الجمعة، 4 سبتمبر، 2009

"طرازنا المعماري السائد هو الفشخرة والبعزقة والعك !"


هكذا يرى المعماري أحمد حامد أزمة العمارة المصرية. تلميذ المعماري الرائد حسن فتحي صاحب "عمارة الفقراء"، يؤكد أن العمارة ليست ذوقا فرديا بل تعبير عن ثقافة واقتصاد وتوجه حضاري، وعندما نفتقد لكل ذلك، فمن الطبيعي أن تعاني العمارة أزمة.

لم يستطع المهندس المعماري أحمد حامد إخفاء ضيقه وغضبه وهو يجيب عن السؤال عن وجود طراز معماري مصري يواكب الطفرة في مجال الاستثمار العقاري. صمت قليلا ثم أجاب :”نعم،هناك طراز معماري سائد، وهوالفشخرة والبعزقة والعك. طراز "انظر كم أنا جميل" مع أطنان من طلاء الشفاه والمسكرة وبالشعر المستعار".
يوضح المهندس أحمد حامد أن العمارة ليست ذوق فردي: "أنا أحب الأحمر وأنت تحب الأصفر". العمارة الحقيقية هي مجال تلاقي الثقافة والاقتصاد والتوجه الحضاري العام. يشير إلى فيلات المجتمعات المغلقة الجديدة ويقول "إنهم يتبارون في التباهي، يقدمون فيلات نمط كاليفورنيا وفيينا وفينيسيا، ويزرعون نباتات مستوردة ويخصصون آلاف الأفدنة ملاعبا للجولف. من يدلني على علاقة نسب المصريين بالإسكتلنديين؟" ويضيف "رياضة الجولف نشأت في اسكتلندا لأن الطبيعة حبتهم مراع تفوق حاجة الثروة الحيوانية، فاستخدموها كملاعب جولف، ولكن هل يمكن تخيل وجود أي توجه حضاري واقتصادي وثقافي وملاعب الجولف تنتشر بهذا الشكل في الصحراء وفوق المقطم".
لا يعفي أحمد حامد المعماريين من المسئولية، رغم أنه يرى المعماري الآن مغلوب على أمره فاقد للتوجه، المناهج التعليمية قاصرة، والطلبة يصممون مشاريعا تخيلية للتخرج مثل متحف نصفه تحت الماء، بينما تطور ماليزيا أكواخا من جريد النخل، ويرى المهندسون في الشركات عاجزون أمام طلبات أصحاب الملايين والمليارات.
ولكنه يحمّل أصحاب المال المسئولية، فهم الأجدر بتبني الاتجاهات التنموية الاقتصادية في العمارة. ومن عندهم يبدأ التأثير الذي ينتقل إلى كل المجتمع في رأيه. يبدي هنا تعاطفه مع عمارة الأحياء العشوائية وألوانها الزاهية، فهي في رأيه تعويض عن غياب الحديقة والنباتات التي تركوها ورائهم بحثا عن حلم "المسلح" والتمدن.
“لم يفكر أي من الرأسماليين الذين درسوا في أحسن الأكاديميات الغربية، في إنشاء وتسويق مجتمع عمراني موفر للطاقة لأنه يعتمد على تكنولوجيا متوافقة مع البيئة والهواء والشمس"يقول أحمد حامد ويضيف "الانسياق وراء رغبات العملاء في الترف والتباهي مثل بيع الحشيش أمام مدارس المراهقين، والتبرير بأنهم يشترون بمحض إرادتهم”.
يحذر أحمد حامد من أن البناء بالطريقة الحالية يسبب كارثة، فما يبنى الآن في رأيه يفتقد لأي قيمة معمارية حقيقية وعمره الافتراضي 50 عاما على أكثر تقدير وبعدها تظهر مشكلات الصيانة. بينما عمارة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تمثل ثروة عقارية يعيش وارثوها من خيرها للآن ، ويؤكد "عمارة هذه الأيام ستورث الأجيال القادمة الفلس".
“لا أريد أن أرسم صورة بالكحلي الغامق" يقول أحمد حامد "لدينا نماذج قليلة جيدة مثل فيلات منطقة المهندسين، وكانت مصممة في الستينات على نمط حديث جميل وبسيط، ويسكنها كبار الموظفين. وهي الآن تهدم تباعا ويحل محلها عمارت، ولم يتبق منها إلا 10 فيلات تقريبا. ولكن هناك أيضا نماذج جميلة جديدة في الإسكان المتميز في مدينة 6 أكتوبر".
حظي المهندس أحمد حامد بفرصة العمل مع المعماري الرائد حسن فتحي صاحب نظرية "عمارة الفقراء" التي تستلهم خامات البيئة وتتوافق معها اقتصاديا وجماليا وتحقق راحة واستخدام أمثل لساكنيها. ولكنه يؤكد أن50 عاما مضوا على طرح حسن فتحي ويحتاج الأمر لتجديد.
ولكن "طراز التباهي والإسراف" لا يزال عائقا، حتى في مواجهة أي اقتراح مختلف في العمارة الداخلية أو الأثاث. يحكي أحمد حامد عن اقتراحه خط إنتاج أثاث أنيق ورخيص على أحد صانعي الأثاث، الذي رفض قائلا أنه صاحب الإنتاج الفاخر ولا يمكنه أن يسوّق شيئا رخيصا.
ويحكي عن حلوله الاقتصادية الجمالية لشقة صغيرة، التي أزعجت والدتي العروسين، لأن التصميم لم يكن به أي فوتيه أونيش أو صالون أو سفرة أو أنتريه بالمعنى السائد. ويضيف "كادت الزيجة أن تفسد، ولكني بذلت جهدا لطمأنتهم بأن الشقة ستكون مبهرة. وفي النهاية طلبت 3 مجلات أجنبية منهم تصوير تصميم هذه الشقة التي لم تتكلف مثل غيرها المصمم على طراز الفشخرة والبعزقة”.


المعماري أحمد حامد
1977 تخرج من كلية الهندسة جامعة القاهرة
1984 عمل مع المعماري حسن فتحي متتلمذا عليه
2000 حصل على جائزة FullBright في العمارة من جامعة "برات" في نيويورك
2004 عمل مستشارا لجهاز التنسيق الحضاري
2008 حصل على جائزة "فرانك ويزنر" للامتياز الأكاديمي
حاضر في جامعات لندن وكاليفورنيا وبيركلي وماسوشتيس وجنيف، وفي الجامعة الأمريكية بالقاهرة وجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب، ومستشار لعدة هيئات أجنبية.

اقرأ أيضا: حلم السراي

نشر في الشروق الخميس 20 أغسطس 2009
PDF

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق