الثلاثاء، 13 أبريل، 2010

أحلام الدرجة الثالثة

ماذا ستفعل اللائحة الحديثة في مراكز الشباب العتيقة؟



منذ صدور اللائحة الجديدة لتنظيم مراكز الشباب نهاية العام الماضي، لا تزال بعض المراكز تنتظر بقلق توضيحات وتفسيرات بشأن ما قد يؤثر على فرصة ملايين الشباب في التمتع بمساحة رخيصة لممارسة الأنشطة.


انتهت المباراة بين فريقي "مركز شباب البدرشين" ونادي "عادل نصّار" بهدف لكل منهما. الجمهور القليل الذي أحاط بالملعب في مركز شباب مدينة البدرشين كان أكثر ابتهاجا بنهاية المبارة. أول ما خرج الفريقين من الملعب الذي تبدو به بعض آثار لنجيلة قديمة، حتى احتله الشباب والكهول وقسموه أجزاء إلى ملاعب صغيرة وجرت في الملعب كرات كثيرة.
يحتل ملعب كرة القدم معظم مساحة مركز شباب البدرشين، والمساحة الترابية حوله احلتها منذ ساعات من سبقوا إلى المركز بعد صلاة الجمعة مباشرة.
يضحك خالد البغدادي، مدير المركز:"قريبا سيدخلون إلى مكتبي ويحولونه لملعب كرة". لا ينتهي من جملته حتى يدخل كهل بدون استئذان وبعشم كبير يمازح البغدادي: "مش عيب ما نلاقيش كرة نلعب بها؟!" ويطلب كرة حالا ليبدأوا المباراة. يبادله البغدادي المزاح بود ثم يقول له أن كرة ستكون عنده حالا. بعدما يخرج يقول: "المدينة كلها عائلات وكلنا نعرف بعضنا. والأستاذ من قدامى المترددين على النادي مع مجموعة خاصة يلعبون معا دائما، حتى أن لهم مكانا محددا للعبهم يوم الجمعة يعرفه الجميع".

يمتليء المركز بالنشاط كل جمعة، باعة ترمس وعصائر يدخلون إلى المركز ليببعوا للشباب والأطفال الذين ينتظرون مكانا ليبدأوا اللعب.
يعلق محمد المتناوي، العضو الشاب في مجلس إدارة المركز: "المركز مفتوح للجميع، لا أحد على البوابة المفتوحة يسأل عن العضوية ولا توجد تذاكر. مستوى المعيشة هنا لا يسمح بذلك. اشتراك العضوية كان 3 جنيهات في السنة ورغم ذلك لا يمكن أن نسأل الأطفال والشباب عن العضوية ونحرمهم من اللعب. المشكلة التي تواجهنا الآن أن اللائحة الجديدة لتنظيم مراكز الشباب ستجبرنا على جعل اشتراك العضوية 100 جنيه للعضو العامل فوق 18 سنة و50 جنيه للعضو التابع. لا أحد سيدفع طبعا. وسنفقد المورد القليل الذي يوفره دفع المئات من الأعضاء للاشتراكات قبل انتخابات مجلس إدارة المركز لكي يتمكنوا من الترشح والانتخاب".
اللائحة التي صدرت في نوفمبر الماضي، لا تزال تثير الجدل والقلق، ومجالس إدارات العديد من المراكز، خاصة تلك العتيقة في المدن الصغيرة والقرى لا يزالون يتساءلون عن توضيحات وتفسيرات عن العديد من بنودها التي يرونها معوقة لتطوير المراكز وإمكاناتها المتواضعة، التي لا تزال رغم كل شيء تقدم خدمات يحتاجها العديد من الشباب.
فبخلاف الملعب والممرات التي تستخدم كلها في لعب كرة القدم. يضم مركز شباب البدرشين مبنى للإدارة هو الأحسن إنشاءا وتأثيثا. ومبنى متهالكا يضم صالة خلع ملابس مشتركة لكل الفرق، وصالة للندوات أو المعارض وأحيانا لتدريب فريق الكاراتيه والكونغ فو، بالإضافة لحمامات تم تجديدها مؤخرا لكنها غير مفتوحة لاستعمال الجميع من أجل الحفاظ عليها. ومبنى قديم لصالة جيمينزيوم ورفع أثقال ينتظر التجديد. ثم مبنى يضم قاعة يطلع فيها الأعضاء على محتويات مكتبة المركز وتقام فيها دورات الكمبيوتر. في القاعة الأخيرة مجموعة من أجهزة الكمبيوتر العتيقة التي لا يمكنها تشغيل البرامج الحديثة التي تدرّس في الدورات. يقول محمد المتناوي: "لدينا جهاز واحد صالح للاستخدام يشرح عليه المحاضر ثم يتناوب عليه الدارسون. هنا تواجهنا مشكلة أخرى خاصة باللائحة الجديدة. إمكانيات المركز محدودة والقيود على التبرعات تشترط موافقة الجهة المركزية في مديرية الشباب بالمحافظة وفي وزارة الشباب. وهذه الموافقة تأخذ وقتا داخل المكاتب الحكومية كالعادة. نعرف أن هدفها هو التأكد الأمني من مصدر التبرعات لكي لا تستخدم كرشوة انتخابية أو فساد، ولكنها تكرس المركزية بدلا من أن تحدد ضوابط لمجلس الإدارة وتحاسبه. ما يحدث أن المبترعين يملون ويذهبون بهباتهم إلى المساجد أو الجمعيات ويريحون أنفسهم".

يفتح خالد البغدادي الموازنة التي كان قد أعدها لموسم 2009/ 2010. والتي تبلغ قيمتها 130 ألف جنيه. إعانة وزارة الشباب السنوية لا تزيد عن 12 ألف جنيه، وإيرادات المركز من الأنشطة والخدمات لا تزيد عن 60 ألف جنيه. وباقي الموازنة تحتاج لإعانة اتحاد الكرة التي تتراوح من 60 ألف جنيه إلى 80 ألف جنيه. والتي تحتاج إلى بقاء الفريق الأول لكرة القدم في المركز في دوري الدرجة الثالثة.

يعلق البغدادي: "لذلك ننفق كثيرا على فريق الكرة. لأنه في الحقيقة أهم موارد المركز، فبالإضافة لإعانة اتحاد الكرة هناك دخل من بيع اللاعبين، قد يوفر بيع لاعب واحد للنادي 100 ألف جنيه . وهو ما يعني تغطية ميزانية المركز وإتاحة الفرصة للتجديدات والتحديث".

بخلاف الفريق الأول للمركز، هناك فريقي تحت 17 سنة و15 سنة، وهناك مدرسة الكرة التي يشترك فيها الأطفال مقابل 20 جنيه يتغاضى المدرب عصام حب الدين عنهم إذا كان الطفل من أسرة غير قادرة.

لا يكتفي الفريق الأول بالمواهب من مدرسة الكرة والفريقين السابقين، ولكن يضم أحيانا لاعبين من قرى ومدن مجاورة. يقول خالد البغدادي : "لا يمكن أن نخاطر بمستوى الفريق الأول لأنه مورد مهم. وهنا تواجهنا مشكلة أخرى في اللائحة التي تشترط أن يكون اللاعب عضوا في مركز الشباب وهو ما يعني أن يكون من سكان مدينة البدرشين لا مدينة أخرى ولا حتى القرى التابعة لمركز البدرشين".
ملعب كرة القدم الكبير في مركز شباب مدينة البدرشين هو الوحيد من نوعه في كل مراكز شباب القرى التابعة لها، بعض هذه المراكز هي "مراكز نوعية" أي أنها مجرد مقرات بساحات صغيرة بلا ملاعب. ولذلك يأتي بعض أبناء هذه القرى لممارسة بعض الرياضات والأنشطة.
محمد أحمد، أخصائي المساحة، الذي يجلس مع رفاقه ينتظر انتهاء إحدى المباريات يعبر عن ضيقه من أن يكون ملعب مدينة البدرشين بهذا المستوى، لا إضاءة ليلية، ولا مدرجات، نجيلته متهالكة. يرد خالد البغدادي: " يتحمل الملعب تدريبات الفرق الثلاث ومدرسة الكرة ولعب الأهالي ولا نجد وقتا كافيا للعناية به أو صيانته. أبراج الإضاءة العالية أنشئت هنا في وقت مقارب لإضافتها في ملعب نادي الزمالك، ولكنها تحتاج لميزانية كبيرة لتجديدها وصيانتها".
العديد من الأشياء توقفت بسبب نقص الإمكانات منها فريق رفع الأثقال وفريق السلة، ولكن مجلس الإدارة الجديد يطمح لإعادة هذه الألعاب مرة أخرى وبجانب طلب الدعم من الوزارة وإعاناتها وبيع اللاعبين، يسعى أعضاء المجلس لتطوير موارد المركز.
المساحة المبلطة أمام مبنى الإدارة هي إحدى هذه الموارد. فهي التي تؤجر ليقام فيها الأفراح مساء الخميس والجمعة مقابل 250 أو 300 جنيه. كما أنها تؤجر لعقد جلسات الصلح و "الحق" أو التحكيم العرفي، والإيجار هنا يكون بحسب أهمية وجسامة موضوع التحكيم، وكما يقول البغدادي قد يصل الإيجار لبضعة آلاف.
يفكر مجلس إدارة المركز في تأجير هذه المساحة لكافيتريا تخدم زوار المركز وتقدم لهم مشروبات وبذلك يجتذب المركز الأسر في أيام العطلات، ولكن يشكو المتناوي من أن اللائحة الجديدة قيدت حق مجلس الإدارة في التعاقد مع شركة خارجية لإدارة الكافيتريا وأصبح من الضروري أن توافق الإدارة المركزية لمراكز الشباب على كل تعاقد وهو ما يعطل خطط تطوير موارد المركز.
الألعاب الأخرى قلما تدر مواردا، ولكن بعضها نشط مثل الفرق الكشفية بمراحلها المختلفة، وبعض الأنشطة الأخرى تتحايل على الإمكانات مثل فريق المسرح الذي يستخدم مسرح قصر ثقافة البدرشين إلى حين توفر مسرح خاص بالمركز. معظم الأنشطة يتحمل ممارسوها تكاليف الملابس ورسوم المسابقات والاختبارات، ويدفعون اشتراكا شهريا قد يقتسمه المدرب والمركز مثلما هو الحال في رياضة الكاراتيه والكونغ فو. فالأجور وفق الميزانية المتاحة هزيلة جدا، ولكن الأمور يجب أن تستمر.


"من بره أبو تريكة ومن جوه الكابتن حسن محمد"

يجلس على حدود الملعب يتابع تدريب الفريق الأول لمركز شباب البدرشين. يحضر الكرات التي تبتعد عن الملعب، يلم مع رفاقه الأقماع والحواجز المستخدمة في التدريب.
كريم سيد، البالغ من العمر خمسة عشر عاما، واحد من أشبال مدرسة الكرة في مركز شباب البدرشين، يرتدي فانلة حمراء مكتوب على ظهرها " هنري". لا يعرف كريم من هو هنري ولكنه يرتدي الفانلة الحمراء لأنه أهلاوي ولأنه يريد أن يصبح لاعبا محترفا مشهورا في الأهلي. إذا سألته عن مثله الأعلى يسألك:”بره ولا جوه؟" ثم يجيب:”من بره زي الكابتن أبو تريكة، من جوه زي الكابتن حسن محمد".
حسن محمد هو مدافع فريق مركز شباب البدرشين، وكريم يحبه ويتابعه لأن مدربي مدرسة الكرة قالوا له أنه موهوب مثله في موقع الدفاع.
يقول كريم أن والده العامل بمصنع الحديد والصلب بحلوان وافق بعد عناء على التحاقه بمدرسة الكرة في المركز. قبلها خاض كريم اختبارات نادي سكر الحوامدية في مدينة الحوامدية القريبة وتم قبوله ولكن والده رفض لبعد المسافة وتأثير ذلك على دراسته.
يشير كريم بيده إلى ناحية نخيل عال:”ساكن هناك في منطقة العزبة القريبة من المركز". ولذلك كان المركز هو المكان المناسب ليبدأ كريم:” آتي يوميا تقريبا. إما للتدريب أو لمشاهدة تدريبات الفريق الأول أو للعب" ويضيف :” آتي بعد المدرسة مباشرة، وحتى لو لم أذهب إلى المدرسة يجب أن آتي للنادي". يتحدث كريم وعينه لا تفارق الكرة التي تجري بين أقدام اللاعبين في التدريب، وأول ما تقفز الكرة خارج سور الملعب يهب جريا ليعيدها ثم يعود إلى حافة الملعب يقف ويشاهد في صمت.

الإعجاب في عيني كريم لا يتأثر ببعض التراخي في أداء لاعبي الفريق الأول أثناء التدريب. مكانهم هو حلم كريم المؤقت ولكن كلهم يفكرون أن المشوار لا زال طويلا وربما غير مضمون. في الملعب يقف المدير الفني للفريق غير راض عن أداء معظمهم ويصيح: “انتم مش ناقصين خصومات". يقولها بلهجة هي بين الوعيد والمزاح.
يبلغ متوسط دخل اللاعب في الفريق شاملا المكافآت 700 جنيه. بعض اللاعبين موظفين وبعضهم طلبةو المتفرغون منهم يلعبون لصالح شركة في دوري الشركات لتحسين دخلهم. الأمل يتجدد في نهاية كل موسم عندما تنشط إدارات أندية دوري الدرجة الثانية أو الدوري الممتاز في ضم بعض المتميزين والواعدين ليرتقوا درجة أو درجتين.

إدارة جديدة

"وفق اللائحة الجديدة العديد من المجالس المنتخبة لمراكز الشباب تعد باطلة، ومديري المراكز لم يعودوا تنطبق عليهم الشروط" يشرح محمد المتناوي ذلك قائلا أن اللائحة الجديدة تمنع الجمع بين رئاسة مجلسي إدارة وهوما ينطبق على رئيس مجلس إدارة مركز شباب البدرشين مجدي المتناوي. كما أن اللائحة الجديدة تشترط أن يكون مدير المركز حاصل على مؤهل عال بينما خالد البغدادي حاصل على مؤهل متوسط.
في اللائحة السابقة كانت الشروط التي يجب أن تنطبق على مدير المركز هي إما أن يكون حاصل على مؤهل عال وخبرة 5 سنوات في العمل الشبابي أو مؤهل متوسط وخبرة 10 سنوات في العمل الشبابي، أما اللائحة الجديدة فطلبت فقط الحصول على مؤهل عال ولم تشترط أي خبرة. يعلق خالد البغدادي مدير المركز: "أما رئيس مجلس الإدارة وفق نفس اللائحة فلا يشترط إلا أن يكون مجيدا للقراءة والكتابة!”.
يقول المتناوي: “هناك إيجابيات في اللائحة هي أنها جعلت للشباب تحت 30 سنة نصف عدد أعضاء المجلس المكون من رئيس ونائب و5 أعضاء منتخبين و3 أعضاء معينين، ويجب توفر امرأتين على الأقل في عضوية المجلس".
فيما يخص عضوية المرأة في مجالس الإدارة، يقول البغدادي أن الأمر ينتهي في المناطق الريفية إلى عضوية صورية لهن، فالفتيات بالأساس لا يترددن على مراكز الشباب الصغيرة التي لا توجد بها فرق للفتيات، اللهم إلا في المسابقات الثقافية والدينية وحضور بعض الدورات.


نشر في "الشروق" 7 إبريل 2010
PDF

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق