الخميس، 16 سبتمبر 2010

الأفراح النوبية لم تعد سبع ليال


يحاول أبناء النوبة الحفاظ على تقاليد الزواج القديمة الخاصة بهم والتي نشأت في قراهم الأصلية، ولكن ضرورات المكان والزمان الجديدين يدفعان بعض التقاليد للتكيف وأحيانا للتراجع أوالاختفاء تماما.

قرر تامر علي، المحاسب النوبي الشاب، وخطيبته ألا يقيما حفل زفاف. القرار لا يزال يثير اعتراض الأسرتين اللتين تحاولان الضغط عليهما، فالفرح عند أهل النوبة أكبر من مجرد احتفال، بل هو تقليد تتجمع فيه الكثير من ملامح الثقافة النوبية.
لا يعرف تامر حتى الآن إن كان سيتمكن من الاكتفاء بعقد القران في مسجد أم سيضطر إلى إقامته تحت ضغط رغبة الأجيال النوبية الأكبر في التمسك بتقاليدها المميزة.
يعتبر تامر نفسه معتدلا في التعامل مع التقاليد النوبية، فهو لا يحب النزوع إلى العزلة والتقوقع والتمسك الشديد بكل التقاليد الموروثة لأبناء النوبة بغض النظر عن الظروف الاجتماعية الجديدة وفي الوقت نفسه يرى وجاهة الكثير من هذه التقاليد ويلتزم بها.

"طقوس الزواج واحتفالاته تعد من أبرز التقاليد النوبية التي لا تزال تحمل ملامح الارتباط ببيئة القرى النوبية ثم بعض ملامح القرى التي تم تهجيرهم إليها أثناء مراحل تطوير خزان أسوان ثم إنشاء السد العالي" هكذا يرى مصطفى عبد القادر، الباحث في التراث النوبي، مؤكدا أن التقاليد تحاول الصمود في المدن التي يتجمع النوبيون فيها بالقرب من بعضهم البعض، ينشئون جمعيات للحفاظ على رابطتهم القديمة وتراثهم الذي يعتزون به.

حصل مصطفى عبد القادر نهاية إبريل الماضي على درجة الماجستير من المعهد العالي للفنون الشعبية عن دراسة ميدانية مقارنة ترصد طقوس وعادات الزواج عند الفاديجا والكنوز، وهما السلالتين اللتين تنحدر إليهما أصول معظم النوبيين.
في الدراسة يرصد مصطفى عبد القادر تطورات الفرح الذي كانت عاداته تحتل مساحة زمنية أطول ويشترك فيها عدد أكبر بشكل تعاوني وطوعي. فمنذ بداية القرن الماضي كان الإعداد للفرح النوبي يتم قبل أسبوعين من الزفاف، وقد تستمر الاحتفالات أسبوعا ينتهي بالحنة ثم الفرح. يقول مصطفى عبد القادر:”قبل أسبوعين كان يحدث إعلان أو (سما) نسبة لتسمية ميعاد الفرح لكي تتفرغ كل القرية لمساعدة العروسين. كان الناس يلجأون لفقيه القرية أو العارفين بالنجوم لكي يحددوا موعدا يتجنب أيام النحس بحسب معتقدهم. الفرح كان مناسبة جماعية تعاونية. وكانت الأدوار تقسم على الجميع بحسب السن والخبرة والتخصص. والجميع يقدم مساعدات عينية مثل الشاي والخبيز والفيشار. لم تكن هناك أي تكاليف. وكان الاحتفال يقام في مساحة واسعة عادة ما تكون في مدخل القرية".

