الأحد، 29 نوفمبر، 2009

إشارة إلى السماء وإشهار وجود



في الساحة المحيطة بمسجد عمرو بن العاص يتجول مجموعة من المصورين الهواة يجربون الكادرات المختلفة ويتأملون تفاصيل المسجد. يلاحظ أحدهم وهو يصوب كاميرته إلى المئذنة أن شكلها وتفاصيلها مختلفين عن طراز باقي تفاصيل المسجد. يتعجب جدا عندما يعرف أن مسجد عمرو بن العاص أول ما بنى كان خاليا تماما من المآذن.
رغم أن المساجد لم تعرف المئذنة إلا في العصر الأموي، إلا أنها أصبحت تفصيلة متوقعة مرتبطة بكل مسجد كبير خاصة لو كان عتيقا، فضلا عن اعتبارها أحد رموز للإسلام وحضارته في كتابات مؤرخين كثر ومتخصصون في الفن الإسلامي، وبعضهم جعلها الرمز الأهم كما فعل جوناثان بلوم ، أستاذ الفن الإسلامي في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة وصاحب كتاب "المئذنة: رمز الإسلام" Minaret: Symbol of Islam.
الثابت تاريخيا أن المساجد في عهد النبي والخلفاء الأربعة الراشدين ظلت بسيطة في تصميمها وبلا مآذن. وكان المؤذنون يرتقون سطح المسجد لإعلان الأذان. والمسجد الذي بناه عمرو بن العاص في الفسطاط في عهد الخليفة عمر بن الخطاب كان كذلك. وفي العصر الأموي عندما بدأت تظهر ملامح "الامبراطورية الإسلامية" وبدأت المساجد تنتشر في المدن سواء التي أصبحت حواضر إسلامية أو تلك الجديدة المفتوحة التي لا يزال أهلها يدينون بغير الإسلام. في المدن الأولى بدأ الترف والتفنن في بناء البيوت والقصور فأصبحت هناك حاجة لتمييز المسجد، وفي المدن المفتوحة لا تزال الكنائس بأبراجها أو الأعمدة الرومانية والبيزنطية أو المسلات الفرعونية التي شيدت لتخليد ذكرى الانتصارات بالإضافة أيضا لأبراج وثنية أقامتها بعض الشعوب الآسيوية رمزا للقداسة والألوهية، ويبدو أن انطباع العظمة والعلو كان لابد وأن ينتقل إلى عمارة المساجد اتساقا مع التوسع الكبير للدولة الإسلامية والإعلان عن هيمنة الدين الجديد.
يناقش جوناثان بلوم في كتابه "المئذنة رمز الإسلام" الأصول التاريخية للمئذنة. ويرجح أن أول شكل للمآذن هو الشكل المربع الذي أطلق عليه المسلمون الصوامع وبني في المسجد الأموي في دمشق على أنقاض أبراج معبد روماني وثني. وهوالشكل نفسه الذي انتقل إلى مصر في العهد الأموي، عندما أمر معاوية بن أي سفيان واليه في مصر ببناء أربعة صوامع مربعة في أركان جامع عمرو، وبدأ المؤذنون يرتقون هذه الصوامع لإشهار الأذان.
في العصر العباسي كان تطور المدن الإسلامية قد بلغ مرحلة أخرى، فأصبحت المآذن العالية المتقدمة في تقنيات بناءها وجمالياتها دالا على مكانة المسجد الذي بدأ يتبلور كمؤسسة دينية ذات سلطة وكمركز للمدينة ورمز لحضور الخلافة الإسلامية الممتدة.
شهدت العصور اللاحقة تطورا كبيرا في المآذن التي تنوعت وتشكلت في حوار مع الثقافات والبيئات المحلية. ويروي د.ثروت عكاشة في كتابه "القيم الجمالية في العمارة الإسلامية" قصة تطور المآذن المصرية من الطراز الشامي المربع للصوامع إلى أشكال متعددة، حتى استقرت على الطرازين المملوكي ثم العثماني. ولا تزال مآذن القاهرة القديمة أبرز ما يميز المساجد عما حولها من مبان.
تحولت وظيفة المئذنة عبر العصور، فكانت مكانا لرفع الأذان أو الإعلان عن الأخبار الهامة، كما أنها كانت منارة للمدينة كلها عندما توضع القناديل في شرفتها العلوية، وحديثا بالأضواء الكهربائية والزينات في أثناء الأعياد والمناسبات الدينية والموالد.ولذلك تسمى المئذنة أيضا "منارة" وانتقل ذلك إلى اللغات اللاتينية لتصبح Minaret.
غير أن وظيفتها الجمالية والرمزية ظلت الأهم وتسبب ذلك في بعض المعارك على مر التاريخ. يركز الباحثون المسلمون عادة على المعنى الجمالي الممتزج بالرموز الروحية والدينية، فيرى شريف شاه عبد الرحمن، رئيس منظمة الثقافة الإسلامية في أسبانيا في محاضرة له بعنوان "المئذنة، رمز حضارة" أن أهمية المئذنة تنبع من كونها رمزا لمركز المجتمع المسلم الذي يقوم بالنداء من أعلى في إشارة إلى الاتجاه إلى الله والدعوة إليه. الباحثون الغربيون لديهم خلفيتهم التي تجعلهم يناقشون معنى "السلطة" و"الهيمنة" في المئذنة، حيث يروي جوناثان بلوم الوقائع التاريخية لتحول أبراج كنائس في أوروبا إلى مآذن بعد احتلالها من قبل الجيوش العثمانية، وبالمثل تتحول المآذن إلى أبراج كنائس في أسبانيا بعد استعادة الممالك المسيحية للسلطة فيها. ربما لهذا السبب لا يزال بعض الأوروبيين يرون في المئذنة رمز اختراق وهيمنة الغزاة رغم انقضاء القرون، ولكن بلوم يرى أنه بعد زوال عهد هذه الحروب الدينية في أوروبا وانتشار الإسلام في أنحاء العالم بعيدا عن السلطة، فإن دلالة المآذن تحولت إلى رمز لهذا الانتشار والحضورعلى مستوى العالم.



الصوت والنفوذ


أحيانا ما يحدث أن يبدأ الأذان في الإذاعة أو مسجد مجاور، فيترك الشيخ حمدي محله فورا ويدخل مسرعا إلى المسجد الصغير الملاصق لمحله في نفس العمارة بمنطقة الوراق. يتجه مباشرة إلى المنبر ويفتح كوة فيه تستقر فيه أجهزة الصوت فيفتح الميكروفون ويقف باتجاه القبلة، يرفع كفيه إلى أذنيه ويبدأ أذانه الذي يخرج محشرجا من مكبر الصوت الموضوع في شرفة آخر طابق بالعمارة، ليتداخل مع صوت أذانين آخرين في مسجدين مجاورين.
يبتسم الشيخ حمدي- هكذا يطلق عليه الجميع في المنطقة- ويقول أنه أحيانا ما يتأخر بسبب الوقت الذي أصبح يمر سريعا بلا بركة فلا يشعر إلا ووقت الأذان قد حل، ولكنه يؤكد أنه ملتزم بالأذان من أكثر من عشرين سنة، منذ افتتح محله في هذه البناية وتولى متطوعا رعاية المسجد وإقامة الأذان وإحيانا إمامة المصلين إن لم يكن هناك رجل يفوقه علما ودراية بالقرآن.
يسمع الشيخ حمدي عن مشروع توحيد الآذان الذي أعلنت وزارة الأوقاف أوائل الشهر أنها نتهت من التجهيزات الفنية له وأنها بصدد تجريبه في 4000 مسجد في القاهرة ولكنه يمتعض غاضبا: "عاوزين يحرموا كل الناس دي من الخير. النبي قال أن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة. ينفع يبقى مصر كلها فيها مؤذن واحد. طيب المؤذنين اللي بياكلوا عيش يروحوا فين؟".
بالنسبة للشيخ حمدي فالأمر حرمان من الخير، ولكن بالنسبة لوزارة الأوقاف هو تنظيم لفوضى مكبرات الصوت التي انتشرت في القاهرة. المساجد الأهلية تنتشر تحت العمارات كمكان متواضع لإقامة الصلاة. ولأنه لا مئذنة عالية لها، فإنها تعلن عن وجودها بمكبر صوت فوق أعلى مكان في البناية أو في بناية مجاورة. الشيخ حمدي يرى في ذلك إعلانا لكلمات الله ونداء حي على الصلاة. ولكن البعض له رأي آخر. أحمد نبيه الذي يسكن على بعد عمارتين من "مسجد الشيخ حمدي" كما يطلق عليه في سخرية من سيطرته عليه، منزعج جدا من سيطرته على المسجد، فبخلاف صوته غير الجميل أحيانا ما يقرر أن "يربي" أهل المنطقة: "أحيانا عندما تكون هناك مباراة هامة ويزدحم المقهى الموجود في الشارع بالشباب ويحين وقت صلاة العشاء. يترك الشيخ حمدي الميكروفون المؤدي إلى مكبر الصوت الخارجي مفتوحا ويذيع على الهواء مباشرة صلاة العشاء كإنذار ووعيد للشباب اللاهي على المقهى أو القابعين في منازلهم أمام التليفزيون".
يبدو أن "سلطة الصوت" هي ما تبقى للمساجد الصغيرة بعد أن انزوت في أسفل البيوت بينما ترتفع المساجد الجامعة الكبيرة بقبابها ومآذنها لتعلن عن وجودها المميز. ولكن حتى تلك الأخيرة لم يعد المؤذن يرتقي سلم المئذنة الحلزوني ليصعد إلى شرفتها العلوية ويرفع صوته بالأذان. بل أصبح مكبر الصوت هو الذي يصعد لمرة واحدة ويستقر فوق المئذنة. تعدد المساجد وتجاورها أصبح سمة تؤدي فيما بعد إلى صراع مكبرات الصوت لينتهي الأذان أحيانا إلى ضوضاء غير مفهومة.
يحتج الشيخ حمدي بأن تعدد المؤذنين في المنطقة الواحدة خير. وأنه ضمانة لأن يرتفع الأذان حتى لو نسى أحدهم! وأن التداخل يحدث في مناطق قليلة فيها مساجد كثيرة، ويرى أن سبب هذه "الخطط" هي "ضيق بعض الذين في قلوبهم مرض" -على حد تعبيره- من ارتفاع الأذان والقرآن، ولكنهم في الوقت نفسه لا يعترضون أبدا على أصوت أفراح الشوارع التي تتركها الشرطة تزعج الناس وتقلق راحتهم في أوقات متأخرة من الليل. يضيف: "خايف ييجي يوم ينظموا فيه بناء المآذن كمان". ويستطرد أن أهل الخير هم الذين يهتمون بان تكون كلمة الله هي العليا مهما كانت القيود الحكومية. ويضرب مثالا لذلك بالمسجد الكبير في الوراق المجاور لكنيسة كبيرة، ويقول أنه لا يصح في دولة إسلامية أن يكون برج الكنيسة هو الأعلى ولذلك تحدى أهل الخير من الموسرين تراخيص البناءوقاموا ببناء مئذنة كبيرة أعلى من برج الكنيسة.
الشيخ حمدي ليس وحده من يعتقد أن للمئذنة وطولها في مقابل وجود برج الكنيسة وطوله بعدا رمزيا. وربما كان هذا سبب المشكلات حول بناء الكنائس في أحياء شعبية وقرى في القاهرة والمحافظات- خاصة في الصعيد. فيبدو أن الطابع المميز للكنيسة وأبراجها يشعر بعض "المسلمين المتعصبين" بأنه نوع من الهيمنة الرمزية والحضور المكثف. هل هذا التوجس هو نفسه ما يعبر عنه المتطرفون اليمينيون في أوروبا المعارضون لبناء المساجد أو وجود المآذن؟


ضمن ملف عن المآذن في يوم الاستفتاء السويسري حول السماخ ببناء مآذن للمساجد أو حظرها.
تصوير: محمد حسن

هناك 3 تعليقات:

  1. في اليمن، في صنعاء على الأقل، كثير من المساجد ليست لها مآذن.

    علاقة المؤذن\الإمام الميكروفوني بجيران المسجد علاقة معقدة.

    في منطقتنا يخفض صوت الميكروفون عندما يشتكي السكان، لكنه يعود للارتفاع بعد بضعة أيام، بدرجة بسيطة أول يوم، ثم أخرى بسيطة اليوم التالي. و كذلك إذاعة الصلوات في الميكروفونات، تبدأ بواحدة و تمتد إلى الأخريات تدريجيا.

    و حتى في الفترات التي ترجح فيها يد السكان و تقيّد استخدامات الميكروفون تذاع الصلاة، بشكل يوحي بأنه واعٍ و متعمد - مرة استثنائية كل فترة لإشهار الوجود - كما كتبت، ليس فقط في مواجهة المتذمرين، بل كذلك في مواجهة المساجد و الزوايا المنافسة المحيطة.

    و كذلك للتمهيد قبل المواسم، مثل رمضان، التي يعد المؤذنون أنهم يملكون فيها حق الإذاعة بلا قيود.

    أما العلاقة بين المسجد و الكنيسة فيصفها بعض الناس بعلاقة التآخي و التجاور، لكني أراها علاقة مواجهة: بجوار الكنيسة لا بد أن يبنى مسجد يضاهيها في الحجم، و الارتفاع. لإثبات ماذا؟ لا أعلم.

    ردحذف
  2. هو ايه الجميل جدا وقيم
    ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟


    وليه لم يكن الحل بطريقة اخرى...هو تنظيم المساجد التي ترفع الآذان...اي دراسة المناطق وتوزيع المساجد واختيار مساجد معينة لرفع الآذان...والاختيار يكون بضمير وامانة وحس ديني

    واين كانت الدولة عندما احتاج الناس للزوايا لعدم وجود مساجد كافية ...لم لم تخطط الدولة من البداية اماكن المساجد بطريقة علمية


    ولم لم تعين الدولة مؤذنين ذوي صوت حسن وتجزل لهم الاجور التي تجعلهم غير محتاجين لاعمال اخرى لكسب رزقهم

    لكن الدولة كالعادة عالجت الموضوع بطريقة خاطئة ومغرضة وخالية من الدين

    غدا يلغون المآذن كسويسرا بدعوى انها لم تكن موجود على عهد النبي

    قال يعني بيمشوا اوي على سنة النبي

    كما فعل الامام الازعر مع النقاب..ظلما وزورا فهذا الخير كان موجود عل عهد النبي


    اتفق معاه في انه دعوى من الذين في قلوبهم مرض...ويوافقهم فيها من في قلوبهم مرض ايضا

    ردحذف