الأحد، 8 أغسطس، 2010

الولد العترة وحنفي الفيل

معنى أن تكون "رجلا"


صور الرجولة بوصفها امتيازا ونبلا قد تتحول إلى مجموعة من الأوهام المتفق عليها اجتماعيا عندما يتم اللعب بها ومعها على الشاشة. كتاب ومخرجون شباب صوروا رؤاهم وتساؤلاتهم وانتقاداتهم للملامح السائدة للرجولة في أفلام قصيرة جريئة.

فوق كراسي المقهى المنثورة على الرصيف، فتاة تزيل معجون الحلاقة من على ذقن فتاة أخرى. تقوم الفتاة التي أنهت حلاقة ذقنها لتدخل خلف الستار الذي يستر مبولة المقهى ثم تخرج منه وهي تنهي غلق سوستة البنطلون. فتاة ثالثة تصلي على الرصيف ورابعة، يبدو أنها تعمل في المقهى، تزعق شاكية وهي تحمل حجر الشيشة.
مصدر الغرابة في الصور المتلاحقة التي تضمها مشاهد الفيلم القصير "عناب ساقع" أنها تكسر اللعبة وتضع فتيات في صور يحتكرها الذكر في محاولة لاستكشاف بعض الملامح التي ترسم ما يسمى "الرجولة". في هذا الفيلم تظهر بعض الملامح: الكشف والظهور بلا حرج في المجال العام أثناء أداء ممارسات معينة: التبول والصلاة و العناية بالنظافة العامة، وهي الممارسات التي اعتادت الأنثى أن تستتر وهي تقوم بها، بينما لا يجد الذكر حرجا في إظهارها لأنه "رجل".
الفيلم الذي كتبه أحمد مختار عاشور من فكرة وإخراج هاني مصطفى هو واحد من خمسة أفلام كانوا نتاج ورشة "الرجولة والرجل في المجتمع المصري" التي استضافها مركز "نظرة" للدراسات النسوية في مايو الماضي. وشارك فيها عدد من الشباب المخرجين وكتاب السيناريو، عبروا عن رؤاهم فيما يخص معنى الرجولة وصورها كما يرونها.
بعضهم رصد "لعبة الرجولة"والتناقضات بين جانبها الظاهر المعلن الذي يحب الرجال إظهاره، عندما تبدو "الذكورة بوصفها نبلا" حسب تعبيرات بيير بورديو- عالم الاجتماع الفرنسي- وبين جوانب أخرى مضمرة أو مخفية أو متجاهلة عمدا لأنها تصنف "أنثوية". والبعض الآخر كسر اللعبة من خلال إرباك المشاهد وتحويل بعض الصور المتوقعة للرجولة من واقع إلى وهم.
لعبة وضع فروق واضحة ومتميزة بين أدوار وسلوكيات الجنسين تبدو للبعض ضرورة اجتماعية مرتبطة بالفرق البيولوجي بينهما لدرجة أن السينما تجعل عكسها رعبا. قبل إنتاج الأفلام حاضر الناقد عصام زكريا وناقش المشاركين حول صورة الرجولة في السينما. يقول بسام مرتضى، الذي اشترك مع ميسان حسن في تيسير الورشة والإنتاج الفني للأفلام: "من أهم الأفكار التي نوقشت هي أن صورة (مصاص الدماء) كانت غالبا مقترنة بغموض جنسه والتباسه، هو ليس رجلا أو امرأة بشكل واضح".
ما يقوم به فيلم "عناب ساقع" أيضا هو كسر اللعبة من خلال تعديل ضمير المخاطب من الأنثى إلى الذكر في أغنية "المريلة الكحلي" لمحمد منير، الصوت الأنثوي يلفت الانتباه وهو يغني :"يعجبني أخدَك للكتب بالحضن" أو "ولو ابتديت بشفايفك الحلوين" بفتح الفاء الأخيرة. التغزل في تفاصيل مثل الشفاه أو الإعجاب برقة احتضان الكتب في خجل يبدو غريبا وهو موجه لذكر، ليكشف أن صورته النمطية تستبعد أن يكون امتيازه متعلقا بتفاصيل جميلة دقيقة في مظهره بعكس الأنثى، كما أن الجرأة وبعض الاقتحام هم المتوقعين في مقابل الرقة الخجولة الأنثوية المتوقعة.
حالة الجدية والقيام بواجبات الرعاية الاجتماعية لآخرين وبعض الاستبداد بالرأي تظهر كحالات ملحقة بالرجولة عندما تبدو متباينة مع صورة الأنثى التي تصر على إقراض الأخرى رغم رفضها وتطلب لنا عنابا مثلجا بينما رغبت هي في حجر شيشة!
في كتابه "السيطرة الذكورية" يقول بيير بورديو إن الذكر الذي يتم تربيته ليتخذ دوره في اللعبة الاجتماعية التي تجعله الذكر "رجلا" يتم تعويده وتكريسه وتحفيزه لكي يحتل موقعه في الألعاب الاجتماعية التي عنوانها السيطرة لمجرد كونه رجلا.

تواطؤ اجتماعي
حتى عندما لا يلتزم الرجل بمتطلبات اللعبة جيدا، يحدث قدر من التواطؤ واعتبار ذلك استثناء ويتم استكمال اللعبة بالقيم والتوقعات نفسها. في فيلم “البقاء للأقوى"، الذي كتبه نائل الطوخي وبشير وجيه وأخرجه الأخير، يبدي البطل الذي توفت زوجته تجلدا أمام المعزين ولكنه ينخرط في بكاء حار كلما رأي أشياء تخص زوجته، ينسى نفسه في غرفة النوم ويعلو صوت نحيبه وينتبه على مشهد عدد من المعزين يقفون بجانبه بينما هو جالس على الأرض ممسكا بقطعة من ملابسها يبكي. يقطع المونتاج ويأخذنا إلى مشهد له وهو متجلد وكأن شيئا لم يكن يصافح المعزين الخارجين. يرى بيير بورديو أن هناك توهم ما مؤسس للسلوك المرتبط بالذكورة، بحيث تظل دائما كمثل أعلى، كما أن هناك قدرا من التواطؤ الاجتماعي الذي يستبعد وقوع بعض التفاصيل -بكاء الرجل مثلا أو استسلامه لمشاعره بشكل عام وتعبيره عن التأثر العميق - لكي تظل دائما سلوكا أنثويا ومجرد لحظة استثنائية من الذكر بينما لا تمس هويته المتميزة والمختلفة عن ذلك.
نوع آخر من التواطؤ يحاول الإشارة إليه فيلم "في كل حي ولد عترة"، الذي كتبته نسمة يوسف وأخرجته إيناس مرزوق. هناك شخصية لا نراها تبدو وراء الكاميرا ولكنها تقوم بممارسة سلوكيات تحيط تلميذة أثناء نزولهما من البيت في الطريق إلى المدرسة بالرعاية والإرشاد وبعض التحكم. نتوقع مسبقا أنه أخوها بفعل التوهم. في الطريق نسمع صوت فتاة أخرى يضايقها مجموعة من الشباب، لا تبدي شخصيتنا الذكورية التي وراء الكاميرا أي اهتمام سوى بـ"أنثاه" فقط، وكذلك يفعل ذكور آخرين مشغولين باللحاق بالميكروباص.
الرعاية والحماية في مقابل التحرش تفترض مسبقا أن الأنثى فريسة في مواجهة صياد. الصياد يفكر في الفرائس السهلة حوله وهو مشغول من ناحية أخرى بحماية ما اصطاده مسبقا أو ما ينتمي إليه فقط. ذلك الانقلاب في الدور لا يمس فكرة الرجولة بل ربما يكون ملمحا مميزا لها في وعينا. في نهاية الفيلم نسمع مقطع من أغنية أبو الليف "دولا مجانين" التي يتحدث فيها عن "النساء" باعتبارهن جميعا مخبولات! المقطع يقول:”لما الحنية بتبقى طالبة بيبقوا قمامير. إنما يا حبيبي عليهم قلبة، أشوف وشك بالخير". المقطع الساخر هنا بصوت ذكر ولكن تجاوره مع مشاهد تقلب الدور الرجولي يفجر المفارقة الأخرى وكأنه يسخر من الانتباه إلى تقلب المزاج الأنثوي وكأن المزاج الرجولي متسق ومنتظم.

كله إلا كده
مفارقة أخرى يتورط المشاهد فيها مع فيلم" من دفاتر حنفي الفيل" الذي كتبه محمود فرج وأخرج أحمد رحال، الفيلم يبدأ بصور من حياة شاب يبدو لنا مفعما بالذكورة والرجولة بجانب أخرى تبدو غامضة الهدف: مشهد نشر الغسيل، ذلك الدور الأنثوي الذي يمارسه الذكور مكرهين ولا يحبون في كل الأحوال أن يظهر، الصورة التي تظهر أزهارا ملونة على شجرة أسفل الشرفة وتتأمل في جماليات ألوان الملابس على تلك الخلفية تبدو وكأنها تذكرنا بمتعة أنثوية الطابع.
صوت الراوي يقرأ نصوصا وأخرى تكتب على الشاشة تتضمن أفكارا قد تبدو غامضة: " أعلى درجات الوهم هي أعلى درجات الحقيقة" أو "لا شك أن عصرنا الحالي يفضل الصورة على الأصل، الشكل على المضمون، وتحديدا المظهر على الوجود" أو نصوصا لا يجد المشاهد أي مشكلة في قبولها: "كل ما أنت عليه دون أن تختاره، كل ما يحدث لك دون أن تشارك في أسباب حدوثه، هذا هو قدرك، وقدري أن أكون رجلا". يفاجيء الفيلم المشاهد بإعلان البطل أنه مثلي الجنس وأنه لا يخجل من ممارساته ولكنه يخجل من إعلان ذلك على الملأ. المفارقة الصادمة هنا أن المشاهد تورط في التصديق على ذكورة ورجولة البطل وسلم بأن ما لا نختاره هو قدرنا سواء كان الرجولة أو ما يخالفها وهو ما لا يكون امتيازا ولا عيبا. المشاهد الذي سيكره ما عليه البطل تورط مسبقا في الإعجاب بمظهره وصورته وشكله، هو الآن يفضلهم على الأصل والوجود والمضمون الفعلي. اعتقاد معظمنا عن الرجولة وما يدعمها وما يخالفها التي نضعها في منزلة الحقيقة تقبع الآن في زاوية الوهم والتوهم بعد خدعة صناع الفيلم لنا!
الميل الجنسي محدد مهم للرجولة، مثلي الجنس غير معترف بكونه "رجلا" أبدا. الضعف الجنسي أيضا يعتبر بمثابة تهديد بالغ للرجولة وهي فكرة فيلم "كله إلا كده" الذي كتبته نسمة يوسف وأخرجته إيناس مرزوق.
يظهر الذكر في الفيلم مستهترا ولا مباليا وكأنه مستعد دوما لخوض مغامرة ما. يرتدي تي شيرت عليه عبارة "ياكش تولع". على المقهى يبدي انتقادا لفتاة مهتمة بزينتها لفتت نظره مستنكرا مرورها بالقرب منها وكأنه يدين ما يعتبره رغبة منها في لفت نظرهم إلى جمالها، ولكنه يتابع ساخرا أنها بدلا من المرور بالقرب منهم عليها أن تذهب معه إلى البيت!
من استنكار سلوك يراه تعبيرا عن رغبة جنسية من قبل المرأة إلى القيام بسلوك فيه إظهار سافر لهذه الرغبة قد يكون، قد يكون هذا التقلب الساخر ما يعبر عنه بورديو من أن الرجولة تقدم نفسها بوصفها "قانونا اجتماعيا متجسدا" فالرجولة ليست خاضعة للقيم الاجتماعية التي قد تدافع عنها وتلزم بها الآخرين بل تمارس فعلها بحكم القوة التي لا تخضع للحساب. الرجولة قوة فائقة تضع القانون وتخترقه، قد يكون هذا سر ذلك المظهر الرجولي الجذاب لأبطال أفلام الجريمة، الأخيار والأشرار. القوة التي تخترق القانون و القوة التي تستعيد سلطانه، الرجولة هنا وهناك على السواء، ولكن رجل ضعيف جنسيا لا يمكن قبوله "رجلا" على أي شاشة!
في الفيلم يشتري البطل علبة سجائر ليجد عليها صورة السيجارة المرتخية المقوسة والرسالة التي تحذر من أن التدخين يؤثر على العلاقة الزوجية. يتوتر ويطلب من البائع أي علبة أخرى من التي تحتوي على الرجل المريض الموشك على الموت. الفحولة الجنسية هي قدر الرجولة ومركز نبلها - قوتها في مواجهة الأنثى - وعكسها رعب قد يكون الموت أهون منه!


