الجمعة، ١٣ نوفمبر ٢٠٠٩

اتجاه واحد إلى القاهرة


بعض عواصم الدول تحمل اسم الدولة نفسها، فلا مشكلة أن يسمى بعضنا القاهرة "مصر". لكن مشكلة كبيرة أن تكون مصر هي القاهرة، فتسافر إليها كل الأحلام والطموحات من كل المدن وتتركز فيها كل الفرص والتجارب.


في شركة الاتصالات التي تعمل بها شاهيناز عبد السلام، لاحظت الإدارة أن نسبة كبيرة من العاملين هم من مدينة الإسكندرية. الشركة هي فرع لمؤسسة دولية اختارت القاهرة عندما قررت الاستثمار في مصر. ولكن بسبب هذه النسبة الكبيرة من السكندريين فكرت الإدارة، كما تحكي شاهيناز، في افتتاح مكتب في الإسكندرية، وبدأت بالفعل في الاستفسار منها ومن زملائها السكندريين عن المستوى الاجتماعي في الإسكندرية والمستوى التعليمي لمدارسها وكلياتها. غير أن هذه الفكرة لم يكتب لها التنفيذ لأن الإدارة تراجعت عنها بعدما وجدت أن العديد من هؤلاء بدأ في الاستقرار في القاهرة أو رتب أموره لذلك بشكل دائم أو مؤقت، وبعضهم كان بالفعل غير منزعج من الإقامة في القاهرة بل ربما كان ذلك أفضل له من بعض الجوانب، مثل شاهيناز نفسها.
يصلح هذا الموقف كنموذج ولو محدود يشير إلى صعوبة تحديد المسئولية أو نقطة بداية المشكلة عندما نتحدث عن الحالة الصارخة لتركز الخدمات والأعمال والفرص والنشاط في القاهرة وحدها دونا عن باقي المدن المصرية، وبفارق كبير حتى عن الإسكندرية المدينة الكبرى العريقة. فالناس يلقون اللوم على الحكومة وأصحاب الأعمال لأنهم لا يوفرون خدمات ولا يغامرون باستثمارات كافية في المحافظات المختلفة بينما رجال الدولة مضطرون بشكل ما لزيادة الخدمات في العاصمة التي ينزح إليها الناس من كل مكان، ومن الطبيعي أيضا أن يفتتح المستثمرون أعمالهم وسط الجمهور الأكبر. من أولا: البيضة أم الدجاجة؟

هناك حالات مختلفة قد تشير بشكل ما إلى هذا الطرف أو ذلك ولكن لا يمكن حسم المسألة. ففي نفس الشركة التي تعمل بها شاهيناز هناك زميلتها هبة سامي التي انتقلت أسرتها بسبب عمل والدها من القاهرة إلى الإسكندرية للاستقرار هناك، ورغم أنها تفضل الحياة في الإسكندرية إلا أن كلتاهما الآن في القاهرة من أجل العمل.

شاهيناز تلائمها الحياة في القاهرة من بعض الجوانب، إلا أنها تعتقد أن تمركز الأعمال والأنشطة فيها سلبي وتلوم تخطيط الدولة بشكل أساسي: "أنا بالأساس متخصصة في الهندسة النووية وخريجة كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، كل المتخصصين في هذا المجال يعلمون أن المكان الأنسب لأي مفاعل نووي هو بجانب البحر. ولكن عندما فكرت في فرصة عمل أو تدريب في هذا المجال وجدت أن المفاعل الوحيد موجود في أنشاص". ورغم أن أنشاص تقع في محافظة الشرقية إلا أنها لا تبعد إلا 60 كيلومترا عن القاهرة، وتعتبر شاهيناز هذا دليلا على التفكير المفرط في المركزية لدى الدولة. غيرت شاهيناز تخصصها إلى مجال تكنولوجيا المعلومات ومن عام 2001 إلى 2005 تنقلت في الإسكندرية بين عدة أعمال وصفتها بأنها مؤقتة أو غير مجزية أو ليس لها مستقبل. معظم الشركات الكبرى أو الدولية تفتتح فروعها في القاهرة وفي مجال حديث مثل تكنولوجيا المعلومات كانت فرص العمل في الإسكندرية محدودة، ولذلك أتت إلى القاهرة.

عمل ونمط حياة
البحث عن فرصة عمل أفضل أو أي فرصة عمل متاحة هو الدافع الأول للانتقال إلى القاهرة، وتسارعت هذه الوتيرة في الستينات مع تركيز دولة الثروة على التصنيع والحاجة إلى الأيدي العاملة، ورغم أن مجالات الأعمال مثل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ذات طبيعة مختلفة ولا تتطلب التركز في أماكن بعينها، إلا أن القاهرة لا تزال تجتذب الاستثمارات ومقار الشركات الجديدة أو فروع الشركات العريقة، وبالتالي تتركز فرص الأعمال الجديدة فيها. وهو ما كان نفس السبب الذي أدى لانتقال هبة سامي من الإسكندرية إلى القاهرة. أسرة هبة كانت قد انتقلت إلى الإسكندرية بسبب عمل والدها مهندس الإلكترونيات في البحرية، ورغم أن الأسرة تأقلمت مع الحياة هناك وفضلوها عن القاهرة إلا أن الجيل الثاني من الأبناء قد ينتقل للاستقرار في القاهرة على غير رغبة منهم بسبب فرص العمل في تخصصاتهم غير المتوافرة في الإسكندرية.
أمر مشابه حدث مع أسرة بسمة طنطاوي، مهندسة الإلكترونيات. الأسرة كلها انتقلت إلى الإسماعيلية عام 1982 مع الوالد الطبيب الذي سيعمل في مستشفيات هيئة قناة السويس. ولكنهم عادوا إلى القاهرة قبل 3 سنوات بعد انتهاء عمل الوالد هناك. وبخلاف فرصة عمل بسمة، في شركة دولية للاتصالات لم تكن لتجدها فل الإسماعيلية، كانت هناك أسباب أخرى مثل الدراسة والمستوى المعيشي المختلف والحيوي. تقول السيدة سلمى راشد والدة بسمة: "قبل أن ننتقل كلنا كان الأولاد يدرسون في القاهرة بسبب عدم توفر التخصصات مثل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وبعض تخصصات الهندسة و لأن التخرج من كلية الهندسة جامعة عين شمس أفضل من جامعة إقليمية مثل جامعة قناة السويس".

تقول السيدة سلمى أيضا أن تطلع الأولاد إلى حياة أغني وأكثر تنوعا كان سببا، ورغم التقدم الكبير والنشاط الذي حدث في مدينة الإسماعيلية خلال فترة إقامتهم إلا أنهم طلوا طوال تلك الفترة يزورون القاهرة أسبوعيا للتسوق وشراء ما لا يتوفر هناك. تشير خاصة إلى الملابس وتقول أنه إلى وقت قريب كانت الملابس في الإسماعيلية بعيدة عن الموضة أو أذواقها لا تناسبهم بينما تحتاج البنات إلى معرفة الألوان الجديدة وأحدث الموضات. الترفيه والتمتع بألوان الثقافة والفنون غير متاحين إلا في أضيق الحدود في الإسماعيلية، وحتى عندما بدأت الفضائيات في الانتشار كان سعر الطبق اللاقط في الإسماعيلية أكثر من ضعفه في القاهرة وهناك بعض الكماليات الأخرى تضطر لزيارة القاهرة إلى شرائها.

