الاثنين، 25 يناير، 2010

"ربما تحل عليه البركة !"


وسط مشاركة سياسية ضعيفة لعامة المصريين وللمسيحيين بوجه خاص.. يواجه المسيحي الذي ينشط في المجال العام العديد من الخيارات الصعبة: التوجه والأسلوب، تحمّل العلاقة المعقدة بمحيطه، وكيف يظل داخل مجتمع الأقباط مستقلا عن الكنيسة وناقدا لها أحيانا وهي التي تعلم رعاياها أن "ابن الطاعة تحل عليه البركة!".

بعد ساعات من الاعتداء على كنيسة نجع حمادي كانت هالة المصري، الناشطة القبطية والمدونة، أمام المستشفى وسط أهالي الضحايا والمصابين. بلغها النبأ بينما كانت تشاهد عظة البابا شنودة في منزلها بمدينة قنا، على الفور اتصلت بزوجها وتوجهت معه بصحبة أطفالهما إلى مدينة نجع حمادي.

بمجرد دخول هالة المصري وأسرتها إلى ساحة المستشفى، تدافع عدد من المحتدين عليها ليقولوا معا: "كتبتِ كثيرا وصورتِ كثيرا، ولكننا مازلنا نقتل! لم تغيرى لا أنت ولا غيرك شيئا فى حالنا!". ثم اندفعوا في عتاب حاد على كل النشطاء الاقباط فى الداخل والخارج وعلى كل أجهزة الدولة التى وصفوها بالظالمة. ولكن في النهاية هدأت أعصابهم وتحدثوا معها وحكوا لها طوال الليلة التي قضتها معهم قبل أن تعود وتدون تفاصيل تلك الليلة على مدونتها "أقباط بلا حدود" وترفقها بصور للمصابين في المستشفى وصور شخصية للضحايا أضافت إليها شريطا أسود في الزاوية ووكتبت عليها أسماء المفقودين مسبوقين بـ"الشهيد"، وفي النهاية كتبت صارخة: "آه! يا النار! الصبر من عندك يارب!".

تكرس هالة المصري مدونتها في الأغلب لقضايا الأقباط، تنتقل لمواقع الأحداث والمشكلات. تعبر عن رأيها وتنقل آراء الناس، تنتقد الدولة كثيرا والكنيسة أحيانا. موقفها المستقل يجعلها دائما وسط مشكلات وانتقادات وجدل، تعرضت للاعتقال والفصل من عملها. ولكن رغم ذلك فإنها أنها ليست وحدها، بل هي واحدة من العديد من نمط جديد ومتزايد من "النشطاء الأقباط" الأكثر استقلالا وفردية، رغم اشتراك بعضهم في مجموعات سياسية أو حقوقية، بالمقارنة بالنشطاء الأقباط المعروفين أكثر والذين يعملون من خلال منظمات قبطية هنا أو في الخارج تعمل وسط تخالفات كبيرة، على وفاق مع الكنيسة أو في خصام معها.
تقول هالة المصري: "عام 2006 عندما وقع حادث العديسات كنت وحدي في الصعيد تقريبا الذي ينشط ويدون. ولكن الآن هناك عشرات من النشطاء الأقباط والمدونين الذين يعلنون عن نفسهم. بالإضافة إلى المئات من غير الظاهرين الذين يساعدونهم ويتمنون أن يكونوا مثلهم. في البداية تعرضت لهجوم وعدم تفهم. ولكن الآن الكثيرون يقولون لي: نريد أن نكون مثلك. ندون ونتحدث عن مشكلات الأقباط".

ترى هالة أن أهم ما يقدمه النشطاء الأقباط هو التعبير عن نبض عامة المسيحيين، بينما ترى الكنيسة محكومة بتوازناتها مع الدولة وحساباتها مع الأمن، وترى الصحافة تنقل مشكلات الأقباط من خلال تحريات الشرطة وتصريحات رجال الكنيسة. ورغم أنها تعرضت لفترات طويلة من هجوم بعض الصحف بسبب خلافها مع مركز "الكلمة" القبطي لحقوق الإنسان بعد فترة تعاون إلا أن النقاشات في المنتديات- مثل منتدى الأقباط الأحرار- كانت في صفها وداعمة لها وتذكر جهودها وجرأتها.

على خلاف هالة، يعبر مايكل نبيل، الناشط بحزب الجبهة الديمقراطية في أسيوط عن أسفه لأن نفس التقدير لا يلقاه النشطاء الأقباط الذين لا ينشطون بهذه الصفة ويفضلون أن ينشطوا سياسيا أو حقوقيا: "قد ينحاز الناس ويتعاطفون مع ناشط يتحدث بشكل مستمر عن مشاكل الطائفة ومطالبها. ولكن حين يكون ناشطا سياسيا يدافع عن خقوق كل الأقليات، بما فيها مثلا حق ماكسيموس وأتباعه في تأسيس طائفة، ينظر إليك الوسط المسيحي بعداء أو توجس على الأقل. هذا بخلاف رأيهم بعدم جدوى النشاط السياسي بالأساس مثل باقي المصريين. واعتباره مضيعة للوقت والجهد و"بهدلة" ونحتا في الصخر".

الكنيسة تفهم أكثر

الموقف من الناشط يتأثر أيضا بعلاقته بالكنيسة. فكما يقول مايكل نبيل أن معظم المسيحيين يرون أن البابا والأساقفة ومؤسسة الكنيسة هي الأكثر قدرة على التعامل مع مشاكلهم وتمثيلهم سياسيا.

يتهم مايكل الكنيسة بأنها تتخذ موقفا سلبيا من انضمام الشباب إلى أحزاب، لأنها تحشد الأقباط خلف الحزب الوطني وتخوفهم بفزاعة الإخوان المسلمين. يقول أن بعض أصدقائه قاموا باستشارة أساقفة فنصحوهم بالعدول عن ذلك. كما أن تعبيره عن رأيه بشكل ما ظهر فيه موقفه السياسي تسبب في طرده من أحد الأديرة.

أما الموقف من النشطاء الأقباط ممن لهم شعبية وسط المسيحيين بسبب تركيزهم على القضية القبطية فمعقد بعض الشيء. يقول مايكل أن الكنيسة تلعب معهم لعبة تقسيم الأدوار:" بعض النشطاء يبدون بعض التطرف والحدة، فتكون ذريعة للكنيسة لأن تحكم سيطرتها على كل أحوال المسيحيين بدعوى أنها تحجز المتطرفين وتمنعهم من إثارة الأقباط. كما أن غضب مجموع الأقباط وارتفاع صوت بعض النشطاء حتى بما لا يعجب الكنيسة يكون مفيدا لها في التفاوض مع السلطة وفي لعبة التوازنات معها".

تروى هالة المصري أنها انتقدت أسقف كبير وفي اليوم التالي كانت في القداس فسلم عليها فظنت أنه لم يقرأ فأخبرته فقال لها: أعرف، اكتبي كما تحبين. تقول ذلك لتشير إلى أن الكنيسة تتخذ موقفا معقدا منهم: "أمام السلطة والأمن تتبرأ الكنيسة منهم، ويقولون لا نعرفهم. لكنهم راضون عن جهودنا وتعبيرنا. يرضون لو أنها كتبنا وأشدنا بجهود الكاهن فلان والأسقف علان. ولكن أن ينسب الفضل لنا وتكون لنا شعبية تجعلنا نتحرك باستقلال فهذا ما يقلقهم. هم رجال دين ونحن أبناء كنيسة ونحن نحترم ذلك ولكنهم يريدون أن يكونوا أيضا ناشطين وزعماء".

الخروج من الشرنقة

بعد عودته من مظاهرة للأقباط المصريين أمام السفارة المصرية في السويد، يستعيد مينا ذكري، الناشط والباحث الحقوقي الذي انتقل مؤخرا للعمل هناك، الشعارات التي ترددت فيقول أن المظاهرة انتقدت بجرأة الدولة المصرية والرئيس مبارك. ولكن الهتاف المنتقد للكنيسة والذي يتهمها بالتخاذل لم يظهر إلا مرة واحدة وأحجم الجميع عن تكراره.

يرى مينا ذلك دالا على السلطة القوية للكنيسة خاصة في عهد البابا شنودة، ويتذكر أن جيله تربى على مقولة غير موجودة في الكتاب المقدس ولكنها تمثل تقليدا راسخا وهو "ابن الطاعة تحل عليه البركة". ومن يخرج عن طاعة الآباء يكون مهددا بالحرمان من البركة وهو ما يعني للبعض كارثة ونهاية للعالم.

ولكنه يرى أيضا أن هناك جرأة من البعض تكاد تفلت من هذه السطوة، كان ذلك متاحا فقط خارج مصر ولكن الآن بسبب الإنترنت أصبح هناك دور أكبر للفرد ومساحة تحرر من كل سلطة مركزية.

هالة المصري أيضا متفائلة بذلك، وتقول أن خلف النشطاء والمدونين الذين يقدرون بالعشرات الآن، هناك مئات ممن يتعاونون معهم: "الناس أصبحوا يتصلون بي ويطلعوني على آخر الأخبار لأنشرها ولكنهم يقولون: لا تخبري أبونا أننا من قال لك!".

