم تحمل فرقا يذكر بين موقف من أجابوا تجاه الحالتين، ولكن المفاجأة أن أكثر من ثلث العينة أيدت استخدام التعذيب في الحالتين، وأبدى مصطفى اندهاشه وهو ينشر نتائج الاستفتاء على موقعه الشخصي من أن يكون ذلك رأي أشخاص مقريبن منه ومعظمهم كما يقول أطباء نفسيين.
إن اعتبرنا هذا الاستفتاء المحدود مؤشرا مقلقا، فقلقنا لن يكون على المجتمع المصري وحده. فتجارب أخرى وعلى نطاق أوسع انتهت إلى أن أفراد عاديين من مجتمعات أخرى يمكنهم أن يقبلوا التعذيب بل ويشاركوا فيه إن أمرتهم سلطة بذلك أو تقمصوا هم أنفسهم دور السلطة. ففي ستينات القرن الماضي قام عالم النفس د. ستانلي ملغرام بإجراء تجربة في جامعة ييل في الولايات المتحدة الأمريكية، أجريت التجربة على عدد من المواطنين الذين استجابوا لأوامر المشرفين على التجربة- التي قيل لهم أنها تقيس دور العقاب في التعلم- وقاموا بالضغط على أزرار قيل لهم أنها تسبب صعقات كهربية متفاوتة الشدة لشخص يجلس في غرفة مجاورة إن أخطأ في إجابة أسئلة معينة. ورغم صراخ الممثل الذي يؤدي دور الشخص الذي يتم تعذيبه، وتوسلاته. فإن 65% من المشاركين استمروا في الضغط وطاعة الأوامر حتى أقصى شحنة كهربية متاحة. ورغم أن نسبة قليلة أبدت بعض الاعتراض إلا أن مشاركا واحدا لم ينسحب فعليا!
تجربة أخرى أجريت في العام 1971 تعرف باسم "تجربة سجن ستانفورد"، أجراها عالم النفس فيليب زيمباردو في جامعة ستانفورد، الذي قسم مجموعة من المواطنين العاديين إلى سجانين ومسجونين تم نقلهم إلى مكان يحاكي السجن تماما. التجربة التي خرجت عن السيطرة وجرى إيقافها قبل نهايتها، شهدت تقمص كلا الطرفين لدوره تماما، وقام السجانون بمعاقبة المسجونين بقسوة، فمنعوا عنهم الطعام وأجبروهم على النوم عراة على البلاط في الشتاء وتنظيف المراحيض بأيديهم المجردة. وقال المشرفون أن واحدا من كل ثلاثة سجانين أظهر ميولا سادية حقيقية، ومعظمهم شعر بالحزن لإيقاف التجربة!
هناك خلاف بين اتجاهات علم النفس حول الرغبة في العدوان، هل هي غريزة أصيلة في الإنسان أم انحراف. ولكن بعيدا عن هذا الخلاف، يبدو أن القاسم المشترك في ظاهرة "التعذيب" بوجهيه، هو الشعور بالسلطة من قبل شخص على آخر، سواء كانت سلطة رسمية أو نتيجة لمكانة اجتماعية أقوى أو حتى مجرد سلطة الجموع في "المولد" التي تتيح إدانة وعقاب "الحرامي". وهو مااكتشفه محمد عبد القادر وهو سبب ندمه وأسفه: "عندما قرأت بكثافة عن قضايا التعذيب في السنوات الأخيرة، أدركت أني فعلت نفس الشيء، أسأت استخدام سلطة قريبة مني لحماية نفسي وقضاء مصلحة لي".
ولذلك، فإن تناول ظاهرة "التعذيب الشعبي" ليس سببا لإعفاء أصحاب السلطة من المسئولية أو التقليل من الجهود السياسية والحقوقية والشعبية لمناهضة التعذيب ومطالبة السلطة الرسمية بالعمل في حدود القانون، بدعوى أنها ظاهرة شعبية وعالمية. بل هي على العكس تكشف جذور المشكلة المختفية تحت السطح، في السلطة التي في أيدي بعضنا قد لا نكتشفها إلا وهي تحرك سلوكنا، لنجد أنفسنا مكان الجلاد أو قريبا منه. وفي النهاية كل جلاد هو ابن مجتمعه وليس شيطانا أو وحشا من كوكب آخر.


- نشر في "الشروق" الخميس 11 مارس 2010
_ PDF
- رسم وليد طاهر
المزيد

الأربعاء، 10 مارس 2010

أشكو إلى الله واسمع يا جاري

ترانيم المرارة والغضب المكتوم
الإحساس بالغربة في الدنيا والحنين إلى الماضي وإعلان الضعف والاستعانة بالله، كلها تيمات روحية للترانيم القبطية. ولكنها أحيانا تلمح في مرارة أو غضب إلى ما يشكو منه الأقباط في حاضرهم ووسط شركاء الوطن. وعندما يطول الوقت ولا تجدي الشكوى قد تصرخ أحيانا نافذة الصبر.


في ذكرى الأربعين لضحايا جريمة نجع حمادي، التي قتل فيها مسلحون ستة أقباط أمام الكنيسة في يوم عيد الميلاد، كان حنا سيدهم بين الحشود التي احتشدت في ساحة الكاتدرائية المرقسية بالعباسية ووقف يحمل شمعة ويردد الترانيم مع الجموع.
"عمر دمانا ما هاتقول لأ / مهما تسيل ويغيب الحق / هوالظلم إمتى هزمنا / ولا العالم يوم لنا رق"
ردد حنا، المدرس الأربعيني المتدين، هذه الترنيمة التي تحمل اسم "أنا قبطي" خلف المرنمان عماد خيري وسلوى عطية. وعندما عاد إلى منزله في المساء قضى الليلة مع مجموعة من الترانيم الموجودة على موقع يوتبوب Youtube.com للفيديو والتي أهداها من أضافوها إلى شهداء نجع حمادي.
يقول حنا سيدهم: "الترانيم تعزية وتفريج. بعضها مما يردده مرنمون في الكنيسة أوتنتجه فرق متخصصة وبعضها أصبح الشباب يؤلفونه وينشرونه على الإنترنت مباشرة. وفي مثل هذه الأحداث المؤسفة كل الترانيم الحزينة التي تستغيث بالله أو التي تذكر شهداء المسيحية في عصور الاضطهاد تتحول إلى لسان حالنا".
الترانيم هي الأغاني المتعلقة بالدين المسيحي تمييزا لها عن "الألحان" الكنسية التراثية التي تقال بالقبطية بالأساس. بعض هذه الترانيم قديم ويتردد في اجتماعات الكنيسة وبعضها إنتاج حديث لفرق تمارس النشاط من داخل الكنائس أو تتخذ منحى احترافيا، وأيضا بدأ الأفراد ومجموعات الشباب تؤلف وتلحن وتنشر ترانيما على الإنترنت. يغلب على الترانيم بالطبع البعد الروحي وإن كانت لا تخلو من إشارات اجتماعية تتعلق بوضع الأقباط في المجتمع ومزاجهم الاجتماعي. وفي أعقاب حادث بثقل جريمة نجع حمادي فإن عددا من الترانيم تم تأليفه وتلحينه خصيصا والبعض الآخر تم استدعاؤه ليلقي بظلاله على الحاضر.
يرى ماركوس زكريا، الباحث في الفلولكور في المعهد العالي للفنون الشعبية والمهتم بالترانيم القبطية، أن الجانب الاجتماعي فيما يتعلق بالترانيم القبطية، كان أقدم منها فحتى الألحان التي تستخدم في الطقس الديني في الكنيسة المصرية ظلت مقتصرة على استخدام اللغة القبطية كجانب من التشبث بالهوية والحنين إليها، وحتى القرن الثالث عشر الميلادي لم تكن هناك ترانيم بالعربية، ولكن رغبة القبطي المصري في التعبير عن نفسه بلغته اليومية الجديدة أدت إلى ظهور إرهاصات الترانيم وهي ما يعرف بـ"الميمر" وهي سير ومدائح شعبية للقديسين على غرار سير الأبطال الشعبيين. يضيف ماركوس: "إذا جردنا هذه السير سنجد أنها كلها تتخذ تيمة واحدة: وجود ظلم وهناك بطل شعبي مؤمن يقف في وجهه ويتحمل العذاب والألم ويرفض التخلي عن عقيدته ويقاتل ويدافع عن قومه وأهله ثم ينتهي الأمر بالاستشهاد".

هذه التيمة لا تزال ظاهرة في ترنيمة "أنا قبطي" : "ده زمان ماري مرقش استشهد / أرضك يا اسكندرية تشهد / دمه الطاهر سال في شوارعك / لسه عبيره وروحه تتنهد"

التفاعل بين الجانب الشعبي وبين مؤسسة الكنيسة أدخل بعضا من هذه السير إلى الطقس الديني، فيما يرى ماركوس، وأيضا "الخالة الدفاعية" التي اتخذتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تجاه تحدي الكنائس الغربية الوافدة، الكاثوليكية والبروتستانتية، هو ما شكل بداية حقيقية للترانيم بشكلها الحالي بين الأقباط.
يقول ماركوس: "الكنيسة الكاثوليكية قامت بتعريب كلمات الألحان وطبعت في روما كتبا تضم صلوات باللغتين العربية والقبطية لتتقرب من الأقباط المصريين، الذين بدأوا في استخدام هذه الكتب العملية في العبادة وكانت بعض الأزجال الشعبية قد دخلت إليها. ومن جانب أدخلت الكنيسة البروتسانتية تحديا جديدا بألحانها الغربية".

حالة رد الفعل سيطرت على تطور الترانيم في رأي رامي كرم، المدرس الجامعي. قبل سنوات اهتم رامي وزميله ميلاد يعقوب بتكوين مجموعة تكون مهتمتها تطوير الكنيسة واهتما بشكل خاص بحالة الترانيم، التي يرى رامي أن كثيرا منها جاء رد فعل على تحدي العقيدة الإسلامية فتبنى بعض ألفاظها أو كان رد فعل على الترانيم الغربية ولم يستلهم اللغة العربية بشكل جيد فجاء بعضها ركيكا. يضيف رامي ملاحظة أخرى تتعلق برافد آخر تاريخي يشكل التيمة الغالبة على الإشارات الاجتماعية في الترانيم :" مزيج من نسكيات الرهبان، غُلب الفلاحين، فكرة أحفاد الشهداء، مسكنة الأقباط عامةً. كل ذلك مبني على خلفية يهودية قديمة. فالمزامير في (زبور داود) فيها هذه الروح: (خاصم يا ربّ مخاصميّ وقاتل مقاتليّ / أما أنا فمسكين). كلها عن داود المسكين الذي يهرب من اضطهاد شاول أو أعدائه الآخرين ويطلب من الله الانتقام منهم .هناك تراث "يهودي/عبري" طويل بيغذي صلوات الأقباط بهذه الروح".

يرنم فريق كورال "صوت من السماء" قائلا :" يا ملايكة السما احضري / وبسيفك انت تقدري / تدافعي عن كل جريح /سال دمه على أرض المسيح". ويرنم راجي جوزيف في الترنيمة التي تم إنتاجها بعد حادث نجع حمادي : "وخيطي يا أمي القميص اللي اتقطع لما دخل فيه الرصاص / وان كان بدمي عمل بقع/ ابقى اغسليه بحبة بوطاس /ونضفيه يا أما خلاص من كل بقعة دم.... وإزي يا أمي تحزني وانا في هنا وسعيد /طيب تعرفي.. عند المسيح أنا اتحسبت شهيد ...لأ عيّدي يا أمي ابنك شهيد".

يرى ماركوس في ذلك جانبا من كون المصريين بشكل عام لديهم شعور بالتهديد والاستهداف وروح دفاعية ويزيد ذلك عند الأقباط، ويرى رامي كرم أن الروحانية المصرية بشكل عام روحانية انهزامية وفيها إفراط في التوكل. يضيف ماركوس أن المزاج كان أحيانا يتأثر بالمزاج المصري العام. فيذكر الترنيمة القديمة "نحن جند للمسيح" التي تستخدم موسيقى قريبة من المارش العسكري و تشبه النشيد الملكي في مصر وقت إنتاجها - الذي حل محله الآن النشيد الوطني - وكان فيها روح مقاومة يمكن تفسيرها أنها مندمجة في روح مقاومة الاحتلال الانجليزي أو ربما لكنيسته الغربية البروتستانتية التي رأتها الكنيسة القبطية كمنافسة وتهديد لها وللعقيدة القبطية الأرثوكسية.

ولكن في السبعينات لحظة أخرى بسبب التوتر بين الدولة والكنيسة والصعود الكبير للتيار الإسلامي، يقول ماركوس: "يبدو أنه فاض بالكنيسة وظهر ذلك في الترانيم التي هي بالأساس روحية ولكنها تعطي مؤشرا. رنّم الأقباط وقتها: لكن أنا مش من هنا.. أنا ليّ وطن تاني".

يعلن ماركوس اختلافه مع هذه الروح:" في رأيي القيادة الكنسية خاطئة، وهذه الروح سلبية. فبعض هذه الترانيم تجمع الناس حول فكرة أننا مضطهدين ولكننا منعمين في الآخرة وليس لنا إلا الكنيسة. أنا أرفض فكرة الاضطهاد بالحدة التي يطرحها البعض، هناك تمييز ومشكلات. ولكن يجب أن نطالب بحقوقنا ونحاول أن ننالها بالقانون ومن خلال إقرار المواطنة".

فيما يتعلق بما يجب فعله، هنا تتفرق روح الترانيم القبطية على أكثر من مزاج. مزاج يكتفي بالدعم الإلهي واستلهام ماضي الشهداء الذي يلهم الصمود. كما تكمل ترنيمة "أنا قبطي" :"عمر السيف ده ما هايثنينا /عن حبنا ليسوعنا فادينا /مهما يسيل الدمع بحور/ أصلنا كده دايبين في ماضينا /ماضي الشهدا اللي اتحرقوا /اللي انضربوا اللي انجلدوا /اللي احتملوا السيف والنار / لكن ابدا وقفوا وصمدوا".

وهناك أيضا صوت يستلهم الروح المسيحية في التسامح ويمد اليد للآخر، مثل ترنيمة "آه يا وجعي" لإيريني أبو جابر- التي ألفت أيضا خصيصا بعد حادث نجع حمادي - وتقول :"إيه إللى يمنَع نِبقَى واحد رَغم أى فروق فى ديننا / ياللا إيدَك وَيَّا إيدى نحُط للكَراهِيَّه آخر /أنا إيرينى وإنتى فاطمه بس حُب كبير ما بيننا /إفهموا ده الله مَحَبَّه زى ما هُو رحمن وغافِر / قُولوا للظَّالِم كِفايه / ذنبُهُم إيه الضَّحايا؟".

ولكن هناك أيضا مزاج ساخر ساخط يبتعد عن الموسيقى الناعمة كلية ويستخدم الراب. فريق من الشباب أطلق على نفسه "جنود المسيح" Jesus Soldiers يرنّم بطريقة الراب عن حادث نجع حمادي ويسخر يصوت هزلي محاكيا التصريحات الرسمية : "حادث فردي كلامكم يولع لفتنة/ دي فتنة صهيونية غربية أمريكية/ ما تفوقوا يا إخواننا/ تحيا الوحدة الوطنية" يعود الصوت إلى الخشونة وهو يقول: "طظ !". تكمل الترنيمة: "ان الآوان يا قبطي قوم وقول بعلو الصوت / مش هاسكت على حقي وقول بعلو الصوت / مش هانكسر مش هانخرب مش هاندبح بالسكين
/مش هانعدم مش هانقتل ناس غلابة مساكين/ هانتحرك هانقاطع هانعارض الظالمين / ولوبلدنا نايمة تعالى يا غرب احنا موافقين/ حقوق إنسان، يونسكو وكل المنظمات/ يمكن بإيد غريبة يتعوض كل اللي فات" وتنتهي الآغنية قائلة: " كلمة أخيرة اسمعها مني يا وطني الحبيب / أنا حاشا لي أفتحر إلا بس بالصليب / ولو هاعيش في جنة وأنكر راعيا الحبيب/ يبقى نارك يا بلدي جنة ونصر الرب قريب!"


نشر في "الشروق" 10 مارس 2010
PDF

تصوير: أحمد عبد اللطيف
المزيد

ماحدش فاهم حاجة

المسخرة التي تجمع طرفي المفارقة
من اللمبي إلى توشكى في "كلمني شكرا"، يستمر صعود "أبطال العشوائيات" ليصبحوا الموضوع الأكثر إثارة للضحك في الدراما الجماهيرية المفضلة للطبقة الوسطى، التي أصبح أحد أشكال المزاح المفضلة لأبنائها هي تبني طريقة هؤلاء "الأبطال" في الكلام ورؤية الأشياء. هل هو تصالح بين الطبقات أم تكيف الجميع مع "الفوضى" و"العبث" ؟

"أنا عاوز أبقى صايع" هذه الجملة التي قالها صلاح الدين عاشور الذي قام بدوره علاء ولي الدين في فيلم "الناظر" الذي تم إنتجه عام 2000 مثلت تحولا مهما حدث لعالم الكوميديا في السينما المصرية، وهو ما كان بدوره ممثلا لتحول مماثل حدث للطبقى الوسطى المصرية.
في الفيلم يعاني صلاح الدين ابن الناظر من وصاية وتسلط أبيه عاشور ناظر المدرسة العريقة التي تملكها العائلة وتتوارثها جيل بعد جيل. كان أبوه يريده أن يكون "مؤدبا" و"ناجحا" لكنه فشل في التعليم وبعد أن ورث المدرسة وجد نفسه فاشلا في إدارتها أو في التعامل مع الطلبة وحالة الفوضى التي تعتري المدرسة. وكان تفسيره للفشل أنه "مؤدب" وبالتالي قليل الحيلة، لذلك يجب أن يكون منحرفا و"صايع". ومن أجل تعلم ذلك لجأ إلى اللمبي، التلميذ الفاشل سابقا والبلطجي حاليا الذي يسكن حيا عشوائيا. ومن هذه اللحظة تكاد الكوميديا التي تفجرها الشخصية الثانوية "اللمبي" تطغى على حضور الشخصية الرئيسية أو يشكلان معا ثنائيا عندما يحاول صلاح الدين أن يتعلم الانحراف محاكيا اللمبي.

كانت هذه اللمحة من السيناريو مجرد مؤشر على تحولات ما في طرق السخرية والمزاح بين الناس سيطرت عليها تنويعات "حالة اللمبي"، هو ما يعني ادعاء حالة هي بين غياب الوعي والحمق، بين البلطجة وقلة الحيلة، مع محاكاة لوعي الطبقات الشعبية تجاه الأفكار والأشياء الحديثة أو النخبوية أو"الراقية"، والتلاعب العبثي باللغة بشكل يكاد يكون فارغا من الدلالة وفيها تقليد لطريقة كلام معينة تميز بعض الفئات من هذه الطبقات. وهي الحالات والتنويعات التي أصبحت تعرف في المعجم الشعبي بـ"التهييس" و"الهرتلة".
وبالتوازي شكل هذا المزاج تيارا داخل الدراما الجماهيرية، لا تقتصر على الأفلام التي قام ببطولتها الممثل محمد سعد وكان اللمبي فيها بطلا أو تم استنساخه في أشكال أخرى قريبة، ولكن أيضا امتدت حالة الاستعانة بصورة "بطل العشوائيات" الذي يقدم حالة متوسطة بين العبيط والبلطجي في أعمال كثيرة، سيد سائق الميكروباص في "تامر وشوقية" وبعض التنويعات في الأفلام التي كتبها بلال فضل منها حاحا في "حاحا وتفاحة" وشخصيتا "حشيشة" ثم "توشكى" في فيلمي خالد يوسف "حين ميسرة" و"كلمني شكرا".

واجه هذا النوع من الكوميديا سيلا من الانتقادات. إما المترفعة عن مناقشة تفاصيله أو التي تناقشها وتصفها بالانحطاط والسوقية والابتذال والتدني. دفاع صناع هذه الدراما أن هذه الطريقة في الكلام والمزاح موجودة بين الناس بل وبين شباب الطبقة الوسطى، لا يعني في نظر الناقدين والمهاجمين إلا أن أسلوب الكلام والمزاح عند الناس قد أصابه أيضا الابتذال والتدني. ولكن ظلت علاقة هذه الكوميديا بنمط المزاح الذي انتشر بقوة بين شباب الطبقة الوسطى بعيدا عن التناول مع كل ما يعنيه ذلك من علاقة جديدة مختلفة بين الطبقتين.
من المحاولات القليلة التي تتطرق لذلك ما قدمته الباحثة فيروز كراوية في رسالتها التي نالت عنها الماجستير في علم الاجتماع والأنثروبولوجي من الجامعة الأمريكية والتي تستعد لنشرها قريبا. تناقش الرسالة نموذجي "اللمبي" و"حين ميسرة" كنموذجين لأفلام العشوائيات فيما بعد عام 2000 وترصد علاقة الصور التي تقدمها هذه الأفلام بتصورات اجتماعية وأوضاع سياسية معينة.

ترى فيروزأن معظم من أحبوا اللمبي ودفعوا التذاكر في السينما ليحقق الأرباح الهائلة هم أبناء الطبقة الوسطى رغم أنها كوميديا مصنعة بشكل طبقي معين وتصوّر الطبقة الأفقر من سكان العشوائيات. وعلاقتهم لها أكثر من بعد. أولهم أن كلاهما يعيش تحت نظام سياسي استبدادي. وهناك دراسات في علم الاجتماع ترصد في دول العالم الثالث أن النظم الاستبدادية طويلة العمر تربطها بشعوبها علاقة معقدة، كأنهم طرفان في مركّب واحد لا يمكن فصله: " المحكومون يسخرون من السلطة ولكنهم أيضا يشبهونها في كونهم استبداديين في تصورهم لذاتهم التي تتضخم بشكل مبالغ فيه ومتوهم. مثل اللمبي الذي يقول طوال الوقت بشكل هزلي أن الزلازل لا تؤثر فيه وأن له في الجبال علامات، ولكنه مغلوب على أمره ومطارد وضعيف أمام الشرطة والبلدية. من جانب ترى الطبقة الوسطى شيئا من وضعها في هذه الشخصية، ولكن من جانب آخر لأن الشخصية تبدو خرافية وقادمة من مكان خرافي فهي بعيدة عنهم. حتى أبناء العشوائيات المتعلمين يرونه بعيدا عنهم. فيمكن للجميع أن يضحك عليه. لو كانت شخصيته قريبة ومشابهة لهم فستخيفهم أو تضايقهم هذه الحالة".

عنف السخرية
ينقل د. شاكر عبد الحميد في كتابه "الفكاهة والضحك" عن جون موريل، العالم المتخصص في دراسات الضحك، أن سبب الضحك هو التحول السيكولوجي السار المفاجيء من الشعور بالعجز والنقص إلى الشعور بالتفوق والتمكن. وفي النظريات الكلاسيكية للفكاهة والكوميديا منذ أفلاطون وأرسطو أنها مبنية على وجود طرف أدنى وأقل مكانة أو ذكاء لنضحك عليه. حتى لو كان مجرد النقص مؤقت مثل أن يتعثر إنسان في قشرة موز أو يصطدم بالحائط، وهو ما يقوم به المهرجون في أبسط أشكال الفكاهة .

ترصد فيروز كراوية في دراستها أن ما يسمى "أفلام العشوائيات" بعد عام 2000 قد صوّر فعلا سكان العشوائيات كالمهرجين :"كأن هناك صخرة وقعت على سكان هذه المناطق فأصبح ساكنها إنسانا مفككا تماما بلا معنى وبلا علاقات وبلا أمل. هناك أفلام تناولت سكان مناطق شعبية وعشوائية قبل ذلك مثل "الحريف" و"الكيت كات" و "سارق الفرح" وكان سكان هذه المناطق شخصيات داخل علاقات اجتماعية وعندهم مشاكلهم و أيضا طموحاتهم وأحلامهم. كانت هناك كوميديا ومفارقات، ولكن في الأفلام الجديدة هناك تصوير هزلي فيه تأكيد لمسافة كبيرة جدا بين هؤلاء وبين المتفرج. والضحك هنا فيه نوع من "العنصرية الطبقية". هو ضحك فيه نوع من ممارسة العنف".
ولذلك ترى فيروز أن هذه النظرة هي أساس قبول الكثيرين لممارسات قمعية أو عدوانية تجاه سكان العشوائيات لأنهم في الأوقات الأخرى يصورون على أنهم خطر محتمل وسبب للفوضى في المجتمع.
يمكننا أن نضع هذه الملاحظة بجانب ملاحظات د.جلال أمين وغيره عن الفجوة التي تزداد اتساعا بين طبقات المجتمع المصري. ووفق نظريات الفكاهة فكلما ازدادت الفجوة اتساعا كان كل طرف غريب عن الآخر ويصبح موضوعا لضحك أكثر حتى لو كان مخيفا ومصدرا للخطر في وقت آخر.

صورة الشيء الغريب المضحك والمخيف في وقت واحد هي أحد أشكال توليد الفكاهة والسخربة، كما يذكر د. شاكر عبد الحميد، وهو ما يسمى بالبنية المسخية أو الجروتسكية grotesque. والشخصية المسخية تحتوى على ملامح وعناصر قبيحة ومنفرة ولكنها تقدم بشكل هزلي ومضحك. تقول فيروز كراوية أن دراستها التي خصصت جزءا منها لطريقة توليد السخرية في الكوميديا أن شخصية اللمبي المنفرة والتي تقوم بأشياء منفرة وقبيحة ولكنه مضحك ظهر مثلها في دول أخرى تمر بأوضاع مشابهة، ففي الكاميرون ظهرت في الثمانينات وسط أزمة سياسية واجتماعية كبيرة رسومات كاريكاتيرية أبطالها شخصيات تقوم على الدوام بحركات مقرفة ومنفرة ولكنها تستخدم في إطار هزلي.

ولكن رغم هذه المسافة المعنوية الكبيرة التي تعطي للضحك معناه، هناك احتكاك وتداخل بين الطبقتين على أكثر من مستوى. قد يكون التعامل العادي أو أن يكون بعض أبناء الطبقات الوسطى صاعدين من طبقات فقيرة تسكن الأحياء العشوائية. ولكن دراسة فيروز كراوية تطرح أيضا أنه هناك تبادل مصالح حدث في مجتمع تقل فيه قيمة القانون: "كلنا نذكر مشهد اللمبي وأمه تودعه أثناء ذهابه إلى المدرسة وتقول له: كتبك معاك ومطوتك في جيبك. المدرسة لم تعد مدرسة، كما أن القانون لم يعد يسيّر المجتمع، بل هناك قانون عرفي آخر والطبقات العليا تستخدم أسلوب البلطجة أو البلطجية أنفسهم لتسيير أمورها. ومن الطبيعي أن تحدث سيولة بين ثقافات الطبقات والفئات المختلفة".

"تهكم وجودي"
في الشركة التي يعمل بها علي عبد الرحيم أحيانا يقف أحدهم ويغير صوته قليلا وملامحه وهو يقول "خلاص يا معلمين! زمن الـللـ ... انتهى. ماحدش فاهم حاجة!" ويعلق علي قائلا: "مثل أي مكان في مصر تحدث أحيانا مساخر وأوضاع غير مفهومة. وأعتقد أن هذه الطريقة في السخرية إحدى طرق التعبير عن حالات مفهومة. الطبقات المطحونة أكثر من غيرها تعبر بشكل مبدع أكثر عن تلك الحالة غير المفهومة التي نعيشها. وعندما نمزح ونقلدها لا تكون تلك طريقتنا العادية في المزاج ولكننا نلعب ونمثل هذا الدور. نستخدم تعبيرات سائق الميكروباص أو الباعة الجائلين أو غيرهم ..أو نقلد اللمبي".

قد يكون فعلا أن التفسير أن في أسلوب المزاج الذي تجسده شخصية اللمبي تعبيرا مميزا مناسبا لمتغيرات جديدة. ولكن هذا التعبير يصل أحيانا في غرائبيته إلى مجرد لعب باللغة والصوت بدون دلالة محددة. جاين لوميل، التي تعمل في مجال إعداد الترجمة الإنجليزية لأفلام عربية والعكس، بدأت تلاحظ هذا النمط من المزاج عندما كان عليها أن تترجم مجموعة أفلام كوميدية حديثة منها اللمبي: "عندما أصبح دوري أن أكتب ترجمة محددة ما يقول، بدأت أحيانا أنتبه إلى أنه لا يقول شيئا محددا يمكن أن يترجم. أو أن الفكاهة تتركز في الكيفيه الغريبة لقوله لأي كلام وشكله وحركاته وليست في الكلام نفسه".
ولكن أحيانا تكون هناك دلالة ما للعب باللغة عند النطق الغريب لـ"الكلمات الكبيرة"، في فيلم "اللي بالي بالك" عندما يسكن عقل اللمبي في جسد رياض المنفلوطي مدير السجن تتفجر المفارقة وأثناء خطابه أمام لجنة حقوق الإنسان تتحول عبارة حقوق الإنسان إلى "حروق الإنسان"، و"بعد النظر" إلى "ذات نظرة مبعدية" بالإضافة إلى النطق الفكاهي للكلمات الأجنبية مثل Absolutely . بالمثل يقوم توشكى بالخلط بين الكلمات الكبيرة التي تتناثر حول الناس بينما هل بعيدة بالفعل عن خيالهم ونمط حياتهم مثل قوله "تظمهر" التي تخلط "تظاهر" و"تجمهر"
الفكاهة تتفجر من المحاكاة الساخرة لكل ماهو متعالي. من المصطلحات السياسية أو الثقافية التي يشعر الناس أنها لا تعنيهم في شيء أو أن مضمونها غائب عنهم أو من التعبيرات التي تنتمي إلى أسلوب حديث شرائح تتصنع "الرقي" باستخدام الكلمات الأجنبية.
ترى جاين أن هناك فارقا بين المزاج النقدي وحتى لو كان عبثيا وتضرب مثلا بأحد مشاهد فيلم رأفت الميهي "ست الستات" عندما ينهى المحامي موكله عن استخدام كلمة "حقوق الإنسان" داخل قسم الشرطة ويعتذر للضابط بأن موكله لا يعرف أن مثل هذه الكلمات لا تقال داخل أقسام الشرطة وتضيف: " ولكن تحول "حقوق الإنسان" إلى "حروق الإنسان" و"حموم الإنسان" فيه حالة من الإحساس بغرابة هذه القيم والاستهزاء ليس فقط من غيابها بل منها هي أيضا واعتبارها فارغة من المضمون ولا مانع من السخرية منها، وهذا الوعي هو في الحقيقة وعي كثير من الناس الذين لا مانع عندهم من انتهاك حقوق المجرمين على سبيل المثال إلا لو مسهم ذلك".
قد يكون الأمر كذلك أو يكون اللعب بقواعد اللغة إشارة إلى أن حالة العبث والسخرية في الواقع قد تجاوزت كل تعبير يحاول أن يكون ساخرا. فلا يجدي معه إلا مزاح يلعب باللغة نفسها ويستحضر أويتصنع حالة من التحامق أو غياب الوعي وممارسة نوع من التهكم الشامل الذي لا يوجه انتقادا محددا بقدر ما يسخر من الوجود كله. قد يكون وراء ذلك ما ينقله د. شاكر عبد الحميد في كتابه من أن بعض الفلاسفة يرون "التهكم الوجودي" والفكاهة التي تسخر من كل شيء شكل من أشكال الوعي بالمتناقضات يرفض التسليم بالعجز عن فهمها بل يعترف أن الوقع مليء بالتناقضات، وقد يكون ما يراه الفيلسوف الوجودي كيركجارد في كتابه "مفهوم التهكم" من أن ذلك الأسلوب من التهكم وراءه "عدمية" وسلبية، ولكنه وسيلة للاستمتاع بتناقضات الواقع وفي نفس الوقت الوصول إلى حالة من الرضا، فعند التهكم والسخرية الفاقعة نضع مسافة بيننا وبيننا ما نسخر منه أوننظر إليه من أعلى ونتحرر من المنظور الأخلاقي والمسئولية تجاه ما يحدث.


نشر في "الشروق" الخميس 4 مارس 2010
PDF


المزيد