الاثنين، ٨ يونيو ٢٠٠٩

أبناء عمرو خالد يعرفون طريقهم جيدا

العمل الخيري الديني ينزل من على المنبر


اهتمام بالإعلام ورعاة وشراكات قوية وراء نجاح مشروع عمروخالد الأهم :"صناع الحياة" - تصوير: نادر العطار

بعد أربعة أعوام تقريبا سيبلغ عمر "الجمعية الشرعية" قرنا كاملا، بينما أربعة أعوام فقط هي كل عمر جمعيات "صناع الحياة". ورغم المشكلات التي قد تبعد عمرو خالد مؤسس الأخيرة عن مصر، لكن يبدو أن ساحة العمل الخيري الديني ستفسح أكثر للجمعية الوليدة التي أصبحت مؤسسة لا تعتمد فقط على حضور الداعية الشهير، ويديرها مئات المسئولين وآلاف المتطوعين الذين تقل أعمارهم عن نظرائهم في الجمعية العريقة بثلاثين عاما على الأقل.

وكأنه كان ينتظر أي فرصة للكلام .. فأسند ظهره إلى أحد أعمدة المسجد الرئيسي للجمعية الشرعية في إمبابة، الشهير بـ "جامع السنّية"، وقال بلهجة قاطعة وهو يعبث بلحيته الكثة "لم تعد الجمعية الشرعية في إمبابة كما كانت، ولم تعد إمبابة كلها كما كانت قبل خمس سنوات. كنت ترى الشباب بلحاهم الدالة على إلتزامهم والفتيات بالخمار والنقاب، الآن قل أن ترى الشباب السلفي الملتزم حقا، هناك "شباب عمرو خالد" وفتيات يرتدون "حجاب عمرو خالد"، وأنت تفهم جيدا ماذا أقصد".
انحياز الكهل الأربعيني "السلفي" واضح في انتقاده لمن يسميهم "شباب عمرو خالد"، ويخص منهم الفتيات اللاتي ينتقد اتجاههن لحجاب مكون من قطع ملابس عصرية على غطاء الرأس بدلا من الأشكال الصارمة للحجاب. ويبدو واضحا أيضا حنقه على هذا النمط من التدين الذي ينتشر على حساب النمط السلفي الذي يراه هو أكثر إلتزاما ويراه آخرون أكثر تضييقا.
الزمن الذي يذكره الكهل ، قبل خمس سنوات، كان لحظة فارقة في منحنى صعود نجم الداعية عمرو خالد عبر الفضائيات، والذي دعمه كثيرا بدعوته لقكرة مشروعات "صناع الحياة"، التي استجاب لها العديد من الشباب وأسسوا العديد من الجمعيات التي تحمل نفس الاسم.
ولكن أن يخص الكهل السلفي إمبابة بالذكر والانتقاد ، فلأن إمبابة هي المنطقة التي كانت معقلا طوال عقود للتدين السلفي، الذي انطلق بشكل أساسي من مساجد الجمعية الشرعية وبدعم كبير من أنشطتها الخيرية الواسعة، وهي التي تشهد الآن تراجعا ملحوظا لهذا النمط وصعود نمط مختلف. ولم يكن مصادفة أن تشهد إمبابة في 2004 تأسيس ثاني جمعيات "صناع الحياة" التي بلغ عددها 49 جمعية في مصر و77 جمعية في العالم العربي.

تراجع المكانة الاستثنائية
انتقاد الكهل للتغيرات الأخيرة مفهوم، ولكن انتقاده لـ"الجمعية الشرعية" التي لم تعد كما كانت، سببه المكانة الاستثنائية التي تمتعت بها الجمعية ومسجدها الكبير في إمبابة، قبل أن تتراجع.
فمن كان يمر في شارع "نادي إمبابة الرياضي"، أهم شوارع المنطقة والذي تنتهي عنده معظم المواصلات إلى منطقة إمبابة، كان سيلاحظ حتما أنه يمر من أمام "جامع السنّية". فحول المسجد الكبير كان ينتشر عدد كبير من باعة الكتب والشرائط الدينية، وباعة الملابس المفضلة عند السلفيين، مثل الجلابيب القصيرة والخمار والنقاب، بالإضافة لباعة أنواع السواك المختلفة وكذلك باعة العطور الخالية من الكحول. وفي المساء، كانت المحاضرات الدينية التي ينظمها المسجد لمشاهير الدعاة الذين يحتلون الآن شاشات الفضائيات مثل محمد حسين يعقوب ومحمد حسان وأبو إسحق الحويني، وكانت المحاضرات تشهد حضورا كبيرا يملأ الشوارع المحيطة بالمسجد، ويستغل عدد إضافي من باعة الكتب والشرائط والإسطوانات الدينية هذه المناسبة ويفترشون جوانب الطرقات. وكان معتادا مشهد الشباب الملتحي بالجلابيب القصيرة الذي يأتي من كل أنحاء إمبابة ومن خارجها لحضور هذه المحاضرات. وبخلاف المسجد، هناك المدرسة التابعة للجمعية الشرعية، والمقر الإداري للجمعية والذي يشهد عادة زحاما كبيرا عند توزيع الصدقات والإعانات التي تقدمها الجمعية، أو يشهد توافدا لفقراء يتقدمون بطلبات للحصول على مساعدات. ومن اللافت كون معظم هؤلاء الفقراء طالبي المعونة من الملتحين أو المنتقبات أو مرتديات الخمار. وهو ما فسره البعض بأنه تظاهر من المحتاجين لنيل عطف ورضا القائمين على الجمعية الذين كانوا يعظونهم إن رأوا منهم ما ينتقدون، وهو الطبيعي في جمعية دعوية بالأساس.
يشير تقرير لـ"مركز التميز للمنظمات غير الحكومية" إلى أن "الجمعية الشرعية تتساوى مع معظم الجمعيات ذات الصبغة الدينية في تسييس مجال التكافل الاجتماعي بشكل غير مباشر" ولكن التقرير يقول أن التيار الغالب في الجمعية يدعو إلى البعد عن الارتباط بالتيارات السياسية ، ولكن ذلك لم يمنع وقوع بعض الاستثناءات بسبب اتساع المساحة الجغرافية التي يمتد إليها نشاط الجمعية، وتنوع أفكار وأراء أعضائها مع حجم عضويتها الكبير. ومسجد الجمعية الشرعية في إمبابة كان من ضمن هذه الاستثناءات.
فالجمعية التي تأسست قبل 96 عاما علي يد الشيخ محمود خطاب السبكي أحد علماء الأزهر تحت اسم "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية" واستهدفت العمل في مجال الدعوة بالإضافة للعمل الخيري والإغاثي كطريق غير مباشر للدعوة، اتخذ خطابها الدعوي خطا مختلفا يمكن وصفه بأنه أكثر سلفية ومحافظة عن التيار السائد في الأزهر، ولكنها تظل بعيدة عن الخط السلفي الجهادي أو السياسي الذي تمثله تيارت مثل "الجماعة الإسلامية" و"الجهاد"، أو الخط السلفي الأقرب للفكر السعودي والذي تمثله جمعيات أخرى مثل "جماعة أنصار السنة المحمدية".
ولكن مسجد الجمعية الشرعية في إمبابة كان مركزا لنفوذ العديد من الشباب الأقرب للخط السلفي الجهادي أو للخط السلفي السعودي. ورغم أن هذه الجماعات من الشباب نشطت في العمل الخيري وساهمت في الشعبية الكبيرة للجمعية الشرعية. ومما يذكره أهل المنطقة نشاط هؤلاء الشباب في إغاثة منكوبي زلزال 1992. ولكن الصدامات التي شهدتها إمبابة بين الأمن والجماعات الإسلامية في الثمانينات والتسعينات، دفعت الأمن للضغط على الجمعية والمسجد لوضع الأمور تحت السيطرة وهو ما كان يعني تجاوز الاستثناء وعودة مساجد الجمعية في إمبابة إلى الخط الأساسي الغالب للجمعية.
ما انتهي إليه الأمر مؤخرا هو إلغاء معظم المحاضرات الدينية لكبار الدعاة، الذين وجودوا بديلا في الفضائيات، والاكتفاء بمحاضرين أقل شهرة. بالإضافة إلى نقل كل الباعة في الشوارع المحيطة بالمسجد وإخلائها تماما.
يفصح الكهل السلفي عن أهم أسباب حنقه وهي أنه كان واحدا من باعة الشرائط الدينية حول المسجد، قبل تحوله إلى العمل في مجال صناعة العطور، ولكنه يضحك وهو يقول أن مهنته شهدت نفس التحولات التي حدثت في المنطقة، حيث مثلت مبيعات شرائط عمرو خالد مصدر دخله الأول وسط تراجع مبيعات الشيوخ التقليديين. ويضيف "رغم أني لم أكن راضيا عن منهجه في الدعوة وتساهله في الدين إلا أنني كنت أبيع شرائطه لأنه أفضل في كل الأحوال من أن يسمع الناس عمرو دياب!"
الكهل رفض رفضا قاطعا ذكر اسمه، منوها أنهم جميعا – الباعة حول المسجد- لهم ملفات في أمن الدولة، ولا داعي للمشاكل.
الخوف من الأمن، لم يكن فقط من نصيب الكهل بائع الأشرطة الدينية السابق. فهذا الهاجس يسطير على المقر الإداري للجمعية، الذي يقع في مبنى مستقل عن المسجد ولكنه مثله مفروش بالموكيت ويجب أن تخلع حذائك لتدخل إلى مكاتبه لتلتقي بالمسئولين الذين يرتدون الجلاليب. ففي مكاتب إدارة فرع الجمعية بإمبابة، رفض عبد الله الشرقاوي المدير التنفيذي، الإدلاء بأي تصريح عن نشاط الجمعية إلا بعد أن يرى خطابا رسميا من وزارة الشئون الاجتماعية يسمح لنا وله بالتحدث عن نشاط الجمعية. وأضاف الشرقاوي، الذي كان مديرا في نفس الوزارة قبل خروجه إلى المعاش، أن مكتب الأمن في الوزارة يقرأ كل ما ينشر في الصحف عن الجمعيات ويراجعهم فيها، وهو بدوره لا يريد أي مشاكل.
هذا يفسر ندرة المواد الصحفية المتوافرة عن جمعية لها 350 فرعا فى أنحاء الجمهورية، يتبعهم أكثر من ألف وثلاثمائة مسجدا، ونشاطها يمتد لعشرين محافظة، وتقدر ميزانيتها السنوية بخمسة وعشرين مليون جنيه. وهي الميزانية التي تذهب في بناء المساجد ومجالات النشاط الخيري التقليدي مثل رعاية الأيتام ومساعدة الأسر الفقيرة والمعوقين وتيسير سبل العمل للأمهات المعيلات وتيسير زواج الفقيرات واليتيمات وإقامة وحدات للعلاج بأسعار رخيصة.

جيل جديد ونمط مختلف
على خلاف الجمعية العريقة الضخمة البعيدة عن الإعلام والمتوجسة منه، فإن جمعيات "صناع الحياة" كانت بدايتها عبر الإعلام. فعبر برنامج "صناع الحياة"، الذي بثته العديد من الفضائيات، وجه الداعية عمرو خالد النداء إلى "العمل من أجل استعادة نهضة الأمة الإسلامية" مؤكدا على أن الهدف الأسمى "الذي يتمثل في عبادة الله ودعوة الأرض إلى عبادة الله لن يتحقق إلا بالتفوق الحضاري". ومن خلال مشروع "صناع الحياة" دعا إلى توجيه الطاقات الإيمانية إلى تنمية المجتمع. وكان نتيجة ذلك، العديد من الجمعيات التي تأسست كاستجابة لدعوته في مصر والعديد من الدول العربية.
ثاني هذه الجمعيات كانت جمعية "صناع الحياة بالجيزة" والتي انطلقت من مقرها في إمبابة وتوسعت الآن ليصبح تابعا لها مقرا آخر في إمبابة ومقرا في كل من الشيخ زايد والعمرانية.
بقع المقر الرئيسي للجمعية عند تقاطع شارعي البوهي وعمر بن الخطاب، وهما من أهم شوارع إمبابة ويحدان المناطق الأكثر حداثة والتي يسكنها شرائح من الطبقة الوسطى، على خلاف موقع "الجمعية الشرعية" بمحاذاة المنطقة القديمة من إمبابة التي يسكنها الشرائح الأقل دخلا.
مقر جمعية "صناع الحياة" شقة واحدة في البناية، غير ملحقة بمسجد. جدران الشقة مزينة بملصقات ورسومات دينية ذات طابع شبابي، بالإضافة للوحات موضح عليها صورمن أنشطة الجمعية. الأغلبية الساحقة ممن تراهم داخل الجمعية هم من الشباب، وتحديدا الشباب الجامعي. ويتسق هذا مع كون المدير التنفيذي للجمعية المهندس أحمد طه شابا لم يتجاوز الثلاثين من عمره.
يؤكد طه" نعم، معظم المتطوعين من الشباب. بدأنا في 2004 بعدد 50 متطوعا، والآن لدينا 1000 متطوعا وقعوا استمارات وضحوا فيها مجالات مساهماتهم"
يبدو أن معدل زيادة الأعضاء يتضاعف بمعدل سريع بالمقارنة بعدد أعضاء فرع من من "الجمعية الشرعية"، الذي يبلغ في المتوسط 500 عضوا. ويجب أن يكونوا، حسب لائحة "الجمعية الشرعية"، ممن لديهم عمل يدر عليهم دخلا، وممن لديهم حصيلة من العلوم الدينية. وهو ما يضيق دائرة الأعضاء ويمنع عضوية الطلاب الذين يشكلون العمود الفقري لمتطوعي "صناع الحياة". فأحمد حجازي ،أحد متطوعي "صناع الحياة" الذي يبلغ من العمر 19 عاما ويدرس في معهد صناعي، يجيب عن سؤال "ولماذا لم تفكر في التطوع في الجمعية الشرعية مثلا؟" متسائلا: "وهل هناك شباب أصلا في الجمعية الشرعية ؟"
الطابع الشاب لـ"صناع الحياة" يظهر أيضا في نشاطها، حيث يقول طه "في مجال العمل الخيري نقدم بالإضافة للأشكال التقليدية، أشكال أخرى جديدة تركز على الارتقاء بالفرد وتنمية المجتمع" ويشير طه إلى الأنشطة المختلفة لـ"صناع الحياة" والتي تضم محو أمية الكمبيوتر ومشروع "حماية" ضد إدمان المخدرات ومشروع "المنتديات الصحية" الذي يقوم بحملات للتوعية ضد أخطار أمراض معينة أو ممارسات ضارة بالإضافة للدعوة لأنشطة بيئية.
وفي مجال التشغيل لا تكتفي الجمعية بالمجالات التقليدية الصغيرة، بل تحاول التجريب في مجالات جديدة ينجح بعضها مثل مشروع تصنيع وبيع الشمع، ويتعثر بعضها مثل مشروع الاستثمار في زراعة أسطح المنازل.
كما أنها عبر مشروع "توكل" تعقد اتفاقيات مع عدد من المصانع والشركات لتوفير فرص تدريب وعمل للشباب عبر الجمعية.
يؤكد أحمد طه أيضا على اهتمام "صناع الحياة" بمجال "التنمية البشرية" وذلك عبر عدد من المشروعات التي تتناول مهارات الاتصال والتسويق والتخطيط والإدارة. وهو ما يبدو أنه أحد عوامل جاذبية الجمعية. مها عبد الله، الطالبة بالسنة الثانية في كلية العلاج الطبيعي بإحدى الجامعات الخاصة، تعرفت على جمعية "صناع الحياة" لأول مرة لحضور دورة تنظمها الجمعية في التنمية البشرية، ثم زارتها مرة أخرى لحضور دورة في مهارات التسويق: "بعد أن تعرفت على شباب الجمعية، دعوني للتطوع معهم، وكانت فرصة رائعة، فبالإضافة للمشاركة في عمل الخير اكتسبت خبرات جديدة من خلال المشاركة في أنشطة مختلفة منها مثلا تنظيم معارض الملابس في القرى والأحياء المعدمة".وتلخص هبة حسنين الأمر قائلة : " ميزة "صناع الحياة" أنها بخلاف الجمعيات الأخرى تصل للشباب وتدعوهم ولا تنتظرهم، سواء عبر برامج الأستاذ عمرو خالد أو عبر أنشطة الجمعيات".

تشترك "صناع الحياة" مع "الجمعية الشرعية" في الاعتماد على تبرعات أعضائها والمتعاطفين، ولكن بينما تعتمد "الجمعية الشرعية" على تبرعات تجار ورجال أعمال من المقربين للجمعية ومن أصحاب المكانة والوجاهة الاجتماعية في مناطق فروع الجمعية، فإن "صناع الحياة" تبدو أكثر حداثة وهي تحظي بدعم رعاة من مؤسسات صناعية واقتصادية كبرى. فمن ضمن رعاة "صناع الحياة" كبرى شركات صناعة السيراميك وشركة كبرى تعمل في مجال إنتاج الأجهزة الكهربائية بالإضافة لإحدى شركات المحمول.

بعيدا عن الوعظ
"صناع الحياة" يشتركون مع "الجمعية الشرعية" في وجود الدافع الدعوي وراء العمل الخيري أو التنموي، ولكن يلفت المدير التنفيذي لصناع الحياة أنهم يمثلون نموذجا أكثر انفتاحا من الجمعيات الدينية الأخرى، فهم لا يشترطون الالتزام الديني للعضوية والتطوع، ولكنه يؤكد أن الطابع الإسلامي المعروف عن "صناع الحياة" يجعل ممن يتطوعون فيها يعرفون مسبقا اتجاهها، ولذلك فأنهم يكونون دائما على استعداد للتغير." بعض الشباب يتطوع للعمل معنا، ويكون من متابعي الفيديو كليب أو تكون غير ملتزمة بضوابط الحجاب بالنسبة للفتيات، ولكنهم بعد فترة يتغيرون ويبدأون في الالتزام من تلقاء أنفسهم" يحب طه أن يؤكد أن الدعوة عند "صناع الحياة" هي دعوةعن طريق تقديم النموذج وضرب المثل، ولا تلجأ للدعوة المباشرة أو الوعظ فهذا ليس مجالها.
الأمر إذن ليس بالحدة التي صورها الكهل السلفي في مسجد "الجمعية الشرعية"، فمدير "صناع الحياة بالجيزة" مهتم أيضا بضوابط الحجاب، كما أن من بين المتطوعات العاملات في "صناع الحياة" سيدات منتقبات، وأغلب الفتيات يرتدين أزياء محافظة وإن كانت بالطبع أكثر عصرية مما يمكن أن نراه في أوساط السلفيين وأعضاء "الجمعية الشرعية". ولكن ما يمكن أن يثير حنق السلفيين هو العمل المختلط للشباب والفتيات في أنشطة الجمعية.
لا يوجد مسيحيين أعضاء في "صناع الحياة"، ولكن ينفي طه أن هناك ما يمنع ذلك ويذكر تعاون جمعيات "صناع الحياة" مع مؤسسات مسيحية في إطار حملة "حماية" ضد المخدرات.

في الجانب المؤسسي، وعلى خلاف "الجمعية الشرعية" التي تتمتع بإدارة مركزية تشرف على الفروع، يقول طه "صناع الحياة بالجيزة هي واحدة من 49 جمعية في مصر. كل واحدة منها أشهرت وتعمل بشكل مستقل، ولكن يجمعهم شكل من أشكال التنسيق وهناك اقتراحات بإنشاء مؤسسة كبرى لصناع الحياة تضم كل الجمعيات".
لعامل اللامركزية دور كبير في مرونة تأسيس جمعيات متعددة ومختلفة في هيكلها ونشاطها عن بعضها البعض ولكن يجمعها ما يشبه شبكة من التنسيق والتداخل والتعاون. ورغم إشارات البعض لقرب "صناع الحياة" وعمرو خالد من أوساط الإخوان المسلمين – وهوما ينفيه أحمد طه بشدة - إلا إن جمعيات صناع الحياة تتميز على كل حال باللامركزية في عملها، ويبدو أنها تدفع بعيدا الهواجس الأمنية التي تتابع العمل الخيري الديني خوفا من تسييسه لصالح الإسلاميين. يؤكد أحمد طه أن "صناع الحياة" تتعاون مع أجهزة حكومية ومراكز شباب ومعاهد وكليات، وتقيم بالاشتراك معهم ندوات وحملات ضمن أنشطة الجمعية المختلفة، وينفي تماما أن يكون هناك أي ضغوط أو مشكلات أمنية تعترض عمل "صناع الحياة".
رغم أنه لا يمكن استبعاد المتابعة الأمنية لكل أشكال الجمعيات في مصر، إلا أن الارتياح الذي يبديه المدير التنفيذي لـ"صناع الحياة" بالجيزة، في مقابل القلق المبالغ فيه من قبل المدير التنفيذي لـ"الجمعية الشرعية" في إمبابة يمكن أن يكون مؤشرا دالا على اختلاف كبير بين نمطين من أنماط العمل الخيري الديني، لا يزال أحدهما يعاني من مشكلة ازدواج الدعوة والعمل الخيري، بينما يقدم الآخر صيغة مريحة لأطراف عديدة.
من الاستثناءات القليلة ما حدث من توقف المشروع المركزي لكل جمعيات صناع الحياة المسمى "إنسان" لمواجهة التسرب من التعليم، الذي دعا عمرو خالد في برامجه المتطوعين إلى البدء في اجتذاب اجتذاب 35 ألف متطوع لازمين للمشروع. وضغوط الأمنية والسياسية التي يتردد أنها سبب توقف الحملة قبل أشهر هي نفسها التي قد تؤدي إلى ابتعاد عمرو خالد عن أي نشاط في مصر حتى إشعار آخر.
لا يحب أي من مسئولي صناع الحياة، ومنهم أحمد طه، الحديث عن أسباب توقف الحملة أو ابتعاد عمرو خالد. إلا أن شباب "صناع الحياة" على مدوناتهم يتهمون "أوامر سياسية عليا" أحست بخطورة استمرار عمرو خالد في تبني حملات كبيرة تجمع كل هذا العدد من المتطوعين خاصة أن الإعداد للحملة نجح في تجاوز العدد المستهدف من المتطوعين الذين أصبحوا 47 ألفا. ولكن ذلك العدد لن يذهب هدرا.
يوضح أحمد طه: "ابتعاد عمرو خالد بالتأكيد يؤثر على معنويات المتطوعين ويحبطهم لكنه لا يوقف عملنا. لم يتوقف إلا الحملة الإعلامية التي يقوم بها عمرو خالد بالتوازي مع مشروع "إنسان"، بينما المشروع نفسه مستمر، ولكن ستعمل كل جمعية على حدة"، ويضيف"ونحن في جمعية صناع الحياة بالجيزة نستهدف 200 متسرب من التعليم سنساعد أسرهم بمشروعات تكفل لهم حياة كريمة وتوفر تكاليف تعاليم أبنائهم".
ذلك الصدام بسبب المشروع المركزي، الذي لم يؤثر على نشاط كل جمعية على حدة، يؤكد أن أي ميل نحو "المركزية" في عمل صناع الحياة سوف يجلب المتاعب. والتجربة تؤكد لهم صحة توجههم الأساسي بالعمل في "شكل به مركزية للفكرة أو الروح بينما العمل على الأرض لا مركزي" كما يعبر أحمد طه.
مرونة الإدارة في جمعيات "صناع الحياة" ليست ميزتها الوحيدة التي ترجح صعودها على حساب أشكال أخرى من العمل الخيري الديني. فهناك أيضا الارتباط بنمط صاعد من التدين خاصة بين الشباب، وتبني طرق وأساليب حديثة وشراكات قوية واتجاه متصاعد نحو الأنشطة التنموية. كل ذلك ونتائجه المتمثلة في التطور المتسارع لعدد الفروع والأعضاء والمتطوعين في مدة قصيرة نسبيا، من شأنه أن يعطي انطباعا عن أن صورة ساحة العمل الخيري الديني ستختلف كثيرا خلال سنوات قليلة قادمة، وستشهد تقدما أكثر للأشكال التي تحررت من أعباء ومشكلات العمل الاجتماعي والخيري من فوق منبر دعوي مباشر وصريح.
المزيد

الأربعاء، ٣ يونيو ٢٠٠٩

القبة تلمع من جديد


تصوير: مروة مرجان

صدى صوت السلطة ملأ دوما فراغ القبة المهيبة لقاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة، باستثناء لحظات قليلة غير محتمل تكرارها أثناء خطاب أوباما .

