الأحد، 3 يناير، 2010

الحنين إلى المستقبل


عند بعض الشباب، الولع بمكان أو زمان ليس مجرد حنينا عاطفيا بل هو استلهام لقيم وأفكار، بصر مشدود لتجربة يقرأها، طموح وسعي إلى مستقبل ما.

"كونوا واقعيين، اطلبوا المستحيل!".."لنشكل لجانا للأحلام !".. "عندما يمتحنوكم أجيبوا بأسئلة!". وصلت رسالة من عبد الرحمن منصور إلى هواتف مجموعة من أصدقائه تحمل هذه الشعارات التي رددها الطلبة في فرنسا أثناء إضرابهم الشهير في مايو1968. أول ما تعرف عبد الرحمن، الطالب بالسنة النهائية بكلية الإعلام، على أحداث الإضراب الكبير الذي هز فرنسا آنذاك كان من خلال رواية "فرج" لرضوى عاشورالتي تدور أحداثها في تلك الفترة بين مصر وفرنسا. ويبدو أن الشعارات ألهمته صورة وخيطا ينظم ما يفكر فيه ويعمله بهمة عالية رغم أنه لا يملك إجابات نهائية ولا رؤى قاطعة.
الحماس والاعتراف بطلب المستحيل أو تشكيل لجان عمل للأحلام أو أنه لا أجوبة لديهم بل أسئلة، كانت روح الطلبة الفرنسيين الذين تمردوا في مايو 68 واحتلوا مقار الجامعات احتجاجا بعد اعتقال بعض زملائهم وأعلنوا غضبهم من تقييد حرية التعبير تحت دعاوى الحفاظ على استقرار نظام الجمهورية، كما أنهم أعلنوا التمرد على قيم المجتمع الفرنسي ودافعوا عن حقهم في المزيد من الحرية. ورغم فشل هذا الإضراب أن يصنع تغييرا سياسيا ولكن تم اعتباره لحظة مهمة أحدثت تغييرا اجتماعيا فأصبح المجتمع أكثر تقبلا لأفكار الحرية الفردية مقابل الالتزام الوطني وأفكار أكثر تحررا في العلاقات بين الجنسين والمزيد من التحرر من سلطة الآباء والمعلمين والأجيال الأكبر والعقائد الدينية والتقاليد المجتمعية.
قد يتعجب البعض من أن تكون هذه اللحظة التاريخية الأكثر تمردا هي اللحظة الملهمة لعبد الرحمن، الذي يصف نفسه بأنه إسلامي إصلاحي، لا يمكن أن نفهم كلام عبد الرحمن منصور إلا بتخيل المواجهات الساخنة بين أبناء جيله من الشباب الإسلامي المتمرد على الأجيال الأكبر من الإخوان وغيرهم من التيارات الإسلامية. ولأن جماعة الإخوان هم الأكثر تنظيما فأن تأثير هذه المواجهات يظهر عندما تعلو أصوات الشباب المحتجة على خيارات الجماعة التي يتحكم فيها الأجيال الأكبر. ولكن المواجهات تحت السطح على مستوى الأفكار أكثر سخونة وأكثر تنوعا.
أحد نماذج هذا التنوع هو "الميل الثوري" عند عبد الرحمن. الذي يوضح أنه ليس مجرد إعجاب بلحظة بل هو نزعة أقوى تشكل سعيه الفكري والعملي معا. يقول غبد الرحمن أن ما يفكر فيه - ويشاركه في ذلك بعض أصدقائه من شباب الإخوان المسلمين - أننا بحاجة إلى ثورة ثقافية شبابية، وأن هذه اللحظة تحتاج من الشباب للتمرد علي العقل الأسطوري الديني، علي الأبوية وعلي إقصاء الشباب، بعدها يمكن أن نمهد لأفكار مستقبلية. لا يجب أن نكون نحن الجيل المناسب ولديه الأفكار المناسبة ولكن يمكن أن يكون تمردهم وسيطا بين السيء والجيد على حد تعبيره.
الانجذاب لهذه اللحظة لا يمنعه من أن يرى أن المزاج الثوري أحيانا ما يؤدي بالشباب إلى حشد كل طاقتهم في اتجاه واحد يراهنون عليه رغم أنهم لا يمتلكون إلا رؤية ضبابية ورد فعل على شيء ما. ولذلك فهو يتبنى أسلوب مختلف يناسب تمرده المتسائل: "لا أعتمد على فكرة واحدة أو تنظيم واحد ولكن أشتغل في أكثر من مكان ومع أكتر من جهة، أوزع طاقتي وأفكاري".
ينشط عبد الرحمن في مبادرة بناء جسور بين الشباب الإسلامي الإصلاحي الناقد ليكونوا اتجاها أقوى، يسعى لتأسيس منتدى حواري دائم لهم على أرض الواقع، ويشترك مع آخرين في محاولة لإصدار كتاب غير دوري يصدر باسمهم ويعبر عن روحهم ورؤاهم المختلفة، ينشط داعما لمجموعة "كلنا ليلى" المهتمة بالمرأة، ويترجم النسخة العربية من موقع لنشطاء من أجل البيئة حول العالم.
يلمس عبد الرحمن منصور الاختلافات الكبيرة بين مزاج وتطلعات المجموعات المتمردة من الشباب ذوي الميول الإسلامية ويضرب مثالا لذلك بأن إيران وثورتها التي انتهت بتأسيس الجمهورية الإسلامية كانت ملهمة للأجيال الأكبر من الإسلاميين، في حين أن تجربة الإسلاميين في تركيا، والتي يمارسون فيها الحكم من داخل نظام علماني، هي الملهمة لهذه المجموعات من الأجيال الجديدة.

