الثلاثاء، 29 ديسمبر، 2009

الفن علاجا


ممارسة الإبداع جزء فعال من عملية العلاج النفسي وهي أيضا جانب مهم من الصحة النفسية التي تساعد كل الناس، أصحاء أو مرضى، على أن يعيشوا حياة متسعة وغنية، مرنة ومتوازنة.

على خشبة المسرح النفسي

يجلس "البطل" وحده في مواجهة زملائه الذين سيكونون "الجمهور" وبعضهم سي
كون "ممثلا مساعدا". يقوم "المخرج" ببدء عصف ذهني بالتحاور مع البطل حول شأن يخصه ويطلب من الجمهور أن يحاوره أيضا حول نفس الأمر. أول ما يحتدم النقاش يأمر المخرج أحد الجالسين في مقاعد الجمهور أن يقوم ليلعب دورا ما متعلق بالبطل: أبوه أو أمه أو أخوه أو صديقه أو خطيبته. يرتجل الممثلون والبطل تفاصيل المشاهد التي يقترحها المخرج ويدفعها باتجاه معين. يلعب يالإضاءة أوتغير أماكن الممثلين أو يعلن عن موت أحدهم أو غياب آخ. يطالبهم بعقد علاقات وصلات أو تمثيل حالات معينة أو تخيل أحداث معينة ويترك المشاهد تتوالي وتتصاعد ويحاول أن يتخطى الزمان والمكان باستحضار الماضي أوالقفز للمستقبل، استدعاء الأموات أو الغائبين، تجسيد الأفكار والرغبات في أشخاص يتكلمون ويحاورون البطل. يصل الأمر غالبا لذروة انفعالية حين يعبر مشهد ما عن وجه مؤلم أو قاسي أو كاشف عن مشكلة البطل أو أزمته بعد أن قلبّتها مشاهد مختلفة على أوجه متعددة. ينهي المخرج المسرحية الارتجالية عندما درجة معينة ويدير نقاشا هادئيا بين كل الحاضرين حول الأمر قبل أن يتفرق الجميع.
المخرج هو د.خليل فاضل والمسرح هو غرفة "السيكودراما" في عيادته الخاصة والحضور الذي يتناوبون على أداء دور البطل والممثلين المساعدين والجمهور هم زوار عيادته ممن يقصدونه للعلاج من متاعب نفسية يمرون بها.
منذ 9 سنوات يستخدم د.خليل فاضل في موعد أسبوعي ثابت أسلوب "السيكودراما"، الذي يسمى أيضا "المسرح النفسي العلاجي". وهو الأسلوب الذي ابتكره جاكوب مارينو، الطبيب النفسي الأمريكي من أصل نمساوي، في الأربعينات واستخدمه أولا لمعالجة جنود شاركوا في الحرب العالمية الثانية. وهو يعتمد على المزج بين فن المسرح وبين أسلوب العلاج الجماعي الذي يقوم فيه المعالج بإدارة مجموعة من المتعالجين الذين يشاركون بعضهم البعض بمشاكلهم وهمومهم ومتاعبهم.
يتم التحضير لجلسة السيكودراما بالإحماء، حيث يجلس المشاركون في حلقة يعرفون أنفسهم سريعا ويذكرون ما يحضر على ذهنهم من المواقف والأحداث أو آخر ما مروا به الأسبوع الماضي بشكل عام أو ما هو متعلق بمشكلتهم الأساسية. يقوم كل واحد بذلك ويختار من يتكلم بعده سواء يعرفه أو لا، يلقي إليه بكرة خيط يظل طرفها عند المعالج/ المخرج، وإن لم تكن موجودة يتخيل المشاركون وجودها ويمثلون تسليمها إلى بعضهم البعض ويسملها آخرهم إلى المعالج مرة أخرى. ومن الحكايات والبوح يحدد المعالج -الذي يعرف خليفات كل مشارك - من سيكون البطل هذه الليلة، ليأخذ دوره في مواجهة الباقين وتبدأ الدراما.
يقول د.خليل فاضل: "تعتمد السيكودراما على تكثيف اللحظة وحرق المراحل، فهي تساعد على سرعة علاج مشكلات نفسية قد تستغرق سنوات طويلة إذا تم علاجها بالأدوية فقط أو بالجلسات التقليدية. في السيكودراما نستدعي الماضي أوالمستقبل. أونستحصر مشاهد من الحاضر ولكن بعد تأطيرها أو وضعها في إطار جديد فالمشارك يتفاعل مع شخصيات وأحداث بشكل مكثف وليس كما يحدث في الواقع".
السيكودراما إحدى أشكال العلاج بالتعبير وهي تعتمد على أحد مبدأين. أولهما أن الأداء والتعبير الفني له تأثيرات صحية وأن له دورا في التعافي وهو ينطبق أكثر على العلاج بالفنون المختلفة Art therapy، وثانيهما أن التعبير الفني فيه مجاز ورمزية يتيحان تعبيرا وتواصلا لا تتيحه اللغة العادية والتواصل العادي. والسيكورداما تعتمد بعض الشيء على المبدأ الأول لكنها أقرب للاعتماد على المبدأ الثاني.
ينصح د.خليل فاضل بجلسات "السيكودراما" عملاء عيادته ممن يشكون من إعاقة اجتماعية ما أو مشكلتهم تتعلق بالتواصل مع الناس والمجتمع. وهذا يشمل ممن يعانون من مشاكل أسرية أو مشاكل زوجية أو اضطرابات في الشخصية أو الإدمان وربما بعض المرضى العقليين إن كانت حالتهم تسمح ويمكنهم التواصل مع آخرين. ولكن د.خليل فاضل يوضح: " فائدة جلسة السيكودراما لا تتوقف على البطل الذي تدور المشاهد حول مشكلته، فهي أيضا تعطي كل فرد الفرصة أن يلعب أدوارا مختلفة لا يؤديها في الحقيقة، وأن ينظر للمشاكل من زويا مختلفة، أن يرى غيره يفصح عن مشكلته بصراحة وبلا خوف ويمثلها أمامه قبل أن يأتي دوره هو أيضا ليفعل ذلك. واحد ممن كتبوا عن السيكودراما قال أنها: فضح متبادل".
أحيانا ما يتماهي شاب يشكو في الأصل من انطوائيته مع دور شاب جريء متمرس في "غواية" الفتيات، أو أن ينفعل شخص متدين ليتوجه بحديثه إلى الله.
"لا تابوهات في جلسات السيكودراما" يقول د.خليل "لكن أحيانا ما أحول مسار الدراما لوشعرت أن المشاركين يفتعلون "مخرجا ثقافيا" لمشاكلهم الشخصية, فأحيانا ما كادت تتحول الجلسات إلى ندوات سياسية تشكو أوضاع البلد وسوء الخدمات والفساد وغير ذلك. وقد يكون ذلك من الحيل الدفاعية النفسية التي نتهرب خلالها من مواجهة مشاكلنا المباشرة".
ولكن بالتأكيد، المشكلات الشخصية المتكررة والتي تظهر عند "أبطال" جلسات السيكودراما تعد مؤشرا على مشكلات اجتماعية. يخص د.خليل منها مشكلة علاقة الآباء والأبناء. ويعتبر أكبر المشكلات تكمن فيما يسميه "الإخصاء" الذي يمارسه بعض الآباء ضد أبناءهم الذين يفشلون في التمرد عليهم إلا بعد إصابتهم بمتاعب نفسية: "أتعجب من شباب تجاوزوا الثلاثين ويعانون من أن آبائهم لا زالوا يتحكمون في تفاصيل حياتهم، ليس فقط مكان السكن والزوجة والعمل، بل حتى ماركة البنطلون !".
المشاكل بين الزوجين والمشاكل المتعلقة بالجنس وحالات القلق الديني والأفكار التي تخشى الإعلان في الحياة العادة تجد متنفسا في السيكودراما.
في إحدى الجلسات أفصح أحد الشباب أنه يشعر بمتعة شديدة عند تناول البيرة في نهار رمضان، ورغم انتقاد الآخرين له إلا أنه دخل معهم في جدل صريح بلا خوف أو خجل من نفسه. وفي أخرى أثناء نقاش حول سلوك البنات والشرف وقفت فتاة غير متزوجة لتصرخ في الجميع: "أنا لست عذراء! عاوزين حاجة؟" وتبوح للآخرين بتجربتها بكل قوة، ولم يقم أحد من زملائها بوصمها أو الابتعاد عنها بعد ذلك. لكن د.خليل يقول أن بعض الآباء من المشاركين أصيبوا بالذعر من ذلك وبدأوا في التقرب من بناتهم ومحاولة التعرف على حياتهم بشكل أقرب.
يتعلم المشاركون مرة بعد مرة القدرة على الدفاع عن وجهة نظرهم أو الاعتراف بأخطائهم بشجاعة ولكن تظل فائدة السيكودراما الأهم كما يقول د.خليل فاضل أن المشاركين من خلال وضع أنفسهم في أدوار مختلفة أو التعاطف مع البطل يتعلمون ألا يحكموا على الناس من خلال منظورهم الخاص فقط.



من نافذة الخيال تدخل الصحة النفسية

يفتح نافذته صباحا فيجد وردة بلدي حمراء ! يتعجب لأنه يسكن في الدور العاشر. يلقى بنظره إلى الشجرة التي تستقر أسفل العمارة فيجد أن فرعا بعينه امتد وطال حتى وصل إليه بالوردة وكأنه يقصده تحديدا. يقص الوردة ويضعها في كوب ماء بسكر، يتناول ساندوتش جبنة رومي، يرتدي ملابسه على مهل. ينزل فيكتشف أن ربع ساعة فقط تبقت على موعد عمله، ولكنه يجد أكثر من ميكروباص متجهين إلى التحرير يقفون لإشارته، أحدهم يفتح له الباب ويخبر الباقين:"خلاص، الأستاذ معايا". يجلس مستريحا على مقعد وحده لا يزاحمه فيه أحد. يفاجئه أن السائق يعطيه زجاجة مياه غازية. يشربها ويفكر أنه سيعطيه ثمنها فوق الأجرة. وهو ينزل يحاول فعل ذلك فيقسم السائق أنه لن يأخذ إلا الأجرة المقررة وأن المياه الغازية "عزومة" وتحية. يدخل إلى عمله فيكتشف أنه تأخر عشر دقائق، يعتذر لمديره فيتقبل اعتذاره في ود، يدخل إلى زملائه الذين يخبروه أن المدير لم يغضب لأنهم قاموا بدلا منه بكتابة الأوراق المطلوبة على الفور. يجلس مطمئنا ويؤدي عمله وفي نهاية اليوم يرحل في موعده. وأول ما ينزل يجد نفس السائق ينتظره بالميكروباص لكي يعيده إلى بيته ويقول له أنه أحبه "لله في لله".
يحكي محمد مهدي، مدرب الدراما العلاجية في دار الصحة النفسية بالمقطم، أن هذا المشهد تخيله ومثّله أحد المرضى في إحدى الجلسات عندما طلب منه أن يتخيل يوما من أجمل أيام الدنيا: "لقد ضحكنا معا على المفارقات وبكينا معا على بساطة الحلم والخيال وجماله وإبداعه في الوقت نفسه".
بين الكوميديا والمرح واللعب والعبث من جانب والاندماج الذي يصل بالمجموعة أحيانا إلى البكاء تمضي جلسات الدراما في دار الصحة النفسية - الشهيرة باسم مستشفى الرخاوي. يوضح د. محمد الرخاوي، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة ومدير المستشفى، أن الدراما العلاجية كما يقدمونها هي أحد أشكال العلاج بالفن لكنها تختلف عن "السيكودراما". فالأخيرة تقلب في جذور المشكلة النفسية لدى المريض وتجعلها تبرز على السطح في قوة وسرعة، وهي مسئولية كبيرة ويجب أن يكون هناك دائما معالج نفسي شديد الخبرة واليقظة لكي يتعامل مع ذلك بشكل مناسب. ويضيف :"ولكن في الدراما العلاجية Drama therapy فنحن ببساطة نلعب وننمي أنفسنا. نحن نعالج لا بالتوجه نحو المشكلة ولكن بالصحة النفسية، نمارس السلوك الصحي وندعه يستبعد السلوك المرضيّ".
الدراما هي الفن الأقرب للحياة اليومية. كما أنه يمكن أن يشمل داخلة فنون الأداء جميعها، الأداء الصوتي والحركية، يمكن أن يشتمل على موسيقى وغناء ورقص. ولذلك يتحيز د. الرخاوي للدراما كنشاط مفيد للصحة النفسية لأي إنسان وليس المرضى فقط. فالتمثيل يوفر مهارات مطلوبة للتكيف في الحياة، أهمها إن يتمكن كل إنسان من لعب أدوار مختلفة ولا يتصلب أو يتقولب في دور واحد.
يقول د. الرخاوي :"عندما تقف في الطابور، ربما تحتاج عدة أدوار، مرة دور القوي الغضوب حين يريد أحدهم أن يأخذ دورك، دور المتعاطف إن وجدت سيدة عجوز متعبة من الوقوف وتطلب أن تأخذ دورك، ربما تلعب دور التفاوضي مع آخر. أن تؤدي دورا واحدا في كل الحالات فهذا هو التصلب في قالب واحد، والقدرة على لعب أدوار مختلفة هذا ما نسميه المرونة وهي من علامات الصحة النفسية".
في إحدى تمارين جلسة الدراما، يأمر المدرب محمد مهدي كل مشارك أن يسير على سجادة حمراء مرة كأنه وزير ومرة كأنه رجل أعمال ومرة كأنه ممثلة جميلة مشهورة ومرة كبطل رياضي. يقول مهدي: "في كل حالة هو فقط يتقمص حالة ويعيش شعورا لا يعيشه في الواقع. كما أن جسده يتشكل مع كل حالة وهي خبرة مختلفة".
تشكل الجسد بأسلوب غير معتاد في حياة الفرد، هي فكرة العلاج بالرقص الذي يمارسه البعض بمعزل عن الدراما، فالاعتقاد وراء هذا الأسلوب من العلاج أن الخبرة الجديدة للجسد تجعل الشخص يجرب جانبا من أسلوب حياة جديد غير معتاد بالنسبة له.
يقول محمد مهدي:" أيضا في مثل هذه التمرين يبدأ المريض يشعر كيف أن الوقفة والنظرة واللفتة تدل على الحضور والهوية فيبدأ في الاهتمام بهذا ويعتني بذاته وحضوره وصورته".
مزج الدراما بالموسيقى والغناء أيضا يضفيان أجياء مرحة وممتعة على جلسات الدراما، وقد يكون لها دورها العلاجي. "الغناء فيه تنظيم للنفس وإخراج للطاقة وانفتاح للذات على الخارج فهي تؤدي وتستعرض، عكس الحالة المرضية من بطء أو تسارع النفس أو الميل للانسحاب إلى الداخل".
ممارسة التمثيل تخرج المريض من عزلته أوانسحابه وتجعله منفتحا على الآخرين، كما أنها فرصة لتفريغ الكوامن المكبوتة التي نقعمها داخلنا. فبعض الأشخاص الملتزمين قد يجد فرصة لعيش خبرة جديدة تتعلق برغبات مقموعة لديه مثل أن يؤدي دور شخص يغازل فتاة أو يمثل شخصية رئيس عصابة. "أوجه شخصياتنا التي أخفيت عن الآخرين تحفى علينا نحن أيضا" ولذلك يري د. الرخاوي أن "التمثيل يعطينا الفرصة لإعلاء صوت أجزاء من أنفسنا لا نعترف بها ولا نتحملها، وفي الوقت نفسه يتم استيعابها في المساحة الآمنة للعب الدرامي. ومن خلال التعبير عن هذه الجوانب التي لا نعيشها، ويعيشها آخرون، نكتشف إنسانيتنا المشتركة ونتحلى بالفهم والتعاطف مع بعضنا البعض".
الدراما أيضا تمنحنا فرصة إعادة تمثيل أدارنا في الحياة ولكن مع "مسافة" ما. "موازنة المسافة أو ضبطها من أهم المهارات النفسية الصحية المطلوبة" يشرح د.الرخاوي: "بعض الناس تندمج في مشكلتها تماما أو في مشكلة غيرها وتغرق فيها، والبعض الآخر يضع مسافة كبيرة بينه وبين مشكلته أو مشكلة غيره فيتعامل بتبلد وبرود. في التمثيل يتعلم الممثل أن يكون متقمصا ومعايشا ولكن ليس مبالغا أو Over وهذه المسافة الجمالية المطلوبة في الفن هي المسافة الصحية المطلوبة في الحياة".