قد لا تكون إلا أسباب عملية للغاية هي التي كانت وراء ترجيح أوباما وفريق عمله لقاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة كمكان لإلقاء خطابه المنتظر. ببساطة "لأن جامعة القاهرة سهلة التأمين" كما قالت المصادر الرسمية.
ولكن برغم ذلك، فإن سيل التحليلات للمعاني والدلالات الرمزية السياسية والحضارية الكامنة وراء تفاصيل الاختيار سيزيد بريق القبة الشهيرة فوق القاعة المختارة، بعد ان أصبحت محط أنظار جزء لا بأس به من العالم حتى يبدأ أوباما حديثه، وساعتها ستنصرف التحليلات إلى ما وراء كلماته.
بريق القبة، بمعناه الحرفي لا الرمزي، كان محط اهتمام المسئولين. فبدأت اجراءات الصقل والتلميع، لتلفت الانتباه أكثر إلى أن الرمز الشهير لجامعة القاهرة كان بلا عناية كافية بعد أن فقد ما يرمز إليه ومن يرمز إليهم الأهمية الكافية.
الطلبة الذين تمشوا قربها بعد خروجهم من الامتحانات، فاجأهم الاهتمام المبكر بالمكان، فاستجابوا بلا شكوى لرجال بأزياء متنوعة ملأوا الجامعة يلوحون تجاههم بإشارات عصبية خالية من اللياقة "تهشهم"– بالمعنى الحرفي لا الرمزي- ليبتعدوا قليلا في سيرهم عن قاعة الاحتفالات التي كان يجرى تلميعها وتأمينها.
هم فاهمون لما يجري، لكن الأهم أنهم اعتادوا على مثل هذه المعاملة من حرس الجامعة، الذين "لولاهم لاختفت قبة الجامعة في اليوم التالي" كما صرح حسام كامل رئيس الجامعة.
هؤلاء الطلبة لا يذكر معظمهم أنه دخل هذه القاعة، وبعضهم يذكر حضوره ندوة عن وزير أو حفل موسيقى في مناسبة ما. ولكن كل من دخلوا يعلقون بانبهار على مشهد القبة الفخمة من الداخل والمهابة التي تلقيها على المكان الفخم الواسع. هذه المهابة احتكرتها السلطة التي استحوذت على المكان منذ إنشاءه، وشعرت بالذعر في اللحظات القليلة التي دوت فيه أصوات مختلفة مزعجة خارجة عن النظام.
أنشئت قاعة الاحتفالات الكبرى عام 1935، وذلك بعد 27 عاما من تأسيس الجامعة الأهلية التي كانت نواة التعليم العالي المصري في عام 1908 بعد اكتتاب عام دعا إليه رجال الوطنية المصرية المهتمين بتنوير لن يخرج من الأزهر التقليدي - الذي كان الخيار الآخر كمكان لخطاب أوباما.
ولكن الجامعة الأهلية التي طلبت من الأمير فؤاد الأول آنذاك أن يرأسها لكي تضمن الرعاية، لم تستطع استكمال المسيرة في استقلال عن الدولة فاندمجت مع مدارس عليا أخرى لتصبح "الجامعة المصرية" الحكومية التابعة لوزارة المعارف عام 1925. ثم يتغير اسمها في 1940 إلى "جامعة فؤاد الأول" قبل أن تعدل حكومة الثورة اسمها إلى "جامعة القاهرة" في 1952.
لعبت جامعة القاهرة دورا شديد الأهمية في سياسة حكومة الثورة، فهي كانت محضن الآلاف من أبناء الطبقات الشعبية ممن سيدينون بالولاء لنظام مجانية التعليم. وبالتوازي كانت قاعة الاحتفالات الكبرى بالجامعة مكانا مفضلا لاحتفالات نظام الثورة واجتماعاته . فعلى مسرحها غنت أم كلثوم وغنى عبد الحليم حافظ في مناسبات مختلفة بحضور جمال عبد الناصر، الذي استضاف في نفس القاعة مؤتمر دول عدم الانحياز عام 1964. وبعد هزيمة يونيو 1967 التقي عبد الناصر بالمثقفين في إبريل 1968 ليقول إن تحرير سيناء قد يكون سهلا لو تخلت مصر عن انتمائها العربي وقبلت التسويات، وبشر بمعركة فاصلة.
هذه البشارة هي نفسها التي ستكون مطلب الاعتصام الشهير للطلبة المعارضين لخلفه السادات في عام 1972، بعد أن اقتحموا واحتلوا نفس القاعة التي تحول اسمها على يد السادات نفسه إلى قاعة جمال عبد الناصر بعد وفاة الأخير. ولكن الأمن المركزي اقتحم الجامعة القاعة المهيبة ليعتقل المعتصمين. لتخرج مجموعات أخرى من الطلبة في اليوم التالي لتعتصم في ميدان التحرير فيما سمي باعتصام "الكعكة الحجرية" كما خلدها أمل دنقل في قصيدته.
في مطلع 1973 تكرر اعتصام الطلبة واحتلالهم للقاعة ولكن انفض هذه المرة سلميا بعد قرار بإيقاف الدراسة تماما حتى فضه.
من الطبيعي بعدها أن يعود اسم القاعة إلى أصله، بعد أن تحولت الدولة المصرية مع السادات إلى مسار آخر. ولكنها تركت للمعارضين سلم مدخلها.
هذا السلم شهد مؤتمرات المظاهرات الطلابية المعارضة التي صارت قيادتها إلى الإخوان المسلمين. وبدورهم اعتصموا على درجاته مرارا احتجاجا على شطبهم وحرمانهم من خوض الانتخابات الطلابية. ثم شهد تظاهرات ضخمة في مناسبات مختلفة كان أشدها في 2000 دعما للانتفاضة الفلسطينية الثانية.
نفس السلم شهد ولا يزال مظاهرات حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات التي تأسست في 2004، والتي تحاول حشد الأساتذة لاستعادة القبة من عناية الحرس والأمن وتدخل الدولة.
ولكن آخر صوت مزعج دوى داخل القاعة وتحت القبة، كان في إبريل 2008 بعد أيام من الدعوة للإضراب العام في 6 إبريل واعتقال شباب الحركة التي عرفت فيما بعد بـحركة 6 إبريل. وكان صوت الطالب بلال دياب عضو حزب الغد الذي تسلل إلى لقاء الطلبة مع أحمد نظيف رئيس الوزراء وسط مجموعة من طلاب اتحاد كلية التجارة – المرضي عنهم – بعد أن رفض الأمن دخوله في البداية. ورغم تواجده في بلكون الدور الثاني إلا أنه قاطع حديث نظيف صائحا: "أفرج عن مصر يا ريس. مصر حزينة. أفرج عن شباب 6 إبريل".
مهما كان، فالأرجح أن الاستعدادات هذه المرة أكثر إحكاما مع أنباء الاختيارات الدقيقة للأساتذة والطلبة الأبعد عن أي صلة أو اهتمام بـ"التغيير"، والذي سيحظون وحدهم بحضور محاضرة أوباما، وهو الذي وصل إلى هنا بعد معركة كان عنوانها "التغيير". وربما لهذا السبب سيدوي في فضاء القاعة صوته المنفرد، وستتردد سلطته المتجاوزة للحدود في فراغها بلا معقب، لتنتقل إلى هؤلاء الذين اختار أن يسميهم "العالم الإسلامي" فأصبح ذلك اسمهم في كل وسائل الإعلام بلا نقاش.
-
نشر في "الشروق" الثلاثاء 2 يونيو 2009

المزيد

السبت، ٢٣ مايو ٢٠٠٩

صحفيون في مناطقهم

تطوير المستشفى العام في البدرشين أو الجدل حول كيفية ترخيص التوك توك في إمبابة، أخبار قد لا تهتم بها معظم الصحف ووسائل الإعلام التي تهتم بكل مصر، وإن نشرت بعضها ففي مساحات صغيرة، ولن يكون مناسبا متابعة تطوراتها، لأن لمحرري الصحف والبرامج سيفكرون أن الخبر سيبدو مملا للقراء باستثناء قلة يسكنون هذه المناطق. ولكن في الحقيقة أن كل مجموعة من القراء تجمعم منطقة ما والتفاصيل الخاصة بها تهمهم وهي بالنسبة لحياتهم اليومية أخبار أكثر أهمية من نتائج الانتخابات الأمريكية.
وهذا هو سبب وجود "الصحافة الإقليمية".


PDF




جريدة "صوت إمبابة": عن التوك توك و"البوشي الصغير" وأوزباكستان


في مكان مميز من واجهة الكشك يضع بائع الجرائد في شارع "نادي إمبابة الرياضي" جريدة "صوت إمبابة". يوحي ذلك بأنها مطلوبة، ولكنه يرد قائلا: "توزيعها على قدها طبعا، وبتصدر كل فين وفين" ثم يضيف مبتسما "لكن الجار أولى بالشفعة".
ولكن هناك سبب آخر، العنوان الرئيسي للعدد الأخير من الجريدة يجتذب بسهولة أنظار المارة ومشتري الصحف الأخرى: "أسماء الشوارع التي سيلحقها التطوير وأرقام الأراضي التي ستزال". مثل هذا العنوان يثير فضول كل من يسكن في إمبابة، بسبب مشروع تطويرها الذي لن يقتصر على منطقة أرض المطار. هناك من يشتري بسرعة وهناك من يقف لدقائق يحاول تدقيق النظر وقراءة تفاصيل الخبر والجريدة في مكانها، ولا ينزعج البائع من ذلك.
لكن بعض من اشتروا بحثوا عن خريطة توضح أماكن قطع الأراضي المكتوب أرقامها والتي ستنزع ملكيتها فلم يجدوا. ولكي يعرفوا، يبدو أن عليهم الاتصال بالجريدة أو التوجه إلى مقرها القريب .
في شقة صغيرة بالكيت كات، يوجد المقر المشترك للجريدة و"جمعية الشباب"، وكلاهما أسسهما الشقيقان سيد إمبابي ومحمد إمبابي. يحب سيد إمبابي، رئيس مجلس إدارة الجريدة، أن يؤكد أولا على كون العائلة لا تنتمي إلى إمبابة بالاسم فقط ويقول: "العائلة في إمبابة من زمن ومعروفة هنا، وأنا أسكن في شارع القومية العربية ولا زلت أركب الميكروباص وأعرف مشاكل وهموم أهل المنطقة".
أما عن أرقام الأراضي التي ستنزع ملكيتها فيقول: "هذه المعلومات سبق وانفراد للجريدة، فعلاقتنا جيدة بمحافظ الجيزة وبرئيس المجلس المحلي. وهذا النوع من الأخبار أحد أسباب تميزنا كجريدة محلية عن الجرائد العامة. أما عن عدم وجود خريطة توضيحية فلأن قدامي سكان إمبابة وأصحاب الأراضي يعرفون أرقام أراضيهم جيدا".
أسس الشقيقان الجريدة في يناير 2005 بترخيص حزبي، فهما عضوان في أمانة الشباب في الحزب الوطني، وتزامن ذلك مع خوض سيد إمبابي انتخابات مجلس الشعب في نهاية نفس السنة مستقلا في مواجهة مرشحي الوطني. يرفض سيد إمبابي الحديث عن تفاصيل ولكنه يلمح إلى "صراعات وأطماع" داخل الحزب وصلت إلى إصدار آخرين جريدة بنفس الاسم لإزاحتها، وهو ما دفعه وفريق الجريدة إلى التنازل عن الترخيص الحزبي والتحول إلى جريدة تصدر بترخيص من لندن.
خلف مكتبه، صورة ضخمة تحتل كل الحائط لمشهد النيل من إمبابه وفوقه اسم الجريدة، وفي أركان الحائط شعارات الشركات الراعية. ولكن سيد إمبابي يحاول أن ينفي الصورة النمطية المرتبطة بالصحف الصغيرة، وربما بعض الصحف الكبيرة، التي يتحكم في تحريرها المعلنون والرعاة، مؤكدا أن الإعلانات جاءت بعد فترة طويلة من تأسيس الجريدة.
الصفحة الرئيسية لآخر أعداد الجريدة الصادر في 15 فبراير الماضي تتصدرها على اليمين صورة محمد حامد الصفطاوي، أمين شباب الحزب الوطني في منطقة "مدينة العمال" وأحد رعاة الجريدة، يهنيء أهالي إمبابة بالمولد النبوي، وعلى اليسار إعلان عن فضائية الأمة السلفية. وفي داخل العدد موضوع كبير يضم صورة أخرى للصفطاوي مع صور لكل أمناء شباب الحزب الوطني في مناطق إمبابة بمناسبة إقامة دورة الحزب الوطني لكرة القدم.
في العدد إشادة في أكثر من موضع بأداء سيد عبد العزيز محافظ الجيزة ومصطفى الخطيب رئيس المجلس المحلي، على هامش متابعات اجتماعات المجلس وجولات المحافظ. وصفحة كاملة لنشر اقتراح تتقدم به "جمعية الشباب"- شقيقة الجريدة- للمساهمة في ترخيص التوك توك بوساطتها أسوة بميكروباصات جمعيات نقل الركاب.
يعلق سيد إمبابي متسائلا : "هل أصبح الانتماء للحزب الوطني وكأنه سبة أوشيئا مشينا؟ الصحافة التي تمارس الانتقاد العنيف والمعارضة بلا هدف لا جدوى منها، وإذا اصطدمت بالأمن لن تتمكن من العمل وستفقد التأثير. الجريدة والجمعية لهما دور تنموي في إمبابة ولذلك نحرص على علاقتنا بالمسئولين. نرى الجانب الجيد من أدائهم لكي نقول لهم نحن نتابعكم ونشجعكم على المزيد".
حتى بعض الأحداث التي ترتفع فيها أصوات المعارضين مثل التنظيف والتجميل الفوري للشوارع والمناطق التي شملتها الزيارة الأخيرة لسوزان مبارك دونا عن باقي الشوارع والمناطق، يراها سيد إمبابي وجريدة "صوت إمبابة" بشكل مختلف: "لننظر إلى الجانب الإيجابي. من يسكنون هذه الشوارع والمناطق فقد تم تجميل مناطقهم، والآخرون استفادوا من تجميل شوارع ومناطق يمرون بها في أشغالهم أو تقع فيها مدارس أولادهم". المزيد من الزيارات لتغطي كل المناطق سيكون حلا إذن.
ولكن تضم صفحات الجريدة أيضا بعض الانتقادات للاستثناءات في هدم الأدوار المخالفة أو عرض مشكلات المرور والنظافة في بعض الشوارع، ومقال سيد إمبابي في الصفحة الأولى يناشد المسئولين أن يتواجد في شوارع إمبابة رجال مرور لحفظ النظام، مذكرا أن مشهد رجال المرور يختفي تماما في إمبابة والوراق باستنثاء ميدان الكيت كات القريب من العجوزة.
لغة الأخبار والتحقيقات تبتعد قليلا عن فصحى الصحافة وتقترب أحيانا من طريقة الكلام الشفهي والعامية، ولا تحمل عادة أسماء محرريها، أسماء الكتاب فقط على المقالات. يقول سيد إمبابي "فريق العمل الأساسي يعد على الأصابع، ولكننا ننشر لمتطوعين ومساهمين من أبناء إمبابة".
تضم ترويسة الجريدة أسماء الفريق، منهم عمر إمبابي، نجل سيد إمبابي، المتخرج حديثا من كلية الحقوق، وهومسئول عن قسم التحقيقات التي تخص المحافظة والمجلس المحلي، وهي أهم وأكبر مساحات الجريدة. وهناك مستشار سياسي للجريدة هو حسن عبد الله، القيادي بالحزب الوطني، الذي يقول سيد إمبابي أنه مؤسس جريدة "صوت بولاق" في منطقة بولاق الدكرور، وهي التجربة التي ألهمته إنشاء "صوت إمبابة". لا يعمل في "صوت إمبابة" صحفيون محترفون إلا رئيس تحريرها حسن سعودي، الصحفي بمجلة أكتوبر. سيد إمبابي رئيس مجلس الإدارة يعمل بالأساس رساما هندسيا في هيئة قناة السويس.
تضم الجريدة صفحات متنوعة للأدب والمرأة والدين – يضم ركنا للفتاوي ومقالات عن الإعجاز العلمي في القرآن - وصفحة للرياضة في إمبابة ومساحة اجتماعيات، وتضع الجريدة الحوادث في صفحتها الأولى. ويفخر سيد إمبابي أن الجريدة لا تكتفي بنقل الحوادث التي تكشفها الشرطة، بل تقوم بكشف حوادث قبل الإبلاغ عنها، مثل حادثة النصب التي كتبت عنها الجريدة تحت عنوان "بوشي إمبابة"، وهو شاب صغير تقاضي أموالا من عدد من الناس بهدف توظيفها وهرب.
ولكن ما يثير الدهشة هي الصفحة الكاملة – غير الإعلانية- المخصصة لأخبار وتفاصيل التعاون بين مصر وجمهورية أوزباكستان، وتكرار هذه الصفحة في الأعداد الأخيرة.ما علاقة ذلك إمبابة؟ يصمت سيد إمبابي طويلا قبل أن يقول:"نحن على علاقة جيدة بمدير الشركة الدولية لإدارة المعارض الذي توجه إلى هناك بصحبة رجال أعمال بناء على توجيهات الرئيس مبارك لتعزيز التعاون بين البلدين في مجالات مختلفة من الاستثمار، وهذا سيفيد كل المصريين بما فيهم أهالي إمبابة" ثم يضيف مبتسما: "كما أن العلاقات نفسها مفيدة جدا للصحافة كما تعلم".