أراجيد في الوسعاية
في الفرح النوبي التقليدي تعزف الموسيقى الإيقاعية بالدف أو الطار، على ألحان السلم الموسيقي الخماسي يؤدي الجميع "الأراجيد" (وهو ما يطلق على الرقصات النوبية المميزة بينما تعني الكلمة مجرد الرقص باللغة النوبية). هناك قائد للفرح ينظم الصفوف ويختار الإيقاع المناسب للوقت بحسب النشاط أو الفتور. يرقص الجميع في صفين متقابلين بينما يرقص أهل الفرح والمقربين وسط الصفوف.
يشرح مصطفى عبد القادر أن بعض الاختلافات في طقوس الاحتفال ترجع إلي الأصول السلالية. ففي أفراح الكنوز الذين ترجع أصولهم لقبائل عربية هاجرت من شبه الجزيرة هناك رقص بالسيف وهناك بعض الشدة وأحيانا فصل بين الرجال والنساء. ولكن الفاديجا الذين ترجع أصولهم لسكان وادي النيل فالرقص هاديء ويستوحي الموج الرتيب المتهادي للنيل ويختلط فيه الرجال والنساء ويتنافس أهل العريس مع أهل العروس في ابتكار الرقصات وأدائها.
بعد انتهاء الفرح كان من المعتاد أن يقيم العروسين لمدة أسبوع في بيت أهل العروس، ليتفرغ أهلها لخدمتها وتتفرغ هي لزوجها. بيوت القرى النوبية كان بها مكان مخصص لمبيت الضيوف ومضيفة لاستقبالهم. ولكن الآن في المدينة تحاول العائلات التي تعيش في بيت به أكثر من شقة استعادة الطقس بدعوة العروسين للمبيت في إحدى الشقق التي يتركها سكانها مؤقتا.
يوضح مصطفى عبد القادر أن طبيعة المساكن والبيئة اختلفت والكثير من التقاليد لم يعد متاح الالتزام بها. لم تعد المساهمات العينية ممكنة فلكل شيء تكلفة. الوسعاية اختلفت وحل محلها الشارع أو المسرح الذي أصبح موعد حجزه يحدد موعد الفرح. اندثرت معظم الإيقاعات والرقصات إلا إيقاع واحد هو "الكومباك" وهو الإيقاع الأشهر. الفرق النوبية التي تحيي الأفراح تنوّع بين الأغاني النوبية والأغاني السودانية باللغة العربية. لم تعد الأفراح سبع ليال ولكن غالبا ما تستمر حتى صباح اليوم التالي.
يوضح مصطفى عبد القادر أن التقاليد تحاول التكيف أو مجرد التواجد بشكل صوري قبل أن تختفي تماما: "كان هناك طقس أثناء زفاف العروسين. أن يهتف هذا معلنا أنه يهديهم نخلة أو طرحها هذا الموسم، وذاك يهديه قيراط من الأرض أو جزءا من المحصول. كان تلك هدايا حقيقية ولكن بعد التهجير أو الانتقال للمدينة لم يعد لدى الكثيرين أرض ولا نخل، فاستمر الطقس يؤدي. فيهتف هذا ويهتف ذاك والجميع يعرفون أن تلك ليست هدايا حقيقية بل مجرد تحية".
في رأي تامر علي أن المجتمع النوبي أحيانا ما يتمسك بتقاليد فيها بعض التمسك بالمظاهر، يركز اللوم على الكنوز المولعين على وجه الخصوص بالذهب ويبرزونه في أفراحهم. ولكن بشكل عام يعتبر أن استمرار تقاليد الفرح النوبي الحاشد لم تعد مناسبة: "الكثير من الأسرتعتقد أن الفرح يعبر عن قيمتهم وقدرهم. ولكن التكاليف تتجاوز قدرة معظم الشباب والأسر الآن. ولذلك انتشر نوعا ما الاكتفاء بعقد القران في مسجد أو إقامة احتفال صغير أمام البيت قد يتضمن موسيقى ورقصات نوبية مميزة".
رغم انتقاداته تلك إلا أن تامر التزم بشكل كبير بالتقاليد النوبية الخاصة بالزواج، فهو لم يفكر في الزواج من غير نوبية ولا حتى نوبية من الكنوز بينما هو من الفايجا، بل تقدم لخطبة بنت خالته. يقول تامر أن زواجه من بنت خالته يرجع بالإضافة للألفة بينهما إلى التقاليد النوبية التي يعتز بها والتي تجعل أبناء القرية النوبية الواحدة كأنهم إخوة، فما بالك بالعائلة الواحدة، وبالتالي يشعر هو أن الزواج داخل نفس العائلة مريح ولن يضطر للتعامل مع آخرين مختلفين.
لا ينفي تامر أن الخيار الآخر صعب جدا، فالعائلات النوبية لا تتقبل حتى الآن الزواج من غير النوبيين، وبعضهم لا يفضل الزواج من السلاسة النوبية الأخرى. ونظرا للترابط الكبير والدور الكبير للعائلة في حياة النوبي أو النوبية فإن صعوبات كثيرة تكون في مواجهته ومواجهتها لو اختارا الزواج من شريك غير نوبي.
ينفي مصطفى عبد القادر أي دور للعنصرية أوالتعصب العرقي في هذا الأمر، ولكنه يرجعه إلى تميز التقاليد النوبية التي تملأ كل جوانب وتفاصيل الحياة وتعد التزامات واجبة على كل فرد نوبي، ولذلك يكون من الصعب على من لا يعرف هذه الثقافة ولم يعش تفاصيلها أن يلتزم بها.
يقول مصطفى عبد القادر أن التقاليد تغيرت من أوائل القرن الماضي إلى الآن، بسبب اختلاف الزمان والمكان والبئية، والتقاليد والعادات تتكيف مع البيئة الجديدة. فتقليد الزواج من نوبية أو نوبي كان بالأساس تقليد يؤثر الزواج داخل العائلة الواحدة، بسبب الملكية الزراعية المحدودة والتي تخشى العائلة من تفتتها بالميراث.

من جلسة المشورة إلى شريط الفيديو
يشرح مصطفى عبد القادر: "أوائل القرن كانت البنت لابن عمها بشكل صارم، وبعده ابن الخال ثم ابن العمة ثم ابن الخالة. وكانوا إذا تخلف قريبها عن التقدم لها وتقدم لخطبتها واحد آخر يضطر الأب لدعوة العم إلى جلسة (مشورة) يشاروه فيها بشأن خطبة ابنته ليتأكد من أنه لا يريد التقدم لها ويتحلل من هذا الالتزام".

تغير الأمر مع تطور المجتمع، ومع هجرة بعض الكنوز الذي غرقت أراضيهم أولا مع التطوير الأول لخزان أسوان إلى بعض قرى الفاديجا حصل تزواج بينهم.
حسن عبد المجيد، خريج معهد التعاون الذي ينتمي إلى الكنوز، يقول أن بعض الحساسيات موجودة الآن بين الكنوز والفاديجا حالت بينه وبين الزواج من فتاة من الفاديجا: "أهلي رفضوا وقالوا لي: كل أولاء البنات من عائلاتنا لا يعجبونك؟ .. سافرت فترة للعمل في الكويت، فكانت أمي ترسل لي شرائط فيديو لأفراح نوبية لأشاهد البنات أثناء الرقص وأختار إحداهن. وفعلت ذلك".
الفرح النوبي يمثل موعدا هاما للتواصل بين أبناء القرية الواحدة الذين يتم دعوتهم كلهم لأي فرح لواحد منهم ، وبحسب حسن عبد المجيد فإن الذين لا يحرصون على حضور الأفراح تقل فرصتهم في الزواج، خاصة الفتيات. يشير تامر علي إلى أن الأسرة النوبية التي تتشكل في كل جامعة ومعهد بها عدد معقول من النوبيين أصبحت أيضا وسيطا للتعارف والتلاقي وتحدث بين أفرادها الكثير من الزيجات.
ذهبت والدة حسن وحادثت والدة الفتاة التي اختارها وعندما وجدت قبولا ذهبت أسرة حسن كلها لزيارة أسرة الفتاة. في الزيارة الأولى لا يتحدث أي منهم عن الزواج والخطوبة. يقضون فترة الزياة في كلام عام ويتركون الشاب والفتاة في جانب يتحدثان معا في أي شيء. يتذكر حسن:"أعتقد تحدثنا عن أحب الأغاني إلينا". بعد هذه الجلسة ينتظر الأهل رأي الشاب والفتاة فإن كانا منسجمين تبدأ اجراءات الخطوبة.
سيناريو مشابه تكرر مع تامر، الذي كان في السعودية عندما ذهبت والدته وفاتحت أختها في رغبته بالزواج من ابنتها: “لم نكن نحتاج إلى تلك الزيارة الأولى لأني كنت أعرف بنت خالتي جيدا. حتى وأنا مسافر كنت أتواصل معها على الإنترنت، كما أني كنت تقريبا اتفقت مع أبيها عبر التليفون على كل شيء قبل عودتي. لكن خالي أصر عندما عدت على أن نقوم بهذه الزيارة كأنها طقس. ولأنه يجب أن يأتي معي (كبير) ويجب أن يشعر الجيران بطقوس الخطوبة وفقا للتقاليد".
يقول مصطفى عبد القادر أن التقاليد القديمة في القرى النوبية كانت تمنع الخاطب من رؤية خطبتها أول ما يتقدم إليها، وكان عليه أن يتحايل لرؤيتها من بعيد. الآن يخرج المخطوبان معا ويحضران الأفراح معا، وهناك طبعا اختلافات تخص كل فئة اجتماعية.
أوائل القرن الماضي كانت التقاليد تحتم على الزوج أن يتحمل كل نفقات الزواج بينما تضطر معظم الأسر الآن إلى تقاسم الأعباء المادية. يوضح مصطفى عبد القادر أن التكاليف أوائل القرن الماضي في القرى النوبية كانت يسيرة جدا: "كان المهر رمزيا والرجل يبني بيته من الطين على قطعة أرض تملكها عائلته ولم يكن هناك جهاز للعروس بالمعنى الموجود الآن ولكن كانت تساعدها العائلة بأشياء تبدأ بها حياتها. أطباق الخوص التي تعلق في بيت أسرتها للزينة تأخذها وتستعملها. وهناك عادة أخرى وهي أن يزور العروسين بعد الزواج مجموعة من أقرب أقربائهم والأطباق والأدوات التي تقدم لهم أثناء ضيافتهم تهدى إليهم".
يقول حسن عبد المجيد: "الآن تقاليد الجهاز أصبحت مثل تقاليد أي أسرة مصرية عادية. ولكن المشكلة الحقيقية هي في الفرح النوبي الذي يعد تقليدا هاما جدا تتمسك به العائلات بينما هو مكلف جدا وفوق طاقة معظم الشباب الآن. أسرتي تكلفت كثيرا من إقامة فرح في مسرح ناد يسع ما يزيد عن 1000 فرد لنتمكن من دعوة كل أهل قريتنا ومعارفنا".
يعترف تامر أن الفرح يمثل طقسا اجتماعيا هاما له دوره في التواصل بين أوسع نطاق من المجتمع النوبي ولكنه سيحاول أن يتمسك بوجهة نظره وأن يكتف بعقد القران في المسجد، بينما سيعبر عن تقديره للثقافة النوبية بشكل آخر وسيحرص على تعليم أولاده اللغة النوبية التي لا يعرف هو عنها الكثير.


نشر في "الشروق" 15 سبتمبر 2010
PDF


هناك 12 تعليقًا:

  1. I like this article very much, Amr. Quite interesting.

    ردحذف
  2. شكرا على الموضوع الجميل دة

    ردحذف
  3. بسم الله الرحمن الرحيم .. لا اله الا الله
    Umzug - Umzug wien

    ردحذف
  4. شكرا على الموضوع المتميز
    Dank Thema Wohnungsräumung

    ردحذف