ألوان جديدة للحياة

يقفا
ن على طرفي غشاء شفاف، بالتبادل يمسك كلا منهما بالألوان ويبدأ في "شفّ" صورة الآخر على اللوحة الشفافة بيهما. ولأنه لا يمكن أن يظلا يحدقان في بعضهما البعض بلا كلام يبدآن في تجاذب أطراف الحديث، ثم الابتسامات والقهقهات. وشيئا فشيئا تتوطد صداقة وعلاقة بدأت بتأمل كل منهما للآخر.
هذه اللعبة ابتكرها محمد عبلة، الفنان التشكيلي، وسماها "تجربة التفاعل" وسجلها باسمه كأحد أساليب العلاج بالرسم. ويذكرها تحديدا ليقول أن العلاج بالفن دائما فيه مساحة مشتركة لفائدة الجميع وليس فقط المرضى النفسيين،فهو يطبقها أيضا في ورش لمن لا يعانون من أي متاعب نفسية بغرض الحصول على ميزات التفاعل والتواصل من خلال اللعب والفن.
عقب تخرجه من كلية الفنون الجميلة وأثناء دراسته للفن في سويسرا، بدأ محمد عبلة الاهتمام بالمساحة المشتركة بين علم النفس والفن، والتحق بمعهد "يونج" ودرس به ثم افتتح بالاشتراك مع طبيبة نفسية سويسرية عيادة للعلاج بالرسم: "كان الأطباء والمعالجون يحولون إلينا الحالات المستعصية التي وجدوا صعوبة بالغة في التعامل معها، وكنا بخلافهم لا نهتم بتحليل العقدة أو المشكلة ولكن نستخدم الرسم كنشاط يعطي المريض لغة جديدة يتواصل بها مع نفسه ومع العالم ويساعده على أن يكون أكثر قدرة وقوة على مواجهة مشكلته بنفسه".
يرى عبلة إن المعالج بالرسم يجب أن يكون مختلفا عن الطبيب النفسي الذي يتعامل مع المشكلة وعن مدرب الرسم الذي يركز على التقنيات الفنية، فعلى خلافهما يجب أن يلتقط الإشارات فيما يرسمه المريض ويوجهه شيئا فشيئا لكي يكون شكلا يكون ذا معنى له وليس مجرد شخبطة وأن يخرجه من حالة تكرار الخطوط والإصرار على تفاصيل محددة والميل لألوان بعينها إلى حالة من المرونة والتنوع والتوازن.
ولكن بعض الحالات المميزة تعبر بوضوح وبشكل صارخ عن مشكلتها. يحكي محمد عبلة إن إحدى الحالات المميزة التي تعامل معها كان مدرسا للتاريخ بالمرحلة الثانوية وكانت حالته متردية جدا وعندما بدأ جلسات العلاج بالرسم كان يرسم دائما زنزانة بألوان قاتمة ويرسم نفسه جالسا داخلها أو مشنوقا في سقفها، كان تعبيره واضحا عن إحساسه بأنه محبوس في إطار حياة نمطي ومكرر وأن هذه الفكرة تسيطر عليه، لم يناقشه في مشكلته ولكنه اقترح عليه أن يرسم الزنزانة ولكن بلا قضبان حديدية في منافذها، وفي مرة لاحقة أخفى عبلة الألوان القاتمة، فبدت اللوحة وكأنها لغرفة عادية، ومرة فمرة بدأ المدرس يكتشف أنه يرسم أشياء مختلفة. ربما أعجبه التنوع الممكن من خلال الرسم واكتشف فيه متنفسا لأنه أخبر محمد عبلة أنه اشتري لوحة وألوانا وبدأ في الاهتمام بالرسم بشكل كبير وساعده ذلك على تحسن حالته رغم أنه استمر في نفس الحياة ونفس الوظيفة.
"الاغتراب عن الجمال والانغماس في حياة روتينية نؤدي فيها مهام نمطية ونجمع أموالا ننفقها على أنفسنا وأولادنا ليدوروا هم أيضا في نفس الحلقة هو مصدر للمرض النفسي" هكذا ترى نجلاء صالح، الأخصائية النفسية المسئولة عن العلاج بالعمل اليدوي الفني في دار الصحة النفسية. "هذه الحياة تفرض تنميطا على شخصياتنا وبعض المرض النفسي هو شكل من الاختلاف ولكنه اختلاف سلبي وليس إيجابي ولذلك يتم احتوائه من خلال الأعمال الفنية".
يقوم المرضى في المستشفى بإنتاج أعمال فنية بسيطة مثل تشكيل الخشب أو صنع لوحة بالرمل الملون أو الموزايك. وترى نجلاء أن أهم ما في الأمر أن يتعلموا أن كل إنسان قادر على إنتاج الجمال وليس فقط قادرا على إنهاء عمل روتيني بمقايس ومعايير مفروضة يرضي بها الناس، كما أنه يتذوف متعة أن يبدع شيئا يحبه هو ويعجبه هو. المريض النفسي يكون مغتربا عن فكرة الجمال حتى في مظهره الشخصي، وعندما ينفتح عليها يبدأ في الاهتمام بجمال ذاته ويعتني عموما بنفسه".
تتنوع جلسات العلاج بالعمل اليدوي بين الاهتمام بتنمية مهارات ذات طابع فردي وأخرى ذات طابع اجتماعي، فتبدأ الجلسات بشكل فردي لكي يكتشف كل مريض ذاته ويؤمن أنه قادر إلى الإنجاز بنفسه ولكي يتعلم أن يتبع إحساسه ويقوم بالأشياء بشكل يرضيه. وفي الجزء الجماعي تنمو مهاراته الاجتماعية ويتدرب على أن يعمل في مجموعة ويرى نفسه جزء من كل.
تقول نجلاء صالح: " العمل اليدوي الفني نفسه ينمي بعض المهارات التي تساعد على التكيف والتواصل الاجتماعي، فإنجاز اللوحة يتطلب إدراك الوحدة الكلية وأجزائها. فيتعلم أن يرى مشكلته كجزء من مشاكل أو أنها مقسمة إلى مشاكل يمكنها أن يتعامل معها واحدة واحدة. وأن يرى نفسه جزء من مجتمع عليه أن يفهمه ويتاصل معه ولكنه أيضا جزء متميز له هويته. كما أن متعة إنجاز العمل الفني تخرج المريض من حالة الخمود والتراخي وتنمي لديه المثابرة والإقبال على العمل والحياة".



إعادة تنظيم

تتفاوت مجالات الإبداع في تضمنها لمهارات وقدرات معينة تثري النفس الإنسانية وتساعدها على التمتع بالصحة أو تدعمها من أجل التعافي. ولكن كل أشكال العلاج بالفنون تشترك في أنها تتضمن اعتقادا بأن الإبداع في حد ذاته جزء من الصحة النفسية كما أنه أحد طرق مواجهة الحياة.
يقول د.محمد الرخاوي، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، أن سلوكنا في الحياة ينقسم إلى اتباع وإبداع. وبنوع من الاختزال يمكن أن نقول أن اختلاف المريض النفسي تعبير عن حالة إبداع مجهضة بمعنى ما. فالمبدع بشكل عام هو من ينجح في ابتكار تنظيم جديد ومختلف لشيء ما، لكن المريض فكك عناصر حياته من حوله ولم يعد يراها مثلما يراها باقي الناس من حوله، ولكنه أيضا لم ينجح في إعادة ترتيبها في نظام جديد يرى به الأشياء.
أحد جوانب الفاعلية في العلاج بالفن أن المريض يتذوق أشكال إبداعية غير مجهضة بل وثرية، وأيضا يمارس وينجز أعمال إبداعية. كما أن معظم الأعمال الإبداعية تتطلب أن يترك الإنسان تقوقعه داخل ذاته ويتوجه إلى العالم من حوله وإلى الآخرين لينفتح عليهم ويتأملهم ويتفاعل معهم. تنمي بعض أشكال العلاج بالفن مهارات حيايتة، فالدراما من خلال لعب الأدوار تنمي المرونة والقدرة على تنوع الاستجابات، بينما ينشط العلاج بحفظ الشعر الذاكرة ويضبط الإيقاع، وكذلك تفعل الموسيقى، الغناء بما فيه من أداء واستعراض ينمي الحضور الشخصي ويقضي على الانسحاب والتقوقع. الأشغال الفنية اليدوية تنمي التآزر الحركي البصري، كما ينمي العلاج بالرقص الإحساس بالجسد وقدرته على التعبير وتنبه المريض على الانتباه لجسده لأنه عنوان هويته الشخصية وأن إشاراته لها معان وتعبر عن دوره أو رغباته أو انفعالاته المختلفة. هناك أيضا اتجاهات حديثة تطور أشكال من العلاج عن طريق الكتابة وخاصة تدوين اليوميات، فمن خلالها نعيد تنظيم الأحداث والأفكار داخل اللغة وأثناء الكتابة وبعدها نعيد تأمل ذاتنا وسلوكنا وحياتنا والتفكير فيهم.


نشر في "الشروق" 27 ديسمبر 2009
PDF
الصور:
1- شباب يؤدون تجربة "التفاعل بالرسم" التي ابتكرها الفنان محمد عبلة
2- د.خليل فاضل في تجربة سيكودراما تعليمية مع طلاب من الجامعة الأمريكية
3- محمد عبلة يشترك في أداء تجربة التفاعل بالرسم
المزيد

الاثنين، 21 ديسمبر، 2009

سلفي ثم ملحد ثم ملحد مسلم


دع جانبا تفسير الحياة، لا تؤمن بشيء بشكل نهائي، اترك الاحتمالات مفتوحة، تصالح مع ما تراه تناقضات وازدواجية، اتبع مصلحتك ولذتك وراحتك. هذه هي خلاصة قناعات الكاتب الشاب أحمد منتصر الذي يطلق على نفسه "مفكر الجيل" ويرى أنه يلخص فلسفة حياة أغلبيته، ويصنف نفسه "ملحد مسلم" !

"الهاتف يرن: أيوه يا له!
- أيوه يا منتصر، تعالى صلّي معايا فـ"فجر الإسلام!"
- والله يا بني مش فاضي الليلة!
- يا بني الليلة ليلة خمسة وعشرين، احتمال تكون ليلة القدر!
- والله يا بني أصلي حاشرب الليلة!
- يا عم أجل الشرب لبكره وبكره نخرج مع بعض!
- طب بص، أنا حاشرب وبعدين حالحقك!
- هههههه يا بن الكلب هههههه !
- فيه إيه يا بني؟ حاشرب وأجيلك المسجد نصلي التراويح مع بعض! "

يكتب أحمد منتصر- 23 سنة- هذا الموقف ضمن يومياته التي يكتبها على صفحته في الفيس بوك كفقرات أو ملاحظات متناثرة لا يجمعها إلا أنها تعبر عن "كيف يفكر أحمد منتصر" كما يسميها. قد يبدو للبعض موقفا عاديا في تناقضه بالنسبة لمن ينظرون إلى هذا الجيل بعين السخط، ولكن ربما يصدمهم أن منتصر قد قرر نيابة عن هذا الجيل أن يفلسف هذا التناقض من خلال تجربته الخاصة مع الدين، بداية من السلفية ومرورا بالإلحاد وانتهاء بموقف لاديني ولكنه يبقى على شعرة ما مع الدين. ينوي منتصر أن يخرج يومياته إلى العلن في كتاب يصدر قريبا بعنوان "ملحد مسلم"!

يومياته وأفكاره التي صاغها بالعامية وبوضوح كبير وجرأة تختلف عن حالة التمويه التي يلجأ إليها الكثير من المثقفين والكتاب والفنانين عند الحديث عن الدين أمام الجمهور ويتخلون عنها في جلساتهم الخاصة. وورغم أن شباب كثر على الإنترنت يعبرون عن مواقف إلحادية وقد تكون مهاجمة للدين بشراسة، إلا أن القليل منهم يفصحون عن شخصيتهم الحقيقية وأحدهم كان كريم عامر، المدون الذي لا زال يقضي عقوبة السجن لخمس سنوات بتهمة تجمع بين ازدراء الإسلام وإهانة رئيس الجمهورية.

يروى منتصر أنه تأثر بالفكر السلفي مبكرا أثناء عمل والديه في السعودية لفترة، ولكنه لم يتجه إليه فعليا إلا عندما عاد إلى مصر وإلى مدينته طنطا: "اتجهت إلى المسجد بعد محاولات فاشلة للانضمام لأي شلة ما. في المسجد يمكن تقبلك بسهولة خصوصا لو كنت انطوائي وتبتسم كثيرا بلا حساب".
يقول أنه أحس أن الصوفيين سذج وأن الإخوان مشغولون بالسياسة ولكنه اندمج مع السلفيين بل وانضم لتيار متطرف في السلفية يكفر الأمام أي حنيفة النعمان!
كان الخروج من هذه الحالة إلى غيرها كما كتب في يومياته عبر تجربتين أو صدمتين: أولاهما عاطفية وهي تجربة دخوله الجامعة في شبين الكوم. رغم أنها مدينة صغيرة إلا أنه اعتبر ذلك انفتاحا على العالم كما يقول وبدأت علاقته مع الجنس الآخر وهو سلفي يتوجس من المرأة: "كان انفتاحا كبيرا على العالم. كنت أقف مع سائر الطلبة طويلا بانتظار عربة شبين الكوم بموقف العجيزي بطنطا ولما تأتي عربة نندفع إليها في هبة رجل واحد لا فرق بين ذكر وأنثى ونجلس أربعا على كل أريكة من أرائك العربة متلاصقين نستمتع باكتشاف أجسادنا مع كل التصاقة ومع كل مطب أو حركة".
يصف منتصر ما حدث بأنه صدمة عاطفية لا فكرية: "في رأيي أن الصدمات العاطفية هي التي تولد الأفكار. فأعظم الروايات لم يكتبها مؤلفوها إلا بعد تجربة ثرية ما. وأعظم الفلسفات لم يتوصل إليها أصحابها إلا بعد معاناة مع المجتمع من حولهم... بدأ التغير أول ما بدأ في الملبس حيث بدأت أطيل من بنطالي وأقصر من لحيتي وألبس الألوان الفاقعة كالأحمر والأخضر والأزرق. (وهي أشياء كان يمتنع عنها بسبب التزامه السلفي) وأخذت فترة طويلة في التأمل حتى أدركت عقم التفكير السلفي عموما وتفكيري على وجه الخصوص".

التجربة الأخرى كانت فكرية وتدريجية، عبر تأثره بروايات مصرية للجيب وبداية دخوله إلى الإنترنت والتحاور مع باقي محبي هذه الروايات بأفكارهم العادية المعتدلة نوعا بالمقارنة بفكره السلفي، ورغم أنه تم طرده من هذه المنتديات بسبب ذلك كما يقول إلا أنه استفاد تعرفه على أفكار أخرى وخففت قليلا حدة يقينه ونظره للعالم من منظور واحد ضيق خاص به. استمر في التعبير عن نفسه على الإنترنت في مدونة خاصة بدأ فيها يعبر عن تشككه بخصوص مفاهيم دينية وينقد بعض الأفكار الدينية بالفعل فحذف موقع الاستضافة العربي مدونته، فلجأ إلى موقع استضافة آخر وبدأ يكتب بحرية أكثر ثم من خلال الفيس بوك واصل كتاباته التي انتقلت إلى مهاجمة الدين بعد تحوله بشكل حاسم إلى ملحد.

انضم منتصر بعد تحوله إلى الطرف الآخر للمعركة. المتحولون إلى الإلحاد أو اللادينية الذين يبدأون في مهاجمة الدين ومحاولة تشكيك المؤمنين فيه، بعضهم يكرس جهده لهذا الأمر في مقابل مؤمنين يستميتون في الدفاع أو الهجوم المضاد. المعظم يستخدم أسماء مستعارة ويكونون شللا أومجموعات ترى في نفسها طلائع التنوير في مواجهة الظلام والفكر الغيبي. هذه الحالة موجودة في منتديات عديدة منها "شبكة الملحدين العرب"، "منتدى اللادينيين العرب" وإحدى ساحات "نادي الفكر العربي". ولكن منتصر بعد فترة أحس أنه انتقل من عزلة السلفيين إلى عزلة الملحدين: "الملحدين العرب أغلبهم متخلفين عقليا. .. 90% من كلامهم ع النت وفي الواقع إما تريقة على الإسلام وإما نقد للإسلام وإما يشتكوا إنهم مش عارفين يعيشوا بحرية ومن تخلف المجتمع. نفس عبط السلفيين وتخلفهم ومنطلقاتهم الفكرية. مش عارف أنا ربنا بيكرهني ليه؟ شوية يرميني مع سلفيين وشوية مع ملحدين ولاد كلب. طيب والنبي يا رب لو دخلتني جهنم ماتدخلنيش معاهم!!. مش يبقى دنيا وآخرة!".
بدأ منتصر يرى أن الإلحاد الذي يجزم بعدم وجود إله هو أيضا عقيدة فيها يقين وتأكيد، بينما عبر هو عن قناعته أنه ملحد لا يؤمن بالله ولكن عنده احتمال غير قليل بأن الله موجود، ويكتب في يومياته:"الإيمان فكرة ساذجة والإلحاد فكرة أكثر سذاجة. واحد مؤمن بكائن خيالي كلي القدرة والتاني يقول لك لا مش ممكن يكون في إله كلي القدرة إنما المادة هي اللي عملت نفسها بنفسها. يعني أسخم ! كلهم ساذجين وأساسا تفسير الحياة مش شايف له فايدة إنت كده كده عايش عشان تشبع غرائزك فبلاش وجع دماغ. عامل زي واحد لقى بيضة راح دوّر على الفرخة. لقى الفرخة راح دوّر على قشر البيضة اللي طلعت منها يا بن الهبلة ما تضيعش وقتك واستمتع بحياتك يا حمار!".

يقول عن نفسه الآن أنه "ملحد مسلم" ويعبر في يومياته أن المصطلح له أكثر من وجه، فأولا هو مثل ملحدين آخرين لديهم خلفية ثقافية دينية تتمحور حول الله والدين وما تفرع من الدين من عادات وتقاليد وقيود، كما أنه يراه طريقة في الحياة تخلق "وضعا مناسبا اجتماعيا للملحدين المعتدلين الذين يعيشون وسط نسق ديني وصحوة راديكالية رجعية تسهيلا على الناس كي يتقبلوا الفكر الإلحادي الصرف فيما بعد" على حد تعبيره. كما يعني أيضا بأنه ليس مثل المتدينين السلفيين أو الملحدين أو حتى المفكرين والمثقفين الذين يريدون أن يغيروا الناس. فهو يدعو إلى فكر يتكيف مع الموجود ويرى أن غالبية الناس إيجابيين ومتعايشين مع تناقضاتهم فهم يعلنون التدين ويتمسكون بقيمه وممارساته التي تشعرهم بالراحة النفسية والاجتماعية لكنهم أيضا يتمردون عليه ويخالفون تعاليمه من أجل لذتهم ومصلحتهم. هنا يضرب أحمد منتصر مثالا بتامر حسني الذي يعبر عن حبه لأغانيه وأفلامه ويقول أن تامر يعلن اعتزازه بالدين وتمسكه به في أوقات كثيرة لكنه يفعل ما يريد ويقدم ما يريد رغم ذلك.
"المصلحة" هي مفتاح آخر لـ"فلسفة مفكر الجيل" كما يراها: " في رأيي المحرك الرئيسي للحياة البشرية هو المصلحة: فين لذتك؟ يبقى وراها، فين ألمك؟ اهرب منه. حتى الإيمان والإلحاد يمكن نفسره بالطريقة دي". يذهب منتصر بهذه الفكرة حتى النهاية بشكل يجعله يكتب في يومياته: "مستعد أمسح كتاباتي المقلقة وإيقاف حملاتي الفكرية تجاه أشخاص بعينهم بس مقابل الفلوس أعظم قيمة في الدنيا." ويبرر بها موقفه الجديد كـ"ملحد مسلم" : "عايز لما آجي أجدد البطاقة أعمل شرطة في خانة الديانة بس في مشكلتين. يمكن أحب أتجوز مسلمة...المانع التاني في الورث لازم تبقى مسلم عشان تورث... لذا فأنا ولله الحمد مسلم ورقيا حتى إشعار آخر".

يضع منتصر كل أوراقه على الطاولة بجرأة ويكتب عن تفاصيل حياته الشخصية بجرأة أكبر: "واحدة بترمي نفسها عليا. بنظرة الرجل الشرقي دي قلة أدب .. بنظرة الرجل الغربي دي فرصة جيدة. قلت خليني محايد وأجمع ما بين التفكيرين فقلت: قليلة الأدب ودي فرصة كويسة هع هع!". يقول أحيانا ساخرا : "فلاح وأفتخر" ولا يخجل من رواية مواقف قد تثير سخرية "المتحررين": "إحنا ف طنطا محتاجين وسائل ترفيه.... مفيش ديسكو عااااا مش عارف بس نتفسح فين غير كل شوية أنا وصحابي نروح أي قاعة ندخل أي فرح نرقص مع الناس وخلاص!".
قد يكون مثيرا لدهشة للبعض، ممن هم بعيدون عن ساحات تعبير الأجيال الجديدة، أن يجدوا نموذج منتصر الذي يصرح بأفكاره بهذه الجرأة في مدينة مثل طنطا. ولكن المتابع سيجد أن هناك حالة من الزخم الفكري ومجموعات من الشباب لا تكتفي بالتأثر بل يجدون في أنفسهم الجرأة في أن طرح أفكارهم ولا يرون مشكلة ألا يتقبلهم أحد من الأجيال الأكبر ولا ينتظرون تقديمهم.
بخلاف صفحته الشخصية لمنتصر الآن صفحة معجبين Fan page باعتباره ناقدا بينما لا يزال طالبا في كلية الآداب.
في نفس الوقت مجموعات الشباب هذه لا تعيش بالضرورة حالة اتفاق فكري. فتحت يومياته التي ينشرها هناك حوارات ساخنة وبعض أصدقائه إسلاميين يقول عنهم أنهم "إسلاميين ليبراليين" ولكن معظمهم من الشباب الليبراليين العلمانيين - فمنتصر ناشط في حزب الجبهة الديمقراطية- الذين يتفقون أو يختلفون مع آرائه. بعضهم بدأ يرى وجاهة في فكرة "ملحد مسلم" وبعضهم يقول عنها أنها "مهلبية" ومثقفي الأجيال الأكبر يرون أنه يريد الفرقعة والظهور.

بعض أصدقاء المرحلة السلفية عندما يلتقونه في الطريق لا يصافحونه أو يتظاهرون أنهم لا يعرفونه احتجاجا على تحوله. ولكن بشكل عام لا يجد مشاكل كبيرة من إعلانه أفكاره، ولكن بعضهم لا يزال يحاول أن يعيده إلى الطريق الأول.
يحكي في يومياته: "جالي البيت اتنين كانوا سلفيين معايا زمان وبقوا دلوقتي مشايخ قد الدنيا هع هع. قال هاني السمدوني: يا منتصر إنت كنت أخ طيب وحافظ القرآن وكنت بتصلي بينا. أسافر بره أشتغل تلات سنين أرجع ألاقيك حتنزل كتاب اسمه ملحد مسلم؟ ده كلام؟. وقعد يتكلم ف الدين الصح والطريق الصح وطريقة عمل البيتيفور صح وعن كل حاجة صح بيعملها لمدة نص ساعة. في الآخر قلتله كعادتي ف حصر نقاط الخلاف لما سمعت أذان المغرب:عندك مشكلتين في التفكير الأولى إنك بتحكم على غيرك بتفكيرك إنت. والتانية إنك مقتنع إنك الصح! راح سكت وسلموا عليا ونزلوا يصلوا المغرب".
عائلة منتصر تبدو ليبرالية أيضا في تقبلها لآرائه بلا مشاكل كبيرة، فهو يقول أنهم ناقشوه في آرائه ثم تركوه وقالوا "ربنا يهديك". ولكنه يعتقد أن الوضع الحالي أكثر راحة بالنسبة لهم من المرحلة السلفية: "لما كنت سلفي كنت مجننهم ف حياتهم. مفيش تلفزيون مفيش أغاني طول الوقت قرآن وشرايط دينية فهم ع الأقل دلوقتي اترحموا من تدخلي في حياتهم". ويكتب في يومياته أنهم لا يزالون يتابعون كتاباته وتطورات أفكاره: "الحاج كل يوم تقريبا يقعد ع الجهاز يشوف آخر كتاباتي. ولما قرا كلامي عن الورث قال لي: امشي يا بن الكلب!".


الصورة: غلاف كتاب "ملحد مسلم" من تصميم نادين أبو شادي
نشر "الشروق" 20 ديسمبر 2009
PDF
المزيد

"فرسان النور" يحتاجون دليلا حديثا


النزعة الروحانية المعاصرة التي تعبر نفسها داخل الأديان أو على هامشها، تبحث عن تعبير يصورالإيمان في قلب تجربة ومغامرة ورحلة تجمع بين الحقيقي والمتخيل، بين الواقعي بكل قسوته والخرافي بكل إمكاناته المفتوحة ووعوده الجميلة.

الشعور بافتقاد حياته إلى الجانب الروحاني رغم أنه يعد نفسه مؤمنا ومتدينا، كان شعور محمد النقيب، المهندس الشاب، أول ما تعرف على كتب باولو كويلو. أحس بضرورة اتخاذ خطوة ما نحو إشباع هذا الجانب من حياته، بحث عن وجود الطرق الصوفية في الإسماعيلية حيث يسكن، ولكن لقاءات قصيرة معهم كانت كافية ليحسم أمره أن ما يريده ليس عندهم. عاد إلى ما يشعر أنه يشبهه، افتتح في فبراير 2007 مدونة باسم "محارب النور" وبدأ في ترجمة مقالات باولو كويلو التي ينشرها بالإنجليزية في مدونة بنفس الاسم. وكان أول مقال يترجمه يتضمن نصيحة نقلها كويلو عن معلم له سأله عن الإيمان:"اذهب وافعل ما تشاء. حاول فقط أن تضع الحب في كل بادرة".
ما كان يبحث عنه محمد النقيب كما يقول هو نزعة روحانية إنسانية وتؤكد على الإيمان بالله وفي الوقت نفسه تستخدم "الكود الأخلاقي" للأديان كلها، تقبل الاختلاف وتعطي مساحة لكل فرد وهي ترشده لاستكشاف قوته الداخلية التي يعاني معظم الناس في البحث عنها.
لا يزال الشكل التقليدي للنزوع الروحاني الشعبي مسيطرا على الأذهان، كما يظهر في الاهتمام بالموالد والأولياء وبركتهم واتباع نصيحة المشايخ أو تلقي التربية منهم والانخراط في جماعة كالطرق الصوفية. ولكن على خلافها تظهر النزعة الروحانية الإيمانية التي يمكن أن نصفها بـ"الحديثة" لتجمع عددا لا بأس به من شباب الطبقة الوسطى وما وفقها، ممن لا يجدون ما يروي عطشهم في أدبيات دينية تقليدية أو في مجرد محاولات للتجديد العقلي والفكري للدين ولكنهم متمسكون بـ"إيمان" ما بالله وبالجانب الروحي من الإنسان. قد يتفاوتون في درجة تدينهم وتمسكهم بتعاليم الأديان وشعائرها، فبعضهم لديه نزوع للتشكك أحيانا. ولكن يجمعهم الميل للتحرر من كل خطاب لا يتوجه إليهم الآن وهنا، أو كل وعظ يرسم إيمانهم في قوالب محددة يطالبهم أن يضعوها في قلوبهم، ولا يتفهم قلقهم وأن تساؤلهم عن معنى هذا الوجود لا يريد جوابا خارج هذه الحياة فهو تساؤل لا ينفصل عن رغتبهم في التجربة والمغامرة والتحقق والسعادة.
هذه النزعة الواسعة والفردية التي تجمع أفرادا مختلفين ربما لا يمكن الإمساك بها وتأملها إلا عندما يجتمع أصحابها- من كل العالم- ليجعلوا من الكاتب "باولو كويلو" ظاهرة فيصبح من أشهر الكتاب على مستوى العالم وكتبه هي الأكثر مبيعا لأنها تحدثت بلغة هذا النزعة وعبرت عنها.
قد يكون من هؤلاء مثل محمد النقيب مسلما متدينا معتدلا يبحث عن الاجتهادات الأكثر رحابة عند بعض العلماء، ولكنه يقول أيضا أن بين أبناء جيله شباب لديهم ما لا يمكن أن يصرحوا به من أنهم لا يجدون في الدين- بالشكل التقليدي له- ما يروي غليلهم و لا يجدون إجابات عن كثير من تساؤلاتهم و يقفون عند بعض ما يجدونه تناقضات، ولكنهم في الوقت نفسه لا يتخلون عن فكرة "الإيمان" تماما ولا يقبلون بأن الإنسان وحياته ماديان تماما.
هبة محمد تعتبر نفسها واحدة من هؤلاء :” أنا لا زلت مقتنعة بوجود إله، قوة كاملة متحكمة في الكون وتشجع الفضائل الإنسانية العامة. ولكن لا يمكن أن أقول أني مقتنعة بالإسلام بشكل كامل. وأنا أيضا لست مسيحية أو على دين آخر".
من أجل ذلك تنفر هبة من أي خطاب ديني، ولكنها تجد في نفسه ميلا لنوع من الروحانية ربما لا تجد له اسمها أو تعبيرا إلا أن تبتسم وتقول: "روحانية واسعة مثلما في روايات باولو كويلو" ثم تضيف مفصلة: "هناك قوة علوية كأنها يد من السماء، مهما كنت في أي حالة، شك أو إيمان، يمكن أن تكون هناك صلة بينك وبينها. أن تؤمن بذاتك أولا مهما كانت، ولا تعتذر عنها ولا تبررها، وعلى قدر إيمانك قد تحدث معجزات"
تعترف أن في بعض كلامها تفاؤل قد يبدو خرافيا، ولكنه تبتسم وتقول ربما لذلك تحديدا يعجبها ذلك.
“"فى كل لحظة من حياتنا لدينا قدم فى قصص الجنيات الخرافية وقدم أخرى فى الهاوية" هذا جزء من افتتاحية "إحدى عشر دقيقة" إحدى أشهر روايات باولو كويلو وأكثرها جدلا، فهو يحكي عن ماريا الفتاة البرازيلية التي ترحل في تجربة غامضة تنتهي بها إلى احتراف الدعارة في أوروبا وتتساءل عن اختيارها وأسبابه وتحاول أن تتأمل في معنى حياتها لتصل في النهاية إلى حالة لا تجعلها تشعر بالتنصل من ذاتها أو من خيارها أوالاعتذار عنه.
يعتقد محمد النقيب أن تحفظات بعض المتدينين على هذه الرواية التي تختلف عن باقي أعماله مبالغ فيها، فقبول الاختلاف وعدم الحكم على الأشخاص بمعزل عن السياق الذي يقودهم إلى اختيارات معينة قيم أساسية عنده. وفي الوقت نفسه يرى أن الإيمان الروحي الذي يجعلك دائما مؤمنا بخلاص ما - يمكن ألا يكون حقيقيا أو واقعيا تماما- ولكنه في رأيه يجعلنا نتقبل الحياة بشكل أحسن.
"يتعرف فارس النور طريقه اللحظة التي يبدأ فيها المسير. كل حجرة، كل منعطف يرحب به. يتماهى مع الجبال والوديان. يرى بعضا من روحه في النباتات و الحيوانات و طيور البادية. عندئذ، و قد رضي بمعونة الرب وعلاماته، يستسلم لأسطورته الشخصية مفسحا المجال لها لترشده إلى المهمات التي احتفظت بها لأجله”.
في هذا النص من كتابه "دليل محارب النور" يؤكد كويلو على فكرته التي أصبحت شعبية وملهمة: "الأسطورة الشخصية" التي سيتأمر الكون كله لتنفيذها لو أنك آمنت بها حقا. هذا النوع من الأفكار الملهمة يجد فيه مينا عزيز نموذجا لأفكار الطاقة الإيجابية التي تجعل الجانب الروحاني إيجابيا عند مواجهة مصاعب الشغل والتنافس والقلق والرغبة في تحويل المسار أو المغامرة بالمستقبل المادي والوظيفي لاختيارات معينة: "في الدين هناك إطار أخلاقي محدد أعتقد له دوره ووظيفته، ولكن في الحياة المتغيرة هناك خيارات نتخذها ولا يمكن للدين أن يجيب عنها لأنها ليست من هدفه، ولكن حتى الكلام العام الذي ينقله كويلو عن تراث الصوفية والحكماء في كل العالم ويضعه في تفاصيل معاصرة تجعل من هذه الأشياء جانبا داعما لروحك".
يتفق محمد النقيب مع هذه الفكرة، فهو يرى أن تقديم أدبيات روحانية بلغة وتفاصيل معاصرة أكثر تعبيرا عما يعتقده من أن الإيمان هو الذي يعطيك القوة لتتغير ولكي تؤثر في الناس من حولك.


الصورة من الموقع الرسمي لباولو كويلو
نشر في "الشروق" 20 ديسمبر 2009
PDF

المزيد

الأحد، 6 ديسمبر، 2009

"بلطجية .. ويا ليتنا مثلهم"


قطاع لا بأس به من الجمهور المصري ونخبته وصفوا المشجعين الجزائريين في السودان بـ"الهمجية" – على أقل تقدير- وفي الوقت نفسه أبدوا أسفهم أننا لم نرسل إليهم مشجعينا الشجعان لكي يفعلوا ما فعلوه وأكثر ويردوا لهم الصاع صاعين!

توترت الأمور بين أدهم عبد الراضي ومديره في العمل. وذات مساء كان أدهم سهرانا وحده مع ساع في المكتب الهندسي الصغير ينهي مشروعا ما، تطورت الخلافات في مشادة على الهاتف وقال له مديره أنه لا مكان له في المكتب بعد الآن وأن عليه إما أن يعتذر صاغرا أو أن يبحث عن عمل آخر. أغلق أدهم سماعة التليفون ولم يكن أمامه الكثير من الوقت، طلب من الساعي أن يشتري له شيئا من سوبر ماركت، فتح جهاز الكمبيوتر ودخل على الشبكة ومسح كل ما طالته يده من ملفات المكتب. وعندما انتهي وقف ورفع شاشة جهاز الكمبيوتر من فوق المكتب وهشمها وكذلك فعل مع عدد من الأجهزة، ثم خرج وترك باب الشقة مفتوحا.

يحكي أدهم هذه الحكاية دائما ضاحكا وفخورا هو يتذكر كيف حكى له بعض زملائه كيف تضرر المكتب من فعلته وكيف فقد المدير صوابه : "اشتغلت في هذا المكتب سنتين وأعرف كيف يتعاملون مع من يطردونهم. لا عقود لنا أصلا ولا أي حقوق، وعندما ستطالب ببقية أجرك سيقول لك خصمنا منه بسبب كذا وكذا. هي بلطجة، ومالهاش حل إلا البلطجة".

لم يكن هناك مجال للقانون في هذا الأمر، وعندما تقدم مدير المكتب ببلاغ إلى الشرطة تم حفظه لأن لا شيء رسميا يثبت أنه يعمل في المكتب. يحكي أدهم أن بعض زملائه كانوا يتصلون به بدعوى تهدئة الأمور والاطمئنان على أحواله ويسألون عن مكان عمله الجديد: "المدير أيضا عرف أن القانون لن ينفعه فأراد أن يكمل بالبلطجة ويطاردني في عملي الجديد".

يستخدم أدهم كلمة "البلطجة" ليصف معظم الأفعال التي حدثت في "المعركة". ويبدو أن هذا النمط من السلوك صار أسلوبا في التعامل وحل المشكلات والخلافات والصراعات ولم يعد فقط وصفا للبلطجة التقليدية التي تستخدم العنف البدني لإرهاب الخصوم أو إلحاق الأذى بهم. البلطجة صارت لها العديد من الأسلحة ولكنها كلها تجتمع في أنها شكل من أشكال العنف والصراع الذي يتجاوز كل أخلاق أو عرف أو قانون.

"أريد أن أرى مصر طفلا صايعا أو شابا متهورا" هكذا قال عمرو أديب، المذيع الشهير في برنامجه على قناة أوربت في إحدى تعليقاته على تداعيات "المعركة الكروية" بين مصر والجزائر، وذلك بعد أن قال أنه لا يريد أن يسمع من أحد مرة أخرى أن مصر هي الأم لأن الأم على حد تعبيره "ما تنضربش على قفاها". الحل إذن هي "الصياعة". فنانون ومثقفون ورموز مجتمع تبنوا هذا الحل وقدموا مداخلاتهم التي تفيد: "لقد أرسلنا الفرافير وكان يجب أن نحشد الصيع"، "كان يجب أن نرسل لهم جمهور إمبابة وبولاق وشبرا" - وكأن هذه المناطق هي معامل تفريخ بلطجية- وتمنى ممثل "أكشن" لو أنه كان هناك ليريهم! وأخيرا قال الممثل محمد سعد في مداخلة: "أنا لو طلقت عليهم اللمبي والله أجيلهم ملط ! ".

في الواقع أن الإعلان عن إطلاق اللمبي كنموذج وأسلوب مميز في حياة المصريين حدث في السينما في فيلم "الناظر" حين أبدى علاء ولي الدين رغبته في أن يكون "صايعا" لكي يتمكن من التعامل مع الحياة ومع البلطجية من الطلبة. وبالفعل لم يتمكن من السيطرة على الطلبة إلا بعد معركة بينه وبين طالب بلطجي انتهت بفوز الناظر الذي أعاد الانضباط غلى المدرسة وقضى على الفوضى ولكن بقوة البلطجة!