الممكن أفضل من لاشيء
أروى الطويل، الطالبة والمدونة الناشطة الإخوانية ومراسلة الموقع الشبابي "الجزيرة توك" واحدة ممن يعلنون في مدوناتهم اهتمامهم وولعهم بتركيا وتجربة الإسلاميين فيها.
اقتربت أروى من تفاصيل هذا النموذج الملهم لها من خلال بحث أعدته في 2008 وتقدمت به في نموذج محاكاة المؤتمر الإسلامي الذي تنظمه كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وفاز بالمركز الأول، ثم زارت تركيا منتصف عام 2009 لحضور دورة تدريبية نظمتها إحدى أكاديميات إعداد القادة وحضرها شباب من مختلف الدول الإسلامية.
تقول أروى: "من وجهة نظرى هو نموذج ناجح تماما، ولم ينجح دينيا فقط . بل كان نجاحه دينيا ودنيويا فحقق النموذج المفتقد في التوازن بين الدنيا والدين. هو نموذج استطاع التكيف مع واقعه رغم صعوباته واستطاع التحايل علي الصعوبات التي تواجهه وإنتصر عليها".
التيارات الإسلامية التركية يغلب عليها النزعة الروحية والصوفية ورغم أنها تحمل على ظهرها عبء تاريخ وجودها في قلب الإمبراطورية العثمانية التي مثلت الخلافة الإسلامية في فترة من الفترات، إلا أن العلمانية وفصل الدين عن الدولة أصبح ثابتا مقدسا عند الدولة التركية الحديثة التي أسسها كمال أتاتورك ويحرسها قادة الجيش. ولذلك فالأحزاب الإسلامية في تركيا تعلن تمسكها بالعلمانية واحترامها لها رغم فوزها ديمقراطيا بأغلبية البرلمان وتشكيلها للحكومة.
تحكي أروى عن زيارتها لتركيا وكيف زاد ارتباطها واحترامها لها كنموذج للنهضة كما تتمناها: "من أول يومين نسيت كل شيء عن تركيا ذات الجمال الخلاب وتمسكت بتركيا الإنسانية المسلمه ذات الأخلاق، أصبحت أكثر إهتماما بالحديث مع الناس والتعلم منهم. لدرجه أنني - وأنا التي أعشق تصوير الأماكن الطبيعية - تركت تصوير الأماكن إلي تصوير البورتيريهات وملامح الإنسان هناك. الروح العامه هناك هي احترام إنسانيتك وآدميتك، السمو بروحك من الأرض حيث أنت إلي السماء إلي حيث تشير المآذن والقباب".
الروح العملية التي تنجح في التوافق والتكيف لا الصدام وتحقق نجاحا مناسبا رغم العوائق سمات تجربة الإسلاميين في تركيا الذين يبدون حرضا على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. هذه الروح بالتأكيد ملهمة للشباب ذي الميول الإسلامية الذي يشغل تفكيره تناقضات من نوع الالتزام بثوابت مقابل الحريات والديمقراطية، الدين مقابل العلمانية،التمسك بالهوية مقابل التحديث والاقتراب من الغرب.
تقول أروى أن اقترابها من النموذج قد أثر على تفكيرها وحركتها: "أصبحت أكثر تركيزا علي ثلاثة أشياء: التعليم ، الإعلام ومنظمات المجتمع المدني. فمنهم يأتي التغيير، أصبحت أكثر إيمانا بقيمة الإنسان وقدرته علي الفعل وأكثر إيمانا بأن البراجماتيه (العملية) شيء لا يعيبني كمواطنة وناشطة تؤمن بالحل الإسلامي".
الروح العملية في التجربة الإسلامية التركية تعني الاقتراب من بعض الثوابت هنا مثل التكيف مع حظر الحجاب في الأماكن العامة ومثل التخلي عن فكرة الحكم بالشريعة. ولكن أروى ترى أن الممكن أفضل بكثير من لاشيء: "ما الذي تستفيده تركيا لو أعلن الإسلاميون هناك إسلاميتهم غير أن الجيش سينقض علي السلطه وينتزعها وتعود تركيا لتدور في حلقاتها المفرغة. الصمت عن العلمانيه يعني تمثيل الإسلام و"الحكم الرشيد" تمثيلا مشرفا في السلطة. فأي أمر أفضل من ذلك. هنا نعود لأصل القضية: وهو العدل بمفهومه الواسع وهو ما أمرنا الله بتحقيقه في الأرض ..تعليق "البادج" ليس هو القضية".

الوجوه الباقية للثورة
بعيدا بمسافة عن أروى الطويل يرى محمد المصري نموذجه الملهم في التجربة المصرية بعد ثورة يوليو مع جمال عبد الناصرولكن بعد أن يعلن هو الآخر عدم اهتمامه بـ"البادج": "أنا مش ناصري، رغم انتماءي للتجربة والإيمان بيها أكتر من ناصريين كتير على ما أظن".
يحكي محمد أن مسار تكون أفكاره كان يبدو أنه يميل لرفض التجربة الناصرية بسبب افتقاد الديمقراطية وامتهان كرامة المواطن والانتقادات المعروفة للثورة. ولكنه واصل التساؤل والبحث والقراءة عن هذه التجربة ليعيد تشكيل أفكاره عن المرحلة بسبب التفاته لرمزين ثقافيين عايشا هذه المرحلة، هما فؤاد حداد ويوسف شاهين.
فؤاد حداد اعتقل مرتين ولفترات طويلة في تلك الفترة ورحل يوسف شاهين للبنان فترة احتجاجا على تقييد حريته، لكن كلاهما أبدى تقديره لجمال عبد الناصر ولماحدث في هذه المرحلة. وهو ما يعتبره محمد شيئا دالا على أن بهذه الفترة -رغم كل ما يقال- ما مكنها من "خلق مشروع واضح يجمع حوله ملايين من الشعب وآلاف من الكوادر الحقيقية في سبيل تطوير حقيقي للبلد وتحقيق مصلحة أغلبيته العظمى" كما يعبر محمد.
يقول محمد أنه انتبه إلى أن الأهم في هذه التجربة هي روحها وليس سياساتها أو اتخاذ مبادئها بشكل مجرد، روحها التي نجحت في تخريج كوادر بشرية ورموز في كافة المجالات لا يزالون كذلك إلى الآن، منهم مثلا هيكل في الصحافة وصلاح أبوسيف وشاهين في السينما.
محمد مهتم بالسينما بشكل خاص وفي مدونته "نور الخيال" يبدو اقترابه من هذه المرحلة متمثلا في الوجوه الثلاثة التي يتحدث عنها أو يقتبس منها أويحكي عنها: جمال عبد الناصر وفؤاد حداد ويوسف شاهين.
حسين الحاج، صديق محمد الذي يشاركه اعتبار الفترة الناصرية هي الفترة الأكثر إلهاما له، ويخص بشكل محدد أدب وفن الستينات التي تعبر عن روح هذه المرحلة. حسين من أبوين يغلب عليهم الميل الناصري ولذلك علاقته بهذا النموذج بدأت مع تنشأته ولكنه مع الوقت بدأ يختلف مع الجانب السياسي منه وإن كان لا يزال يعتبر أنه تأثر بكتاب الخمسينات الستينات في نصوصه. من يتابع مدونة حسين يدرك تأثره بفؤاد جداد الذي يذكره كثيرا ويقتبس منه ويحاول أن يبدأ من عاميته المصرية المميزة ذات النكهة الخاصة ليطورها بأسلوبه الخاص.
كلا من محمد المصري وحسين الحاج، مثل أروى وعبد الرحمن، لا يعتقدان أنه يمكن استعادة نموذج ما مرة أخرى أو تكراره. ولكن القيم التي تمثل روح كل تجربة هي التي يمكن أن تجعل من الاهتمام بكل نموذج في الماضي أو الحاضر اهتماما بالمستقبل ويحثا عن الجسر الذي يصل ما بين واقعنا وتصوراتنا المختلفة عن مستقبل أفضل.


الصورة: بدلا من التعبير الفرنسي الشائع C est la vie "هذه هي الحياة" بروح القبول والاستسلام لها كما هي، كان من شعارات احتجاجات مايو 68 في فرنسا: Plutot la vie "بل سأختار الحياة"
نشر في "الشروق" 3 يناير 2009
PDF


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق