الأربعاء، 10 مارس، 2010

أشكو إلى الله واسمع يا جاري

ترانيم المرارة والغضب المكتوم
الإحساس بالغربة في الدنيا والحنين إلى الماضي وإعلان الضعف والاستعانة بالله، كلها تيمات روحية للترانيم القبطية. ولكنها أحيانا تلمح في مرارة أو غضب إلى ما يشكو منه الأقباط في حاضرهم ووسط شركاء الوطن. وعندما يطول الوقت ولا تجدي الشكوى قد تصرخ أحيانا نافذة الصبر.


في ذكرى الأربعين لضحايا جريمة نجع حمادي، التي قتل فيها مسلحون ستة أقباط أمام الكنيسة في يوم عيد الميلاد، كان حنا سيدهم بين الحشود التي احتشدت في ساحة الكاتدرائية المرقسية بالعباسية ووقف يحمل شمعة ويردد الترانيم مع الجموع.
"عمر دمانا ما هاتقول لأ / مهما تسيل ويغيب الحق / هوالظلم إمتى هزمنا / ولا العالم يوم لنا رق"
ردد حنا، المدرس الأربعيني المتدين، هذه الترنيمة التي تحمل اسم "أنا قبطي" خلف المرنمان عماد خيري وسلوى عطية. وعندما عاد إلى منزله في المساء قضى الليلة مع مجموعة من الترانيم الموجودة على موقع يوتبوب Youtube.com للفيديو والتي أهداها من أضافوها إلى شهداء نجع حمادي.
يقول حنا سيدهم: "الترانيم تعزية وتفريج. بعضها مما يردده مرنمون في الكنيسة أوتنتجه فرق متخصصة وبعضها أصبح الشباب يؤلفونه وينشرونه على الإنترنت مباشرة. وفي مثل هذه الأحداث المؤسفة كل الترانيم الحزينة التي تستغيث بالله أو التي تذكر شهداء المسيحية في عصور الاضطهاد تتحول إلى لسان حالنا".
الترانيم هي الأغاني المتعلقة بالدين المسيحي تمييزا لها عن "الألحان" الكنسية التراثية التي تقال بالقبطية بالأساس. بعض هذه الترانيم قديم ويتردد في اجتماعات الكنيسة وبعضها إنتاج حديث لفرق تمارس النشاط من داخل الكنائس أو تتخذ منحى احترافيا، وأيضا بدأ الأفراد ومجموعات الشباب تؤلف وتلحن وتنشر ترانيما على الإنترنت. يغلب على الترانيم بالطبع البعد الروحي وإن كانت لا تخلو من إشارات اجتماعية تتعلق بوضع الأقباط في المجتمع ومزاجهم الاجتماعي. وفي أعقاب حادث بثقل جريمة نجع حمادي فإن عددا من الترانيم تم تأليفه وتلحينه خصيصا والبعض الآخر تم استدعاؤه ليلقي بظلاله على الحاضر.
يرى ماركوس زكريا، الباحث في الفلولكور في المعهد العالي للفنون الشعبية والمهتم بالترانيم القبطية، أن الجانب الاجتماعي فيما يتعلق بالترانيم القبطية، كان أقدم منها فحتى الألحان التي تستخدم في الطقس الديني في الكنيسة المصرية ظلت مقتصرة على استخدام اللغة القبطية كجانب من التشبث بالهوية والحنين إليها، وحتى القرن الثالث عشر الميلادي لم تكن هناك ترانيم بالعربية، ولكن رغبة القبطي المصري في التعبير عن نفسه بلغته اليومية الجديدة أدت إلى ظهور إرهاصات الترانيم وهي ما يعرف بـ"الميمر" وهي سير ومدائح شعبية للقديسين على غرار سير الأبطال الشعبيين. يضيف ماركوس: "إذا جردنا هذه السير سنجد أنها كلها تتخذ تيمة واحدة: وجود ظلم وهناك بطل شعبي مؤمن يقف في وجهه ويتحمل العذاب والألم ويرفض التخلي عن عقيدته ويقاتل ويدافع عن قومه وأهله ثم ينتهي الأمر بالاستشهاد".

هذه التيمة لا تزال ظاهرة في ترنيمة "أنا قبطي" : "ده زمان ماري مرقش استشهد / أرضك يا اسكندرية تشهد / دمه الطاهر سال في شوارعك / لسه عبيره وروحه تتنهد"

التفاعل بين الجانب الشعبي وبين مؤسسة الكنيسة أدخل بعضا من هذه السير إلى الطقس الديني، فيما يرى ماركوس، وأيضا "الخالة الدفاعية" التي اتخذتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تجاه تحدي الكنائس الغربية الوافدة، الكاثوليكية والبروتستانتية، هو ما شكل بداية حقيقية للترانيم بشكلها الحالي بين الأقباط.
يقول ماركوس: "الكنيسة الكاثوليكية قامت بتعريب كلمات الألحان وطبعت في روما كتبا تضم صلوات باللغتين العربية والقبطية لتتقرب من الأقباط المصريين، الذين بدأوا في استخدام هذه الكتب العملية في العبادة وكانت بعض الأزجال الشعبية قد دخلت إليها. ومن جانب أدخلت الكنيسة البروتسانتية تحديا جديدا بألحانها الغربية".

حالة رد الفعل سيطرت على تطور الترانيم في رأي رامي كرم، المدرس الجامعي. قبل سنوات اهتم رامي وزميله ميلاد يعقوب بتكوين مجموعة تكون مهتمتها تطوير الكنيسة واهتما بشكل خاص بحالة الترانيم، التي يرى رامي أن كثيرا منها جاء رد فعل على تحدي العقيدة الإسلامية فتبنى بعض ألفاظها أو كان رد فعل على الترانيم الغربية ولم يستلهم اللغة العربية بشكل جيد فجاء بعضها ركيكا. يضيف رامي ملاحظة أخرى تتعلق برافد آخر تاريخي يشكل التيمة الغالبة على الإشارات الاجتماعية في الترانيم :" مزيج من نسكيات الرهبان، غُلب الفلاحين، فكرة أحفاد الشهداء، مسكنة الأقباط عامةً. كل ذلك مبني على خلفية يهودية قديمة. فالمزامير في (زبور داود) فيها هذه الروح: (خاصم يا ربّ مخاصميّ وقاتل مقاتليّ / أما أنا فمسكين). كلها عن داود المسكين الذي يهرب من اضطهاد شاول أو أعدائه الآخرين ويطلب من الله الانتقام منهم .هناك تراث "يهودي/عبري" طويل بيغذي صلوات الأقباط بهذه الروح".

يرنم فريق كورال "صوت من السماء" قائلا :" يا ملايكة السما احضري / وبسيفك انت تقدري / تدافعي عن كل جريح /سال دمه على أرض المسيح". ويرنم راجي جوزيف في الترنيمة التي تم إنتاجها بعد حادث نجع حمادي : "وخيطي يا أمي القميص اللي اتقطع لما دخل فيه الرصاص / وان كان بدمي عمل بقع/ ابقى اغسليه بحبة بوطاس /ونضفيه يا أما خلاص من كل بقعة دم.... وإزي يا أمي تحزني وانا في هنا وسعيد /طيب تعرفي.. عند المسيح أنا اتحسبت شهيد ...لأ عيّدي يا أمي ابنك شهيد".

يرى ماركوس في ذلك جانبا من كون المصريين بشكل عام لديهم شعور بالتهديد والاستهداف وروح دفاعية ويزيد ذلك عند الأقباط، ويرى رامي كرم أن الروحانية المصرية بشكل عام روحانية انهزامية وفيها إفراط في التوكل. يضيف ماركوس أن المزاج كان أحيانا يتأثر بالمزاج المصري العام. فيذكر الترنيمة القديمة "نحن جند للمسيح" التي تستخدم موسيقى قريبة من المارش العسكري و تشبه النشيد الملكي في مصر وقت إنتاجها - الذي حل محله الآن النشيد الوطني - وكان فيها روح مقاومة يمكن تفسيرها أنها مندمجة في روح مقاومة الاحتلال الانجليزي أو ربما لكنيسته الغربية البروتستانتية التي رأتها الكنيسة القبطية كمنافسة وتهديد لها وللعقيدة القبطية الأرثوكسية.

ولكن في السبعينات لحظة أخرى بسبب التوتر بين الدولة والكنيسة والصعود الكبير للتيار الإسلامي، يقول ماركوس: "يبدو أنه فاض بالكنيسة وظهر ذلك في الترانيم التي هي بالأساس روحية ولكنها تعطي مؤشرا. رنّم الأقباط وقتها: لكن أنا مش من هنا.. أنا ليّ وطن تاني".

يعلن ماركوس اختلافه مع هذه الروح:" في رأيي القيادة الكنسية خاطئة، وهذه الروح سلبية. فبعض هذه الترانيم تجمع الناس حول فكرة أننا مضطهدين ولكننا منعمين في الآخرة وليس لنا إلا الكنيسة. أنا أرفض فكرة الاضطهاد بالحدة التي يطرحها البعض، هناك تمييز ومشكلات. ولكن يجب أن نطالب بحقوقنا ونحاول أن ننالها بالقانون ومن خلال إقرار المواطنة".

فيما يتعلق بما يجب فعله، هنا تتفرق روح الترانيم القبطية على أكثر من مزاج. مزاج يكتفي بالدعم الإلهي واستلهام ماضي الشهداء الذي يلهم الصمود. كما تكمل ترنيمة "أنا قبطي" :"عمر السيف ده ما هايثنينا /عن حبنا ليسوعنا فادينا /مهما يسيل الدمع بحور/ أصلنا كده دايبين في ماضينا /ماضي الشهدا اللي اتحرقوا /اللي انضربوا اللي انجلدوا /اللي احتملوا السيف والنار / لكن ابدا وقفوا وصمدوا".

وهناك أيضا صوت يستلهم الروح المسيحية في التسامح ويمد اليد للآخر، مثل ترنيمة "آه يا وجعي" لإيريني أبو جابر- التي ألفت أيضا خصيصا بعد حادث نجع حمادي - وتقول :"إيه إللى يمنَع نِبقَى واحد رَغم أى فروق فى ديننا / ياللا إيدَك وَيَّا إيدى نحُط للكَراهِيَّه آخر /أنا إيرينى وإنتى فاطمه بس حُب كبير ما بيننا /إفهموا ده الله مَحَبَّه زى ما هُو رحمن وغافِر / قُولوا للظَّالِم كِفايه / ذنبُهُم إيه الضَّحايا؟".

ولكن هناك أيضا مزاج ساخر ساخط يبتعد عن الموسيقى الناعمة كلية ويستخدم الراب. فريق من الشباب أطلق على نفسه "جنود المسيح" Jesus Soldiers يرنّم بطريقة الراب عن حادث نجع حمادي ويسخر يصوت هزلي محاكيا التصريحات الرسمية : "حادث فردي كلامكم يولع لفتنة/ دي فتنة صهيونية غربية أمريكية/ ما تفوقوا يا إخواننا/ تحيا الوحدة الوطنية" يعود الصوت إلى الخشونة وهو يقول: "طظ !". تكمل الترنيمة: "ان الآوان يا قبطي قوم وقول بعلو الصوت / مش هاسكت على حقي وقول بعلو الصوت / مش هانكسر مش هانخرب مش هاندبح بالسكين
/مش هانعدم مش هانقتل ناس غلابة مساكين/ هانتحرك هانقاطع هانعارض الظالمين / ولوبلدنا نايمة تعالى يا غرب احنا موافقين/ حقوق إنسان، يونسكو وكل المنظمات/ يمكن بإيد غريبة يتعوض كل اللي فات" وتنتهي الآغنية قائلة: " كلمة أخيرة اسمعها مني يا وطني الحبيب / أنا حاشا لي أفتحر إلا بس بالصليب / ولو هاعيش في جنة وأنكر راعيا الحبيب/ يبقى نارك يا بلدي جنة ونصر الرب قريب!"


نشر في "الشروق" 10 مارس 2010
PDF

تصوير: أحمد عبد اللطيف

هناك 3 تعليقات:

  1. الدعاء و الصلاة لوحدهم مش ح ينفعوا و لا ح يعملوا حاجة ما كل العرب بمسلميهم و مسيحيهم بيدعوا على اسرائيل و كل يوم هى بتكبر و بتاخد اكتر من فلسطين

    حان الوقت لنعمل و نتوقف عن النحيب...حان الوقت اننا نعرف انها بلد كل المصريين مسلمين و مسيحيين و بهائيين و حتى ملحدين...اى مصرى دى بلدة و مش عزبه لشخص و اسرته

    حان الوقت نتوقف عن السلبية و ندافع عن حياتنا و مستقبل ولادنا...يلعن الخوف اللى ذل الرجال و كسرهم و ضيع كرامتهم و خلاهم فقدوا معنى الرجولة

    ردحذف
  2. مساء الخير
    مقال رائع ويدعو للتفكير
    مدهش حقا
    هل تعلم ان هناك اقباطا سودانيين، ومع ذلك هم ذوى اصول مصرية شديدى الولاء للسودان والمحبة لمصر
    وبعضهم منخرط فى الحياة السياسية السودانية

    انا اقرأ لك من زمان ، وسعيد بان اعلق الآن
    انا مدون سودانى اتمنى ان نكون اصدقاء
    تحياتى

    ردحذف
  3. Tears
    الصلاة لم تكن أبدا كافية، ولكن أحيانا تقول طريقتها شيئا عن طريقتنا في التفكير

    أسامة
    سعيد برأيك واهتمامك
    وبالتأكيد يسعدني تواصلنا
    دمت بخير

    ردحذف