البدرشين أونلاين .. مراسلون وجدوا أخيرا مكانا لأصواتهم

badrashin
من على منبر أحد المساجد في قرية سقارة التابعة لمركز البدرشين، ظل الشيخ الأزهري ممدوح الكيس لسنوات يتحدث عن مشكلات القرية بأسلوبه الساخر المميز. ولكن بعد ترقيته ليصبح إماما وخطيبا لمسجد "خالد بن الوليد" في مدينة البدرشين، لم يعد بإمكانه أن يتحدث إلى أهالي المدينة عن مشكلات قريته التي يعود إليها كل مساء. فكر الشيخ في الكتابة للصحف وكتب بالفعل، ولكن لم تنشر رسائله التي تتحدث عن تفاصيل مشكلات النظافة والمواصلات والطرق في قريته. فكر في أن منتديات الإنترنت ستكون مكانا مناسبا، ولكن كتاباته التي تخص مجتمعه الصغير لم تلق اهتماما وتجاوبا في منتديات عامة عربية أو مصرية يهتم جمهورها أكثر بالقضايا العامة المشتركة. ولكنه استبشر خيرا عندما عثر على موقع "البدرشين أونلاين" وتصفحه ووجده مهتما بأحوال المدينة وقراها ومشاكلها، ووجد في صفحتها الرئيسية أخبارا من قرى الطرفاية وميت رهينة والمرازيق. يقول الشيخ ممدوح الكيس: "شجعني ذلك على الكتابة للموقع، كما أني شعرت بالغيرة الحميدة وقلت في نفسي أن قريتي أكبر قرى البدرشين وأقدمها وأعرقها وهي مكان سياحي هام". أرسل الشيخ إلى مدير الموقع وطلب منه تخصيص جزء لأخبار قرية سقارة في الصفحة الرئيسية وأرسل له بعضها. فوجد تجاوبا سريعا منه، ونشرت مقالاته ووجدت تجاوبا من قراء الموقع.
يبدأ الشيخ ممدوح الكيس مقالاته بالبسملة وحمد الله والصلاة على النبي وإلقاء السلام على القراء ثم يكتب عما يراه من مشكلات قريته، ويحكي عن اقتراحاته التي يبلغها لأعضاء المجلس المحلي ويقول أنه يتم تجاهلها، وآخرها كان تخصيص مكان لسوق القرية بدلا من المكان الذي تملؤه مياه الصرف الصحي محذرا من تلوث الخضر والفاكهة بسبب تلكؤ عربات كسح مياه الصرف الصحي من تنظيف منطقة السوق القرية. كما كتب ساخرا عن عدم الاهتمام بطرق وشوارع القرية تحت عنوان "أموات سقارة في الجنة" موضحا أن الطريق الوعر إلى منطقة المقابر يجعل رحلة النعش إلى القبر عسيرة ومليئة بالمطبات التي ترج الجثمان وتطوحه يمينا ويسارا ليصل إلى قبره وقد كفر عن كل سيئاته، ويختتم مقاله بتوجيه الشكر إلى القائمين على شئون القرية وأعضاء المجلس المحلي على هذه الخدمة الجليلة !
بخلاف مشكلات القرى وأحياء المدينة، يهتم الموقع بإلقاء الضوء على الأخبار التي تخص البدرشين، وربما لا تهم وسائل الإعلام ذات الاهتمام العام، مثل خبر البدء في تطوير مستشفى البدرشين العام أو خبر تبرع أحد رجال الأعمال من أجل إنشاء مجمع مصالح حكومية للتيسير على المواطنين بدلا من تفرق مكاتب خدمة المواطنين في شقق متناثرة بالمدينة. وفي الأخبار التي يتناولها الإعلام، يضيف الموقع تفاصيل تهم أهل المدينة بشكل خاص. فيما يخص حريق شب مؤخرا في أحد المنازل، اهتم الموقع بتسجيل الذين حضروا فورا من أعضاء المجلس المحلي وذكر دورهم ومتابعتهم للمتضررين والإشادة بموقفهم. وفي خبر عن اكتشاف فريق طبي مصري لوسيلة اكتشاف مبكر لسرطان الرحم، سجل الموقع أن رئيس الفريق من أبناء البدرشين.
الموقع أنشيء في نهاية عام 2007 على يد المهندس الشاب محمد سعد المتناوي، الذي ينتمي لعائلة "المتناوي" وهي واحدة من كبرى العائلات في البدرشين. أثناء دراسته لهندسة الميكانيكا بجامعة القاهرة، بدأ محمد المتناوي الاهتمام بالإنترنت وتصميم المواقع، وبعد تخرجه اتجه للعمل في هذا المجال بجانب مشاركته في إدارته استثمارات عائلته.
يقول محمد المتناوي: "شاركت لفترة في بعض المجموعات البريدية والمنتديات العامة. واتجه معظم النشطين فيها إلى المدونات، لكني وجدت أن المنتديات فيها روح جماعية، خاصة إن كنت تريد أن تناقش مشكلات مدينة محددة مثل البدرشين". هناك منتديات كثيرة بأسماء محافظات أو مدن، ولكن محتواها لا يعبر عن طابعها المحلي، يغلب عليها بعد فترة الأخبار العامة وتبادل الأفلام والأغاني والألعاب والصور. ولذلك اهتم محمد المتناوي أن يكون موقع البدرشين أونلاين في شكل منتدى المشاركة فيه مفتوحة ومتنوعة بين شئون المدينة والشئون والاهتمامات العامة، ولكن للموقع صفحة رئيسية يختار هو فيها أخبار ومقالات وصور عن البدرشين وقراها، وكتب في أعلاها دعوة: "الآن يمكنك العمل كمراسل للموقع في قريتك، أرسل خبرا أو مقالا وسيتم نشره على صفحات الموقع".
شجع ذلك أعضاء المنتدى على الاهتمام بأخبار قراهم وأحيائهم، وأصبح للموقع مراسلين في معظم قرى البدرشين، وفتح التعليق على الأخبار والمقالات حوارات ساخنة بين أعضاء الموقع، منها تعليقات قراء من تلك المناطق والقرى تؤكد وجود هذه المشاكل أو تعدد مظاهرها كما يراها كل معلق في حياته اليومية، كما فتح ذلك نقاشات أداء أعضاء مجلس الشعب والشوري والمجلس المحلي، يقول عنها محمد المتناوي "سجلت تلك الحوارات أعلى نسبة قراءة ومشاركة".
كان محمد المتناوي يطمح أن يكون المنتدى مساحة للحوار بين كل أبناء البدرشين من جانب، ومن جانب آخر جسر بين الأهالي والمسئولين حول شئون المدينة ومشكلاتها. ولكنه يقول: "نجح الموقع في إثارة الحوار بين أبناء البدرشين وبعض أعضاء المجلس المحلي اهتموا بالقراءة وبعضهم علق على موضوعات، ولكن لم يحدث إلى الآن التفاعل مع المسئولين بشكل يحقق نتائج عملية".
من خلال علاقاته وعلاقات عائلته التي انتخب بعضها لعضوية المجلس المحلي، يتابع المتناوي أخبار المدينة والقرى وتحركات المسئولين، كما حاول المتناوي أن يلتقي بأعضاء مجلس الشعب عن البدرشين وطلب منهم أن يقرأوا ما ينشر في الموقع، كما طلب منهم أن ينشر الموقع جهودهم وأخبارهم في العمل على حل المشكلات، ولكنهم لم يهتموا أو أبدوا اهتماما لم ينتقل إلى حيز التنفيذ. يقول محمد المتناوي: "يفتقدون للاهتمام بالجانب الإعلامي، أحيانا يكونون قد بدأوا فعلا في خطوات حل مشكلة ما، ولكن لا أحد يعرف ذلك".
يحاول المتناوي كمدير للموقع أن يبعد شبهة "العائلية" عنه. فالمدينة التي تخلو تقريبا من التيارت السياسية، تحرك انتخاباتها الانتماءات العائلية. في قسم "شخصيات من بلدنا" التي تسجل سير بعضا من أبناء البدرشين الذين قدموا خدمات للمدينة أو اشتهروا بين أهلها، لم يسجل سير المشاهير من عائلته مثل باهي المتناوي، أحد كبار قضاة محكمة النقض، الذي أطلق اسمه على الشارع الذي يمثل مدخل المدينة.وبعض القراء ممن لا يعرفونه انتقدوا ذلك وتساءوا إن كان ذلك موقفا من عائلة المتناوي! كما أنه يؤكد على أن أخبار مقالات الصفحة الرئيسية تتجنب التجريح الشخصي لكيلا تثير الحساسيات بين العائلات. ويذكر أن هناك جريدة محلية صدرت لفترة في البدرشين كان اسمها "النبأ العربي"، ولكنها اشتهرت بكونها مساحة لتصفية الخلافات الشخصية والعائلية أوتستهدف الابتزاز، فكانت تهاجم تجارا ومسئولين لفترة إلى أن تحصل منهم على دعم وإعلانات ثم تتحول إلى غيرهم، حتى توقفت عن الصدور بعد فترة قصيرة.
على عكس ذلك، فلا رابطة شخصية تجمع فريق العمل من مراسلين ومشرفين للمنتدى، فإلى الآن لم يلتق محمد المتناوي مع الشيخ ممدوح الكيس. وإن كان المتناوي ينوي أن يلتقي في المستقبل القريب بمشاركين في الموقع للتعارف والتشاور حول تطوير الموقع.
يزور الموقع يوميا حوالي 250 زائر، وهو عدد يراه المتناوي مناسبا لموقع محلي لم يكمل عامه الأول، بالإضافة للمستوى الاقتصادي لأهل المدينة وقراها، وعدد مستخدمي الإنترنت فيها. وهو نفس رأي الشيخ ممدوح الكيس الذي يخبر كل من يعرفه بأمر الموقع ويحثه على المشاركة، ويقول: "أنا مستبشر ببداية الموقع لكن الأهم أن يستمر على نفس المنوال. في كل الخطب المقدمات معروفة ومحفوظة وجميلة ولكن الأهم هو ما ستقوله بعد "أما بعد". أتمنى أن يظل الموقع مستقلا بعد أن يحقق الشهرة ويصبح مؤثرا ولا يفعل مثل أعضاء مجلس الشعب الذين انتخبناهم مستقلين وبعدما نجحوا انضموا للحزب الوطني !".

من الصحافة الإقليمية إلى الشعبية
نشأت الصحافة بالأساس إقليمية. إن لم يكن اهتمامها إقليميا فتوزيعها إقليمي بسبب ضعف المواصلات آنذاك.
في بريطانيا، بدأت جريدة "الجارديان" العريقة عام 1821 في مدينة مانشستر تحت اسم "مانشستر جارديان". و كانت صحيفة بوسطن أول جريدة أمريكية صدرت عام 1761 ، قبل استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، عبارة عن ورقة واحدة تتناول أخبارا بريطانية وأوروبية مع أخرى محلية تخص بوسطن وبالطبع كانت توزع في هذه المدينة وحدها.
تطور الدولة الحديثة وارتباط الأخبار الهامة بالعواصم، جعل الصحف تتركز فيها، ويؤرخ عادة للصحف الإقليمية المصرية غير المركزية خارج القاهرة والإسكندرية بجريدة "النزهة" التي أنشأها جورجي خياط في أسيوط عام 1886، وفي أعقاب 1919 شهد المجتمع المصري حالة من النشاط والاهتمام بالسياسة والأخبار فازدهرت الصحف الإقليمية والصغيرة. ومن حصاد ذلك الازدهار أن ضم مجلس نقابة الصحفيين في الأربعينات صادق سلامة صاحب جريدة "الإنذار" التي تصدر في المنيا.
بعد 1952 بدأ انحسار الصحافة الإقليمية لصالح الصحف الكبرى التي أصبحت معبرة عن حكومة الثورة، ومؤخرا تضاءلت فرص الصحافة الإقليمية بسبب ضعف التوزيع الذي تعاني منه حتى الصحف الكبرى، والحالة المعيشية التي لا تسمح للكثيرين بشراء أكثر من جريدة واحدة لن تكون جريدة إقليمية. ولذلك ما استمر من الصحف الإقليمية كان من إصدار المحافظات ويرأس مجلس إدارتها المحافظ نفسه، مثل "القناة" في الإسماعيلية أو "أسوان". أو كانت تكون من إصدار حزبي ولم يستمر منها عادة إلا صحف فروع الحزب الوطني، أو أن تكون الصحيفة مشروعا شخصيا أوعائليا يهدف للدعاية ورعاية مصالح ملاك الصحيفة أو الرعاة من رجال الأعمال أو يحابي مسئولين بهدف دعمهم في صراعات سياسية وتجارية محلية. أو تكون صحيفة هادفة للربح بغض النظر عن الدور الإعلامي فتسلك طريق الإثارة عبر الصياغة الصفراء للحوادث والفضائح أو ابتزاز المسئولين ورجال الأعمال للحصول على دعمهم أو إعلانات منهم.
في السنوات القليلة الأخيرة، الإنترنت وفرت مساحة تتيح للصحافة الإقليمية أن تعود لتصبح صحافة شعبية ليس فقط في طبيعتها، بل وفي طبيعة القائمين عليها. المؤسسات الاحترافية ستواجه على الإنترنت نفس مشكلة تمويل الصحافة الإقليمية الورقية، والمدونات ذات طبيعة فردية تقدم أحيانا صحافة إقليمية ولكنها تختلف عن النافذة الصحفية المهتمة بمنطقة بعينها بشكل دوري. ولكن يملأ هذا الدور إما منتديات شعبية يوجهها أصحابها لتكون نافذة للإقليم أو المنطقة مثل "بورسعيد أونلاين"،وربما لا تجمع فريق العمل سابق معرفة أو غرض إلا التطوع لتغطية أخبار المنطقة مثل "البدرشين أونلاين". أو تكون مبادرات جماعية من إعلاميين ومثقفين مثل مجلة "ناهيا الغد" الإلكترونية التي تصدر من قرية ناهيا في منطقة بولاق الدكرور. وبخلاف ذلك هنا المواقع الإقليمية التابعة للإخوان المسلمين التي يديرها كوادرهم في مختلف المحافظات وتجمع بين الدعوة لأفكار الإخوان والدعاية لنشاطهم في المنطقة وفي كل مصر، وبين تغطية أهم أخبار المناطق كما في مواقع "إخوان إمبابة" و"فرسان مينا البصل" وغيرهما.
--
نشر في الشروق الجمعة 22 مايو 2009
المزيد

الأربعاء، ١٣ مايو ٢٠٠٩

تشكيل

تشكيل
تصوير: أحمد كامل نقلا عن http://www.arabmediasociety.com

يثبت طارق "الكاب" جيدا فوق رأسه ويزيح طرفه إلى الجانب وهو يدخل إلى الدائرة المحددة برسوم وتكوينات فنية من عجينة خفيفة ونشارة خشب على أسفلت الشارع في مواجهة بيتهم في شبرا. هي ليلة حنة أخته، والبنات معها في شقتهم بالدور الثاني يرقصن على إيقاع الأغاني التي يشغلها الدي جي الموجود بالشارع والذي يقف في مواجهة مدخل البيت، وحوله يقف الشباب أو يجلسون مشكلين حلقة يحتلها طارق ومعه من يرغب في الرقص.
يرقص طارق معتمدا أكثر على حركات يديه التي تتشابك وتتموج، يضم قبضته ما عدا الإبهام التي يثبت بصره عليها ويعلو بها ويحبط. يتغير رقصه مع تغير الإيقاع واللحن. عندما يطغى الإيقاع الصعيدي، يضع كفه اليسرى تحت مرفق الذراع اليمنى المفرودة التي يلوح بها يمينا ويسارا وهو يفتح فمه وينظر إلى أعلى ويعقد حاجبيه في إيحاء بالصرامة ويرفع أحد رجليه عن الأرض قليلا. وقد يهز خصره قليلا مع الإيقاع المقسوم. الأغاني التي يغلب عليها الشعبي قد يتخللها بعض أغاني عمرو دياب ونانسي عجرم وقد تتحول فجأة إلى أغان أجنبية يغلب عليها غناء الراب وإيقاع الهيب هوب. وعندها يبدأ طارق في استعراض حركات أسرع بقدميه تتطلب لياقة أكبر فيبتعد معظم الشباب مشكلين حلقة حوله يتفرجون ويصفقون.
"اسمه تشكيل" يوضح طارق مبتسما وهو يمثل بيديه حركات تشبيك وتموج الأيدي "لكن واحد من فرقة أفراح قال لي مرة إن ده اسمه رقص اسكندراني".
الرقصة الاسكندراني الفلكلورية الشهيرة- المنتشرة أيضا في مدن ساحلية مختلفة، وتؤدى أيضا في مدن القناة على السمسمية – يحرك الراقص فيها يديه ممثلا طريقة لعب الكوتشينة: تفنيط الورق وتحريكه بمهارة وإلقائه على الطاولة، وبعدها يبدأ في تمثيل خلع الجاكيت ثم القميص وكأنه يخسر ويبيع ملابسه. ثم يبدأ في تمثيل تجرعه للخمر في حزن على خسارته ويضم قبضته ويفرد إبهامه كأنها مطواة يبدأ في جرح نفسه بها وكأنه يعاقب نفسه.
الرقص بالأسلحة البيضاء منتشر في الأفراح الشعبية في الشوارع، والحركات الأكثر سرعة التي تلوح بالسلاح قرب الوجه والعنق أو البطن والتي تتضمن مخاطرة تعد من قبيل المجاملة الكبيرة لصاحب الفرح أو إظهار الفتوة والشجاعة. ولو لم يكن السلاح موجودا فحركات التشكيل بالأيدي توحي بوجود السلاح بالإبهام المفرود المشهر. لا يحب طارق الرقص بالسلاح ويراه مبالغة ولكنه يؤدي تلك الحركات التي تعلمها من الشباب في الشارع أثناء الأفراح ويمزجها بحركات الهيب هوب ورقص الديسكو، فهو يذهب إلى حفلات الديسكوهات الرخيصة نسبيا في وسط البلد أو الهرم. ولكن التشكيل والرقص الشعبي لا يكون إلا في الشارع وعلى أغاني وموسيقى "المولد" الشهيرة.
ترصد جينيفر بيترسون، الباحثة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، في بحثها عن إعادة إدماج الإنشاد الصوفي في الموسيقى الشعبية الراقصة تحت عنوان "The re-popularization of Sufi inshad in Egyptian dance music" أن هناك عالما من الموسيقى المرتبطة بطريقة خاصة من الرقص تكاد أن تكون كلها وقفا على احتفالات الشارع فهي من فنون "تحت الأرض" underground بالمصطلح الغربي. وترى أن اختيار اسم "المولد" لمقطوعات موسيقية خالصة أو مصاحبة لأغاني يصور النقلة من الرقص في حلقات الذكر في الموالد إلى الرقص في الشوارع مع الدي جي أو الفرق الشعبية.
الفيلم الوثائقي "شعبي" إخراج أحمد رحال، يقول نفس الشيء بمونتاج يفاجيء المشاهد بالانتقال السلس من رقص الحاضرين في حفلة إنشاد صوفي لياسين التهامي إلى فرح شعبي في الشارع على خلفية أغنية للمطرب الشعبي محمود الليثي الذي يمزج حالة الذكر بالغناء العاطفي المرح أو الشجي.
التمايل وحالة السُكر والوجد الصوفية في حفلة الإنشاد يقابلها هنا حالة مشابهة فيها بعض الإيحاء بالغياب عن الوعي من نشوة الرقص أو ربما المخدرات التي تعد "واجبا" في الأفراح الشعبية القحة، وعدم توافرها يعد أحيانا سبة في حق أهل الفرح.
الرقص الشعبي الحديث هو رقص رجالي يستمد بعض عناصره من التمايل الصوفي والرقص الصعيدي بالعصا ورقص الهيب هوب – عالم الراب والهيب هوب تغلب عليه حالة ذكورية كبيرة مع استثناءات قليلة - وقد يستعير هز الخصر من الرقص البلدي الأنثوي بطبيعته. والجذور الريفية لمعظم عشوائيات المدن تستحضر حالة المولد وأجواء المنشدين الشعبيين ولكن الأجيال الجديدة التي تتخلى تدريجيا عن طقس حضور المولد، تعيش أجوائه في أفراح الشارع مع المغنين الشعبيين والدي جي الذي يعزف الإيقاعات الراقصة التي ورثت الاسم: "المولد"، ويرقصون رقصهم الحر ويتبارون في "التشكيل" الذي يستمد عناصره من أجواء عالمهم الجديد.

فيديو 1 - 2 - 3
--
نشر في الشروق 12 مايو 2009
نسخة PDF

المزيد

الخميس، ٧ مايو ٢٠٠٩

البوسطجية اشتكوا


تطوير هيئة البريد لم يقتصر على الواجهات الجديدة الفاخرة والاهتمام بديكور مكاتب البريد وتغيير الشعار، بل لحق أيضا بمهام الموظفين مع توجه الهيئة للتحول إلى مؤسسة اقتصادية فزادت مسئولياتهم ولكن مع ثبات الأجور والمزايا. اليوم يحاول موظفو البريد بعدد من المحافظات تنظيم إضراب عن العمل في عدد من المحافظات، مطالبين بتحسين أوضاعهم بعد التطوير ومساواتهم بموظفي وزارة الاتصالات التي يتبعونها.
PDF

ساعي البريد ينتظر جوابا
لم يعد في جعبته إلا خطابات هيئات الدولة ومراسلات المساجين لأهلهم، يسمع عن خطط تحسين أوضاع موزعي البريد وعن موتوسيكلات ميسرة بالتقسيط توفر عليهم التجوال على الأرجل، ولكنه لا ينتظر الوعود مع زملائه بل ينتظر خطابا من قريب له بإيطاليا ليلحق به مثلما يفعل معظم شباب قريته.

يشعر محمد شاهين أنه في منتصف طريق لم يعد أحد يسلكه. فمنذ أربع سنوات تخرج من ثانوية البريد التي ألغيت بعدها، وهو الآن طالب يكمل دراسته في السنة النهائية بكلية التجارة الخارجية شعبة البريد وهي الشعبة التي توقفت عن استقبال الطلبة بدءا من هذه السنة الدراسية، كما أنه عمل طوال السنوات الأربع ولا يزال كساعي بريد أو موزع في مدينة المحلة بينما تقل الخطابات بشكل مطرد.
يبتسم محمد وهو يقول: "طبعا لم تعد هناك خطابات شخصية بين الناس بعد الموبايل والإنترنت، ولما نجد خطابا مثل هذا نعده من الطرائف". معظم الخطابات هي مراسلات رسمية بين هيئات الدولة وبعضها أو بينها وبين المواطنين مثل إخطارات الضرائب أو الدعاوى القضائية، وبخلاف ذلك هناك رسائل المساجين التي تصلهم دائما يوم الأحد، يقول محمد :"يبدو أن الداخلية تجمعها وتفرج عنها جميعا في يوم واحد". في الماضي كان الأدب والسينما يصوران ساعي البريد -خاصة في الريف - كشريك في تفاصيل حياة الناس- ولكن ما بقى من هذه الصورة هي معرفته بمن دخل السجن ومن خرج منه في نطاق خطوط السير التي عمل بها. فيواسي أهالي المسجون حديثا ويهنيء أهالي المسجون الذي توقفت رسائله متوقعا أنه تم الإفراج عنه. يقول محمد: "ولكن رسائل السجن لا تخلو أيضا من الطرائف، فأحيانا يكتبون عليها صيغا مثل: "يا بختك يا جوابي هاتشوف أعز أحبابي"، أو "يا رب يوصل" أو يحاولون تشجيعنا وحثنا على توصيله بعبارة "شكرا لرجال البريد الشرفاء هنا وهناك"، وأحيانا أجوب المنطقة بحثا عن شخص شهرته حماصة لأن الخطاب لم يكتب عليه إلا اسم الحي وعبارة "يسلم ليد حماصة"".
بتنقله بين خطوط السير المختلفة خلال السنوات الأربع، أصبح محمد شاهين يعرف جيدا معظم مناطق المحلة التي جابها سيرا على الأقدام : "لا أشعر عادة بالوقت يمر، يسلمك خطاب قريب إلى خطاب أبعد وهكذا لا أشعر بالوقت إلى أن أنتهي وعندها أشعر بأن ساقاي بالكاد تحملاني". يبتسم وهو يضيف :"ولكن لا تقلق هناك بدل مواصلات جنيه واحد في اليوم !". الفترة الماضية بدأت الهيئة في الإعلان عن عروض موتوسيكلات بأقساط ميسرة لهم ولكن دفعة واحدة منها بيعت وتوقف الأمر مع وعد بإعادة الكرة.
العمل في توزيع الخطابات هي المرحلة الأولى التي يمر بها كل رجال البريد ويتدربون فيها على يد موزعين أقدم منهم لمعرفة خطوط السير وحفظ خريطة المنطقة عن ظهر قلب، بعدها يرقون إلى فرازين وهم من يتولون التعامل مع أكوام الخطابات التي تجمع من الصناديق ويقومون بتصنيفها وإرسالها إلى مراكز الحركة التي تنقلها إلى أماكن إرسالها ليتولى فرازون آخرون توزيعها على خطوط السير والموزعين لتصل إلى المواطنين. وبعد مرحلة الفرز ينتقل رجل البريد للعمل في مكتب بريد ثم في إدارات المناطق.
يقضي خريجي ثانوية البريد خمس سنوات كتكليف من الدولة ، لا يمكنهم خلالها الحصول على إجازات طويلة. يقول محمد :"قبل سنوات كنت أنظر لموظفي البريد فأراهم مميزين بين موظفي الدولة، ولكن الآن تقل المميزات وتزداد الأعباء والتطوير بطيء فيما يخص التوزيع فمثلا عدد منا يشكو من أن تمدد العمران في كل المناطق سبب تضخم في خطوط السير وعندما نطلب تقسيمها بشكل مناسب يقال لنا أن ذلك يتطلب دراسة وموافقة في الإدارة المركزية في القاهرة وغالبا ما ينتهي الأمر على ما هو عليه لأنه لا ميزانية لعدد آخر من الموزعين". يضيف محمد أنهم سمعوا أيضا عن خطط لتغيير مسماهم الوظيفي من موزع إلى مندوب للهيئة يقوم بمهام إضافية ومختلفة ولكنهم يتخوفون من أن يكون ذلك بنفس المقابل الضعيف كما حدث مع موظفي المكاتب.
يشير محمد إلى أن مسكنه في قرية الناصرية مركز سمنود المدينة القريبة من المحلة، ومعظم شباب قريته اعتادوا على السفر للخارج للعمل في إيطاليا وفرنسا وألمانيا ويعودون لبناء العمارات وبدء الاستثمارات حتى أصبح ذلك تقليدا في كل عائلة وكل جيل يساعد التالي له في السفر والحصول على إقامة وفرصة عمل، وحتى أبناء الأسر المعدمة يخوضون تجربة قوارب الموت من ليبيا لمواجهة قلة فرص العمل. بعد التطورات الأخيرة فيما يخص أوضاع موظفي البريد يقول محمد أنه فقط ينتظر انتهاء السنوات الخمسة للتكليف لكي يحصل على إجازة ويتمني خلال هذه الفترة أن ينجح قريب له يعمل في إيطاليا من توفير فرصة عمل وإرسال دعوة له. وربما يكون هذا الخطاب هو آخر ما سيمسكه من خطابات.


موظفون غاضبون في مكاتب خضراء زاهية:
"الخطابات قليلة لكن صندوقنا فاض بالمهام"
الموظفون تلقوا دورات ليؤدوا دور موظف الشباك الشامل الذي يستطيع تقديم الخدمات المتنوعة الجديدة للمواطنين، وفي العديد من المكاتب يقومون بأداء أعمال النظافة والبوفيه ولكن منذ سنوات لا أجور إضافية والحوافز تقل، وما يزيد فقط هو المطالبة بالانضباط وإلا تزيد الجزاءات أيضا.
يدخل الشيخ الهرم مع دقات الساعة الثالثة عصرا إلى مكتب البريد الصغير في الحي الشعبي بمدينة المحلة ويسلم على موظفي الشباك الثلاثة بأسمائهم ويحيي شريف البدراوي وكيل المكتب ويسأل إن كان بإمكانه إيداع بعض المال في حساب التوفير الخاص به. يقوم إليه البدراوي ويعتذر منه بأنهم بدأوا في إغلاق حساب اليوم مع نهاية ساعات العمل. فيمد الشيخ يده بالنقود قائلا: "الدار أمان، خلوها معكم لبكرة وأودعوها". يعتذر منه البدراوي مرة أخرى ويطلب منه أن يرسل أي طفل صغير في الصباح بدلا من أن يتعب نفسه. يخرج الشيخ محييا الموظفين، ويهز شريف البدراوي رأسه في أسف وهو يقول أن مثل هذا الشيخ يجعلون فكرة إضراب موظفي البريد صعبة :"ماذا أفعل إن جاءني يطلب معاشه، هل يمكن أن أرده ؟". ولكن في نفس الوقت يقول أن أوضاعهم في حاجة إلى تغيير.
قبل ساعات كان المكتب يعج بالنشاط، صندوق البريد الموجود أمام المكتب نادرا ما يقربه أحدهم ليضع خطابا، ولكن لا تتوقف داخل المكتب طلبات الإيداع في دفتر التوفير والحوالات البريدية الفورية وخدمة تحصيل النقود لصالح الشركات، وسداد فواتير الكهرباء والمياه والتليفون وتوصيل الطرود، بالإضافة لخدمة بيع التليفونات المحمولة والخطوط وكروت الشحن لشركة اتصالات التي تملك هيئة البريد حصة تبلغ 26% منها.
"نحن الجهة الوحيدة التي يقوم موظفوها بعشرات المهام ويتلقون تدريبات مستمرة ولكن بنفس الأجر" يقول شريف البدراوي بعد أن أحضر أكواب الشاي التي أعدها بنفسه: " هنا نحن 4 موظفين فقط، ولأوقات طويلة نكون منهمكين في العمل أمام الشبابيك ولا نتمكن من القيام لإعداد كوب شاي، فلا يوجد سعاة أو عمال بوفيه، وبعد انتهاء أوقات العمل نقوم بتنظيف وكنس المكتب بأنفسهنا".
يشكو معظم موظفي البريد أنهم يؤدون مهاما متنوعة حديثة تتطلب تدريبا بالإضافة لأعمال خارج اختصاصهم مثل التنظيف، ولأكثر من سبع ساعات متواصلة بلا توقف. ولكن المقابل أقل بكثير من هيئات حكومية أخرى. يقول شريف البدراوي :" لي الآن 20 سنة أعمل في البريد، بدأت كموزع ثم فراز ثم معاون ثم مراجع والآن وكيل مكتب ولا يزال مرتبي 800 جنيه، بينما أقراني في وزارة الاتصالات لا يقل مرتبهم عن 2000 جنيه".
هذا بخلاف مشاكل التعاقدات، فيشير شريف إلى السيدة إحسان المنهمكة في إغلاق حسابات اليوم ويقول أنها واحدة من 5000 موظف بعقود مؤقتة يشكون، وبعضهم يشكو من 15 سنة ولكن دائما الردود تأتي بأنه لا موازنة لتعيينات جديدة أو لتعديل الأجور.
يشكك شريف في هذا الكلام قائلا أنه في عهد الرئيس السابق للهيئة د. علي مصيلحي- الوزير الحالي للتضامن الاجتماعي- كانت الحوافز أكثر وتحسب من الأجر الشامل، ولم تكن الهيئة توسعت في التطوير وبدأت شراكاتها الجديدة. كما أنه يشير إلى الديكور الحديث للمكتب قائلا أن الأموال توفرت لتطوير المكاتب ولشراء حصة من شركة المحمول الثالثة والدخول كشريك في خصخصة البريد الأردني ولكن الأجور لا تتحرك والحوافز تقل بل وتحسب من الأجر الأساسي. ويضيف: "نحن جهة خدمية ولكننا نحقق مكاسب من رسوم الخدمات. هذا المكتب الصغير على سبيل المثال يحقق دخلا متوسطه 20 ألف جنيها شهريا بينما لا تزيد مصاريفه شاملة أجور العاملين الأربعة به 3000 جنيه شهريا".
في المقابل يقول العديد من موظفي البريد أنهم الأكثر انظباطا بين هيئات الدولة، يتواجدون على مكاتبهم في الثامنة إلا الربع تماما، وينتهون من التعامل مع الجمهور في الثالثة، ثم يقومون بمراجعة الحسابات ولا يرحلون قبل الرابعة عادة. كما أن المفتشين يتعاملون بصرامة بالغة ويخصمون من مرتبهم بسبب سوء المظهر أو عدم نظافة المكتب أو بسبب أي خطأ أو سهو في اسم أو رقم أو عند حدوث أي مشادة مع مواطن.
يقول شريف البدراوي :"هناك جزاءات كبيرة بخصم أيام من المرتب، وهناك جزاءات صغيرة بخصم جنيه واحد في مقابل الأخطاء الصغيرة، وخصم الجنيهات يطول موظف البريد بشكل يومي، وفي نهاية الشهر يجد أمامه قائمة بخصومات الجنيهات من مرتبه" ويضيف "المشكلة أن لائحة تقييم الموظفين الجديدة التي كانت الهيئة تريد تمريرها تجمع خصومات الجنيهات وتحولها إلى أيام جزاءات بحسب قيمة أجر اليوم وتجعلها تخفض تقدير الموظف من ممتاز إلى جيد أو متوسط أو ضعيف، ولو حصل على تقدير ضعيف في تقريرين سنويين يمكن للهيئة فصله". هذه اللائحة اعترض عليها الموظون والنقابة العامة وتم تجميد العمل بها مؤقتا تمهيدا لتعديلها.
تعديل هذه الاوضاع ومساواتهم بموظفي وزارة الاتصالات وتوفير فرص عمل لأبناء العاملين هي المطالب المعلنة للجنة الداعية للإضراب التي تتركز في كفر الشيخ وشمال ووسط سيناء، وهي المحافظات التي أعلن عدد من موظفيها المشاركة في إضراب اليوم، ولكن حتى أول أمس لا تزال المحلة في حيرة من أمرها. يفسر شريف ذلك بأن أهالي المحلة عموما أصبحوا حذرين بسبب التجربة الصعبة في أحداث 6 إبريل 2008، كما أن الأمن أيضا أصبح هناك أكثر يقظة وحزما. يغلق شريف أبواب المكتب معتذرا لواحد آخر أتى متأخرا ثم يقول: "نعرف أن حياة عدد من الناس سيتعطل ولكن الأمر يتطلب وقفة فعلا والأمر رهن بقرار النقابة ولو أضرب بعض الزملاء في المقرات الرئيسية ممن طالهم جزاءات أو ظلم كبير، لن نتركهم وحدهم وسنضرب معهم. وربنا يستر".
-
تم تغيير أسماء الموظفين بناء على طلبهم


النقابة: بعض المطالب غير واقعية ولا نؤيد الإضراب

يؤكد محمد سعد البهوتي، رئيس اللجنة النقابية بالمحلة الكبرى، أن موقف النقابة العامة هو رفض الدعوة إلى الإضراب لأنها تضر بمصالح المواطنين البسطاء وقال أن النقابة العامة تسعى لتحقيق بعض المطالب الواقعية للموظفين مثل تثبيت المؤقتين وإعادة النظر في الحوافز والمرتبات في حدود الإمكانات المتاحة وتجميد العمل بلائحة التقييم الجديدة التي اعترض الموظفون عليها.
أما المطالب الأخرى مثل المساواة بموظفي المصرية للاتصالات فيرى أنها غير واقعية في ضوء الإمكانات المتاحة ولا تراعي اختلاف الدخل الذي تحققه كل مؤسسة، وقال أن بعض مكاتب البريد تحقق دخلا ولكن بعضها الآخر لا يحقق نفس الدخل وأن بعض الموظفين رؤيتهم محدودة بأماكنهم.
ويقول البهوتي أن اختلاف المكافآت في الوقت الحالي مع رئاسة علاء فهمي لهيئة البريد عن وقت رئاسة عادل مصيلحي يعكس اختلاف سياسات نظرا لدخول الهيئة في شراكات وخطط جديدة.
ويوضح البهوتي أن النقابة لا ترى أن إضافة مهام جديدة في نفس وقت العمل يبرر المطالبة بزيادة الأجور، وأن الإمكانات المالية لا تتيح تعيين سعاة وعمال نظافة ولكن النقابة سعت لحل المشاكل بتناوب السعاة المتوفرين على العمل في المكاتب أو استقدام عمال نظافة وإضافة أجرهم لمصاريف المكتب، ويضيف: "عندما كنت مديرا لمكتب كان الساعي في الستين من عمره وكنت أقوم بنفسي بتنظيف مكتبي ولم أتذمر ويجب أن نراعي ظروف البلد وظروف الهيئة".
--
نشر في الشروق 7 مايو 2009

المزيد

الخميس، ٣٠ أبريل ٢٠٠٩

البجعة الجميلة تذهب إلى العمل


عندما تدق الساعة الخامسة مساء ويهم المحاسب هشام عز الدين بمغادرة البنك، يخلع سترته ويضعها على كتفه ملتقطا طرفها بإحدى يديه وبالأخرى يخفف من إحكام ربطة عنقه وهو يتنفس الصعداء.
" الشغل في مصر بقى حاجة تخنق" كثيرا ما كانت تلك هي الجملة الأولى لهشام وهو يلقى بسترته على مقعده المفضل في المقهى القريب، حتى قبل ان يلقى التحية على أصدقائه من موظفي البنوك والشركات المجاورة الذين يلتقيهم بشكل يومي بعد مواعيد العمل ويتبادون أحاديث يدور معظمها حول هذه الفكرة وتفاصيلها..
صراعات ما قبل إعلان الترقيات، التنافس والغيرة والتقييم المتبادل، العلاقات مع الرؤساء والمرؤوسين، التفكير في تغيير مجال العمل أو مكانه، التذمر من المرتب المجحف بالمقارنة بالمجهود أو بآخرين في نفس المجال أو بالأقساط مستحقة الدفع كل أول شهر.
هذه الحالة ليست سمة "الشغل في مصر" فحسب. ليس فقط لأن البنك الذي يعمل به هشام هو فرع لبنك دولي، ولكن لأن هذه المشكلات تواجه كل من يعمل في كل مكان. وهو ما استدعى الإقبال العالمي من قبل كلا من الشركات والأفراد على مجال "التنمية الذاتية" أو "التنمية البشرية" لمعالجة هذه المشكلات ولتحقيق توازن مرضٍ بين أهداف المؤسسات وأهداف الأفراد العاملين بها. ومن جانب آخر الوصول لمعادلة للتوازن بين الحياة والعمل عند الأفراد.
"العمل قد يمنحنا الحياة ولكنه قد يقتلنا أيضا" هكذا تقول ميتي نورجارد، الكاتبة الدنماركية وخبيرة التنمية البشرية في كتابها "البط الدميم يذهب إلى العمل" الذي ترجمه د. شكري مجاهد ونشرته دار العبيكان. الاسم الغريب للكتاب نسبة لعنوان إحدى قصص الأديب هانز كريستيان أندرسون: "فرخ البط الدميم".
ففي كتابها تستلهم نورجارد خلاصة الحكمة التي تتضمنها قصص مواطنها الأديب الدنماركي، لتطبقها من وجهة نظرها على مشكلات العمل المعاصرة.
وجدت نورجارد في القصص الخيالية التي أحبها الملايين من الكبار والصغار مثل الإمبراطور المخدوع بالزي السحري أو الخنفس المتكبر أو شجرة الصنوبر، معان وأفكار تصلح للحياة والعمل معا. لذلك تهدي هذا الكتاب إلى من يبحثون عن الحياة والحيوية في العمل. من يريدون أن يعيشوا أثناء العمل، ولا يعتبرونه وقتا يبيعونه مضطرين من أجل أموال سيستمتعون بها باقي الوقت وهم يرددون أن "الشغل لا يطاق”.
وهذا ليس لصالحهم فقط، بل لصالح المؤسسات والشركات أيضا.ففي الأعمال التي تتطلب الإبداع والتفكير واتخاذ القرار، وليس تنفيذا آليا مكررا لمجموعة من الأفعال، بالتأكيد سيكون الأفراد الأقل تكيفا والأكثر ضجرا وتذمرا من العمل، أقل كفاءة وإنتاجية.
وكما يقول ستيفن كوفي- صاحب الكتاب الشهير "العادات السبع للناس الأكثر تأثيرا"- في تقديمه لكتاب نورجارد أن موضوعه له علاقة كبيرة بالمرحلة الانتقالية من العصر الصناعي إلى عصر المعلومات، "في مؤسسات العصر الصناعي تصنع القرارات المهمة في قمة معزولة عن أفراد ينشغلون فقط بالمفكات والأدوات. أما في عصر المعلومات فالقيادة موزعة على الجميع".
مشاهير خبراءة التنمية البشرية عادة ما يكونون مستشارين لشركات رأسمالية كبرى، ونورجارد كذلك. إلا إنها تتمتع ببعض التوازن. فكما تقترح على المؤسسات بعض التعديلات في سياساتها لكي تساعد الأفراد على التحقق والإبداع، تقترح أيضا على الأفراد التكيف في إطار نظم العمل المعروفة وألا يندفعوا وراء الخيال والأحلام. القصص الخيالية لن تدفع نورجارد لأن تكون غير "عملية"، في النهاية محور الموضوع كله هو "العمل".

1- "إني أرى الامبراطور عاريا !"
يحدث أحيانا أن يقدم المدير إلى مرؤوسيه رؤيته لمشروع أو حله المقترح لمشكلة معينة. يعتقد بعضهم أن هذه الرؤية بها خطأ ما أوأن حله به ثغرة، ولكن لأن معظمهم يشيد بحكمة المدير بشكل أوتوماتيكي أو على الأقل يهز رأسه تخوفا من أن يكون اعتراضه هو الخاطيء، فإن المتأكدين من خطأ كلام المدير أو من لديهم رأي آخر متمسكون به سيجدون أنفسهم أمام خيارين: مجاراة المدير والزملاء أو الاعتراض والمغامرة بالخروج عن السياق.
هذا ما رأته ميتي نورجارد في قصة "ملابس الامبراطور الجديدة". في القصة يقنع نصابان الإمبراطور المهتم بزينته ومظهره أنهم سيصنعون له ثوبا بديعا من نسيج سحري لا يراه الذين لا يستحقون أن يكونوا في مناصبهم. وعندما يبدأ النصابان في النسج، يرسل الإمبراطور مستشاريه ووزرائه، وعندما لا يرون شيئا ينسج يكون عليهم إما التصريح بما رأوه والمغامرة بأن يكون ذلك اعترافا أنهم ليسوا جديرين بمناصبهم، أو التظاهر برؤية النسيج السحري والعودة للإمبراطور وطمأنته أن الثوب سيكون رائعا. يصل الأمر في النهاية إلى أن البلدة كلها تتظاهر بأنها ترى الثوب غير الموجود، ومنهم الإمبراطور نفسه. بل ويستسلم الإمبراطور للنصابين ويتركهما يلبساه الثوب الخفي ليسير في موكب حاشد عاريا تماما ولكنه يسمع إشادة الناس بمظهره. ويستمر الأمر حتى يكشف بعض الأطفال الأمر ببراءة وهم يرددون "الإمبراطور عار! الإمبراطور لا يرتدي شيئا!”. الأطفال ليس لديهم حسابات وليست لديهم مناصب يخافون ألا يكونوا جديرين بها.
في مثل هذا الموقف يتعرض الناس لاختبار: إيثار السلامة أم التزام الأمانة؟ هل يعلنون ما يرونه حقا ويتحملون تبعته لو كان خطأ أم يحافظون على مكانتهم مؤقتا؟
تحذر نورجارد من أن إيثار السلامة وراءه الاعتقاد أن رضا المدير أو الرؤساء الشركات هو سبب وجودننا في أماكننا، ولكن هذا ليس صحيحا دائما في رأيها. الرؤساء يتغيرون.والمؤسسات نفسها قد تتغير أويعاد هيكلتها. وعلى كل فرد أن يعتبر نفسه عاملا حرا ضمانه الوحيد هو كفاءته في هذا العالم المتغير. وعندها سيكون مجاراته للآخرين على ما يعتبرونه صحيحا هو خداع لنفسه أولا لأنه لن يسأل ولن يناقش ولن يتعلم، فقط سينفذ الأوامر ويعتمد على علاقته الحسنة برؤسائه.
نهال عمران، المتخصصة في إدارة الأعمال، والتي عملت لفترات في منظمات المجتمع المدني المحلية أو الدولية تقول "للأسف، العلاقة الشخصية مع الرؤساء لا الموضوعية هي التي تحكم معظم علاقات العمل التي رأيتها، قيمة الخصوع هي الأعلى وبالتالي التملق وحفظ المقامات هما وسائل الترقي، وأن تكون حازما ومباشرا يهدد بخروجك خارج السياق وفقدانك للتجانس مع محيطك".
تؤكد نورجارد أن الميل للتلاؤم هو أمر فطري لدى الإنسان، إلا أن الإنسان في سعيه لذلك قد يخلط بين "جوهر وجوده" وبين "ظيفته الحالية". هوفي هذه الحالة يفتقد دور "مديره الذاتي" الذي يضع الحدود بين الاثنين. في قصة الامبراطور تظاهر كل الناس بأنهم يرون الثوب السحري لأنهم خافوا من أن يكونوا غير جديرين بمناصبهم، وكأنه هوكل وجودهم. العمل يشكل جزءا كبيرا من هوية الإنسان، ولكن ليس عملا بعينه أو وظيفة بعينها.
نمط الحياة المعتمد على الاستهلاك المفرط والديون والأقساط يهدد بافتقاد ذلك التمييز. الرعب من فقدان الوظفية الحالية يؤدي بالتأكيد إلى "إيثار السلامة". "الديون تذهب بالشجاعة" هكذا تقول نورجارد. ولنفس السبب تعتبر نهال عمران أن نمط حياتها المتحرر من الديون والأقساط المؤجلة له الفضل في تحررها لبعض الوقت من الوظائف التي لم ترق لها حتى عثرت على غيرها.
في بعض الأحيان، لا يكون "إيثار السلامة" سكوتا عن خطأ ما، ولكن إسكاتا لرأينا وتفضيلاتنا في مجالات تعتمد بالأساس عليها، مثل المجالات الفنية أو تلك التي تعتمد على التقدير بناء على الخبرة. مجاراة السائد في وسط ما قد يضمن أمان وظيفي مؤقت، ولكنه يحول بيننا وبين الترقي الحقيقي في المجال أو اختبار مقترحاتنا واتجاهاتنا وربما يحرمنا من فرص عظيمة ويجعلنا نخاف من الإبداع والتجديد. تحذر نورجارد: "المغالاة في صفة العملية والهوس بحساب تفاصيل حياتنا المهنية قد يجعلنا نفصل حياتنا لتناسب توقعات أناس آخرين".

2 - "هذا ليس مكاني!"
"فرخ البط الدميم"، في قصة أندرسون التي تحمل نفس الاسم، لم يكن يشعر بالتوافق والانتماء. أحس نفسه مختلفا عن البط، وهم أيضا أحسوا بذلك. وكانت رغباته وأحلامه أيضا مختلفة. ورغم تأنيب الدجاجة له على هذه الأحلام: "أنت فقط تشعر بالفراغ، عليك أن تجد شيئا يشغلك"، ورغم متاعب كثيرا واجهها، فإن فرخ البط قد استمر في التنقل يبحث عن مكان له وعن مجموعة ينتمي إليها. وبينما كان يهيم حبا في شكل البجع الجميل، اكتشف في لحظة عندما نظر في صفحة مياه البحيرة أنه أيضا بجعة جميلة.
أحيانا تكون المشكلة أننا لا ننتمي إلى هذا المكان أوهذه الوظيفة. قد يجعلنا الخوف من المغامرة نقبل بحالتنا المتواضعة أو السيئة في مكاننا الحالي. ولكن كماه هي العادة، فإن القبول بالمغامرة هو الطريق الوحيد لمكان آخر نتحقق فيه بشكل أفضل.
ميتي نورجارد نفسها مرت بهذه التجربة، فقد كانت طبيبة علاج طبيعي. ولكنها كانت تشعر بأن تحققها ونجاحها هو في مكان آخر. فتركت الطب واتجهت لمجال الإدارة والتنمية الذاتية. وانتقلت من الدنمارك إلى الولايات المتحدة لتحقق نجاحا كبيرا وتعمل في أشهر المؤسسات في هذا المجال "مؤسسة فرانكلين كوفي، قبل أن تفتتح مكتبها الاستشاري الخاص في نيويورك.
ترى نورجارد أن "الإنصات إلى شغفنا الداخلي" هو الطريق إلى "اكتشاف الذات". بشرط أن نمارس ذلك بنضج، وأن نخوض المغامرة بحساب وأن نكون على استعداد لتحمل تبعاتها. والأهم ألا نخدع أنفسنا هروبا من مشكلات تواجهنا، وهو ما يمكننا أن نعرفه حين نواجه أنفسنا بصدق.
إيمان عبد الرحمن، مهندسة الاتصالات التي تعمل في شركة متعددة الجنسيات، تشعر أحيانا بالملل من الوظيفة التي تتضمن الاهتمام بتفصيلة صغيرة بشكل مكرر إلى حد الملل أحيانا. وبعض أحلام التغيير تراودها في عمل أكثر إبداعا تديره هي من أوله وتخطط له. لا تنكر أن بعض الأحلام تكون كالمسكن وقت الإحباطات: "نهرب من الواقع للحظات حتى نستطيع استكماله". ولكن تحفزها لفرصة مناسبة لتحقيق بعض أحلامها قد يجعل من تلك الأحلام واقعا يوما ما.
تحذر نورجارد من أن بعض أفكار التغيير هي أحلام الحياة المثالية، مثل الرغبة في الاشتغال في الفن أو احتراف الكتابة، وقد لا تكون الظروف أوالقدرات ملائمة:"قد يمنحنا أسلوب الحياة المثالي الحلم والإلهام، إلا أنه لا يبنى سقفا فوق رؤوسنا".
قد تمثل الرغبة في التغيير خروجا إلى فضاء العالم الواسع بدلا من حصر أنفسنا في طريق بدأناه أوقرار اتخذناه في لحظة معينة. ولكن قد يكون التغيير الأهم أحيانا هو "تغيير أنفسنا لا وظائفنا". وأمام هذه المعضلة يظل "الإنصات إلى صوت الشغف الداخلي" و"قبول نتائج المغامرة" هما الفيصل. هل نستمع إلى قول جوناثان يانج: "التمسك بالوظيفة الحالية، والبحث عن سبل لبعث حياة جديدة فيها لا يقل بطولة وإبداعا مؤثرا عن قرار ترك العمل"، أو إلى قول جيم كولنز ونتبع إجابة السؤال:"ما الشيء الذي أحبه إلى درجة تخلق عندي الدافع والانضباط اللازمين لتحقيقه؟ ما الشيء الذي أحبه إلى درجة تجعلني أطمح إلى العظمة؟"

3- "هذا ليس مقامي!"
قد يكون وراء قرار "هذا ليس مكاني" هو دافع آخر: عندما نشعر أننا لا نلقى المكانة والتقدير الذي نستحقه.
في قصة أندرسون ترك الخنفس إسطبل الإمبراطور غيرة من الحصان حصل على حدوات ذهبية مكافأة له على إنقاذه الامبراطور في إحدى المعارك. فقد طلب تقديرا مماثلا وعندما رفض طلبه قال: "حسنا! إنها إهانة. أنا خارج إلى العالم الواسع". وبعد سلسلة من المواقف التي استمر فيها الخنفس يرى نفسه في مكانة أرفع من التي تتاح له.وعندما يتم تقديره يتعالى على من قدروه. وفي النهاية عندما لم يجد ملجأ إلى الإسطبل وعاد إليه مرة أخرى أنقع نفسه أن تقدير حصان الإمبراطور هو تقدير له أيضا لأنه ساعتها سيمكنه أن يعتلي ظهر حصان ذي حدوات ذهبية.
أحيانا ما يتعلق بصرنا بالمكانة: اسمنا الوظيفي ومناصبنا وتراتبنا مقارنة بالزملاء. بغير أن نتطلع بشكل صادق إلى إمكاناتنا أو نحاول الاستفادة من مواقعنا الحالية في تطويرها. وذلك بالتأكيد يؤثر على العمل الجماعي في فريق واحد.
يعترف المحاسب هشام عز الدين بذلك: "في فترة سابقة سيطرت عليّ الرغبة في ضرورة الترقي بأي شكل، كان هناك بعض من هم أصغر مني سنا في مناصب أعلى وكان ذلك يعكر مزاجي جدا. وانتهى الأمر بأني طالبت رؤسائي بما أظنه حقي في الترقي، وفعلت ذلك ببعض الحدة. ساءت علاقتي بهم وتركت هذه الشركة بعد فترة وضاعت علي فرصة تعلم خبرات كثيرة وندمت على ذلك".
أحيانا ما تتعارض الرغبة في المكانة مع الرغبة في التعلم. بعض النرجسية مضر جدا، ولكن نورجارد ترى أن بعضها ضروري بشرط أن يكون الشخص متمكنا من نقاط قوته ومدركا لنقاط ضعفه. لا تمانع في أن يظهر البعض قدراته على نحو جيد. يستخدم البعض أحيانا تعبير "يعرف كيف يسوّق نفسه". وترى نورجارد أن هناك ثلاثة أشياء ضرورية لكل فرد عامل: التمكن من تخصصه، وشبكة علاقات عمل في المجال، و"تسويق ذاته" في الوسط المحيط وهذه الشبكة بشكل جيد. لا مانع من أن نصور تاريخنا المهني بشكل جذاب، ولكن لابد أن يكون ذلك مبنيا على حقائق لا أكاذيب. ولكن يمكن لبعض اللمسات الإبداعية أن تحسن عرض الجوانب المضيئة وربما تحسن أيضا عرض التجارب الفاشلة أو المتعثرة.
ولكن تحذر نورجارد من أن بعض النرجسية قد يمنع بناء علاقات عمل جيدة مع الزملاء، وقد يسبب نقصها أيضا مشكلة. توضح نورجارد أن هناك توازنا ضروريا بين التنافس والتعاون في كل فريق عمل. لا تدع التنافس يفسد التعاون الضروري، ولا تدع التعاون يجعلك تتنازل عن حقك في تأكيد ذاتك وإنجازك الشخصي.
المهندس طارق عبد الله يرى أن نظام الشركة التي يعمل بها تتجاوز هذا الأمر، فبرغم توسع الشركة وتنافس الأفراد على الترقي إلا أن نظام العمل بها يجعل الفرد من جانب مثابا على إنجاز الفريق ككل، ومن جانب آخر يثاب على عمله الفردي.
النرجسية قد ترتدي ثوبا آخر في رأي نورجارد وهو ثوب "الاستعلاء الأخلاقي". عندما يرى البعض المنافسة على أشدها ينزوي ويقول:"أنا المحترم الوحيد في هذا المكان". ترى نورجارد أن "الأخلاقيون أحاديو البعد" يقابلهم "واقعيون أحاديو البعد" لا يرون أي مشكلة في أي طريقة للوصول إلى أهدافهم وأن تضمنت التملق أو التسلق. نورجارد تدعونا ألا نكون من هؤلاء أو هؤلاء. وتدعونا لان نستدعي مرة أخرى "مديرنا الذاتي" لكي يضبط التوازن بين رغبتنا المشروعة في تحقيق الذات عبر التنافس وبين ضرورة التعاون مع الآخرين والتعلم منهم.

4- "الآن وهنا"
في قصة أندرسون مالت أشعة الشمس على شجرة الصنوبر الصغيرة المنتصبة في الغابة وقالت لها: "اسعدي بشبابك النصر وبالحياة المتدفقة داخلك". ولكن شجرة الصنوبر كانت مشغولة عن ذلك بالتطلع إلى الأشجار الأكبر التي تقطع وتذهب لتكون صوار للسفن أو لتكون شجرات عيد الميلاد. وعندما كبرت قليلا وقطعت من جذورها وذهبت إلى منزل دافيء وتم تزيينها بالألعاب والحلوى ظلت قلقة: "ماذا سيحدث لي بعد ذلك؟". ما حدث أنها انزوت بعد انتهاء الاحتفال في صندرة علوية ورغم أنها حظيت بصحبة عدد من الفئران الذين اهتموا بحكاياتها عن أيام الغابة، إلا أن صحبتهم لم تسعدها وظلت تحن للأيام الماضية حتى قطعت أجزاء وألقيت في المدفأة وانتهى كل شيء.
"السخط يجعلنا نتمنى ما ليس في أيدينا" تحذرنا نورجارد "بالرغم من أننا نعيش عصرا أغنى بالفرص عن ذي قبل، فإننا أقل رضا.عقولنا زائغة خشية أن يفوتها شيء".
من يتعجل المراحل لا يعيش أي مرحلةبحق، يظل بصره متطلعا إلى مرحلة لاحقة أو حنينه يربطه بمرحلة سابقة. في العمل نتعلم من المرحلة الحالية ما سيؤهلنا إلى ما بعدها. حتى مراحل الفشل والتدهور نتعلم منها، "التدهور معلم قاس" كما تقول نورجارد. ولكن في الوقت نفسه علينا أيضا ألا ندع السعي لتحقيق إنجاز في العمل "الآن وهنا" يستحوذ على كل اهتمامنا. تدعونا نورجارد إلى أن يكون لدينا دائما "منتجعنا الصغير"، الذي لا يلزم أن نسافر إليه. فهذا المنتجع ليس إلا حرصنا على مساحة من التأمل والاسترخاء واستعادة تدفق الحياة داخلنا وسط زحام الالتزامات.
“الآن وهنا" يمكن أن يكون تحقيقا مؤقتا أوخطوات قليلة نحو تغيير بعيد. المهندس طارق عبد الله لن يترك عمله ليتفرغ لما يحلم به: إنجاز تطبيقات ويب مختلفة تحقق نجاحا كبيرا على غرار الفيس بوك، ولكنه يعمل على مشروعه هذا بجانب عمله. وكذلك المهندسة إيمان عبد الرحمن، فالمشروع الإبداعي الخاص الذي تحلم إليه وينتمي إلى "النيوميديا" ويبدو بعيدا الآن ولفترة قادمة. تسعى إليه "الآن وهنا" من خلال تطوعها في مشروعات مماثلة، فهي تكتب وتحرر في موقع "أصوات عالمية" Global Voices.
لما توقفت شجرة الصنوبر عن التعلم والعمل والاستمتاع بما لديها "الآن وهنا" وقالت: "غدا سأستمتع بحياتي، بكل ما لدي من بهاء". لم يأت ذلك الغد أبدا، ولم تعرف أبدا متى كانت أكثر بهاء بما يكفي ليجعلها تسعد.

المزيد

الأحد، ٢٦ أبريل ٢٠٠٩

صورة جديدة بدون حجاب

sharzaad_hijab
الصورة نقلا عن News from Iran

فيما يخص مظهرهن، اختيارت كثيرة تنتظرالفتيات غير المحجبات أو المحجبات، باستنثاء اختيار وحيد يعد سيرا عكسيا في طريق اتجاه واحد: التخلي عن الحجاب بعد ارتدائه.

لا تنسى شاهندة ذلك اليوم أبدا. حدقت فيها أمها عند خروجها من باب الشقة واضطربت مشاعرها بين الدهشة والغضب، في الشارع صاحبتها نظرات كل من يعرفها حتى مرت، في الكلية لم يرد بعض زملائها سلامها وتجاهلوها غاضبين. ولكنها لا تنسى أيضا أنه في ذلك اليوم الذي خرجت بدون غطاء رأس بعد سنوات طويلة من ارتدائه لاحظت تغير شكل ظلها على الأرض وفاجأها إحساس ملمس هواء الصباح البارد على عنقها.
معظم الفتيات اللاتي أقدمن على هذا الاختيار وسرن عكس الاتجاه، يتمنين لو أن من يعرفونهن ينسون هذه اللحظة. يكفيهن أن يقاومن النظرة المستنكرة إلى المسلمة غير المحجبة، أما النظرة إلى التي خلعت الحجاب بعد ارتدائه فيبدو أنها أشد استنكارا بكثير.
"كأنها ردة عن الدين" كما تقول شاهندة حسين، خريجة كلية الفنون الجميلة "معظم الفتيات غير المحجبات وحتى المتحررات يعتذرن عن حالهن ويبررن عدم تحجبهن بأن اللحظة المناسبة لمن تأت بعد ويرددن: ربنا يهدينا. وعندما تتحجب واحدة منهن يهنئنها ويباركنها. ولكن خلع الحجاب بعد ارتدائه فيه تسجيل موقف".
الموقف العنيف من معظم الناس تجاه أي رأي نظري مختلف عن كون الحجاب فرض على كل مسلمة ورفض أي جدل بهذا الشأن مؤشر على مدى العنف الذي يمكن أن يواجه موقفا عمليا لفتاة تتخلى عن الحجاب وتدافع عن وجهة نظرها وقناعتها الجديدة.
قبل سنوات كان الموقف مختلفا، اضطرت شاهندة أن تدافع عن قرار ارتدائها الحجاب أمام والدتها وخالها. كانت طالبة في نهاية المرحلة الإعدادية وكانت مرتبطة بشدة بمدرسة اللغة العربية التي قالت لهم أنه حان الوقت، بينما رأت والدتها وخالها أنها لا زالت صغيرة على الحجاب ولكنها أصرت وارتدته.
تقول شاهندة :"كنت من المحجبات الملتزمات. لم أكن مقتنعة بالموائمة والحلول الوسط لكثير من المحجبات اللاتي يظهرن زينتهن بالتحايل على الحجاب ويفعلن كل شيء مع الحفاظ على غطاء الرأس. ولم أكن من أولاء اللاتي يخلعن الحجاب في الأفراح والمناسبات". وتضيف أن عادتها تلك في الحفاظ على موقف متسق تلتزم به ووجهة نظر تقنتع بها هو ما أدى إلى موقفها الجديد أيضا.
لم يكن هذا الموقف وليد شك ديني، ولكنها تراه قناعة دينية مختلفة.
خلال السنتين الأخيرتين من دراستها الجامعية، كانت تقضي وقتا طويلا وحدها مع أعمالها ومشروعاتها الفنية تتأمل في صور الأشياء، وفي صورتها أيضا. تعتقد أن شخصيتها واختياراتها في الحياة بدأت في التبلور في هذه المرحلة. تقول: "بدأت أعيد التفكير في أمر الحجاب، وعندما فضفضت لأمي مرة لم تأخذ كلامي مأخذ الجد. لم يكن تغيير رأيي مقترن بقراءة كتاب معين أو التأثر بكلام أحد. في هذه الفترة تغيرت نظرتي للعالم ولنفسي، لما أريد أن أفعله وما أريد أن أكونه، وعندما رسمت نفسي مرة بالحجاب لم أجد نفسي في الصورة".
ولكن لم تأخذ قرارها إلا بعد التفكير الطويل، فقناعتها الجديدة أن الحجاب جزء من نظام سائد أصبح مفروضا على الجميع، رجالا ونساء. نظام يحاول أن ينمط الجميع وأن يحافظ على موقف جماعي، يكون فيه السلوك الشخصي وكأنه جزء من موقف سياسي. تشير إلى الأدبيات الدينية التي تناشد المرأة أن تتحجب لأن ذلك يجعل الأمة الإسلامية أقوى. وترى أن هذا النظام يصور جسد المرأة وجمالها وكأنه مشكلة أو عبء عليها أن تقوم بحراسته طوال الوقت إلى الدرجة التي جعلتها تتمنى في لحظات أن تكون ذكرا لا أنثى لكي تحرر من هذا العبء.
وفي النهاية وصلت شاهندة لقناعتها الجديدة التي تلخصها ببساطة :"لم أعد أعتقد أن الله الذي أحبه يمكن أن يفرض عليّ نظاما عنيفا كهذا".
ولكن عنف معنوي كان بانتظار اختيارها الجديد، ولم تجد من يتفهمه. أمها ظلت غاضبة لفترة طويلة، أخوها الأكبر السلفي لم يحتمل الأمر وأخذ حقيبته وترك المنزل احتجاجا على السماح لها بذلك. وأخوها الأصغر كاد أن يضربها لأول مرة، وهددها وتوعدها إن تجاوزت وارتدت زيا قصيرا أو مكشوفا. إخوتها الذكور كانوا الأشد عنفا، كانوا يشعرون بالمسئوية نظرا لوفاة الوالد. لم يكن هذا الصدام الوحيد معهما ولكنه كان الأعنف. قبله كان دخولها كلية الفنون الجميلة – الحرام في رأيهما – ثم إصرارها على أنها مستقلة وغير تابعة لهما لأنها أنثى. وجاء اختيارها ذلك في ظل "تبعيتها" لهم – كما يعتقدون- ليهز صورتهم أمام الأقران والأقارب والجيران.
الأقارب حاولوا إثنائها عن قرارها وفي النهاية قالوا: مجنونة. الجيران في منطقتها الشعبية ظلوا يحدقون بها مستنكرين لفترة. تقول شاهندة :"الغريب أن بعض الجارات قلن لي ساعتها: مبروك يا عروسة، فلم أفهم. فيما بعد علمت أنهن ظنن أنه تمت خطبتي لأحدهم وهو الذي اشترط أن أخلع الحجاب، فلا يعقل أنني يمكن أن أقوم بشيء كهذا من تلقاء نفسي، بدون أن أكون تابعة لرجل يرضى عني".
وحتى في كليتها – الفنون الجميلة- والتي تتسم بانفتاح نسبي قابلها جفاء كبير من الزملاء والزميلات في الكلية. حتى غير المحجبات أو الزملاء الذين لا يكترثون بالدين قالوا أن تلك خطوة متهورة. بعض العابثين وجدوها فرصة مناسبة للبدء في "معاكستها"، ألم تصبح "متحررة"؟
تقول شاهندة: "صرت حديث الكلية لفترة، وبعض الزميلات تناقلن أنني بالتأكيد وقعت في "الغلط"، ومعيدة انتحت بي جانبا وقالت لي: فيه مشكلة في حياتك؟".
باستثناء أستاذ واحد أشاد بقرارها بينه وبينها، كان كل المحيط حولها عدائيا وعنيفا. تقول شاهندة: "رغم أن ملابسي لم تختلف أبدا، فقط غطاء الرأس لم يعد موجودا. لم أكن أهتم بالمبالغة في زينتي أو تغيير شكل شعري. ورغم ذلك استمر هذا الموقف لفترة واضطررت أن أكون حادة تجاه التعليقات والتلميحات".
في الأيام الأولى، فكرت شاهندة أن تعاود ارتداء الحجاب لتتجنب ردود الأفعال تلك، ولكنها الآن تقول أنها لا يمكن أبدا أن تندم على هذا القرار، هي تشعر الآن أنها متسقة مع نفسها. وما واجهته كانت ستواجهه على أية حال، وكانت بالفعل تواجه بعضه من قبل لأنها اختارات ألا تكون مطيعة لذلك "النظام" الذي يفرض على المرأة إما الخضوع التام أو التحايل والتواؤم والحلول الوسط.


نشر في الشروق 26 إبريل 2009

المزيد