مايكل نبيل من جهته يعتقد أن تزايد عدد النشطاء الأقباط حتى لو تضمن شعارات طائفية فهو ربما يكون مفيدا، فهو نفسه كان يعتبر نفسه ناشطا قبطيا بالمعنى الضيق عندما بدأ نشاطه بعد أحداث طائفية استفزته، ولكن مع بعض الوقت والنضج والقراءة طور تفكيره ورأي أن هذه المطالب يجب أن يتم العمل عليها من خلال مطالب سياسية عامة. ولكنه من ناحية أخرى يرى أن الغضب من الانتهاكات والمظالم تزيد جاذبية النشطاء الأكثر طائفية والأكثر ارتكازا على خطاب ديني يشبه نفس خطاب المتطرفين من المسلمين وكل فريق يحشد الناس ويروج لكراهية الطرف الآخر.

ترد هالة بأن معظم المدونين والنشطاء الأقباط الذين ينشطون باسمهم الحقيقي ويضعون صورهم على مدوناتهم هم مسئولون في خطابهم ويحترمون الآخر، بينما يأتي التطرف ممن يكتبون وينشرون بأسماء مجهولة. تضرب المثال بـ"الأب يوتا" وهو اسم متعار نشر ردا على رواية "عزازيل" رأى فيها البعض ازدراء للدين الإسلامي، واتهم البعض مدونا هو المدون هاني نظير بانه من يستخدم هذا الاسم، وتم اعتقال نظير ولم يطلق سراحه حتى الآن.

تبدي هالة المصري أسفها على ذلك وتقول أن هاني كان يدون باسمه ويضع صورته وأنه كان مدونا مسئولا ولديه رغبة في المشاركة رغم أنه من نجع صغير داخل قرية صغيرة داخل مركز أبو تشت، وأنه كان جادا جدا والتحق بعد معهد الخدمة الاجتماعية بقسم الصحافة بآداب جنوب الوادي ليطوّر أسلوبه وتستبعد أن يتورط في مثل هذا.

"وحتى لو وقع بعض النشطاء الأقباط في بعض التجاوزات التي لا ترضيني فهذا لا يمنع التفاؤل" هكذا يرى مينا ذكري ويشرح رأيه: "من الأفضل للقبطي أن يتجاوز الصورة النمطية التي تريد دائما أن تنفي المشاكل. البعض يقول مادحا: لم أعرف لسنوات أن زميلي أو جاري قبطي ! أو العكس. وكأنه لا فرق بينهم، لا بل هناك فوارق واختلافات، وهواجس ومخاوف عند العامة من الناس وعلينا ألا نتجاهلها. من الجيد أن يسمع المسلمون نشطاء يتحدثون بتعبيراتهم اللاهوتية الخاصة ويعبرون عن هواجسهم وأفكارهم. وعلى الطرفين أن يحاولا تفهم الاختلافات وسوء التفاهم بدلا من تجاهله".

الأكثر أهمية في ذلك في رأي مينا هو خروج عموم الأقباط من حال التقوقع والصمت وأيضا بدء فاعليتهم الفردية بدلا من ترك كل شئونهم للكنيسة:" لنضع كل شيئ على الطاولة، لنخرج من الشرنقة، لنكسر لعبة التوازنات والصفقات، ولننظر فيما بيننا من مشاكل بوضوح. هذا ما أريده أن يحدث".


نشر في "الشروق" الأحد 24 يناير 2010
الصورة: من مظاهرات أمام الكاتدرائية المرقسية بالعباسية بعد اعتداء نجع حمادي -تصوير: محمد حسن

هناك تعليقان (2):

  1. مقال جميل...بس أنا شايف إن النشطاء المفروض يكون دورهم في كل القضايا، ويبقى التركيز على مباديء عامة تشمل المسلم والمسيحي والبهائي واللي ملوش ملة، لأن المباديء دي لما كلنا نحارب عشان تتطبق هنرتاح كلنا.

    لكن وجود نشطاء لكل طائفة بيكرس للطائفية أكتر وبيخلي كل واحد يحل مشاكله في معزل عن الآخرين وده هيخدم الدولة أكتر في إنها تلعب على جميع الأطراف وتضربهم ببعض...زي بالظبط ما ذكر في المقال إن الكنيسة رغم اعتراضها على توجه بعض النشطاء إلى إنها مش بتحاربهم عشان شايفة إن وجودهم في مصلحتها وبيفيدها في لعبة التوازنات

    محمد محرز

    ردحذف
  2. منتهى الدقة والامانة فى العرض استاذ عمرو
    الف شكر لك
    هالة المصرى

    ردحذف