التمتع بنمط نمط الحياة المتنوع والثري أو مستوى أفضل منه في رأي البعض هو أحد أسباب الكثيرين ممن ينتقلون إليها، أوعودة من كانت أمامهم فرصة الاستقرار خارجها في عمل ما.
ولكن يبدو أنه من الصعب مقاومة إغراء القاهرة خاصة بالنسبة للاجيال الجديدة المتطلعة للأفضل، وبالنسبة للأجيال الأكبر قد يكون البقاء وسط العائلة الكبيرة سببا إضافيا.

يرى البعض في ذلك نزوع للاستقرار في مكان المولد مع العائلة الكبيرة، وغياب روح المغامرة وارتياد الأماكن الجديدة وبدء حياة جديدة وتحمل خشونة العيش أوقلة الترف فيها حتى تزدهر، وتفضيل اللجوء إلى المدن الكبرى وحياتها الجاهزة، وذلك مقارنة بشعوب أخرى مثل الشعب الأمريكي. تعترض السيدة سلمى قائلة :"صحيح أننا مثل المصريين نفضل أن نكون بجانب الأهل وفي محيط اجتماعي حي، ولكننا عشنا هناك في الإسماعيلية أكثر من عشرين سنة، والتطور كان بطيئا جدا. وفي رأيي أن الدولة يجب أن توجه الاستثمار والتنمية أكثر إلى المدن الأخرى لتسرع من تطورها بدلا من تركز كل شيء في القاهرة".

مركزية موازية
ولكن حتى لوم الدولة قد تبعها وتركز في القاهرة بشكل ما. هكذا يرى مايكل نبيل، الناشط الشاب في حزب الجبهة الديمقراطية في أسيوط: "المركزية الحكومية سحبت معها المعارضة، معظم الحركة السياسية والحقوقية متركزة في القاهرة. الناشطين في الأقاليم معدودين جدا. وحتى مناقشة تأثيرات المركزية أصبحت بالنسبة لنا من الأمور المقتولة بحثا ونتعامل معها كأمر لا واقع لا يمكن أن يتغير إلا بتغير النظام السياسي كله".

قد يكون لذلك مميزاته بالنسبة لمايكل، فقلة عدد الكوادر وضعف المنافسة يسهلان ترقي الناشط السياسي في محافظته، وبالفعل بشكل أسهل وأسرع أصبح مايكل عضوا بالهيئة العليا للحزب. ولكن استمرار صعوده وترقيه يبدو مرتبطا بتواجده في القاهرة، وقد يكون ذلك أحد "الأسباب الشخصية" التي يقول مايكل أنها ستدفعه لتفضيل الحياة في القاهرة مستقبلا.

هذا كان أيضا حال شاهيناز عبد السلام التي حاولت أن تنشط مع حركة كفاية منذ 2004 في الإسكندرية ولكنها كانت تضطر للقدوم إلى القاهرة أسبوعيا لتشارك في أنشطة الحركة، وحتى عندما حاولت أن تتصل بالحركة الحقوقية في مدينتها فوجئت بالتراخي الكبير لفروع المنظمات في الإسكندرية: "كنت أذهب فأجد فروعهم مغلقة، أو أجد واحدا فقط في المكان يقول لي أنهم متوقفون في العمل. كل شيء يحدث فقط في القاهرة. وعندما كنا نتظاهر أحيانا في الإسكندرية كان الأمن يهددنا: سيحدث معكم مثلما يحدث في القاهرة لكن لا أحد سيسمع عنكم هنا !".

الأسباب الشخصية تمتزج بالعملية لتجعل الحياة في القاهرة أكثر جاذبية لكل أفراد "النخبة" السياسية أو الثقافية، سواء بسبب حالة "موت السياسة" في كل مكان باستثناء التمثيل الرمزي للاتجاهات والتيارات في العاصمة. وحتى جماعة مثل الإخوان المسلمين لديها قواعد كثيفة في المحافظات، يفضل شبابها ممن لديهم طموحات واسعة الانتقال إلى القاهرة. يقول محمد عبد الكريم، طالب الهندسة بجامعة الفيوم، والمتحدث الرسمي باسم طلبة الإخوان في الفيوم: "هناك أكثر من مجال لنشاط الإخوان معظمها نشط في المحافظات لوجود الكوادر بالإضافة للنواب البرلمانيين من كتلة الإخوان. لكن من أجل أن تعد نفسك ككادر سياسي وتتصل بالرموز السياسة في الجماعة عليك أن تذهب إلى القاهرة حيث الزخم والنشاط والحركة". يقول محمد أنه بشكل شخصي يجب قريته الصغيرة في الفيوم ويتمنى الحياة فيها لكنه سيضطر في النهاية لتركها إلى القاهرة إن لم يكن بسبب الطموح السسايسي فلكي يجد عملا جيدا كمهندس مدني وهو ما لن توفره له حركة البناء البطيئة في القرية وربما في الفيوم كلها.

النخبة الثقافية أيضا مركزة في القاهرة، القليل فقط من الأدباء والكتاب يظلون في مدنهم وقراهم. والأغلبية تنتقل بشكل دائم أو تأتي بانتظام من أجل عقد الصلات والعلاقات بالوسط الثقافي والصحفي ومن أجل فرص النشر ومتابعة الفاعليات. ربما كانت مصر البلد الوحيد التي يطلق فيها على الأدباء من خارج العاصمة "أدباء الأقاليم" في فاعليات رسمية !

منذ سنوات قليلة بدأت الإنترنت تقلل من حدة هذه الحالة، شباب كثر وجدوا فرصا أسهل للنشر والانتشار، ولكن الأمور لا تزال تسير في اتجاه واحد وعلى الأديب الشاب أن يتخذ من القاهرة مكانا لشهرته وتواجده، من الصعب أن يكون العكس. فمحمد أبو الفتوح غنيم، الصيدلاني المقيم في طنطا والشاعر الشاب، وجد فرصة للنشر مع دار نشر جديدة بدأت عملها بالنشر لمدونين تتعرف عليهم من مدوناتهم. اشترط غنيم أن توزع الدار ديوانه الأول في مدينته طنطا حيث محيطه الاجتماعي الأساسي، وتم الاتفاق على ذلك. ولكن يبدو أن التنفيذ كان عسيرا لأن الدار لم تقم بذلك وتسبب ذلك في خلاف كبير بينه وبين الناشر انتهت بسببه علاقتهما.

قبل ذلك الموقف كتب غنيم في مدونته تحت عنوان "مصر الطاردة" عن حالة المركزية الصارخة في مصر التي تجعل معظم المحافظات طاردة وقلة منها جاذبة، وقال أن ذلك أحد أسباب كون مصر كلها طادرة للكفاءات والمواهب والطموحات. فغنيم يرى أن الحالة التي تطرد الشباب من قراهم إلى المراكز ثم إلى المدن ثم إلى المدن الكبرى ثم إلى العاصمة، تجعل الخطوة الطبيعية القادمة هي طردهم خارج مصر.
المسار ذو الاتجاه الواحد إلى العاصمة كما يفرغ المدن والقرى "الطاردة" من الأحلام والطموحات فإنه يلقي بها في الزحام الذي يقتل كثيرا منها.


  • عكس الاتجاه مؤقتا

بعد عودته من السعودية ليبدأ دراسته الجامعية هنا، كانت درجات أحمد الشيخ تكفي ليدخل كلية الطب جامعة القاهرة. ولكنه فضل أن يذهب إلى كلية طب الأسنان بجامعة المنصورة وأن ينتقل إلى الحياة هناك طوال فترة دراسته من 2003 حتى هذه السنة حيث يبدأ الامتياز.

لدى أحمد الشيخ مبرراته لمثل هذا القرار الذي جعله يسير عكس الاتجاه:" مدن الخليج منظمة رغما عنها، وعندما أتيت هنا لم أحتمل القاهرة، القاهرة مدنية الفوضى المدمرة للأعصاب. كبيرها اللي فارد دراعه، الأعلى صوتا، الأكثر فهلوة، وأنا لم أعتد على ذلك. وفي نفس الوقت كانت أسرتي على وشك العودة إلى القاهرة وأنا أردت أن أستقل بحياتي بعيدا عنهم". اختار أحمد المنصورة لأنها قريبة من مسقط رأس أسرته في ميت غمر ولأن فيها عدد من أصدقائه كما أنها قريبة نسبيا من القاهرة.

ورغم أن أحمد الشيخ شاعر إلا أن مجتمع المثقفين في وسط البلد لم يعجبه ولم يغره: "بالعكس، هو أحد أسوأ الأشياء في القاهرة. مجتمع نرجسي وشوفيني. ومعظمه بلا علاقات إنسانية حقيقة. شعر طويل وتي شيرت جيفارا وزجاجة ستلا وكوفية فلسطين وكتاب رديء في السوق".

على خلاف ذلك يرى أحمد في المنصورة مدينة راقية ومبهجة. وهادئة غالبا وحتى زحامها منظم بالمقارنة بالقاهرة. ويقول أن بعض مقاهيها يجمع بين حميمة المقاهي البلدية في القاهرة وبين هدوء ورقي الكافيهات الحديثة.

ورغم كل هذا المديح فإن أحمد الشيخ يعبر عن أسفه من أنه سيضظر بعد انتهاء الدراسة وما يلحقها من امتياز وتكليف سيضطر للعودة للإقامة في القاهرة: "عندي شقة هناك، كما أنني لا أتوقع أن أجد عملا هنا. هناك عدد كبير من أطباء الأسنان في المنصورة، ولا مكان لطبيب جديد".

تجربة أحمد تتكرر بأشكال مختلفة تجعل الخروج من القاهرة فعلا مؤقتا ينتهي مع البحث عن عمل مناسب، أو يمكنه أن يصمد لجيل واحد إذا كان بسبب وظيفة ما في محافظة أخرى ولكن مع الجيل الثاني تعود الأسرة لتسير في الاتجاه المعتاد، وهو ماحدث مع أسرة بسمة طنطاوي.

فور أن انتهت فترة عمل الوالد في مستشفيات قناة السويس حتى عادت الأسرة إلى القاهرة مرة أخرى من أجل دخول الأبناء جامعات في القاهرة. تقول والدتها السيدة سلمى راشد:"رغم ذلك كانت تجربة جيدة وتصلح لكل أسرة صغيرة تبدأ حياتها. الحياة هناك سهلة والجو أكثر نظافة وهدوءا. البضاعة العادية رخيصة - باستثناء الأشياء المميزة والفاخرة أو الجديدة - والمدارس جيدة. بالمقارنة بالقاهرة كنت أشعر هناك أن اليوم 48 أو 72 ساعة. المشاوير لا تستهلك الوقت والأعصاب. حتى الآن نذهب إلى هناك فترات للاستجمام. ولا زلت أقطع الطريق إلى الإسماعيلية لاستخراج أوراق أو إنهاء إجراءات وأعود وقد يستغرق ذلك وقتا أقل من فعل ذلك في القاهرة ويحدث ذلك بشكل أسهل وأكثر بساطة".

يشير الباحث د. محمد على حسانين في دراسته عن الاتجاهات الجديدة للهجرة الداخلية أن عوامل الجذب في المناطق الجاذبة مثل القاهرة الكبرى ليست هي الأكثر حسما، ولكن عوامل الطرد في المناطق الطاردة هي الأكثر تأثيرا وتحريكا للهجرة الداخلية.

ويبدو أنه بسبب ذلك لا تصمد كثيرا إيجابيات الحياة في المدن الصغيرة أمام سلبياتها. فلاتصمد محاولات الهجرة العكسية بسبب ضرورات الحياة والبحث عن فرص عمل، أو بسبب تطلعات الأجيال الجديدة التي لا تستطيع أن تبعد نظرها عن بريق العاصمة والمستوى الاجتماعي المميز والحياة المتنوعة الثرية والخيارات المفتوحة. ويظل الخروج من القاهرة رهنا بفرص عمل مرتبطة بأماكن بعينها مثل العمل في السياحة أو القضاء أو التدريس في جامعات إقليمية أو ربما كنوع من البحث عن أجواء جديدة ملهمة مثلما يفعل بعض المثقفين والفنانين في بعض الأماكن منها قرية "تونس" في الفيوم.


  • مدينة المهاجرين

"إنت منين أصلا؟ " هو سؤال معتاد يوجه لكل ساكن للقاهرة، يفترض مسبقا أن قلة فقط هي التي ترجع أصولها إلى العاصمة. وهو الافتراض الذي تدعمه الدراسات عن الهجرة الداخلية في مصر والذي يتجه القسم الأعظم منها إلى القاهرة الكبرى.

من 700 ألف مهاجر في بداية القرن العشرين إلى 4 مليون قرب نهايته تزايدت أعداد المهاجرين داخليا بين محافظات مصر. الأرقام سجلها د. محمد علي حسانين في رسالته للدكتوراة "الهجرة الداخلية فى مصر خلال الفترة «١٩٦٠-١٩٩٦»- دراسة جغرافية" التي ناقشها هذه السنة قبل ثلاثة أشهر.

شكلت موجات الهجرة الداخلية بالفعل التركيبة السكانية للقاهرة الكبرى، ففي عام 1960 بسبب مشروعات الثورة التنمية والصناعية الكبيرة رصدت الإحصاءات أن القاهرة شهدت هجرة من المحافظات أخرى شكلت ثلث سكانها آنذاك، وهذه كانت أكبر موجة هجرة إلى القاهرة رغم أن المعدلات لم تنخفض كثيرا، ففي عام 1996 رصدت الإحصاءات أن الموجات الأحدث من الهجرة شكلت نحو ربع سكان القاهرة. والموجات المتتالية للاستقرار في القاهرة جعلتها مكان تركز الزيادة السكانية في مصر وهو ما حاصر المدينة من جهتين.

فمن ناحية زادت مساحة العشوائيات لتتحمل الطلب على السكن الرخيص من قبل المهاجرين الهاربين من معدلات الفقر الأكثر ترديا في المحافظات التي تعاني من انخفاض نصيب الفرد في الناتج القومي. ومن ناحية أخرى سجل نمط الاستهلاك فيها معدلات عالية بسبب ارتفاع مستوى معيشة قطاعات أخرى من المهاجرين، حيث يرصد د.حسانين أن ترقي الحالة المهنية يأتي مصاحبا لهجرة القطاعات الفنية والعلمية والمديرين والإداريين. أكثر أشكال الاستهلاك تأثيراعلى المدنية هو استهلاك السيارات، ففي أوائل الثمانينات كانت القاهرة من المدن التي حققت أعلى معدلات زيادة في أعداد السيارات الخاصة، وفي عام 1999 كانت في القاهرة مليون سيارة بحسب تقرير لوزارة النقل صدر عام 2002. وهو ما أدى إلى أزمة مرورية دائمة تخنق العاصمة على الدوام، ويعبر عن ذلك دراسة أجريت رصدت أن متوسط سرعة السيارات في العاصمة كان نصف متوسط سرعة السيارات في مدن ليست أقل ازدحاما مثل فرانكفورت او لندن بحسب نفس التقرير.

وفي 2006 أصدر مكتب الأمم المتحدة بالقاهرة ومعهد التخطيط القومي تقرير التنمية البشرية الذي أوصى بإعلان القاهرة مدينة مغلقة للحد من الهجرة الداخلية إليها، ورسم خريطة عقارية جديدة تركز على المدن الجديدة والتجمعات العمرانية في المحافظات المختلفة، ودعا إلى إنشاء عاصمة جديدة إدارية تكون مقرا للحكومة من أجل انقاذ مستوى الحياة في القاهرة وتخفيف الضغط السكاني عليها مع الاحتفاظ بها مركزا ثقافيا وتجاريا.

يشير د. حسانين في دراسته إلى جهود الدولة وخططها من أجل تقليل الهجرة الداخلية إلى المحافظات الجاذبة وعلى رأسها القاهرة، ويذكر التوسع في إنشاء المدن التوأمية حول المدن الكبرى مثل مدن 6 أكتوبر ومايو والعاشر من رمضان ومدن ينى سويف الجديدة والمنيا الجديدة، ومحاولة تنشيط الصناعة والسياحة في مناطق مختلفة لجذب السكان إليها، ولكن دراسته لا تتوقع أن يسهم ذلك في تقليل الظاهرة إلا بنسبة ضئيلة. فيقول أنه بفرض ثبات معدل النمو السكاني وثبات الأحوال السياسية والاقتصادية الحالية فإنه من المتوقع أن يبلغ حجم الهجرة الداخلية 5 مليون في 2011 وأن يزيد عن 7 مليون عام 2026.


  • "مقبرتي التي أخشاها"

"منذ عدة سنوات كان انفتاحى الأكبر على العالم ، عندما بدأت باستخدام الشبكة التى يحلو للبعض أن يسميها بالعنكبوتية (..) وبعدها عشت سنتين من عمرى فى القاهرة ، فتعرفت على أناس أكثر ، وزرت أماكن كنت فقط أسمع عنها ، واقتربت من شخصيات كنت فقط أرى صورها ، والأهم من كل هذا كنت قريبا من مناطق صناعة الحدث ، ومن النقطة الساخنة التى منها يبدأ الغليان قرأت كتبا، وحضرت ندوات وفعاليات ومهرجانات. حياة مليئة بالصخب والضجة ، وأحيانا المتعة. وبعدها عدت ..
إلى حيث مقبرتى التى أخشاها، إلى حيث الهدوء والملل، إلى حيث الطبيعة والبساطة.
ربما يغبطنى الكثيرون على مكان كهذا أعيش فيه. يقولون: هواء نقى، وأناس قلوبهم نقية ، وحياة وادعة. ولكني وجدت شوارع قذرة أغرقتها مياه المجارى، أو تلك التى تبرع الأهالى بسكبها ، أو مخلفات تلك الحيوانات فى طريقها إلى الحقل ذهابا وإيابا، ووجدت أناسا بسطاء، يكاد يقتلهم الفراغ فأخذوا يسلون أوقاتهم بالحديث عن هذا وذاك، والنميمة والوقيعة والحسد والمكيدة وما أكثر المصاطب فى بلادنا.
وجدت حياة يسمونها وادعة ، وأسميها مملة فلا أحداث ولا اهتمامات ، ولا مشاغل كبرى ، ولا حملةً لفكر ، ولا شخصيات مؤثرة فقط عشرات من هؤلاء الذين يعيشون ويموتون وينسون (..) أجدنى محاطا بزملاء كل همهم معرفة كلمتين عن الطب ، من أجل فتح عيادة أو العمل بمستوصف فى مكان ما ، من اجل الحصول على بعض جنيهات فى كل كشف ، بلا طموح ، ولا نهضة ، ولا علم. الهدف، هو اقتسام الكعكة مع اطباء المنطقة... أتذكر من آن لآخر هدفى ، وأجاهد حتى لا تتمكن المقبرة من احتوائي لعلى أفر منها قريبا إلى حيث أستطيع صنع حياتى".

هكذا كتب محمد الشريف، طالب الطب في جامعة الفيوم، في مدونته ونقله في منتدى طلبة الفيوم ليثير الجدل بين زملائه. بعضهم اتهموه بالتعالي عليهم :"أصل أهل القريه ناس مساكين وغلابه وانت راجل دكتور مين قدك" وبعضهم من سكان مدينة الفيوم رد عليه قائلا: "أراك تنظر الى المدينة وكأنها سطح الأرض الذى تتمنى البقاء فوقه. ليس معنى أنك قضيت بها عامين أنها تكون الحياة التى تتمناها والتى حرمت منها، أنت لم تر فيها الا الأشياء التى اردت ان تنظر اليها لتقارن.. اذا كنت وجدت فى القرية الحسد والحقد فهذة أشياء وعادات سلبية بالدعوة نغيرها لكن فى المدينة ما يتعدى هذا بكثير وما هو اخطر من هذا .. ارجع الى بلدتك وانظر الى ايجابياتها". غير أن محمد عبد الكريم طالب الهندسة ابن نفس القرية كان متفهما له واعتبرهم متحاملين عليه وقال أن زميله يعبر عن طموحه :"أخي يريد أن يحدث تغييراً لا أن لايقنع بما في ذات اليد. يجد في نفسه طاقة وأمل وطموح لكي يبدع ويصنع ويخترع ويوجد، لا يريد ان يعيش حياة ابن القرية النمطيه الروتينيه المتكرره بنفس الخطوات والترتيب. لايريد ان يعيش عادي ويتزوج عاديه ويخلفوا عادي ويموتوا عادي وكأنه لاشئ قد حدث، وتأتي أجيل لاتعلم عن عادي أي شئ غير أنه إنسان عادي. فلايمكننا ان نتهمه بالأنانيه (..) فلديه حلم كبير إن تحقق فسيخدم قري ومدن بل أمة، ولن يقتصر النفع على قريته هو فقط".
ولكنه داعبه فيما يخص إشارته إلى "المصاطب" بشكل سلبي قائلا:" على فكرة إحنا عندنا واحدة عايزك تاجي تقعد معايا شويه عليها. بتحلى القعده عليها في الصيف".


نشر في "الشروق" الأحد8نوفمبر 2009
PDF
الصورة لميدان التحرير من Arab Compiler


هناك تعليق واحد:

  1. هذه مشكلة تشغلني. لقد نشأت شخصيا في مدينة المحلة الكبرى ثم انتقلت إلى القاهرة للدراسة، وبعد الدراسة عشت عامين في القاهرة للعمل قبل هجرتي للولايات المتحدة. كنت أفضل الحياة في القاهرة لتوفر الفرص وتنوع الحياة، ناهيك عن غياب أي عمل معقول او مناسب في مدينة المحلة الكبرى، لكتنني بعد الحياة في القاهرة لأعوام كنت أتمنى تركها نهائيا والعودة للمحلة، ولم تكن فكرتي عن الحياة في المحلة إلا التفرغ للقراءة أو الكتابة!! فلا يمكن عمل شيء آخر في هذه المدينة! كانت الحياة في القاهرة لا تطاق بازدحامها وقبحها وغياب الخضرة.

    الصورة في الولايات المتحدة مختلفة تماما كما أشرت. نعم تتوفر فرص أكبر وأكثر تنوعا بلا شك في المدن الكبيرة، إلا أن الحياة في أصغر المدن سوف توفر لك كل ما تحتاجه من خدمات أساسية - وأكثر - في إطار من الهدوء والسلام. والناس تختار تبعا لطيعتها، فهناك محبي الطبيعة والهدوء الذين يفضلون المدن الصغيرة ويمارسون فيها في ذات الوقت نشاطات كثيرة ومتنوعة حسب درجة نشاطهم وإيجابيتهم.

    المركزية في القاهرة انعكاس لمركزية الحكم والثقافة أيضاً!

    ردحذف