نشر في "الشروق" الأحد 8 أغسطس 2010
PDF
الصورة من فيلم "عناب ساقع"

المزيد

السبت، 7 أغسطس، 2010

زيارات طويلة أم خطط استقرار؟

خيارات الوافدين من الوادي إلى سيناء


لقمة العيش، المغامرة والمتعة، حب الطبيعة، الشعور بالمسئولية الاجتماعية تجاه المكان .. دوافع مختلفة عند أبناء الوادي الذين يقررون الانتقال والبقاء لفترات طويلة في مدن سيناء.

على خلاف كل هؤلاء الذين يملأون مدينة دهب في هذا الموسم، عندما يرغب طارق وهبة في إجازة يترك دهب ويتجه إلى القاهرة للاسترخاء.
عشرون عاما مرت على أول مرة جاء إلى دهب.تبدلت الأحوال من شاب مغامر في أوائل التسعينات يدير مشروعا بدلا من صديقه الذي سافر للإقامة مع زوجته الأجنبية في بلدها فترة ليحصل على الجنسية، إلى مالك لفندقين الآن. دهب الآن مكان سكنه واستقراره هو زوجته وابنه وابنته.
يحكي طارق وهبة أنه سافر فترة إلى أوروبا ليجرب حظه ثم عاد وعمل في فندق بالغردقة في منتصف الثمانينات، في الوقت الذي كانت في السياحة تشهد ازدهارا ونموا مطردا بحسب ملاحظته. كان مرتبه يتضاعف وشجعه ذلك على افتتاح بازار خاص به بجانب عمله في الفنادق. ولكن كل شيء تغير في أوائل التسعينات مع حرب الخليج التي أثرت على حركة السياحة. سافر فترة قصيرة إلى قطر قبل أن يعود ليستأجر كافيتريا صديقه الذي سيسافر مع زوجته.
يتذكر طارق وهبة:“كانت دهب وقتها تتكلم بالعبري حركة السياحة بالأساس من إسرائيليين. من يعلمون هنا والبدو يجيدون العبرية، قوائم الطعام وبعض اللافتات كانت بالعبرية. حتى السياح من أوروبا وأمريكا كانوا يأتون على طائرات العال ثم يركبون الأوتوبيسات من إيلات. كانت السياحة تعتمد على البساطة ورغبة السائح في أن يعيش حياة البدو وأن يأكل الأكلات الشعبية ويركب الجمل".
وبالتبعية كانت الخدمات السياحية التي تقدم هناك بسيطة وبدائية وتتناسب مع نقص الخدمات التي عانى منها الوافدون والمستثمرون الأوائل. ولكن في مواجهة ذلك كان طارق وهبة ينظر للتدفق الكبير إلى دهب مقارنة بمستوى وحجم الخدمات فيها وفكر في إنشاء فندق حديث نسبيا بدلا من مخيمات العشش التي تملأ المدينة. حاول أن يقنع صديقه ولكنه فشل فانطلق وحده في مشروعه: “كان فندقي الذي أنشأته عام 1993 من أوائل المباني الأسمنتية على الشاطيء. كان الناس يفكرون في دهب باعتبارها قرية بدويةا. ولكني كنت أعتقد أن السياحة ستغير دهب كثيرا وسريعا".
وذلك ما حدث فعلا من أكثر من جانب، زادت أعداد السائحين وتنوعت فئاتهم وأصبحوا في حاجة إلى خدمات فندقية منظمة وجيدة. ومن جانب آخر قل تدفق الإسرائيليين مع توتر العلاقات بين مصر وإسرائيل وتاثير التفجيرات في سيناء، وأصبح من يقصدون دهب يتوزعون إلى فئتين: فئة السياح الأقل دخلا وفئة محبي الغطس الذين ياتون بشكل خاص بسبب أماكن الغطس الفريدة هناك. الفئة الثانية هي سبب المكانة المميزة للمدينة وأفرادها هم من ينعشون حركة السياحة هناك.
ببناءه الفندق هناك، كان خيار الاستقرار في دهب قد وضع أساساته، ولكن خيارات الآخرين غير المحسومة تؤثر على استمرار ذلك الاختيار. يشكو طارق دهب من أنه رغم تدفق الشباب من مختلف محافظات مصر للعمل في دهب إلا أن ياتون في مغامرة قصيرة. معظمهم يحلم بالزواج من أجنبية والسفر إلى الخارج. قليلون يهتمون بتطوير خبراتهم أو الرهان على البقاء هنا. معظمهم يضحون بعملهم مقابل عمل بأجر أقل كثيرا ولكن يتيح له الاستقرار في مدينته الأصلية، خاصة إن كان متزوجا أو سيتزوج. في المقابل يشكو الشباب من الأجور القليلة التي لا تتيح أي استقرار ولا توازي مشقة السفر الطويل. ولكن طارق وهبة يرى أنهم يبدأون باجور قليلة مقابل ما ينالونه من خبرة وتدريب في مجال العمل الفندقي.
التغير السريع لعمال فندقيه يقلقه بعض الشيء ولكنه يشكو أيضا من مشكلة نقص المياه النقية والرحلة الطويلة التي يقطعها السياح برا بينما يفكر هو أن وجود مطار سرفع مكانة المدينة وسيرفع حجم الاستثمارات فيها. بالإضافة لذلك يحتاج للعودة إلى القاهرة عندما يحتاج أي فرد من الأسرة إلى خدمة طبية متميزة. كما اضطرت زوجته والأولاد للعودة إلى الإقامة في القاهرة في مرحلة الثانوية العامة والجامعة بسبب ضعف مستوى التعليم في سيناء وقلة الجامعات القريبة وتخصصاتها.
ولكن الاسرة عادة لتتجمع في دهب، ورغم بعض المصاعب يقول طارق وهبة أن الحياة في دهب أهدأ كثيرا وأجمل. وبدو جنوب سيناء في رأيه متعاونون ومشاكلهم مع الدولة لا تتصاعد عادة مثلما يحدث في الشمال والوسط. ورغم كثافة المشروعات السياحية التي بدأت تزيد على حاجة المدينة وتقسم دخلها على عدد أكبر إلا أن ذلك يظل أفضل بالنسبة له من الاحتكاك العنيف في القاهرة بسبب زحامها على كل المستويات. يضيف طارق وهبة سببا إضافيا هاما:”كما أن العمل في السياحة هو عمل جميل. مهمتك أن تساعد الناس على قضاء وقت ممتع ولو نجحت في ذلك تستمتع أنت أيضا طوال الوقت".

مخاطر المتعة
ولكن بعض أصحاب الأعمال هنا يبدون تخوفهم من تلك المتعة التي قد تؤثر على ما يرونه من ضرورة "الجدية" في مجال السياحة. “شباب كثيرون لا يستمرون في العمل عندي عندما ألاحظ أنهم غير جادين ويحاولون معاكسة السائحات بشكل فج" يبدي عمرو مختار حزما كبيرا وهو يقول ذلك. يدير عمرو واحد من أهم الجاليريهات في دهب، ويتقاسم ملكيته مع قريبه الذي سبقه إلى دهب ويملك جاليري آخر مجاورا.
يكمل عمرو مختار: “لقد أتيت هنا بعدما تجاوزت الثلاثين وشعرت أن مرحلة التنقل من عمل إلى آخر في القاهرة لم تعد تناسبني. عملت في مطاعم وجبات سريعة ووصلت إلى مرتبة مدرب ومدير مدربين ولكن النظام الأجنبي مرهق ودائما فوقك مديرين وتواجه تقييما مستمرا لأدائك يشعرك بالتوتر والضغط. انتقلت للعمل مع قريبي هنا وشاركته في هذا الجاليري. لدي خبرة كبيرة ومهارة في التسويق، وهنا الحياة هادئة ومريحة الأعصاب والمكسب جيد رغم أيام الكساد وبعض المنغصات".
يقوم عمرو لاستقبال سائحين دخلوا إلى الجاليري، يتركهم يتفرجون بحرية على الاكسسوارات والحلي والصور الفوتوغرافية ويقف هو على مسافة ينتظر استفسار منهم. فتاة اسكندنافية بصحبة شاب مصري تختار واحدة سلسلة فضية وتطلب من الشاب دفع الثمن فيفعل ويخرجان سريعا. يعلق:”أتت بالأمس وتفرجت كثيرا وسألت. أخذت قرارها وعادت لتشتري. أحاول أن أحافظ على سمعة الجاليري بعيدا عن الممارسات السيئة المنتشرة هنا. أنا لا أحب الخرتنة: اي أن أقف على باب المحل اصطاد السياح. ولا الجهرشة: طريقة الشباب في ملاطفة السائحات من أجل البيع لهن أو إقامة علاقة معهن".
يقول عمرو مختار أن الحياة في مكان مثل دهب مغرية جدا، وهو ليس ملاكا ولكنه يحاول أن يكون ملتزما بدون تشدد. يقسم يومه بين سماع أغاني محمد منير وأحمد منيب وبين الاستماع إلى تلاوة القرأن. يؤكد أن سائحون كثر تعجبهم التلاوة ويسألون عن اسطوانات لما يعتقدونه نوعا من الغناء.
يضع يده على صدره :”أنا الحمد لله متزوج ولدي أولاد. شباب كثيرون هنا يأتون يحلمون بحياة مليئة بالمتع من خمور ومخدرات ومغامرات جنسية، ومستعدون للزواج من أجنبية ولو كانت فوق السبعين من أجل السفر أو المال. كلنا كنا شباب نحب المغامرة أو مررنا بأيام شقاوة. ولكن بسبب قلة الجدية ساءت سمعتنا كثيرا وسياح كثر بدأو ينفرون ويتوجسون وقد يرحلون بخبرات سيئة وذلك يضر سمعة المدينة ويؤثر على عملنا".
أحيانا ما تعامل الشرطة الشباب الذي يأتي للعمل هنا ببعض الشدة، يقول عمرو مختار أن هناك كارنيهات من مجلس المدنية تصدر للشباب العامل هنا في محاولة لتنظيم تدفق الشباب للعمل هنا، ويقول أن أمن الدولة تؤخر أحيانا إصدار الكارنيه 6 شهور بينما يجب تجديده سنويا، وذلك يجعل معظم الشباب العاملين هنا مهددين بالطرد بسبب أي خطأ. يقول أن له وضعا أفضل نسبيا بسبب سمعته الجيدة هنا ولكنه أحيانا يتعرض لمعاملة سيئة من ضابط جديد أو مسئول متعنت. يستنكر عمرو كون بعض المسئولين والضباط لا يعرفون شيئا عن السياحة ومعظمهم لا يعرف كلمة إنجليزية ويستعينون به أحيانا في قسم الشرطة لكي يترجم.
ولكن تلك المتاعب ليست السبب في كونه يرفض انتقال أسرته للسكن معه في دهب حيث استأجر بيتا خاصا. السبب الأساسي هو خوفه على أخلاقهم من الحياة المنفلتة في رأيه:”لا أريدهم أن يتعودوا على العري ومنظر الخمور والعلاقات المفتوحة المنتشرة. صحيح أن حياتي بعيدا عنهم تزعجني لكني حريص على أخلاقهم".

تنمية واتجاه ديني
تخوفات عمرو مختار قد تبدو مبالغا فيها، بالنسبة للسيدة سلوى نصار. تجلس هي وصديقتها السيدة نادية، زوجة طارق وهبة، في مدخل الفندق المطل على الشاطيء تشربان القهوة، كلتاهما ترتديان الحجاب، تستمتعان ببعض هبات النسيم رغم الحرارة الشديدة ذلك اليوم. بينما يجلس شاب وفتاة على البار على بعد أمتار يشربان البيرة ويتضاحكان. يفكران في تأسيس جمعية لخدمة المرأة في دهب، سواء المرأة البدوية أو المرأة القادمة من الوادي لتستقر هنا أو في رفقة زوجها وكذلك المرأة الأجنبية التي تقيم في دهب لفترة طويلة للعمل.
تقول سلوى نصار أنها من خلال عملها كناشطة في مجال شئون المرأة في مديرية الصحة والسكان في دهب، بدأت بالفعل في عقد اجتماعات وندوات لنساء من مختلف الخلفيات للتشاور حول أنشطة يمكنهن القيام بها، ومن خلال هذه الاجتماعات التي حضرها نساء بدو ونساء قاهريات وأجنبيات كان الجميع حريصا على الوصول لتفاهم واحترام متبادل فيما يخص العادات والسلوكيات التي يرى البعض أنها متناقضة.
أتت سلوى نصار إلى دهب برفقة زوجها الطبيب الذي كان يقضي فترة تكليفه في دهب في نهاية الثمانينات. أعجبتهم المدينة والطبيعة فقرروا الاستقرار هناك. تضحك قائلة:”في البداية خفت من الوحدة فكنت أذهب مع زوجي إلى عمله أساعده. وكثيرا ماركبت معه سيارة الإسعاف لنقل مرضى إلى مدن أخرى". من خلال مساعدتها له واحتكاكها شهدت ارتباك المرأة البدوية أمام بعض المظاهر الحضرية وشهدت ارتباكهن بين الثقة في الطب وبين بعض معتقداتهن الخرافية بشان الصحة والمرض. احتاجت فترة لتوطد علاقتها بهن بسبب بعض الأفكار عن الهوة بين "البدوي" و"المصري". ولكن يبدو أنه بسبب اتجاهها وزوجها إلى العمل الاجتماعي نجحوا في تجاوز هذه الهوة سريعا. فزوجها الطبيب محمد حسين هو مدير جمعية تنمية المجتمع المحلي في دهب.
عملت السيدة سلوى كمدرسة لغة عربية في حضانة للأطفال ثم في مدارس التعليم الأساسي، ومن خلال عملها لاحظت معدل التسرب العالي من التعليم، وعدم إقبال البدو على تعليم اولادهم أو تركهم يستكملونها. بعض المدارس تسمح لأولاد البدو بالخروج مبكرا لكي يساعدوا الأهل في العمل. بعض البنات تهرين من المدرسة لتبيع الاكسسوارات على الشاطيء. ولكن الكل في النهاية ينجح وينتقل للمرحلة التالية.
ولذلك شعرت بضرورة وجود جهود موازية تحاول محو أمية بعض الطلاب والطالبات الذين وصلوا إلى المرحلة الإعدادية والثانوية بينما هم فعليا لا يعرفون القراءة والكتابة بشكل جيد.
جهودها العفوية الخاصة أو من خلال جمعية تنمية المجتمع بدأت تتخذ شكلا رسميا من شهر مارس الماضي بعد اختيار وزارة الصحة والسكان لها كناشطة شئون المرأة في مدينة دهب. وبالإضافة إلى ذلك مشروع الجمعية التي ستسمح بتضافر جهود أهلية مع عملها الرسمي. تقول سلوى: “نساء كثيرات الآن يشعرون بالانتماء للمدينة ويردن ممارسة أنشطة تتعلق بنظافة المدينة والبيئة وتنمية المجتمع ومساعدة المرأة البدوية على الاستفادة من السياحة بشكل أفضل من خلال تطوير مهاراتها في الحرف اليدوية وتسويقها".
مزجت السيدة سلوى بين اهتمامها بثلاث مجالات، محو أمية بنات وسيدات البدو، تعليم الأجنبيات اللغة العربية، تعليم التجود لنساء قاهريات وبدويات. تقول أنها مزجت بين الأساليب الثلاثة: فتجويد القرآن يقوي اللغة العربية، والأسلوب العملي في تعليم الأجانب العربية فعال في مجال محو الأمية.
على مستوى شخصي ترى السيدة سلوى أن الحياة في دهب ساعدتها بشكل روحي على اعتياد الحياة الهادئة التي تشغلها بالذكر والتأمل.
أنماط حياة متنوعة تحتملها المدينة الصغيرة التي يتجاور فيها أفراد أتوا من خلفيات مختلفة. الحياة في مدينة كهذه يتطلب قدرا من التفهم وتقبل نمط حياة الآخر وقدر من التداخل معه. ما يقلق طارق وهبة هو تحفظ شباب كثر من العمل في السياحة بسبب تقديم الخمور، يقول أن بعض الشباب الذين استمروا للعما معه لفترة طويلة تدينوا ويرفضون الأن أي تعامل مع الخمور، بعض العاملين الجديد يحزم أمتعته ويرحل بعد أيام خوفا من إثم التعامل مع الخمر. يقول طارق وهبة أن قلق على مستقبل السياحة في مصر بسب المد الديني ولا يريد أن يربط أبنائه بمجال السياحة لذلك، هم يساعدونه الان حتى يجدون فرصهم التي ستكون غالبا في القاهرة أو خارج مصر. ولكن بالنسبة له فهو استقر هنا مع مشروعات عمره بعد أن قام بمغامرته والنتيجة حتى الآن لا بأس أبدا بالنسبة له رغم المخاطر والهواجس.


نشر في "الشروق" الخميس 5 أغسطس 2010
PDF
الصورة لـ محمد الميموني
المزيد