الأربعاء، 2 سبتمبر، 2009

بيت الراحة .. وأشياء أخرى !



عادة لا نحب الحديث عما نفعل في الحمام، ولكن لا يجب أن نتجاهل أن معظمنا الآن يستخدمون الحمام لفعل أشياء كثيرة ليست كلها مدعاة للخجل!


يدخل حمام العمل، يغلق الباب ورائه ويتأكد جيدا من أنه أغلق بالقفل، لأنه يعرف جيدا أننا كلنا نطرق أبواب الحمامات ويدنا تدير المقبض بدون انتظارلرد محتمل من الداخل! يذهب إلى المرحاض، لا يفتح غطاءه العلوي، بل يجلس عليه مغلقا ويضع رجلا فوق أخرى، ربما يشعل سيجارة ويدخنها باستمتاع وهو يفكر، يحاول ألا يتمادي في الاسترخاء والتأمل لكيلا يقضي وقتا أطول من اللازم خاصة إن عرف أن أحدا غيره ينتظر. وفي الغالب يعرف ذلك عندما يهتز الباب ويزمجر القفل في مواجهة محاولة اقتحام لا تنتظر نحنحته !

لا يظن أنه وحده من يبحث عن لحظة استرخاء وهدوء وخصوصية في الحمام وسط ساعات من التوتر وزحام الأصوات والطلبات في شركته التي يدور العمل فيها بديناميكية مذهلة، ولو بدت منه لحظة سكون سيواجه نظرات مشرفه المتسائلة أو المستنكرة. ولكنه في كل الأحوال لا يحب أن يكشف عن هويته، من يحب أن يكشف عن أي شيء يفعله بين جدران حمام على صفحات جريدة!

الحمام هو الحصن الأخير للخصوصية عندما تنهار كل الحصون الأخرى. هي الغرفة الوحيدة التي لا يوجد- ولو نظريا- مبرر لاقتحامها، وغير مسموح أن تغلق أبوابها على شخصين معا.

تشهد جدران الحمامات العامة على حالة الخصوصية والحرية والأمان التي يستشعرها الناس فيعبرون عن آرائهم بمطلق الحرية وربما بفائض منها وبالألفاظ الأكثر تحررا. وإذا نطقت جدران حمامات المنازل ستخبرنا عن أنها حفظت أسرار الكثيرين. فهي كانت ملاذ المراهقين الذين لا يحظون بغرفة خاصة، أو لا يأمنون اقتحامها في أي لحظة، فحفظت داخلها دخان السجائر - أوغيرها من الممنوعات- وطيرتها من نافذة المنور، وشهدت تصفح المجلات الإباحية- المخفية بين طيات الملابس- وفوران الشهوة وتسربها في سرية.

لهذه الأسباب يشعر بعض الآباء بالقلق من طول مكوث أولادهم في الحمام، ولكن الحالة التي يمنحها الحمام للإنسان لا تدفع فقط لفعل ما يحب أن نخفيه سواء كان ذلك لياقة أو هربا من رقابة. القراءة في الحمام هي عادة عالمية.

يلمح هنري ألفورد ساخرا في مقاله في نيويورك تايمز في 23 يوليو 2006 إلى أن أتباع فرويد ربما يردون عادة القراءة في الحمام إلى رغبة الإنسان في الانشغال عن فعل قضاء الحاجة لكي يبعد عن ذهنه الشعور بالذنب الذي تولد لديه في الصغر من تعبيرات والديه المنزعجين منه لأنه كان لا يتسطيع التحكم في فعله ذلك.

هل يرتبط ذلك بأن الناس يفضلون عادة أن يبقى وجودهم في الحمام سرا، ولا يحب أحد أن يواجه من يدخل الحمام بعده تحسبا لأي إهمال منه في النظافة. من اللياقة أن تكتفي بإعلان نيتك الذهاب إلى الحمام، وتعتبر وقاحة أن تعلن عما ستفعله بالداخل، يستثنى من ذلك أن تقول مزاحا أنك ستفعل "زي الناس"، كأنك تتهرب من تهمة وتؤكد أن كل الناس يفعلون ذلك مثلك !

ولكن بعيدا عن "العقد"، وعلى الجانب الآخر، ترى ريتا وينكلر العالمة البريطانية في بحث نشرت عنه مجلة دير شبيجل الألمانية أن الحمامات عادة أماكن تمد الإنسان براحة العقل وصفاء البال بالفعل وليس فقط راحة الجسد.

وربما كان ذلك مرتبطا براحة الجسد، فلا أحد يخجل من جسده في الحمام، نتحرر من الملابس وفي نفس الوقت لا يشغلنا أن يبدو جسدنا جميلا في عين أحد. قد يجعل هذا لحظات الحمام لحظات التفكير الأكثر صفاء وتحررا. نختلي فيها بأفكارنا عن أنفسنا بدون أن ننشغل بماذا ترى أي عيون أخرى. لحظة الصفاء هذه مناسبة جدا للقراءة، لذلك من لا يقرأون أبدا قد يقرأون في الحمام. ومن يقرأون بجدية مستعدون أن يقرأوا أشياء أكثر بساطة وإمتاعا. فقط قراءة للقراءة! نحن مستعدون حتى لقراءة الصحف القديمة في الحمام، أليس كذلك؟

لهذا السبب، يحتفظ العديدون منا في ركن ما في الحمام - فوق الغسالة الأوتوماتيكية أو سلة الغسيل- بصحف حديثة أو قديمة، خاصة صحف المنوعات وأخبار المشاهير والمجلات المصورة. وفي الولايات المتحدة استثمر البعض الفكرة ونشروا كتبا خاصة بالحمام، أشهرها The Great American Bathroom Book "الكتاب الأمريكي الأكبر للحمام" ويحتوي على ملخصات، كل واحد من صفحتين، لأهم الكتب في تاريخ البشرية في مختلف المجالات. وكذلك Uncle John's Bathroom Reader "كتاب العم جون للحمام" الذي يحتوي على اقتباسات من أقوال مشاهير، نكت، حقائق وأحداث طريفة، خدع، ألغاز وقصص قصيرة.

البعض استهوته الفكرة وصنع رفا للكتب في الحمام، والبعض يواصل القراءة والكتابة على اللاب توب من الحمام. يمكنه أن يواصل الدردشة على الإنترنت لو كانت لديه خدمة الاتصال اللاسلكي.
وفي الواقع أنه لا ضرر على الإطلاق من قضاء وقت أطول في الحمام بسبب ذلك، ففي عام 1998 نشر تشارلز جربا- أستاذ الميكروبيولوجي في جامعة أريزونا- دراسته ليطمئن العالم أن معظم الحمامات أنظف من معظم المطابخ والمكاتب، وأن احتمال التعرض للإصابة بأمراض هي أكبر في كل مكان في المنزل عنها في الحمام، لأن الحمام ببساطة هو المكان الأخير الذي يمكن أن نأكل فيه، وربما قلقنا من نظافته تجعله المكان الأكثر تعرضا للمياه.

يتبقى فقط تصورنا عن الحمام، لسبب ما اعتبر علماء الدين المعاصرون حمامنا الحديث النظيف هو فقط شكل حديث من "الخلاء"، المكان البعيد عن السكن في الصحراء الذي كان الناس يخرجون إليه ليقضوا حاجتهم وهو إما أن يكون مكانا موحشا ومخيفا أو مكانا أقرب للخرائب القذرة. بعض الناس لا يزالون يكرهون التفوه بأي كلمة في الحمام، وعند آخرين ينتشر الاعتقاد بأن الجن يصبح أكثر قدرة على تلبس الإنسان في الحمام، و بعض المشايخ حذروا من إدخال الصحف إلى الحمام لأنها تحتوى على لفظ الجلالة. ويبدو أن التحذير الأخير لم يجد قبولا شعبيا.

فعلى العكس تماما، البعض خطرت له فكرة أن يجعل الحمام مكانا جميلا، ليس فقط فيما يتعلق بالديكور ولون السيراميك. ولكن بتحويله إلى معرض فني، مثل الحمام "الشهير" لاستديو المونتير أمير أحمد. أصدقاء أمير وشوا به وأنشأوا مجموعة على الفيس بوك تدعو الناس لتنظيم رحلات لزيارة الحمام/ المعرض الذي يحتوي على بوسترات وصور لأهم فناني الستينات مثل البيتلز وبوب مارلي ومعها مقتطفات ونصوص تحمل أفكار هذه الحقبة الثورية المتمردة، وهو ما يجعل تجربة دخول مثل هذا الحمام - على مستويات عديدة جمالية وفكرية - أبدا "مش زي خروجه"!



نشر في الشروق الثلاثاء 18 أغسطس 2009
PDF

الصورة لحمام المونتير أمير أحمد - تصوير: محمود عزت

هناك 4 تعليقات:

  1. شغل جميل .. أجاثا كريستي كانت تكتب رواياتها البوليسية في الحمام .. لو تطرقت إلى هذا الجانب .. الكتابة في الحمام .. أيضا الحمام كصديق يساعدك على التطهر من إحساسك بأنك ملوث .. أو كصديق يحتضن إحساسك بالخذلان أو الألم أو الإحباط .. شكرا عمرو..

    ردحذف
  2. على فكرة...أنا بأدخل الحمام كل يوم في الشغل بالظبط زي ما كتبت عن أول راجل...
    بجد صدق الي سماه بيت الراحة..

    ردحذف
  3. المدونة دي فيها كنوووووووووز يا عمرو :D

    ردحذف
  4. اقرأ مدونتك هذه لكي أتعلم من أفكار موضوعاتك و أسلوبك.
    شكراً يا مُعلم!

    ردحذف