"داوني بالتي كانت هي الداء!"
في دراستها عن مضمون "أفلام العشوائيات" بعد عام 2000 من خلال نموذجي "حين ميسرة" و"اللمبي"، والتي نالت بها درجة الماجستير في علم الاجتماع من الجامعة الأمريكية، تركز الباحثة فيروز كراوية على "الفوضى" كصورة تحاول هذه الأفلام أن تؤكد عليها كحالة مجتمعية. ورغم أنها ترى أن هذه الصورة تتضمن نوعا من العنصرية الطبقية ضد "الأحياء العشوائية" لأنها مصدر وسبب هذه الفوضى، إلا أنها تقول أن هذه الصورة عندما تبرز استحالة السيطرة على هذه الأحياء وهذه الفوضى فإنها تبرر استخدام بعض عناصر هذه الفوضى مثل البلطجية.
في "حين ميسرة" تلجأ الشرطة دائما لبلطجي ومسجل خطر تجتذبه ليكون عينها وذراعها داخل الحي العشوائي، وهي التهمة التي يوجهها كثيرون للشرطة. وتقول فيروز كراوية:"أيضا بفعل الاحتكاك بين الطبقات، تستعير الطبقة الوسطى من الطبقات الأدنى ما تلومها بشأنه، بل وتستخدم أفراد هذه الطبقات في ذلك، إذا كان سلوك البلطجة يقضي المصلحة لأن القانون لن يحققها فأهلا بالبلطجة". وهكذا تكون البلطجة والفوضى مبرران للمزيد منهما.

ولكن مهما كانت درجة الفوضى وغياب المرجعيات والأعراف أو تفكك السلطات التقليدية كالآباء و"الكبار" وضعف السلطات الحديثة كالدولة وقوة القانون، فإن بعض المهتمين بحالة العنف المتنامي وأشكاله المختلفة في المجتمع المصري يرونه جزءا من حالة إنسانية عامة. فرغم أنه يرى أن "مصر دخلت عصر الجريمة الأكثر عنفا" إلا أن د.خليل فاضل، الطبيب النفسي، يعتبر الميل للعنف والعدوان حل سهل غريزي وتلقائي في مواجهة المشاكل، تحاول الحضارة التحكم فيه إلا أن هذه الغريزة تظل طاقة عند الإنسان تظهر لو لم يتمكن من تفريفها في إنجاز أو إبداع.
في عيادة د.خليل الأسابيع الماضية كان المرضى يتحدثون منفعلين وغاضبين عن تفاصيل "المعركة المصرية الجزائرية"، وبعضهم كان ممكن ذهبوا وحاولوا التظاهر أمام السفارة الجزائرية، ولكن د.خليل فاضل رأي في ذلك تنفيسا وإزاحة لعنف مكبوت وإحباط في ساحات أخرى. ويضيف: "واحد من هؤلاء طبيب ولأنه كان واعيا أن لديه طاقة عنف يخشى أن تتفجر في مواجهة آخرين أو في جريمة طلب مني أن أعطيه أدوية لكي يتجنب ذلك". في رأي د.خليل فاضل المهتم بتطور العنف وأنماط الجريمة أن بعض خصائص التطور والحضارة الحديثة تدفع الأفراد للعنف مثل كثافة السكان وتزاحمهم وكثافة الاتصال بسبب تقدم الإعلام وتطور الاتصالات، فكل هذه العوامل تؤدي إلى احتكاك كبير ونقل سريع وواضح لأشكال العنف والصراعات من كل مكان عبر الأخبار أو عبر الدراما.

الزحام والاحتشاد والكثافة العالية يمثلون تهديدا وجوديا لكل كائن يدفعه إلى أن يكون أكثر عنفا وميلا للعدوان في حل المشكلات وفي مواجهة الآخرين، هكذا يرى إريك فروم، عالم النفس والفيلسوف الشهير، في كتابه "تشريح النزعة التدميرية". فهو يناقش الفكرة القائلة أن العنف والعدوان والنزوع للتدمير غريزة إنسانية فطرية ويحاول أن يصنف درجات هذه النزعات ويردها إلى الأنماط الاجتماعية المختلفة. فيرى أن الأنماط الاجتماعية التي يسودها التحقق الفردي مع التضامن الاجتماعي والثقة المتبادلة تكون أبعد عن العنف بينما تلك الأخرى التي تقل فيها الثقة والتحقق ويكثر فيها النزاعات تكون أقرب للعنف.

"إنت ما تعرفش أنا مين؟"
بعد تصادم لسيارتين تصاب فيه إحداهما أو كلتاهما بإصابات ليست طفيفة أو في أثناء مشاجرة محتدمة عادة ما يبدأ الطرفان في استعراض إمكانانت البلطجة :" إنت ما تعرفش أنا مين؟" وعادة يقصد بهذا السؤال: "ماذا يمكن أن أفعل بك؟" وبالطبع الفعل سيكون خارج نطاق القانون والأخلاق. إن لم يكن مباشرة سيكون عبر وسيط أو معرفة أو قريب.
لا تنكر مروة زين أنها قالت تلك الجملة مرات عديدة، ولا تنكر أن معناها فعلا فيه إيجاء بالبلطجة: "لكن أعمل إيه؟ كيف أواجه أشخاص لا أخلاق لديهم في شارع بلا أخلاق أصلا. الشرطة غير معنية بالتدخل في التفاصيل والنزاعات الصغيرة وبدلا من أن أجد نفسي وحيدة في مواجهة شاب بلطجي أرفع سماعة التليفون وأتصل بقريبي وكيل النيابة. وهكذا تسير الأمور في البلد".

في إحدى المرات التي استعانت بقريبها بسبب شجار مع جيرانها، الذين تصف مستواهم الاجتماعي والثقافي بالمتدني، كانت وصيته فعالة وبدأ ضابط الشرطة في معاملة جيرانها بشكل مهين وفظ، إلى الدرجة التي جعلتها تتصل به وتطلب منه ألا يصل الأمر لدرجة إهانتهم وأنها فقط كانت تطلب اهتمام الشرطة بالأمر. تذمر قريبها وأخبرها أن ضابط الشرطة جامله ولكنه لا يعمل عنده ولا يمكنه أن يعلمه كيف يتعامل مع الناس ثم قال لها بصراحة:" القانون مش هايجيب حقك، سبيبه يشوف شغله علشان يخافوا". ولكنها في هذه اللحظة أخبرته أنها أيضا خائفة أن يمارسوا إرهابهم المضاد بطريقتهم خارج القسم الذي لن يلجأوا إليه كل يوم.

لكل طبقة ومستوى اجتماعي طريقة في الإرهاب والبلطجة وقول "إنت ما تعرفش أنا مين؟". والكل يتعلل بحالة الفوضى التي تدفعه لانتزاع حقه بهذا الأسلوب أو مجرد المحاولة والتعبير اليائس عن عدم القدرة على انتزاعه. في كتاب إريك فروم وأثناء مناقشته للعنف والعدوان يحاول أن يقترب من فهم ما يميز الإنسان لكي يضع الحدود بين غريزة العدوان عنده وعند غيره من الكائنات ومن ضمن التعريفات التي يتناولها أن "الذكاء الأعلى للإنسان يجعله أكثر مرونة وأقل اعتمادا على السلوك الانعكاسي الغريزي".
هذه المرونة هي ما تجعل الإنسان يفكر في أن يضع حلا للمشكلات حتى لو تضمنت عنفا يهدده، بينما يسارع الحيوان بمحاولة تنفيذ هجوم عدواني مضاد. والإنسان في مسيرة بناءه للحضارة مبتعدا عن الحيوان يطور الأنساق الأخلاقية والأعراف والتقاليد والقوانين المحلية والدولية لكي يضع صراعاته ومشكلاته في ساحات أخرى. لكن يبدو أنه في بعض الأحيان يتورط ويحتاج إلى عودة غريزية تتحايل على كل ذلك أو تتجاهله وتفكر في العنف والعدوان. قد تكون تلك العودة حربا بين الشعوب، أو قد تكون حروبا بين الشعب الواحد عبر "البلطجة"، التي تبرر وجودها بالفوضى أو ببلطجة أخرى أو شغب ملاعب أو مشكلة عمل أو حتى شجار عابر.


تم تعديل أسماء بعض المصادر بناء على طلبهم
نشر في "الشروق" 6 ديسمبر 2009
PDF

المزيد