السبت، 7 مارس، 2009

كاميليا جبران في القاهرة تحكي وتغني: "لي مكان هو لحني"

كاميليا جبران في القاهرة
كاميليا جبران في القاهرة - تصوير: رندا شعث

المرة الأولى التي دندنت فيها كاميليا جبران بقصيدة جبران خليل جبران "غريبة في هذا العالم/وفي الغربة وحدة قاسية/ووحشة موجعة" كانت لا تزال في فلسطين قبيل عام 2000 تحضر مع فرقة "صابرين" المقدسية لاسطوانة "على فين".
لم تظهر "غريبة" ضمن أغنيات الألبوم، فقد كانت مجرد محاولة للتجريب. لم تكن كاميليا تعرف وقتها أن هذه الأغنية التي ستبدأ غنائها في مشروع محطات" عام 2002 ستظل أحد عناوين مشروعها الموسيقى، ولم تكن تخطط أن تظل منذ ذلك التاريخ وإلى الآن بين "غربة أخرى" اختارتها في مدينة برن بسويسرا وتجوال دائم مع موسيقاها في أوروبا والعالم.

لا قرابة بين كاميليا جبران وجبران خليل جبران، لكن ربما ما يجمعهما هو ذلك الشعور بالغربة الذي يولد دهشة تجد تعبيرها في فن مميز كبصمة إصبع. منذ ولادتها عام 1963 لأسرة من قرية "الرامة" قرب الجليل كانت غربة ما بانتظارها. فأسرتها كانت ممن رفضوا ترك أراضيهم التي أصبحت بعد قرار التقسيم جزءا من إسرائيل، وأصبح ساكنيها من "فلسطيني 48"، عرب فلسطينيون بجنسية إسرائيلية.

في الفيلم التسجيلي "حكي الأوتار" الذي عرض الأربعاء الماضي ضمن مهرجان الفيلم السويسري في القاهرة، تعود كاميليا إلى "الرامة" في إحدى زياراتها لتحكي عن أسرتها، وتخص والدها إلياس جبران معلم الموسيقى وصانع الأعواد بمساحة كبيرة يحكي هو فيها. في هذا البيت تربت كاميليا على الموسيقى، ولا يزال العود في حضنها معظم الوقت ومحور مشروعها الموسيقى. درست في القدس وهناك انضمت لفرقة "صابرين" وقدمت معها أربع ألبومات "دخان البراكين" و"موت النبي" و"جاي الحمام" و"على فين". عرف الجمهور العربي "صابرين"، وانتشرت أغنياتها على مواقع الإنترنت التي صنفته في قسم" الأغاني الملتزمة". في ألبومات "صابرين" تعبير مختلف عن الوطن، بعيد عن الحماسيات والتمجيد، قريب من حالة شجية متأملة ومن تفاصيل إنسانية حميمة، وفي ألحان مختلفة ورغم ذلك قريبة قدمها سعيد مراد، لكن صوت كامليا كان علامة مميزة للتجربة. يكفي أن يكون اللحن توقيعا هادئا ليملأه صوت كاميليا جبران بالشجن واللوعة كما في أغنية "حب على الطريقة الفلسطينية".

تقول كاميليا "تجربة صابرين التي استمرت 20 سنة أكسبتني جرأة التجديد والتجريب. كنا في تساؤل وحوار دائم وكانت كل أغنية تصيب الناس بالدهشة". كانت صابرين تجربة جماعية في اختيار الكلام ونوع الموسيقى، لا ينسى محبو كاميليا وصابرين أن ألبوم "جاي الحمام" في 1994ضم أغنية "ثلاثين نجمة تضوى على وادي السرو.. ثلاثين نجمة تهوى على وادي السرو .. نص العمر يهوي وتغيرت الأيام" من كلمات حسين البرغوثي. وكانت كاميليا آنذاك قد تجاوزت لتوها عامها الثلاثين.

من قبل "جاي الحمام" كانت الفرقة قد بدأت في السفر للمشاركة في مهرجانات عربية ودولية، وفي هذا الوقت بدأ تساؤل كاميليا جبران وهي تشاهد وتتصل بفنانين مختلفين من أنحاء العالم، وتخوض تجارب معهم. في فرنسا غنت قصيدتها الأثيرة "غريبة" مع فرقة راب وهيب هوب فرنسية وكان أول ألحانها الخاصة. تقول كاميليا: "لم يخرج هذا الألبوم إلى النور للأسف، ولكني خرجت منه بأغنية".حملت كاميليا أغنيتها معها إلى أن أتيحت لها في 2002 فرصة الاشتراك في ورشة موسيقية في برن بسويسرا، والتقت بموسيقيين آخرين، منهم فيرنر هاسلر عازف الجاز على آلة الترومبت. أعادت تلحين "غريبة" في ورشة مع هاسلر الذي كان يخوض أول تجاربه في الموسيقى الإلكترونية، وقدمت عرض "محطات” الذي تنتقل فيه بين أغان وألحان مختلفة منذ نشأتها على الموسيقى الكلاسيكية مرورا بتجربة صابرين وصولا لألحانها الخاصة الأولى. ثم تلقت دعوة للبقاء في برن والاستمرار في عرض "محطات". تقول كاميليا: "لم يكن ذلك مخططا له، ولكن كانت فرصة لأبتعد قليلا وأجرب مشروعي الخاص في مكان جديد".

بعد "محطات" أكملت مع هاسلر ما بدئاه، وظهر ألبوم "وميض" في 2004، الذي ضم "غريبة" مع قصائد نثر أخرى لبول شاؤول وعائشة أرناؤوط وفاضل العزاوي وآخرين. كلمات اتجهت إلى هم إنساني معاصر: مشاعر الوحدة والحيرة والأسئلة المعلقة، ووجدت في لقاء العود والموسيقى الإلكترونية تعبيرا عنها. انقسم الجمهور حول وميض بشكل كبير. البعض رفضوه تماما والبعض أحبوه كثيرا. لم يزعج كاميليا رد الفعل هذا، فهي تعلم أنها تقدم شيئا مختلفا، وموسيقى ليست لحالة مؤقتة من المتعة، وتقول: "نحن مجتمعات بحاجة لتعبيرات مختلفة عن تجارب حياتنا المختلفة. ألا نمر جميعا بهذه الحالات؟ لم لا نغينها!؟”.

تحضر كاميليا مع هاسلر لمشروع لقاء آخر. ولكنها مؤخرا قدمت وحدها مشروع "مكان" من أشعار سلمان مصالحة وحسن النجمي وآخرين، وهي الأغاني التي قدمتها في القاهرة الأربعاء الماضي للمرة الثانية بعد عرض فيلم "حكي الأوتار". و مرة أخرى انقسم محبوها حول الكلمات والموسيقى، ورآها البعض موغلة في الغرابة والتجريب. بعض الجمهور لا يزال يطلب منها في الحفلات أن تقدم أغاني "صابرين". تتفهم كاميليا ذلك ولكن لا تستجيب له "لا يوجد أسلوب واحد للغناء للوطن، ومشروعاتي الجديدة حالات مختلفة ومستقلة". تعترف كاميليا أن أجواء المدن الأوربية الباردة حيث تقضي معظم وقتها تنطبع في أغانيها لكنها تراهن على أن الموسيقى يمكن أن تنتقل بسلاسة بين من يعيشون تجارب حياة مختلفة. ولذا فهي مستمرة في تجريبها وتساؤلها وترحالها الموسيقى الذي أصبح وطنها. في القصيدة التي رافقتها لفترة طويلة "غريبة" تغني "وفي الغربة وحدة قاسية، ووحشة موجعة، غير أنها تجعلني أفكر أبداً، بوطن سحري لا أعرفه" وفي آخر مشروعاتها "مكان" تغني: "لي مكان هو لحني، ولذا طفت أغني".

- نشر في الصفحة الأخيرة لجريدة الشروق عدد 7 مارس 2009


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق