الثلاثاء، ١ سبتمبر ٢٠٠٩

أمريكا .. الحلم أم العدو ؟



يتوجه هذه الأيام مايزيد عن 4800 مصري إلى السفارة الأمريكية لإتمام اجراءات حصولهم على فرصة الإقامة في أمريكا ضمن برنامج "قرعة فيزا من أجل التنوع" الذي انتهت إعلان نتائجه بداية هذا الشهر. كثيرون من هؤلاء راودتهم صور الحلم الأمريكي ولكن من المحتمل أيضا أن البحث عن لقمة عيش أتى ببعض من هتفوا ضدها في مظاهرات ورفعوا المصاحف. الحلم الأمريكي أم العدو الأمريكي ؟


راحة وبراح .. تنافس شرس وقلق ثقافي

بين هنا وهناك، يوازن البعض بين الفرص الأوفر والخيارات المفتوحة والحريات في "أرض الأحلام" وبين العودة إلى الوطن هربا من نمط الحياة التنافسي والمتحرر.

بالرغم من أنه بدأ إقامته في الولايات المتحدة مع بداية الأزمة المالية العالمية ولم يحظ حتى الآن بفرصة عمل ترضيه، إلا أن محسن سعد يعتبر نفسه سعيد الحظ وأن قراره كان موفقا.

محسن سعد واحد من 50 ألف من سعداء الحظ الذين اختيروا في القرعة السنوية لبرنامج فيزا من أجل التنوع "Diversity visa program"، من بين أكثر من 6 مليون من كافة أنحاء العالم تقدموا للحصول على فرصة الإقامة والعمل في الولايات المتحدة وفرصة الحصول على الجنسية الأمريكية بعد مرور 5 سنوات ووفق بعض الشروط.

عدد المصريين المقبولين السنة الماضية كان 4392 وهو سادس أكبرعدد مقبولين من دولة واحدة، هذه السنة ارتفع إلى ما يزيد عن 4800، وهو ليس المؤشر الوحيد على الإقبال المصري على هذه القرعة. عدد كبير من شباب عائلة محسن يتقدمون كل سنة لها، ولكنه لم يتقدم إلا هذه المرة ولم يفكر كثيرا في القرار عندما تم اختياره بعد سلسلة من الإحباطات.

في سن مبكر بدأ محسن الاهتمام ببرمجة الكمبيوتر، وعندما التحق بكلية الهندسة وكان ترتيبه الأول في مادة الكمبيوتر في السنة الإعدادية لم يستطع الالتحاق بقسم الكمبيوتر لأن مجموعه الكلي أقل من المطلوب بسبب مواد أخرى مثل الرسم الهندسي والميكانيكا. ولكن ذلك لم يكن مانعا من أن يكون القسم الوحيد المتاح له هو قسم الهندسة الميكانيكية!

رغم ذلك أكمل محسن دراسة البرمجة بشكل حر، بل وبدأ في التعاون على الإنترنت مع شركات أمريكية تبحث عن مبرمجين جيدين بأجور قليلة كانت بالنسبة له جيدة جدا. فحقق دخلا جيدا أنفق منه على نفسه بشكل كامل طوال عشر سنوات رفض والده خلالها الإنفاق عليه لأنه ظل يرسب في كلية الهندسة إلى أن تم فصله منها!

ورغم ذلك، ادخر محسن ما يكفي ليطور نشاطه ويؤسس شركة صغيرة لبرمجة الكمبيوتر، ولكنه أصيب بالإحباط من المعوقات والفساد، ومن الشباب خريجي هندسة الكمبيوتر الذين عملوه معه ويفضل معظمهم - كما يقول- العمل في شركات تنتج برامج سهلة عبارة عن إعداد اسطوانات دينية ومواد تعليمية بدلا من بذل الجهد في تعلم المزيد لإنجاز برامج متقدمة يمكن تسويقها في أمريكا حيث يوجد عملاؤه.

ترك محسن كل ذلك ليرحل فورا إلى ولاية فيرجينيا، ليعمل في خدمة العملاء في إحدى شركات استضافة مواقع الإنترنت، ولا يزال يبحث عن فرصة في البرمجة مجاله المفضل ولكن فرص العمل الآن نادرة بسبب أجواء الأزمة المالية.

يقول محسن: "مهما كان، الحياة هنا ممكنة مع حد أدنى من الدخل، والتفاصيل اليومية والعلاقات في الشارع والعمل مرتبة نوعا ما وأقل استهلاكا للأعصاب، هناك احترام للخصوصية وقواعد محددة لحقوقك وحدود حريتك وحرية الآخرين وليس عليك أن تناضل يوميا من أجل ذلك".

يروى محسن كيف أنه حصل خلال شهور قليلة على أساسيات الحياة هناك، شقة جيدة وسيارة، بينما قد يتطلب ذلك قصة كفاح في مصر. هناك يتاح للناس أن يوفروا جهدهم للمنافسة والبحث عن فرص أفضل، ورغم أن التنافس قد يكون شرسا إلا أن في رأيه تنافس أخلاقي جدا مقارنة بمصر بحسب رأيه.

ورغم أنه قلق نسبيا من أن التنافس في استعراض مظاهر الحياة الاستهلاكية هناك تسحب الناس وتزيد من أعبائهم المالية إلا أنه من جانب آخر متفائل بانتخاب أوباما وبالذات عندما يقرأ في الصحف عن محاولاته توسيع مظلة التأمين الصحي وتيسير فرص التعليم الجامعي.

"معظم الناس هنا أكثر راحة لقدوم أوباما بعد بوش" كما يعبر محسن ولكنه لا يخفي قلقه الآخر "ولكن من ناحية أخرى ما زالت أمريكا دولة تهيمن على العالم وتمنع الآخرين بأشكال مختلفة من اللحاق بها، وأشعر بالتأثم من أن أكون بجهدي مساهما في هذا الجانب".

محسن- المسلم المتدين المتمسك بالمرجعية الدينية في سلوكه - يفكر أن هذه الصراعات نتاج مصالح أقلية، بينما معظم الشعب الأمريكي طيب وودود ومنشغل بتفاصيل حياته ولا يفكر كثيرا من الأصل في العالم الخارجي، ويحترم التنوعات والاختلافات الثقافية التي يشهدها المجتمع خاصة مع الوافدين الجدد.
ولكن ما يقلقه بشدة هو ثقافة التحرر:"يقولون أن ولاية فيرجينيا محافظة، لكن أكيد مفهوم المحافظة هنا مختلف، تعال وانظر ماذا تلبس النساء هنا!". يوضح أنه لا يتضايق من حريات الغير، ولكنه قلق من أن المجتمع يعلي حق التحرر الفردي على حق الأسرة أحيانا. وهو يفكر أن أبناءه يمكن أن يتحولوا عن الإسلام أو يسلكوا بشكل يراه إباحيا، وإذا تجاوزا سن معين تدافع الدولة رسميا عن حقهم وربما تعاقب الأب قانونا لو أساء إلى ابنه أو ابنته. "إذا شعرت أن ذلك يمكن أن يحدث، وإذا كنت قد أسست عملا خاصا بي يمكنني إدارته بين مصر وأمريكا يمكن أن أفكر في أن أعود بأبنائي إلى مصر لتستقر الأسرة هناك بشكل أساسي".

موائمة بين القيم والتجربة
"القلق الثقافي" يشغل جانبا كبيرا من تجربة العديدين في "أرض الأحلام". فأشرف الشريف، الأكاديمي الذي يعد رسالته للدكتوراة في جامعة بوسطن، يلاحظ أن ذلك يستهلك ذهن وأعصاب العديد من المصريين عند إقامتهم فترات طويلة في الولايات المتحدة وربما تعوقهم عن الإنجاز مقارنة بوافدين من ثقافات أخرى يستمعون بحياتهم ويعملون بلا قلق. يقول :"هناك مثلا الخمر جزء من الحياة الاجتماعية وجزء من أي سهرة ومناسبة. كما أن العلاقات الجنسية جزء من تجربة العلاقة مع الجنس الآخر".

هو نفسه كان عليه أن يقضي فترة من القلق والتفكير قبل أن يحقق نوعا من الموائمة بين قيمه وبين رغبته في التجربة والاكتشاف والتفاعل مع المجتمع الجديد. "لم أحب أبدا أن أكون مثل بعض المصريين الذين يعيشون في أمريكا من سنوات طويلة وتشعر أنهم لم يتعلموا شيئا من تجربتهم الجديدة لأنهم تقوقعوا على أنفسهم وفرضوا عزلة على أسرهم لحماية تقاليدهم".

لكنه يرجع ويشير إلى أن ما يميز الحياة في أمريكا، أو معظم مناطقها، هو حالة البراح والخيارات المفتوحة: "نظام الحياة هناك يتيح لك الاندماج والعزلة وفي نفس الوقت، يتيح لك أن تكون استهلاكيا أو تعيش نمط حياة ضد الاستهلاك وستجد من يشاركك. يمكنك أن تتقوقع وتعيش كأنك لم تخرج من بلدك الأصلي أو أن تكون "أمريكيا نموذجيا". هناك كيانات ضخمة وكيانات بديلة صغيرة في السياسة والإعلام والثقافة والفن وأسلوب الحياة. لا دولة ولا عقيدة أو تقاليد سائدة تضغط عليك لكي تحدد موقفك حالا، مع أوضد. هناك يمكنك أن تنعم بما أسميه "حالة الأنتخة الشاملة" التي لها جانب إيجابي وهو الاستمتاع بالحرية والتجربة، ولها جانب سلبي وهو أن يتم تفريغ حياتك وتدجينها - كما يعبر عبد الوهاب المسيري- وتصير كائنا لا هم لك إلا التنافس في الاستهلاك".

عندما عاد أشرف إلى مصر بعد فترة طويلة، بدأ يلاحظ أن نسخا "استهلاكية" من نمط الحياة الأمريكي تنتشر في مصر، فهو يرى ظواهر ثقافية مثل الدعاة الجدد وامسلسلات السيت كوم وفن الـ"ستاند اب كوميدي" نسخا بدائية لأصول أمريكية.

يقول أشرف :" بالإضافة إلى ذلك أني انتبهت بعد تجربة البراح لحالة الزحام والخنقة وحرب الأعصاب في كل مكان في مصر، لذلك عندما عدت إلى أمريكا أحسست أني لا أسافر بل أعود إلى الوطن". بعد أكثر من ذهاب وعودة بدأ يتخلص قليلا من هذا الشعور ويعود للتوازن، خاصة أن استمتاعه بتجربة التدريس في الجامعة الأمريكية في القاهرة وازن بعض الشيء استمتاعه بثراء الحياة الأكاديمية والثقافية في أمريكا. ولكنه لم يحسم بعد قراره بالاستقرار هنا أو هناك بعد انتهائه من الدكتوراة، ولا يزال يفكر: "الحياة هنا فيها بالتأكيد ما أحبه، ولكن أكثر ما أخشاه من الاستقرار في مصر أن أستسلم هنا لحالة مختلفة من "الأنتخة" في مواجهة الضغوط والظروف السيئة، أنتخة أقرب إلى البلادة ترضى بما حولها وتتكيف معه ولا تستاء منه".


أوباما ملهما

هناك شباب يدركون جيدا أن الفرص في "أرض الأحلام" ليست مجانية، فوراءها تاريخ من التمسك بقيم الحرية واحترام التنوع والمشاركة الاجتماعية الواسعة، وهذا ما أتى بأوباما وما جاء من أجله.

الجدل حول أوباما الذي تصاعد منذ خطابه في جامعة القاهرة لم ينته بعد. صيحات "نحبك يا أوباما" التي ترددت أكثر من مرة في فضاء قاعة احتفالات قاعة احتفالات الجامعة أثناء الخطاب، أثارت موجات من الجدل وربما الاستخفاف والسخرية من قبل كتاب ومعارضون كبار، ولكن بين الجيل الأصغر بقليل كان الأمر مختلفا.

المهندس الشاب أكرم إسماعيل، الناشط اليساري وعضو مجموعة "المهندسون الديمقراطيون"، فاجأ من يعرفونه بملاحظة على صفحته في الفيس بوك بعنوان "المقاومة والحب" يحيي فيها من أعلنوا عن حبهم لأوباما بلا خجل !

كتب أنه يفهم تماما الطابع الاحتفالي لزيارة أوباما ويعتبره "احتفال الأمة الأمريكية بأجود وأنقى ما فيها وأجمل أبنائها"، وأن جزء مهم من جوهر رسالة الخطاب هي: "وماذا عنكم؟" ويعتبر أن استقبال النخبة العربية "المسنّة" - في رأيه- كان فيه شعور بالدونية تجاه هذا التحدي. في حين أنه حيا الذين هتفوا "نحبك يا أوباما" معتبرا أنها كانت تعبيرا عن رد مختلف يقول: "أنا لا أخشى حبك ولا أخشى حب الآخر ورسالتك لا تمدنى بشعور بالدونية ولكن بالتفاؤل والأمل".

يقول أكرم :"رغم أن لدي موقف سياسي مختلف ونظرة مختلفة لما يجب أن تكون عليه السلطة وتوزيع الثروة في المجتمع، لكن المجتمع الأمريكي يعبر من خلال أوباما عن الديناميكية والحيوية والتنوع الموجود فيه والذي يفيد المجتمع وقت الأزمات ويمده ببدائل مختلفة وهذه أشياء يمكن أن نتعلمها منهم بلا مشاكل".

يتفق مع ذلك أشرف الشريف، مدرس العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية الذي كان في ولاية بوسطن ينهي الجزء الأول من رسالته للدكتوراة وقت انتخاب أوباما. ولمس كيف اعتمدت حملته على التجمعات الصغيرة وحماستها للتغيير لا رغبة المؤسسات الكبرى في الاستقرار.

يقول أشرف: "هناك شيء مميز في أمريكا، فالتعدد والحرية- المقدسان هناك -سمحا بوجود كل من الكيانات الضخمة مع التجمعات الصغيرة والمبادرات الفردية. هناك الإعلام الذي يقف ورائه رأس مال ضخم، وهناك إذاعات محلية صغيرة وبعضها على مستوى رفيع جدا من الحرفية. هناك الحزبان الكبيران وهناك جماعات سياسية ومدنية كثيرة جدا ومتنوعة، وذلك مرتبط بملمح آخر. هو أن روح المبادرة والارتياد المتجذرة في الروح الأمريكية وتاريخها تتحول في المجتمع إلى روح التجمع الأهلي الذي يؤسس جمعية لكل مشكلة تواجهه ويتضامن لحلها ولا ينتظر تدخل الحكومة المركزية، وربما لا يحب تدخلها في شئونه أصلا، ولذلك فأمريكا فعلا أكبر ديمقراطية في العالم خاصة على مستوى الإدارات المحلية المنتخبة التي تتسم بالحيوية الشديدة".

تلك الحيوية التي ربما لا تطمح لتغيير جذري ولكن تكتفي بطموح التغيير النسبي، هي الروح التي دفعت لبنى درويش، التي تدرس علم الاجتماع في كاليفورنيا، مع رفاقها من جماعات يسارية صغيرة ناشطة ضد الحرب، لأن يتحمسوا لأوباما والديمقراطيين في مقابل الجمهوريين، وأن يشارك كثير منهم في الحملة الانتخابية لأوباما رغم اختلاف طموحاتهم السياسية عن الاثنين.

ولكنها الآن لا تخفي قلقها مع بعض رفاقها من أن الحماسة الجارفة لشخص أوباما يمكن أن تؤثر على حركاتهم الصغيرة لأنهم بحاجة باستمرار للضغط على أوباما والاحتجاج في الشارع من أجل المزيد من التغيير.

ما تعبر عنه لبنى، هو ما يراه أشرف الشريف ميزة أخرى يمكن تعلمها من المجتمع الأمريكي، لأن المشاركة السياسية والاجتماعية هناك ليست من خلال أحزاب وتنظيمات صارمة فيها قيادة وأتباع، بل من خلال شبكات تتقاطع اهتماماتها وطموحاتها فتنشط وتتكاتف وتتجمع المساهمات الجماعية والفردية. يقول أشرف :"لقد شاركت أيضا في الحملة وشعرت أن ممارسة السياسة هناك فيها شيء ملهم. كنا نجمع بين استخدام التكنولوجيا الحديثة وما بين الاتصال الشخصي المباشر ومناقشة الناس في الشوارع والجامعات".

روح الحماس لما فيه الخير العام وصالح الجماعة الذي يعود في النهاية لصالح الأفراد، ربما ما يلهم أشرف، وهوأيضا ما يشير إليه أكرم مؤكدا أن بعض الشباب يظن الحلم الأمريكي هو مجرد فرصة وظيفة جيدة ومسكن جيد وسيارة وحرية فردية، ويحلم بفيزا تحمله إلى هناك ليجد الحلم جاهزا بانتظاره، لكن القيم التي يمكن أن تتيح لنا فعلا أن نحلم بنفس الحلم، هو أن مجتمع الفرص تحقق من خلال مشاركة اجتماعية في صنعه، وليس انكفاء كل واحد على حلمه الخاص فقط. ينسى الناس أن هناك نقابات وجمعيات واتحادات عمال قوية خاضت نضال قوي ضد محاولات الاستبداد وتمسكت بحريتها وحلمها، ولا تزال تحاول وهذه المشاركة هي التي أتت بأوباما إلى السلطة ويحق لها أن تحتفل وتفخر بذلك.

يضيف أكرم :"لا مشكلة في أن نعتبر أمريكا حلما وعدوا في نفس الوقت، وليس معنى أن أحب أوباما لما يمثله ألا أقاومه في لحظة أخرى، المشكلة في من يحاولون نقل الحلم مبتورا إلى مصر. فتجد أن النخبة في الحكومة أو بعض الليبراليين من رجال الأعمال يظنون أن توفير الفرص للشباب يكون من خلال كورسات كومبيوتر ولغة فقط لا تتيح إلا فرصة صعود اجتماعي لقلة، في حين يشيخ الشاب المصري ولم يعش أي تجربة حقيقة للمشاركة الاجتماعية، حتى في انتخابات اتحادات الطلبة في مدرسته وجامعته".


"أمريكا لن تغرر بنا !"

شباب الليبراليين والناشطين في منظمات المجتمع المدني يردون على اتهامهم التبعية لأمريكا، بأنهم اختاروا الانفتاح على العالم والاستفادة منه بعيدا عن أوهام المؤامرة.


ترك محمود صابر جامعة الأزهر بعد أن شعر أنه لا ينتمي لهذا المكان. هو يقول أنه واجه مشاكل عديدة بسبب إصراره على حريته في اختيار ملابسه ومظهره بشكل رأوه غير مقبول، فقرر تغيير الجامعة، ولكن يبدو أنه كشاب يعرف نفسه كليبرالي لم يشعر بالتكيف من نواح عديدة.

المشكلة أنه عندما انتقل إلى جامعته الجديدة حيث يدرس علم الاجتماع وجد نفسه مضطرا لأن يدرس مقررا في تاريخ الفكر الاجتماعي يرى أستاذه أن العولمة هي الهيمنة الأمريكية على العالم بما فيه الدول العربية، بل اضطر أن يكتب هو نفسه ذلك الكلام الذي لا يقتنع به في ورقة إجابة الامتحان لأن ذلك رأي الأستاذ.

يؤمن محمود صابر أن الليبرالية في الأساس هي طريقة حياة تقوم على أساس الحرية الفردية التي تشمل حترام الآخر وحريته وقبول التنوع والتعدد والاختلاف، ويرى العولمة هي مشاركة كل البشر بلا حواجز في إثراء الحضارة الإنسانية. في حين أن النظرة المقابلة لما يقول والمهاجمة له ولرفاقه ترى أن الحلم الأمريكي المستحوذ عليهم يجعلهم تابعين بشكل ما للمخطط الأمريكي للهيمنة تحت دعاوي العولمة الإنسانية - كما عبر أستاذه في المقرر- كما ترى هذه النظرة في تعاملهم كشباب ليبراليين مع مؤسسات غربية وأمريكية شكل واضح من التبعية أو ربما يستخدم الأكثر عدوانية تعبير "العمالة".

هذه الفكرة تواجه العديد من شباب التيارات الليبرالية والشباب الناشط في منظمات المجتمع المدني التي يستمد كثير منها التمويل والدعم والتدريب من منظمات أجنبية أغلبها أمريكية. وتطارد تجاربهم، ومنها تجربة مركز حياة للإبداع والثقافة الذي يشارك محمود صابر في تأسيسه وإدراته.

يدافع محمود صابر عن وجهة نظره: "شعار مركزنا : الليبرالية طريقة حياة، فهي ليست فقط مذهبا سياسيا، كما أنها ليست مرتبطة بأمريكا أو غيرها فهي اتجاه إنساني عام. ونظرية المؤامرة هي التي توهم أن انتشار التيارات والمراكز الليبرالية ورائهم أمريكا أوغيرها".

شهدت الفترة الأخيرة تأسيس أكثر من مركز للشباب الليبرالي منهم "اتحاد الشباب الليبرالي" و"حياة" بالإضافة لمراكز أخرى قيد الإنشاء، كما كان "حزب الغد" بداية اتجاه لتأسيس أحزاب ليبرالية جديدة مثل "حزب الجبهة الديمقراطية" وفي الطريق "الحزب المصري الليبرالي" و"الإصلاح والتنمية" تحت التأسيس.

يتابع صابر : "ليس في الأمر مؤامرة، ولكن هذا كان اختيارنا بعد فترة من سيطرة تيارات أخرى حتى على مجال الثقافة والفن كان من نتيجتها أن أصبح ما هو جدير بالتصفيق والتحية في المسرح على سبيل المثال هو فقط الإشارة إلى قضية فلسطين أو الوحدة العربية أو تحية جمال عبد الناصر".

يركز مركز "حياة" على جانب الثقافة والفن وليس الجانب السياسي المباشر، ويعكس ذلك وجهة نظر محمود صابر ورفاقه التي ترى أن الثقافة الليبرالية هي ما ينقص مجتمعنا، ويظهر نقصها في معظم المشكلات وأبسطها مثل معاكسة الفتيات في الشارع لأن الشباب لا يحترمون خصوصيتهن واختيارهم لملابسهن . يضيف صابر :"الليبرالية ثقافة، وهذه الثقافة هي التي تقف وراء الديمقراطية وهي التي تفتح باب التغيير، وهذا ما أتى بأوباما وهو سبب انبهار الشباب به لأنه جسد فكرة التغيير"

أما عن فكرة التبعية فيرى صابر أنها فكرة تقوم على منطق غير متوازن، فمن ناحية كل دولة قوية لها مصالحها وتحاول السيطرة على من هو أضعف منها وفي نفس الوقت الأضعف يحاول دائما الاستفادة من الأقوى. ولذلك فلا مشكلة عنده في التعاون مع أي جهة دولية حتى لو كانت أمريكية بشرط أن يكون ذلك في العلن وبشفافية وأن يعلن متلقو الدعم عن تفاصيل التعاون ونقاط الالتقاء بين أجندتهم وأجندة الجهة الداعمة. يضرب صابر مثلا بمركز حياة نفسه الذي يحضر لمشروع عن إنتاج "الإعلانات الاجتماعية" وهو مدعوم من منظمة أمريكية معروفة وهم يعلنون ذلك.

الرأي نفسه عند رندا أبو الدهب، التي تعمل في مركز الجزويت في مجال التدريب على إنتاج الأفلام، فبرغم أنها كانت في رحلة علنية أتيحت لها من خلال المنظمة الأمريكية "بيت الحرية Freedom house"، إلا أنها تشعر بحساسية كبيرة عن الحديث عن هذا الأمر مع معظم وسائل الإعلام بسبب ما تصفه بالمزايدة والاتهامات الجوفاء.

تضحك رندا وهي تقول :"أشعر أحيانا أنهم يتخيلون أن أمريكا تجندنا على طريقة الأفلام، يورطوننا ويصورون لنا أفلام إباحية لكي نكون لهم عملاء سريين رغم إرادتنا". وتضيف أن فكرة المجتمع المدني أصلا تقوم على عدم التبعية لأي حكومة، ولكن يلزمها قدر من الانفتاح على العالم وإقامة العلاقات مع أطرافه والاستفادة من ذلك، وفي هذه العلاقات يختار كل فرد أن يكون مستقلا أو يكون تابعا ولا أحد يجبر أحدا على شيء ولا يمكن التعميم.

تضرب مثالا بنفسها، في هذه الرحلة كان هناك ناشطون وصحفيون طلبوا أن يتم تدريبهم على مهارات خاصة بالسياسة والإعلام، بينما طلبت هي أن تتلقى تدريبا في مجال السينما، وكان عليها أن تقدم نموذجا من عملها في هذا المجال وتم بالفعل التنسيق مع مؤسسة في نيويورك وتلقت التدريب الذي طلبته.

تضيف أن فكرة "التبعية" حاضرة في كل علاقة، حتى في الدورات التدريبية في أي مؤسسة في مصر، فكل مؤسسة لها أجندتها واتجاهها، وهذا مقبول. ويمكن للفرد أن يحدد موقفه من ذلك.

لا تعتبر رندا نفسها ليبرالية، ولكنها تقدر أن المجتمع هناك فعلا حافل بالفرص ويقدر الكفاءة، بينما المجتمع المصري متورط في علاقات الواسطة والمحسوبية: "ولماذا نذهب بعيدا، لقد حصلت على فرصة تدريب في مؤسسة مهمة في نيويورك بمجرد إثبات كفاءتي في حين أن الأمر نفسه في مصر محكوم في الغالب بمن تكون وابن من أنت وقريب من ومن تعرف في المجال".

تعتقد رندا أن مصدر قوة وحيوية أمريكا يكمن في ثقافة الناس وعلاقاتهم، الفساد موجود كما في كل مكان، ولكن ثقافة الرشوة والمحسوبية ليست منتشرة ولذلك فالنزاهة واحترام الكفاءة يعطيان دائما الأمل في الفرصة مما يدفع الكل للاجتهاد.

رغم تقدير محمود صابر ورندا أبو الدهب للمجتمع الأمريكي، فكلاهما لا يتمنى فرصة للحياة في أمريكا، فمحمود لا يجد تحققا لذاته في الاستمتاع بثمرة الحلم الأمريكي، بل في العمل من أجله حلم مماثل هنا كما يراه، ورندا تقول أنها لا تريد ترك مصر مهما كانت المشاكل، فالصورة هنا ليست مظلمة والمجتمع المدني الذي تعمل في مجاله ينير في رأيها شمعة ضرورية :" لم أستطع دخول معهد السينما هنا ولا يمكنني بسهولة أن أدخل مجال إنتاج الأفلام مثل كثير من الشباب لكن من خلال "الجزويت" نتعلم ونتدرب وننتج أفلاما قصيرة في حدود إمكانياتنا".


نشر في الشروق الخميس 13 أغسطس 2009
PDF

اللوحة للفنانة هبة خليفة
المزيد

الثلاثاء، ٤ أغسطس ٢٠٠٩

غنا الراكبين "رابع ورا"



أسلوب الراب قطع الرحلة من شوارع نيويورك إلى محافظات مصر، ليحمل الأصوات التي لا التي تنوي أن تنمق كلامها وتجمله، ولا تنوي الانتظار طويلا لتستأذن في أن تقول ما تريد أن تقوله في قوة وسرعة وفي سخط أو بهجة صاخبة.

"بتاع العرقسوس معدي جنبه عربية نص نقل/ قدام محل عربية القصب/ الناس مش عارفة تعدي الشارع من الزحمة/ كلاكسات خرمت وداني .. عاوز أوصل لبتاع اللحمة/ مين قال لك إني حران لأ أنا بس مكتوم شوية.. ميكروباص مليان بالناس/ أنداس لو مش مركز/ انا لامح عيل صغير كده من كتر الخنقة عجز.. سواقين التاكسيات مش طالبة معاهم يقفوا لحد/ الغبار اللي في الجو بالعوادم اتحد .. طوابير العيش مزحومة ناس فيها بتقطع بعض/ صوت الونش اللي بيهد بيفكرني بصوت الرعد"
محمد أسامة، الذي كتب ولحن وغنى هذه الكلمات بأسلوب الراب، يقف الآن أمام جامعة المنصورة في عز الظهيرة والزحام والضجيج – تماما كما يصورهم - يحاول إقناع تاكسي وراء آخر بأن يقله إلى شارع عبد السلام عارف في منطقة "السلام" الشعبية. أخيرا يقتنع واحد بعد تأكيد محمد: "السلام على الشارع من بره". ينزل عند ناصية قريبة ويشير وهو يتجه إلى منزله إلى سلك معلق يمر من فوق المنازل المحيطة ويقول :”دي وصلة الإنترنت بتاعتي". تنتهي الوصلة في غرفته الخاصة الصغيرة عند الكمبيوتر الخاص به، والذي كان نافذة أطل منها محمد على عالم موازي وافتراضي أصبح فيه "مودي راب" واحد من أشهر فناني الراب الشباب المستقلين.
يؤرخ لظهور موسيقى الراب في حقبة السبعينات، في نوادي نيويورك وشوارعها مع الأمريكيين من أصل أفريقي، البعض يردها لجذور أفريقية باعتبارها قريبة من الترنم السريع بالشعر على الإيقاعات. ولكن احتاج الأمر ربع قرن حتى تظهر في مصر. هناك خلاف بين الشباب المهتمين بالراب على منتدياتهم حول أول فرق الراب ظهورا ، ولكن الأغلبية منهم تؤكد على أن عمر بفلط الشاب السكندري وفرقته واي كرو هم أول الفرق المصرية المستقلة Underground وتأسست في أواخر التسعينات، بينما كان فريق MTM هو أول فريق يصدر ألبوما تجاريا عام 2003 تحت عنوان "أمي مسافرة".
غير المهتمين بالأمر، ربما لاحظوا مؤخرا ازدياد عروض الراب في ساقية الصاوي، أغنيات راب في أفلام سينمائية لنجوم شباب مثل أغنيات أحمد مكي في "دبور" و"طير إنت" وأحمد الفيشاوي في "ورقة شفرة" وحتى اختيار المخرج الكبير يسري نصر الله لأغنية راب "الحياة لو لعبة" لفرقة "آرابيان نايتس" لتكون ضمن فيلمه "جنينة الأسماك". ولكن من يقترب من العالم الموازي أو الافتراضي الذي يصنعه الشباب بالأساس يجد أن موسيقى الراب أصبحت عنوانا على مجتمع شبابي مستقل أو"تحت الأرض" له فرقه ونجومه وجمهوره بل ومعاركه أيضا.
منتديات الراب على الإنترنت هي أرض هذا المجتمع، الذي كانت نواته قبل انتشار استخدام في الإنترنت أفراد ومجموعات من الشباب الذين جذبتهم موسيقى الراب مع الفرق الأمريكية، وكان منهم محمد أسامة أو مودي راب الذي بدأ عام 1998 يهتم بالراب و كتب أغاني وسجلها لنفسه على شرائط كاسيت، كان يصنع الإيقاع بصوته – يضم كفه ويضعه على فمه ويصنع الإيقاع بالطريقة المعروفة بالـ Beatboxing- ثم تطور الأمر مع بداية عزفه على الأورج واستخدامه ولكن كانت النقلة في 2001 عندما اشتري له والده كمبيوتر وأصبح بإمكانه الاتصال بالإنترنت، يقول محمد: “كت فاكر نفسي لوحدي مهووس بالموضوع ده، لكن دخلت على الإنترنت لقيت عالم راب، فرق في الإسكندرية ومنتديات عليها تسجيلات لشباب من كل مكان، ومجتمع راب عربي كبير جدا في فلسطين والمغرب".
في التسعينات بدأ البعض يشكو من اهتمام الشباب بتقاليع ثقافة الهيب هوب hip hop التي يعد غناء الراب أحد جوانبها بينما تشمل أيضا ارتداء الملابس الواسعة "النيجر" المشابهة لملابس الأفارقة الأمريكييين، بالإضافة لـ"البريك دانس" Break dance – هل يمكن ترجمته إلى الرقص المنطلق ؟ - ولكن ماحدث أنه انطلق وانتشر في النوادي الليلية وحفلات الشباب.
الاهتمام بالهيب هوب والراب بدأ مع شباب الطبقة الوسطى المهتمين بالموسيقى الغربية، ومحاولاتهم الأولى محاكاة للفرق الأمريكية، كثير منهم يغني بالإنجليزية وبعضهم كان يصطنع لكنة أجنبية حتى وهو يغني بالعربية.

"إحنا جيل ساقط مهبب/ بنسقط البنطلون ومافيناش واحد مؤدب/ وبنقلب فلوس الدرس ونروح نشتري حشيش/ وكمان طلباتنا كتير تكاد ما بتنتهيش / وبنخرج مع بنات ونلبس حظاظات/ شباب تعبان في مخه غاوي مخدرات.. وبينتقدوا أغاني الراب/ والراب ده فن واطي ومغني الراب في نظرهم بيبقى عجلاتي ( صوت ينادي: واد يا بلية !)"

هذه أغنية مشتركة بين "مودي راب" و "بيج جيمي" أومحمد جمال أحد أعضاء فرقة "جنود الإسماعيلية" Ismailia soldiers، اسمها "إنت بتعمل كده" وهي محاكاة ساخرة لاتهامات الآباء لشباب الهيب هوب، وفي مقطع منا يذكران آبائهما بتقليعات السبعينات التي لامهم جيل الأجداد عليها. غناء الراب بدأ على الهامش، في شوارع الأحياء الفقيرة في نيويورك أو في نوادي الرقص حيث يرتجل فتى الدي جي بينما يوقف قليلا الموسيقى الراقصة ليقول ما بدا له في سرعة.
بساطة التقنية التي لا تحتاج إلا إلى إيقاع وجمل لحنية قليلة تبدو مغرية لمن يريد أن يرتجل ويعبر بسرعة وقوة وسخط، وكثافة الكلمات في الراب واقترابها من الكلام العادي- مقارنة بالتكثيف والاختزال في القصائد الغنائية - تلتقط كالمغناطيس كل الأفكار والتعبيرات التي تشغل أذهان الشباب لتعرضها في وضوح. عندما تتكلم كثيرا تقل قدرتك بنفس الدرجة على ضبط وتنميق كلامك، وربما تضطر للحشو واستدعاء الأفكار النمطية والتقليدية. ولهذا تجتمع في كلمات أغاني الراب نزعات التحرر والتمرد والهجوم والسخرية على السائد، وأحيانا تمتليء بلغو فارغ وتنتهي الأغنية بدون أن يقول المغني شيئا حقيقا سوى تعريفه بنفسه ودعوته الناس للاستماع إليه او قوله أنه لا يهتم بهم سواء سمعوه أو لا- وهذه التيمة تشغل ربع أغاني الراب تقريبا – وفي أحيان أخرى تتلبس أغاني الراب نزعات خطابية "تعليمية وتربوية" تتحدث عن الإدمان أو أطفال الشوارع أو انتقاد سلوك البنات وملابسهن !
يذكر محمد أسامة أنه بدأ بداية لا يحبها كثيرا، ويقول أنه سجل بعض أغان لا تقول شيئا، كان يخشّن صوته ويحاكي طريقة مغنين أمريكيين. ويضيف أيضا أن شباب آخرين من المنصورة وأماكن أخرى فعلوا نفس الشيء :”كانت أغاني للهيصة والتنطيط في الحفلات الخاصة، فيها أمركة وكلام عن الجنس والمخدرات وشتائم ومعظمه كلام مش بتاعنا خالص".
ربما يندهش البعض عندما يعلم أن مودي راب سجل حتى الآن أكثر من 120 أغنية يضمهم موقعه الخاص Modyrap.net الذي يضم أيضا منتدى لمحبيه وصل عدد أعضائه إلى 1500 عضوا.
يقول مودي : "أول مجموعة أغاني سجلتها وأصدرتها معا كألبوم على الإنترنت اسمه "إزاي" وضعته على مدونة قبل أن أنشيء موقعي فوجئت بالاهتمام والتفاعل من شباب محب للراب وفوجئت أيضا بمستوى الجدية في موسيقى وكلمات الراب الفلسطيني. بعدها شعرت بجدية وأهمية الموضوع وبدأت أجتهد في التوزيع الموسيقى واختيار الكلمات التي تناقش موضوعات جادة مثل مشاكل الشباب في التعليم والمعيشة والبطالة والسياسة”.

“الكلام اللي أنا قلته يتفهم بكذا سكة/ لو الكلام بفلوس أنا المجمد وإنت الفكة/ السياسة في كل حاجة حتى جوه الكليات/ لو كان هروبك من الواقع ده فعل اتقاء الذات/ الصنف يزيد/ أكيد/ من خوف الناس من النظام ...لو ناوي تقول لأه/ لو قد كلامك/ استنى العذاب أو نفض ليا بسرعة قبل ما ييجي على دماغك "
في إبريل 2008 كانت أغنية "لعبة السياسة"- مع أغنية "مين فينا" - لمودي راب وكأنهما نموذجين للنشيد الرسمي للإضراب العام الذي دعا إليه شباب ومدونون على الإنترنت. وانتشرت الأغنيتان على مواقع ومدونات ومجموعات الفيس بوك الداعية للإضراب. كتب مودي راب وغنى العديد من الأغاني السياسية التي عبر فيها عن رأيه بدءا من مهاجمة التعذيب وانتقاد التفاوت الطبقي وحتى الإشادة بصدام حسين الشهيد في رأيه. كما خاض مع رابرز مصريين معركة غنائية ضد هجوم رابرز سعوديين على مصر فيما عرف بمعركة "وكر العصفور".
الأغاني السياسية أقلقت أهله وكادت أن تسبب له بعض المشاكل عندما غناها في الجامعة، إلا ان أغانيه التي بدأت تتجه إلى جدية ملحوظة – رغم عدم افتقادها للمرح - غيرت نظرة أهله وأساتذته له . وتعبير مودي الجاد عن القضايا التي يتناولها يبتعد عن تفكير النخبة ويقترب من التعبير الشعبي البسيط رغم عدم افتقاده اللمسة الشخصية لمنتجه.
أنماط فنية أخرى ربما يعبر بها شباب يعدون "نخبة" ذات أفكار مختلفة عن السائد، ولكن الراب ليس كذلك، فبرغم أنه يبدو وكأنه النمط الموسيقى الأقل انتشارا والأكثر بعدا عن الموسيقى العربية ولكن لا يوجد نمط آخر يشهد نفس الكثافة في الفرق المستقلة التي تنتج أغانيها الخاصة بهذا العدد وبهذه السرعة ولها هذا الجمهور الخاص على منتدياتها. فرق تتشكل من مختلف محافظات مصر، من القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية والمنصورة وأيضا فرقة من النوبة.
الاتجاه لتمصير الراب الذي يلاحظه البعض في أغاني أحمد مكي بدأ مبكرا مع فرق الشباب المستقلة. فبدلا من اللكنة الأجنبية ولزماتها، يغني مودي كما يتكلم، ولا يخفي لكنة خفيفة ريفية، ويبدأ أغانيه بطرق مبتكرة. مثلا أغنية "لعبة السياسة" تبدأ بمودي يطلب من القهوجي واحد خروب وأن يرفع صوت التليفزيون قليلا. وتبدأ أغنية "كلمة بريئة" هكذا: "مراسلكم من شوارع مدينة المنصورة .. مراسل قناة "رابع ورا" الإخبارية … "
“رابع ورا" هو اسم الفرقة التي شكلها محمد أسامة وهيثم محفوظ وأماني وأصدروا معا في 2009 ألبوم "موال الحرية" الذي يمزج بين غناء الراب والغناء الشرقي على موسيقى شرقية وغربية ويمزجون كلماتهم بكلمات رباعيات صلاح جاهين في أغنية "موال الحرية" وفي أغنية "إيه العبارة" يمزجون الراب بموسيقى سيد درويش.
هيثم محفوظ مدرس موسيقى شاب، يعزف العود ويلحن ويقدم حفلات لأغنياته الخاصة في الساقية كما شكل لفترة فرقة "صبا". يقول هيثم أنه لا يحب الراب كثيرا ولكنه فوجيء بالراب ذي الروح المصرية كما يغنيه مودي راب، وعندما كان يحضر لأغنية ضمن مسرحية لإحدى قصور الثقافة استمع إلى أغنية له واندهش من أن من قام بهذا التوزيع الموسيقى لم يدرس الموسيقى وقام به على كمبيوتر في غرفته الخاصة. فقرر التعاون معه ولحنا ووزعا أغنية للمسرحية تمزج الغناء الشرقي بالراب.
أما أماني فزميلة محمد أسامة في الجامعة، تمثل وتغني في فرقة الجامعة واجتذبتها موسيقى الراب فاشتركت معهم لتكون واحدة من بنات قليلات جدا في مصر يجرؤن على خوض تجربة الراب التي تبدو ذكورية جدا في أسلوبها وكلامها بالإضافة لتحملها نظرة الناس لـ" شباب الراب”.

"عايشة حياة خنيقة لو من هذا المنطلق/ انا باتكلم عن فلسفتي مش عن فكر مختلق.. الجامعة والدراسة أنا مش مقتنعة بالتعليم/ تنويم .. لو مغناطيسي ما قداميش غير التبليم.. أمشي في الشارع متبهدلة/ خلاص بقى عصر الإفيهات/ الشباب التافه كله مقضيها إشتغالات.. المحلات/ هدوم كتير مش من اللي انا عايزاها/ كارهاها/ محفظتي امبارح أكتر من واحد عزاها... شفت خناقة بين بياع العرقسوس وبين سواق عربية نقل وواد صغير متبهدل راكب سرفيس .. رمسيس! .. أف! زحمة وحر وخنقة دي حياتي الطبيعية/ محتاجة حد يفهمني يخلصني من الروتينية"
غنت أماني هذه الكلمات في أغنية "كلمة بريئة"، وبصوتها النسائي كسرت روتينية الصوت الرجالي في الراب المصري، واضطر محمد أسامة وهيثم محفوظ للخروج من غرفتيهما حيث يقومان بتسجيل الأغاني وتسجيل غنائهم المشترك على لاب توب في مقر فريق المسرح في جامعة المنصورة.
ولكن تجربة أماني مع الفرقة والراب انتهت سريعا عندما تمت خطبتها ولم يعد ممكنا "اجتماعيا" أن تكمل الطريق معهم. يقول هيثم :"من المحتمل أن نبحث عن صوت بناتي آخر" ويضيف ضاحكا "الفرقة من يومها مزنوقة زي اسمها. انا اقترحت اسم (رابع ورا) . الشخص اللي بيركب رابع ورا في الميكروباص يا إما بيبقى مزنوق أو بيزنق الناس التانية – دايما فيه حالة زنقة".
يقول محمد أسامة :"وجودنا في المنصورة أيضا مشكلة، لو كنا في القاهرة لكنا في طريقنا أسرع عشر مرات عما هو الآن".
ولكن لأن شباب آخرين افتتحوا مركزا ثقافيا هو "مركز الحياة للإبداع والثقافة"، أتاح ذلك لمودي راب للغناء على مسرح في القاهرة مع فرق أخرى تعرض لأول مرة في حفلة "غيّر الموجة" في إبريل الماضي. كما انتبهت جمعية الجزويت لحركة الراب النشطة في الإسكندرية وأقامت حفلا للعديد من مغنيي وفرق الراب من مختلف المحافظات في يونيو الماضي.
رغم ان اسم الفرقة "رابع ورا" لكن الألبوم اسمه "موال الحرية" ويشهد على طلاقة تعبيرهم وجرأتهم في تقديم ما لديهم بإمكاناتهم المحدودة بدون انتظار الإذن أو الفرص الإنتاجية. كما يعني أن رحلة موسيقى الراب قد قطعت رحلة لا بأس بها في مصر لكي تصل إلى التتناغم مع سيد درويش ورباعيات صلاح جاهين.



نشر في الشروق الثلاثاء 4 أغسطس 2009

المزيد

السبت، ١٨ يوليو ٢٠٠٩

شعبي

من الفرح وإليه



تتغير بسرعة وخفة أحوال عالم الغناء الشعبي وأسماء نجومه ووسائط انتقال إنتاجه إلى الجمهور من الحفلات إلى الدي جيه من الكاسيت إلى مشغلات ملفات الموسيقى الإلكترونية المنتشرة على الإنترنت. ولكن تظل الأفراح الشعبية التي تجمع صناع الفن ومتلقيه في صوان واحد في لحظة احتفالية وأريحية هي صانعة الإيقاع الشعبي ومؤشر تحولاته وهي منطلق ومنتهي الراغبين في الصعود أو المتشبثين بمكانهم على المسرح.

"والآن! مع المطرب صاحب شريط كاسيت "قلب أناني"، نجم الأغنية الشعبية ونجم مسارح القاهرة. مع النجم الفنان أحمد سيف ".
يتقدم أحمد سيف ليلتقط الميكروفون من زميله الذي قدمه وهو يحييه بحركة من يده، ثم يلتفت ويحيي جمهور الفرح الذي يبدأ من أمام المسرح الصغير المحاط بصوان المناسبات ويمتد حتى نهاية الحارة الضيقة التي تقع في قلب قرية "منشية دملو" القريبة من بنها، بالإضافة لجمهور البلكونات وبعض من افترشوا الحصير في الدور الأول من بناية قريبة تحت الإنشاء لا تزال دون حوائط.
ولأن بعض الجمهور كانوا لا يزالون أصلا خلف ظهر المطرب على المسرح يلتقطون أنفاسهم من رقص الفقرة السابقة، فإن المطرب أحمد سيف طلب منهم النزول قليلا عن المسرح للحظات، حتى يتمكن من الوصول للعروسين إيهاب وسحر.
فقرة أحمد سيف هي الأخيرة في فقرات فرقة "شروق" التي تحيي الفرح، والتي يبدو علي مطربيها وعازفيها خيبة الأمل بسبب عدم تجاوب معظم الجمهور معهم. ازدحام المسرح يرجع فقط إلى ضيقه وضيق الحارة، فهو بالكاد يضم الفرقة مع عدد قليل من المجاملين بالرقص والنقوط.
لذلك حاول أحمد سيف أن يقنع العروسين بالنزول من المسرح أملا في تجاوب أكبر من الجمهور المتمسك بمقاعده. واستعان لذلك بأغاني متنوعة قديمة وجديدة.
ولكن جمهور الراقصين ظل هو نفسه، بينما معظم الجمهور المكون من أسر ريفية يغلب عليه المحافظة. هو فرح "عائلي" باستثناء بعض الشباب المتجمعين في حلقات يقومون بالرقص و"التشكيل" المميز. ويرتاحون قليلا ويغلقون دائرتهم قليلا لتدخين سجائر الحشيش. مجموعات من البنات المحجبات الخجولات المنزويات والمكتفيات بالتصفيق. واحدة منهم فقط كانت تصعد إلى المسرح لتشارك العروس الرقص. وقد يبدو غريبا أن الأكثر مشاركة في الرقص وتواجدا على المسرح هم السيدات الأكبر سنا، بحجابهم السابغ وعباءاتهم الفضفاضة أو بالجلاليب الريفية النسائية المميزة الفضفاضة أيضا. يشاركهم الرجال الأكبر سنا مع بعض الشباب. كل من يصعد على المسرح، رجالا ونساء، يلف حول وسطه إيشارب أو كوفيه ليظهر مهارته في متابعة الإيقاع.
ما يقدم في الفرح من مشروبات يختلف كثيرا عن "الممنوعات" التي تقدم الأفراح الشعبية في عشوائيات المدن فصواني الشاي التي تدور بين المعازيم قد تبدو غريبة بالنسبة لفرح، ولكن يبدو أنها تساعد أبناء الريف الذين لا زالوا يستيقظون مبكرا للعمل في كل تلك الغيطان التي تحيط منازل القرية ويبدو أنهم غير معتادين على السهر.
في الميكروباص الذي جمع أعضاء فرقة "شروق" ليعود بهم إلى بنها، أخذ المطربون والعازفون يتندرون على الفرح الريفي الغريب. وعلق أحمد سيف ضاحكا :"جو الفرح مش متعاون أبدا. المفروض إن إحنا باند كبير وقديم، من كام سنة كان في بنها أكثر من 25 باند. بعد ما الشغل قل بسبب الدي جيه مش فاضل منهم غير ثلاثة أو أربعة".
يضيف أحمد سيف :"باند "شروق"- على اسم بنت مدير الفرقة- قدرت تستمر لأنها حققت صيغة ترضي جميع الأطراف. نغني الشبابي أو الشعبي ونعزف شرقي وغربي. لو حد عاوز يسمع ويتسلطن نسمعه، ولو عاوز يرقص نرقصه" ويضحك وهو يضيف "ولو كانت الليلة خربانة مافيش مانع .. نخربها برضه!"
ويبدو أن خلطة "شروق" ناجحة، ففي بداية الفرح حافظوا على التقليد المعاصر بسماع أسماء الله الحسنى، وإن كان بصوت حمادة هلال لا بصوت هشام عباس، ثم عزفوا موسيقى احتفالية غربية مع دخول العروسين ومع شربهما العصير. وتنوعت بعد ذلك أغانيهم بين أغاني وردة وعدوية و بين أغاني نجوم اللحظة في عالم "الشعبي": عبد الباسط حمودة ومحمود الحسيني ومحمود الليثي. وفي أوقات ذروة الرقص تعلو أسهم "ثنائي العنب" عماد بعرور وسعد الصغير.
لا توجد أغاني خاصة بالفرقة، وحتى أحمد سيف لم يغن شيئا من أغاني شريطه خوفا من السرقة: "الشريط لسه ما نزلش السوق. والأغنية اللي تطلع هاتلاقيها تاني يوم في فرح تاني وعلى الإنترنت".
ولكنه يذكر بآخر أغنية غناها في الفرح، "أنا عيني منك" لعمرو السعيد، قائلا ان هذا اللون تحديدا هو ما يفضله:"أنا أحب اللون الشعبي اللي فيه طرب وشجن وفيه برضه مزيكا ترقص، ومعظم أغاني شريطي من النوع ده".
على خلاف أحمد سيف، معظم المطربين الشعبيين تشتهر أغانيهم في الأفراح أولا قبل تسجيلها ومعظمهم لا يفكر كثيرا في ملكيته لأغنية أو لحن. فالغناء الشعبي فن غير مرتبط كثيرا بصناعه وأسمائهم التي تظهر وتخبو سريعا، ولكن اتجاهاته تتحول سريعا مع اتجاهات ومزاج الجمهور. فالأغاني يعاد صياغتها ويضاف إليها ارتجالات في الأفراح التي تعتبر جزءا مهما من عملية انتاجها واختبار ملائمتها لذوق الجمهور.
ولذلك على الفرقة التي تحيي أفراح الطبقات الشعبية أن تتعلم التجاوب والتأقلم. يحكي أحمد سيف أنهم كل ليلة يعيشون جوا مختلفا، فمرة يكونون في فرح عائلة ميسورة نسبيا في فندق أو نادي في بنها أو المنصورة، ومرة في شارع ضيق وسط جمهور غير مبال بهم أو محافظ غير متجاوب. أو في صوان كبير وسط جمهور غير راغب إلا في السكر والغياب عن الوعي ويضيق بأي غناء أو موسيقى تبعده عن هذه الحالة أو وسط جمهور راغب في سماع وأداء التحيات والنقوط طوال الليل.
فرح "جمعية"
من التقاليد المعاصرة أن بعض الليالي والأفراح تقام بغرض جمع النقوط، وتسمى "فرح جمعية" وصاحبها يعطي الفرقة أجرا ثابتا ويطالبها بإعطائه كل النقوط لتساعده في الأقساط أو لتغطي تكاليف الفرح نفسه. وبعض الفرق الشعبية لا تعتم بالغناء بقدر ما تهتم بوجود "نوبتجي" ماهر وحلو اللسان يمكنه أن يحييّ بطرق مبتكرة تستحث المعازيم وأهل الواجب على النقوط. ساعتها يكون الغناء مجرد فواصل بين فقرات التحية التي تلي النقوط التي يسجلها مساعد "النوبتجي" في كراسة إعلانا أنها واجب سيرد إلى أصحابه في أقرب وقت.
ولكن "المعلمين" وكبار العائلات العريقة الشهيرة أو أصحاب المزاج ويعلنون أنهم لا يحتاجون نقوطا ويكرسون الليلة للغناء والانبساط ، وقد ينفقون الكثير في استقدام بوفيه متخصص لتقديم مأكولات وخمور وأحيانا ما يمتد الكرم إلى توفير باقة متنوعة من المخدرات لأصحاب المزاج، مستغلين الاتفاقية العرفية السارية بين أبناء المناطق الشعبية والشرطة التي تقضي باعتبار صوان الفرح "منطقة حرة"، تماما مثل كون بساط الموالد "أحمدي" والخطايا متجاوز عنها في حضرة الوليّ.
لمثل هذه الأجواء حرص أحمد سيف على وجود أغنيتين "فقر" - على حد تعبيره- في شريطه الجديد، فسجل أغنية عن "البتنجان" تمشيا مع موجة الغناء للخضروات، بالإضافة إلى أغنية يعدها مع المنتج خالد عمر عن الأتوبيس المكيف ستكون على نفس لحن أغنية "الحنطور" لأمينة.
عند هذه النقطة يرجع أحمد سيف ليحكي أن مساره كان مختلفا، فهو بدأ مع فرقة قصر الثقافة في شبين القناطر حيث يسكن، وشارك في الغناء في مسرحيات تجريبية بمسارح الدولة ومع فرقة "الأحلام" لتقديم التراث في الأوبراولكن بعد أن اختلف مع المصنع الذي يعمل به فني معامل حصل على إجازة مفتوحة بدعوى إصابة قدمه. وبدأ العمل مع فرق الأفراح المشهورة في الدلتا، في البداية كان يغني اللون الشبابي لإيهاب توفيق ومحمد فؤاد ولكن الذوق تغير وفرض على الفرق أداء اللون الشعبي.
وأثناء أدائه لهذا اللون أعجب به أحد متعهدي المطربين وقدمه إلى خالد عمر مهندس الصوت والمنتج من شركة "صوت الطرب" في إمبابة لينتج له شريطا. ورغم أنه ينفق من مدخراته على الشريط الذي لا يتوقع أن يجني من مبيعاته أرباحا كبيرة إلا أنه يأمل أن يتم توزيعه جيدا سواء في منطقة الدلتا و في القاهرة، وأن تنتشر أغنياته بين مشغلي الدي جيه وعلى الإنترنت لكي يطلبه متعهدو الأفراح و يحيي أفراحا أكثر.
قد يسلك الغناء الشعبي مسارات مختلفة مثل الكاسيت أو الدي جيه أو الإنترنت في رحلته بين منتجيه وجمهوره إلا أنه يظل دائما ينطلق من الأفراح لينتهي في الأفراح، حتى وإن كان غناء حزينا.



ماركة مسجلة:
"أنا القتيل يا حاج عمر .. يا خالد عمر يا عينيّ"

قبل سنوات، كانت شرائط الكاسيت الشعبية هي روح السوق الكبير في إمبابة. ضجيج الأصوات المتداخلة لأجهزة الكاسيت الكبيرة الموضوعة على أرفف أكشاك بيع الخضر والفاكهة كان يتداخل مع أصوات الأجهزة الأكبر في محلات بيع شرائط الكاسيت التي كنت تراها بكثافة بين كل مجموعة أكشاك. وفي منتصف شارع السوق تماما كانت الأنوار الملونة ليافطة شركة "صوت الطرب"- أكبر شركات إنتاج وتوزيع الكاسيت آنذاك- لا تنطفيء ليلا أو نهارا فوق محل المركز الرئيسي للتوزيع وكأنه مايسترو الأوركسترا الشعبي، التي لم تتحكم فقط في إيقاع السوق بل إمبابة كلها والعديد من المناطق الشعبية في كل أنحاء مصر.
الآن، لا تزال الأغاني تصدح ولكن اختفى جهاز الكاسيت تقريبا، وحل محله على أرفف الأكشاك وفوق طاولات الفرشات سماعات منفصلة وجهاز مشغل موسيقى MP3 Player لا يحتاج بالطبع لأشرطة، ولكن تكفيه ملفات الأغاني التي يأتي بها أحدهم من الإنترنت أو يشتريها على اسطوانات من الشاب جابر الواقف عند تقاطع شارع السوق مع شارع الجامع. جابر هو الوحيد تقريبا الآن الذي يبيع بعض شرائط الكاسيت بجانب الاسطوانات التي تعد عمله الرئيسي.
محلات بيع الكاسيت التي كانت تملأ السوق وإمبابة اختفت، وصار الكاسيت تجارة جانبية في فرشات بيع أشياء أخرى. وأصبح من الصعب جدا أن تعثر على يافطة شركة "صوت الطرب". اليافطة لا تزال موجودة والمحل الكبير الذي كان مركز التوزيع الرئيسي للشركة لا يزال موجودا، ولكن اليافطة توارت خلف صوان ممتد أمام المحل الذي يمتليء الآن بجلابيب وملابس داخلية نسائية، ويجلس أمامه باستمرار مالكه، ومالك "صوت الطرب" الحاج عمر يدخن الشيشة ويتابع سير العمل.
"الحاج عمر" أصبح اسما مركبا لا ينفصل بعد أن ردده هكذا مطربون شعبيون في أغانيهم في الأفراح أو في التسجيلات التي صدرت في الكاسيت تحية لمنتجهم الذي قدمهم إلى العالم ويوالي إنتاج شرائطهم.
من شعبان عبد الرحيم الذي أنتج "الحاج عمر" أولى شرائطه، فظل شعبان يحييه ويذكر اسمه دائما ضمن أسماء أهل الفرح ودافعي النقوط الذين يحييهم، وإلى المطرب الشاب محمود الليثي الذي يغني أغاني تستعير تيمات من الإنشاد والذكر، فيذكر الحاج عمر في سياق خاص عندما يضيف اسمه وسط شعر عمر بن الفارض فيقول : "أنا القتيل بلا إثم ولا حرج.. أيوه أنا القتيل... أنا القتيل يا حاج عمر .. أنا القتيل يا حاج !"
ولكن محمود الليثي في أغانية الأخيرة يضيف تحية مختلفة: "يا خالد يا عمر... يا خالد يا عمر يا عينيّ". خالد عمر هو ابن الحاج عمر الذي لا يتجاوز عمره 28 سنة، ولكنه الذي يتولي الآن هندسة الصوت وإدارة الإنتاج في شركة "صوت الطرب" ولكن بصيغة أخرى تناسب تراجع أحوال الكاسيت.
في شقة بدور أرضي بشارع جانبي في شارع القومية العربية بإمبابة يجهز خالد عمر استديو جديد خاص به ويجلس أمام الكمبيوتر يراجع أغاني الشريط الجديد للمطرب أحمد سيف ويعطيه ملاحظاته.
يتوقف خالد عمر ويلتفت عند سماع اسم محمود الليثي ويقول:"لازم يحييني طبعا، أنا اللي قدمته وطلعته وعملت له سكة وقلت له اركبها. مش مصدقني ؟"
يعود إلى الكمبيوتر ويبحث قليلا قبل أن يشغل شيئا ويقول :" ده راوي قصص اسمه سعد اليتيم يغني في ليلة من مولد الدسوقي قصة اسمها "أحلام والباشا". اسمع!". يغني سعد اليتيم موالا: "الست لما تكون عاوزة تعيش بتعيش. ما دام تحب الراجل لو نامت معاه على خيش. لا يوم تقول جابلي ولا جابليش.(ثم يدخل الإيقاع) الست لما .. لما لما لما "- وهذا المقطع هو نفسه في أغنية شهيرة لليثي يغنيها بأسلوب قريب- يواصل صوت سعد اليتيم من التسجيل "منور يا أستاذ عمر يا غالي..يا ابن القاهرة يا حلو"، فيبتسم خالد عمر ويوقف الأغنية ويقول: "أنا قلت لمحمود الليثي اشرب الأسلوب ده وخد السكة دي".

يذهب خالد عمر كمهندس صوت لليالي الذكر والإنشاد الخاصة بمشايخ الإنشاد المشاهير مثل ياسين التهامي والشيخ عيون أبو عامر ويحتفظ بتسجيلاتهم التي كانت تنتجها أحيانا "صوت الطرب". ويذكّر بأن قصيدة ابن الفارض التي يغنيها التهامي وتتضمن "ما بين معترك الأحداق والمهج.. أنا القتيل بلا إثم ولا حرج"، هو الذي عرّف الليثي عليها ليقتبس منها في أغنيته التي اشتهرت بـ"القتيل".
الاقتباس وإعادة الإنتاج سمة مميزة في عالم الغناء الشعبي. هناك أريحية في التعامل مع إنتاج الآخرين.وسواء أثناء الارتجال في الأفراح أو استنادا لمؤلفين كلمات وملحنين يتم تعديل الألحان والكلمات بالإضافة والحذف.
مثلا، أغنية "العنب" الشهيرة- التي ربما تعود أصولها لفلكلور ما- أول من غنتها هي المطربة شفيقة وكانت بإيقاع بطيء فلاحي: "جاب لي العنب يا أما.. قطف لي حبه اللي استوى. شلت العنب يا أما .. من خوفي عليه من الهوا" وهي الأغنية التي غناها عماد بعرور بعد إضافته لمقدمة تمدح الحشيش ثم يرتفع الإيقاع الراقص مع تكرار كلمة العنب. والتقطها سعد الصغير وأضاف مقدمة مختلفة "فكهاني وبحب الفاكهة". ولم يفت الليثي أن يغنيها أيضا في أحد شرائطه مضيفا "يا محلى عناقيدك وإنت حلاوتك بناتي.. يا شمعدان يا منور ومزين تكعيباتي".

يواصل خالد عمر :"لكن الليثي طلع معايا قليل الأصل لما اشتهر وغنى أغنية "فلوس" في فيلم "كباريه". طلب مني العقد علشان يخلص أمور قانونية مع السبكي وقطّع العقد. خلاص بقى. أول ما جاني كان ما يقولش إلا "يا عم خالد" وبيغني الفرح كله بـ 150 جنيه. دلوقتي بيطلع فقرة ساعة في الكونراد وياخد 15 ألف جنيه".
في البداية- كما يقول خالد عمر- الكل مستعد للبصم بالعشرة. "مش عيب إنك تبدأ صغير" ويحكي عن بدايته هو نفسه على دراجة بها حمالة يدور بها بشرائط الشركة على بائعي الكاسيت في إمبابة ثم في القاهرة كلها. وبعدها بدأ يذهب إلى الأقاليم التي يقول أنه يعرف باعة الكاسيت فيها من أسوان إلى سيناء. وهكذا بدأت خبرته في عالم الكاسيت.
ولكن بدأ خالد عمر الدخول في عالم الإنتاج بعد تعرفه على شاب اسمه أحمد الأسمر يقيم مع أهله في حجرة صغيرة في شارع الجامع. "كان غلبان وعامل في شركة قطع غيار سيارات، لكن صوته كان بيفكرني بصوت طارق الشيخ" يقول ذلك وملامح وجهه تعبر عن الانبهار عند ذكر اسم طارق الشيخ الذي يحتل مكانة مميزة في سوق الغناء الشعبي الدرامي الحزين.
يحكي خالد أنه تبنى أحمد الأسمر فنيا وأتي له بأفكار أغاني ومؤلفين وملحنين وأصدر له شريط "يا حبيبي": "أغنية يا حبيبي كسرت الدنيا وهي أصلا كانت فكرة بسيطة مني، كنت أنا وأحمد خارجين من سينما ريفولي فدندنا بلحن: تارارارا. فقلت له نعمل أغنية كلها الجملة دي فكانت: "يا حبيبي – تارارارا – يا ناسيني –تارارارا- هاتجيني – تارارارا ... وهكذا كلمة واحدة وجملة تارارارا التي يدخل الكورس فيها بآهات".
إنتاج الغناء الشعبي ربما يتميز ببساطة وعفوية وخاصة في اللون السريع المرح الراقص، أو كما يطلق عليه خالد عمر: "الهنك". ولكنه قد يتميز أيضا بجدية وتعبير صادق خاصة في الأغاني الحزينة، مثل "أنا مش عارفني" لعبد الباسط حمودة التي لفتت الانتباه وتجاوزت شهرتها جمهور "الشعبي" إلى غيره.
حظى أحمد الأسمر بفترة نجومية ثم انطفأ نجمه، ليصعد خالد عمر بمطرب آخر هو غرام المصري الذي غنى "أنا نازل يا سعاد خلي بالك من الواد" وحظى بفترة رواج وعندما انحسر رجع إلى وظيفته كسائق وقد يحيي فرحا بين شهر وآخر.
باستثناء أسماء قليلة، فإن عالم الغناء الشعبي حاليا يسيطر عليه "الإفيه" والأغنية الواحدة التي تستحوذ على اهتمام الجمهور لفترة بمرحها أو مرارتها فترفع نجم صاحبها إلى السماء لفترة قبل أن ينزل مع صعود واحد آخر بأغنية أخرى.
المطربين قد يعودون إلى مهنهم الأصلية، ولكن إنتاج الكاسيت في زمن الإم بي ثري والإنترنت لم يعد تجارة رابحة. ورغم أن التكنولوجيا أفادت الشركات أيضا فاستغنت عن كثير من الموسيقيين واستبدلتهم ببرامج التأثيرات الموسيقية وفنون هندسة الصوت، إلا أن تكلفة أجور الملحنين والمؤلفين وطباعة الكاسيت تشكل عبئا على الشركات. لذلك فخالد عمر يعتبر عمله الرئيسي هندسة الصوت، التي تعلمها من ملاحظته لتسجيل أغاني شريط أحمد الأسمر رغم أنه لم يكن قد بلغ العشرين بعد كما أنه لم يتم دراسته الابتدائية، وأصبحت تلك مهنته الأساسية بعد ما فترت وتيرة الإنتاج.
قد يقوم بين فترة وأخرى بإنتاج شريط لمطرب ولكن بشرط أن يتحمل هو التكاليف، وكل مطرب يختار أن يطبع أغانيه على شريط أو يستلمها من خالد عمر على مجموعة إسطوانات ليحاول أن يصنع شهرته على الإنترنت أو من خلال تشغيلها في الدي جيهات. وفي هذه الحالة يكون دور خالد عمر بالإضافة لهندسة الصوت هو أن يقود المطرب إلى ما قد يحقق له "الخبطة" التي تمنحه بريق الشهرة. أو بتعبير خالد عمر: "ملكتي اللي ربنا إداهاني وهي سبب أكل عيشي إني أعرف أسوق المطربين للي ينفعهم وياكل مع الناس وهو ده فن الإنتاج".



"يا أهل الله ياللي فوق .. نظرة للي تحت"

"شوف يا رحّال. الفن مرآة المجتمع، ولما المجتمع يبقى فيه تشوهات لازم تظهر في الفن" بهذا الرأي للفنان محمد نوح اختتم المخرج الشاب أحمد رحال فيلمه التسجيلي "شعبي" الذي نزلت تتراته مع صوت أحمد عدوية يغني: "يا دي الزمان الردي اللي كترت فيه المغنواتيّة!".
وبسبب ما يوحي به هذ الاختيار اضطر رحال - في كلا الندوتين اللتين ناقشتا الفيلم في مكتبة الإسكندرية ثم في جمعية النقاد - إلى توضيح أن هذه الخاتمة لا تعبر عن وجهه نظره في "الغناء الشعبي" بل إنه بالعكس يحب سماعه ويرى أنه اللون الغنائي الوحيد الذي يمكن القول أنه "خرج من هنا، ومن هنا فقط" على حد تعبيره، ويدعو المشاهدين إلى اعتبار خاتمة الفيلم تضم إلى جانب رأي نوح، ما سبقه من رأي الفنان مودي الإمام المختلف تمام والذي يذهب إلى أن دور هذا الفن مثل تأثير تزيين السائقين لسياراتهم يابانية المنشأ بالأشياء والكلمات التي تنتمي إلى عالمهم لتبدو في النهاية سيارات مصرية صميمة.
محمد نوح كان ممتعضا من الأشكال الجديدة من الغناء الشعبي يتذكر في حنين "الشعبي القديم" الفلكلوري أو كما عبر عنه سيد درويش، بينما كان مودي الإمام مرحبا ومتفهما لـ"الشعبي الجديد" الذي يعبر عن حياة "الشعب الجديد" وإيقاع شارعه الذي لم يتجمد عند الحالة التي سجلها باحثو الفلكلور أو عبر عنها درويش قبل عقود.
منذ أن تركت الطبقة الوسطى المصرية لما دونها وصف "شعبي" أصبح اصطلاحا يعبر عن كل شيء أقل جودة ومستوى وخارج نطاق الاهتمام والحفاوة. وطريقة تعامل نقاد هذه الطبقة مع " الغناء الشعبي" جماليا يتجاهل سؤال: جميل بالنسبة لمن؟
القليل فقط من النقاد هم من يحاولون النظر من زاوية جمهور هذا الفن: سكان محيطات العشوائيات التي كانت قبل قليل جيوبا ريفية، وحياتهم الخشنة الصعبة الجامحة مهنهم غير الرسمية غالبا غير المضمونة دائما "حبة فوق وحبة تحت". حياة اللحظة الفانية المقتنصة في لحظة فرح راقصة وغناء يندفع في مرح كما يفعل عماد بعرور أوحزن وألم يصرخ في مرارة كما يفعل عبد الباسط حمودة. أصوات مثل أصواتهم قوية وخشنة – لا مكان هنا مثلا لمصطفى قمر - وتنطق بطريقتهم التي تبدو للطبقة الوسطى طريقة سوقية. حتى الأصوات الأنثوية لها طابع مميز فيه دلال ولكن لا يفتقد بعض الخشونة: أمينة صاحبة الحنطور مثلا.
"شيال الحمول يا صغير" أو "من حق الكبير يتدلع"، تعبيرات لا مكان لها في شعبيات الطبقة الوسطى الغارقة وسط طوفان الأنغام المكررة مع مدائح وبكائيات العيون والجفون الرموش. تعبيرات الطبقة الغائبة التي لا مكان لها في الإعلام إلا ليتم السخرية منها أو الضحك عليها مثل "اللمبي"، وغنائها الغائب عن الإذاعات والتليفزيونات إلا في سياق التندر على الغناء الهابط أو "التهييس" قليلا معه. ربما لهذا السبب رفض المنتج خالد عمر التصوير في فيلم رحال ولكنه ساعده على التسجيل مع الليثي وعربي الصغير اللذين ضحك جمهور الندوتين عليهما بينما كانا يشرحان بكل جدية تفاصيل اعتنائهما بالغناء. يبدو أن خالد عمر كان يتوقع ذلك، وبسببه رفض حتى مجرد التصوير الفوتوغرافي قائلا في سخرية العالم ببواطن الأمور:"أتصوّر؟ هو إنت فاكرني اللمبي".


نشر في الشروق الأحد 31 مايو 2009
الصورة من فيلم "الفرح"

المزيد

الجمعة، ١٠ يوليو ٢٠٠٩

عن قبح وجماليات الشتائم الجنسية: إهانة المقهور أم تعرية المقدس؟



الشتائم الجنسية نتاج لثقافة فصامية تهين المرأة وتحتقر الجنس أم "جماليات لغوية" و"عشم" بين الناس ؟

عندما تحدث هيرودوت عن المصريين في القرن الخامس قبل الميلاد قال أن من عادتهم "المجون والألفاظ البذيئة الفاضحة"، وروى كيف كانوا يحتفلون بعيد الإخصاب فتخرج النساء تحمل تماثيل لرجال عضو الذكورة فيها بطول باقي الجسم، ويتغنون بإله الإخصاب أوزوريس، بينما يتبادل الرجال الأنخاب والنكات الجنسية.
يحق لنا أن نسأل هيرودوت، أو مترجم كلامه إلى العربية، كيف تكون ألفاظ معينة هي عادة لمعظم المصريين وتكون في نفس الوقت "بذيئة" أو "فاحشة"، والبذاءة والفحش لغة معناهما البعد، والألفاظ البذيئة أو الفاحشة بالتالي هي الألفاظ التي يبتعد الناس عن استخدامها.
كما يصح أن نسأل كيف تكون هذه الألفاظ "فاضحة"، وفاضحة لأي شيء، بينما تخرج أعداد كبيرة من الشعب في يوم عيد تظهر تفاصيل العلاقة الجنسية بهذا الوضوح، بل وتحتفل بها.
وبعيدا عن إجابة لن تأتي من التاريخ، فالتناقض لا زال يحكم حتى هذه اللحظة. الألفاظ الجنسية التي تنتشر في العامية اليومية لمختلف طبقات وفئات المصريين لا وجود لها في الإعلام أو الأدب والفن، الذين من المفترض أنهم يعكسون الحياة اليومية، إلا قليلا أو إشارات غير مباشرة.
هل لهذا التناقض علاقة بأن الاستخدام الأكثر كثافة لهذه الألفاظ في صيغة الشتيمة، وإن استخدمت في أغراض أخرى كالسخرية أو المبالغة مثلا؟ وهل لذلك علاقة بتحول معظم قاموس الشتيمة اليومية بين المصريين لاستخدام الألفاظ والمفردات الجنسية، "البذيئة" و"الفاضحة"؟ وما علاقة الجنس تحديدا بالإهانة والشتيمة؟ ولماذا يكون مجرد ذكر العضو الأنثوي مقرونا بالأم إهانة؟ ولماذا تصور معظم الشتائم الشائعة العلاقة الجنسية بأنها بين طرفين أحدهما فاعل وآخر مفعول به مهان ومحتقر؟ حتى أن بعض الشتائم الجنسية لا تهين إلا الطرف السلبي أو "المفعول به" في العلاقة المثلية.

ترى د. عزة عزت، أستاذ الإعلام بجامعة المنوفية، وصاحبة كتاب" التحولات في الشخصية المصرية" أنه بالرغم من أن المصريين من أيام الفراعنة قد اتصفوا بالبذاءة وسلاطة اللسان والسخرية اللاذعة والفحش في القول كما يقول المؤرخون، إلا أن المصري القديم كان يحترم المرأة والعلاقة الجنسية. وتعتقد أن استخدام الجنس في الإهانة عبر الشتائم الجنسية لم يبدأ إلا في عصور متأخرة تراجع فيها احترام المرأة، بدخول "ثقافة الحريم" وانتشار عادة اقتناء الجواري في مصر، وترجح أن ذلك كان في العصر العثماني.
انحسرت ثقافة الحريم ، وإن لم تختف كل مظاهرها، وتحسنت صورة المرأة نسبيا، ولكن الشتائم الجنسية لم تنحسر ،وهو ما يجعل د. وائل أبو هندي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق يعتمد في تفسيره على اللحظة الراهنة ليرى أن انتشار الشتائم عموما هو صدى لحالة من القهر والظروف الصعبة التي يعيشها المصريون، ويعتبر انتشار الشتائم الجنسية بشكل خاص تعبير عن "حرمان غير واعي" تجاه العلاقة الجنسية، ولكنه يخشى أن يتوهم البعض أن هذه الظاهرة عند المصريين وحدهم فيلفت النظر إلى إن هذه الشتائم ليست حكرا على المصريين بل هي عادة معظم الشعوب العربية الأخرى التي تعاني في رأيه" من نفس الحرمان".
ولكن هذه الشتائم لا تخص فقط الشعوب العربية، ولا تلك التي تعاني من الحرمان، فهي موجودة في مجتمعات تتسم بالتحرر الجنسي. وهو ما يؤكده د. محمد الرخاوي، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، "استخدام الجنس في الإهانة لا يرجع لعوامل تخص هذا الشعب أو ذاك، هناك تعميمات في الثقافة الإنسانية تربط فعل الجنس بالسيادة والقوة من جهة الذكر والخضوع والتعرض للاختراق من جهة الأنثى، لذا فهي تستخدم في الإهانة".

ازدواجية النظر للجنس
يعود ذلك بنا إلى فكرة القهر مرة أخرى، التي تظهر هذه المرة في فعل الجنس، الذي يتصوره البعض على شكل علاقة فيها أعلى وأدنى، وقاهر مقهور. يؤكد د. حسنين كشك، أستاذ الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية على علاقة استخدام الجنس في الشتائم بفكرة القهر، ويربطه بثقافة التمييز وعدم المساواة التي تعاني منها المجتمعات العربية سواء على المستوى السياسي أو على مستوى العلاقة بين الجنسين. ويضيف " هذه الشتائم نتاج لثقافة فصامية، لديها ازداوجية في النظر للجنس، فهي من ناحية ثقافة تعاني من أزمة تتعلق بممارسة الجنس نتيجة لمشكلة طغيان العنوسة، فلا ترى في المرأة إلا موضوعا جنسيا، ولكنها من ناحية أخرى تفتقد لاحترام المرأة لنفس السبب وتتحرش بها عبر هذه الشتائم".

إذن، هل يمكن أن ننتهي إلى أن هذه الشتائم التي تستخدم فعل الجنس أو العضو الأنثوي في الإهانة هي إهانة وتحقير للمرأة، أم أن الأمر ليس أحادي الجانب، وتتدخل فيه الازدواجيه التي يشير إليها كشك. فعلى خلافه لا تعتقد د. عزة عزت أن انتشار الشتائم الجنسية عند المصريين مرده لاحتقار المرأة، ورغم أنها رأت أن بدء انتشار الشتائم الجنسية كان مع عصور انحطاط قيمة المرأة، إلا إنها مع ذلك ترى أن هذه الشتائم تخفي خلفها "تقديسا للمرأة" ، وتوضح "الشتيمة تعتمد على الإهانة من خلال انتهاك المقدس والمصون، مثل سب الدين".

قريبا من ذلك، يرى مسعود شومان، الشاعر والباحث في التراث الشعبي، "القداسة عند المصريين مرتبطة بشكل خاص بالأم، لذا فالشتائم معظمها يتعمد استخدام الأم للإهانة. بخلاف شعوب عربية أخرى تنسب الشتيمة للأخت، فتنسب مثلا العضو الأنثوي للأخت على سبيل الإهانة"، ويرى شومان أن سبب ذلك هو تجذر ثقافة "العار" عندهم، وهي التي ترتبط بانتهاك العذارى بشكل خاص، بينما شتائم المصريين التي يتعلق معظمها للأم، الإهانة فيها متعلقة بانتهاك للأم المقدسة عندهم منذ أوزوريس حتى الآن.
ولكن نفس الشتيمة الشهيرة التي يلمح شومان إليها، ذكر العضو الأنثوي منسوبا للأم، يستخدمها
د.محمد الرخاوي ليقول أن الإهانة غير متعلقة بالمرأة، بقدر تعلقها بالجنس نفسه، ويقول "هذه الشتيمة تكتفي بمجرد ذكر العضو الأثنوي منسوبا للأم بلا أي وصف أو إضافة" وهي تشترك مع الشتائم الجنسية الأخرى في أنها تقتحم وتخدش حرمة موضوعات حميمة ذات علاقة بالجنس، عن طريق الكشف والإعلان عن العلاقات الجنسية والأعضاء الجنسية، وهذا الاقتحام والكشف هو مكمن الإهانة.

لكل ذلك وغيره، فالشتائم الجنسية بالطبع لن تعدم الهجوم العنيف، فيعتبرها د. حسنين كشك انحطاطا قيميا وثقافيا، وتعتبر د.عزة عزت انتشارها انحطاطا في عامية كل طبقات وفئات المصريين، بعد أن كانت هذه الشتائم منتشرة فقط بين "السوقة". ولكن مسعود شومان يعترض "التعامل القيمي والأخلاقي مع الشتائم يفقدها كثيرا من الجوانب المهمة والدالة ومنها جماليات الشتيمة!".

معجم الشتائم
شومان، الذي يشغل أيضا منصب مدير أطلس المأثورات الشعبية، قضى فترة في محاولة لإعداد معجم لشتائم المصريين، وكان مصدره الأساسي هو المشاجرات التي كانت تتنازعه أثناء متابعته لها رغبتان: رغبة الباحث في استمرار المشاجرة ليسمع القدر الأكبر من الشتائم ويسجلها، والرغبة الإنسانية أن تتوقف وينصرف الناس سالمين. ويبدو أن وقت المشاجرات كان كافيا ليرضى رغبة الباحث، فقد تمكن شومان من جمع وتسجيل 20 ألف شتيمة متنوعة، ولكن مشروعه توقف لأنه لم يجد جهة تتعهد نشره، وبالطبع فإن للكم الكبير من الشتائم الجنسية دور كبير في ذلك.
ولكن يبدو أن حماسة شومان لمشروعه لم تفتر، فهو يرد على وصف الشتائم بالانحطاط بقوله أن لمفردات لشتائم ومجازاتها أبعادها الجمالية، كما يرى أن الإدانة الأخلاقية أو حتى التفسير الذي يتركز حول انطلاق الشتيمة من نظرة للمرأة أو الجنس هو تفسير يهدر الكثير من دلالات مفردات الشتيمة. فيرى شومان أن الشتائم الجنسية ربما لا تعبر بالضرورة عن معاني متعلقة بالجنس، فالألفاظ تفارق معناها اللغوي المعجمي إلى معنى آخر مجازي، ويضرب مثلا لذلك "المفردات المختلفة التي تستخدم في الشتيمة وتعني كلها "المثليّ جنسيا" تشير لدلالات أخرى تتعلق بالميوعة أو افتقاد الرجولة والجدية أو تشير إلى أن الشخص لا يعتمد عليه".
كما يضيف أن العديد من الألفاظ الجنسية أصبحت تستخدم في الوصف لبيان القوة أو الشدة أو التأثر أو للسخرية الشديدة، وتستخدم أحيانا في المدح كما تستخدم في الذم،"عندما نقول: فلان ده ابن كذا، يختلف معناها ودلالاتها وغرضها بحسب الموقف وطريقة النطق والسياق، الشتيمة تستحضر اللغة الانفعالية القادرة بدورها على نقل المشاعر والانفعال بشكل يتجاوز قدرة اللغة العادية المباشرة" ويضيف "وهنا تكمن جماليات الشتيمة، في كناياتها ومجازاتها وطريقة أدائها".
ولكن هل لجماليات اللغة الانفعالية للشتمية علاقة ما بالجنس، يجيب شومان "بالتأكيد، الجنس لحظة تحرر من القيود العادية ومن الوقار، ولحظة الجنس مرتبطة أيضا بالتحرر اللفظي وهناك من لا يستمتعون بها إلا بالفحش في القول". يرى شومان أن هذا الجانب الانفعالي يربط الجنس بالشتيمة لتستخدم المفدرات الجنسية في سياقات مختلفة تعبر أحيانا عن الهجوم والسخرية والمدح وربما المحبة وإظهار القرب الشديد.

من باب العشم
ولكن كيف تكون الشتائم الجنسية تعبيرا عن القرب الشديد ؟، يرد شومان "بعض الأصحاب والمقربين، يتبادلون مفردات الشتائم الجنسية في جلسات وحوارات ودية، وكأنهم يمارسون نوعا من التعري والانكشاف وإسقاط الحواجز والكلفة، ، وفي هذه الحالة يفارق لفظ الشتيمة جانب الإهانة". ويفسر شومان بذلك انتشار الاستخدام الكبير لمفردات الشتائم في النطاقات الحميمة بين العديد من الناس بعيدا عن ساحات المشاجرات.
لدى د.محمد الرخاوي انطباع آخر حول مدى انتشار الشتائم الجنسية ، فهو يؤكد أنه لا دراسات دقيقة عن اننشارها أو انحسارها، ولكنه يسجل ملاحظته أن استخدام الشتائم الجنسية عند المصريين شهد انحسارا، ورأيه يتقاطع نوعا ما مع رأي شومان عندما يقول أن تبادل الشتائم، سواء في الهزل أو في المشاجرات، كان تعبيرا عن التفريج عن النفس وعن مساحات متاحة من التعبير غير اللائق، التي يمكن تداركها بسهولة وبتسامح، فهو يرى أن جانبا من استخدامها تعبير عن نوع من "العشم " بين الناس. ويرى أن انحساراستخدامها، رغم بقائها في معجم حياة المصريين، يشير إلى غياب هذا "العشم" والتسامح، الذي حل محله الخوف المتبادل والتوتر الشديد بين الناس، فلا تمر مثل هذه الشتائم ببساطة كما كانت تمر سابقا بحسب ملاحظته.
تأكيد الرخاوي على أن بعض كلامه وليد ملاحظاته فحسب، نتيجة لعدم وجود دراسات وافية، وقوله أن الأكاديمين أصحاب "الكرافتات" عادة ما يبتعدون عن دراسة مثل هذه الموضوعات، وإشارة شومان لتوقف مشروعه البحثي لصعوبة الاتفاق مع ناشر، بالإضافة للصعوبات التي تواجه حتى الموضوعات الصحفية التي لا تستطيع ذكر مفردات الشتائم الجنسية صراحة وتضطر للإشارة إلى معانيها.. كل ذلك يشير إلى صعوبة دارسة هذه الظاهرة التي يتأرجح التعامل معها، رغم شيوعها، بين الاعتراف والإنكار، والاهتمام والتجاهل، والإدانة والتفهم.


نشر في الشروق الأربعاء 1 يوليو 2009

المزيد

الأربعاء، ١ يوليو ٢٠٠٩

عبد الوهاب المسيري

الناقد الموسوعي المجتهد .. في رحلته بحثا عن الإنسان ودفاعا عنه


في سيرته الذاتية الفكرية التي أسماها "رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر- سيرة غير ذاتية غير موضوعية" يسجل المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري أنه في يناير 1998 انتهي من العمل في الموسوعة التي ارتبطت باسمه، موسوعة "اليهود واليهود والصهيونية: رؤية نقدية". ولكنه عندما يحاول تسجيل تاريخ بداية كتابتها يبدو له أمرا خلافيا، فربما كانت نقطة البدء يوم كتب أول دراساته عن الصهوينة، وربما كانت يوم ولادته باعتبار أن كل تجربة خاضها كانت جزءا من المنهج التحليلي والمعرفي الذي اتبعه في إنجاز الموسوعة "النقدية".
لا يمكن للقاريء الذي وصل إلى هذا الجزء في سيرته أن يعتبر هذه الكلمات من نوع إطراء الكتاب لكتبهم باعتبارها خلاصة تجربتهم، لأنه سيكون قد عرف فعلا كيف جعل المسيري من حياته كما يرويها رحلة لا تنفصل فيها التجربة الشخصية عن التجربة الفكرية، ولا الدراسة والوظائف التي عمل بها عن الهم الفلسفي والموقف الأخلاقي، ولا كل ذلك عن الالتزام الإنساني والسياسي في معناه الأرحب الذي يلخصه عنوان أحد كتبه: "دفاع عن الإنسان".

البذور
ولد المسيري عام 1938 في مدينة دمنهور لأسرة من "البرجوازية الريفية"، باعتبار أن دمنهور مدينة/قرية كما يصفها في سيرته. ويرى أن أثريائها كانوا مختلفين عن أثرياء الحضر في القاهرة والإسكندرية الذين أصابهم التغريب، كما كانوا مختلفين عن أثرياء الريف الإقطاعيين، وهو ما جعلهم محتفظين بالقيم المصرية والعربية والإسلامية، وأقل بحثا عن الأبهة والجاه ، وأكثر ارتباطا بالحركة الوطنية المصرية ممثلة آنذاك في حزب الوفد، الذي كان معظم أفراد هذه البرجوازية الريفية أعضاء فيه أو متعاطفين معه.
نشأ المسيري في هذا المجمع التقليدي الذي يحكمه إطار من القيم الدينية والأخلاقية والأعراف المعتبرة، وهو ما سيعود ويقرأه ويحتفى به عند نقده للمجتمع الحديث والحداثة المنفصلة عن القيمة كما يصفها.
لا ينكر المسيري مشكلات ومثالب المجتمع التقليدي، إلا أنه يؤكد على العديد من جوابنه الإنسانية، مثل سيادة قيم التراحم، التي تخفف من حدة التفاوت الطبقي والاجتماعي، ووجود ثقافة مشتركة تجمع بين كل أفراد وطبقات المجتمع، الذين كانوا يرتدون نفس أنماط الملابس ويأكلون نفس أنواع الطعام، يتعلم أبناء كل الطبقات في المدارس نفسها ويلعبون معا، وتجمعهم نفس طقوس الاحتفال في المناسبات. بالإضافة لرفض المجتمع، أثريائه وفقرائه، التبديد والاستهلاك المفرط ومظاهر الترف، والإعلاء من شأن الجدية والاقتصاد، بدون أن تظغى قيم الأنجاز والعمل على أهمية التواصل الاجتماعي. فإيقاع الحياة الأقل سرعة أتاح فسحة لإقامة روابط قوية داخل الأسرة الواحدة كما دعم التواصل بين أطراف العائلة أو الأسرة الممتدة.
ورغم احتفاء المسيري بقيم ومجتمع نشأته، إلا إنه يحدد بداية تشكل هويته الفكرية عند بدء ممارسته لـ"طقوس الانفصال". فباعتباره ابن واحد من كبار التجار في دمنهور، كان من المفترض أن يتوجه في الإجازة الصيفية إلى متاجر أبيه مثل أقرانه من أبناء كبار التجار ، إلا أنه يروي قصة اكتشافه لمكتبة البلدية التي غيرت حياته وكيف بدأت قراءاته في الأدب والفلسفة والتاريخ والفنون في سن مبكرة بتشجيع من مشرف المكتبة، ثم بتشجيع أساتذته خاصة أستاذ الفلسفة في المدرسة الثانوية. و يذكر كيف كان يحرر وحده مجلة حائط في مدرسته وهو بعد في الحادية عشرة. وشجعه كثيرا على الاهتمام بالكتابة والقراءة، نشر الصحف المحلية فورا لكل ما يرسله إليها من تعليقات ورسائل ، قبل أن يعرف لاحقا أن السبب في ذلك تشابه اسمه مع الأديب المعروف وقتها في دمنهور عبد المعطي المسيري !

وفي فترة صباه وبداية شبابه في الخمسينات، كانت الماركسية في أوج زهوها، وكانت أفكارها وكتبها تلقى رواجا نسبيا في المدن المصرية بين المتعلمين والمثقفين، وهو ما أثر على المسيري حتى قبل اعتناقه لها. فيروي كيف أنه أحال موضوع إنشاء عن حديقة المنزل وهو في السنة الثانية من المرحلة الثانوية إلى مقال عن الظلم الاجتماعي لأن منازل الفقراء ليست بلا حدائق فحسب، بل في حالة سيئة وينشأ الأطفال فيها بين أكوام القمامة. وهو ما دفع أستاذ اللغة العربية، بعد أن منحه صفرا، إلى تحذير أسرته من ميوله "الشيوعية".
في منتصف الخمسينات اعتنق المسيري الماركسية و انضم إلى الحزب الشيوعي وظل عضوا به حتى 1959، بعد أن قضى فترة تقلب وبحث كعادة أبناء جيله، انضم فيها لحزب مصر الفتاة لأيام ثم الإخوان المسلمين لفترة، كما انضم لهيئة التحرير التنظيم السياسي الوحيد بعد ثورة يوليو 1952 التي ألغت الأحزاب.
شكلت الماركسية رافدا مهما لفكر المسيري، باعتبارها اتجاها نقديا للحداثة والتنوير الغربي، ولنقدها الرأسمالية واغتراب الإنسان عن إنتاجه ورفضها للظلم الاجتماعي والاستعمار. وهي الأفكار التي سيطورها المسيري ضمن نسقه الفكري الخاص، مستفيدا من أفكار فلاسفة مدرسة فرانكفورت، ذوى الخلفيات الماركسية أيضا، في نقد المجتمع الحديث.
ومن قبل اعتناق الماركسية، ثارت في نفس المسيري الشكوك الدينية التي لم يجد لها إجابة عند من حوله سواء في المدرسة أو البيت، فتوقف عن أداء الشعائر التي تربى عليها. ولم يطلق المسيري على نفسه صفة "ملحد" مؤكدا أنه ظل يؤمن بمطلقات أخلاقية غير مادية. واعتبر بعد نقاش مع أقرانه أنه قد فقد الإيمان الساذج البسيط فحسب، وبدأ رحلة اكتشاف الإيمان الأكثر تركيبا.
ورغم أنه سيقوم فيما بعد بنقد الماركسية باعتبارها تقف على نفس الأرضية المادية داخل النموذج الغربي لتفشل في إدراك تركيب الإنسان المتجاوز للمادة. إلا أنه يقول أن الجانب الإنساني منها، الذي يرفض الاستغلال واعتبار الإنسان وسيلة، منع تجربة الشك الديني من أن تدفعه إلى هوة العدمية والعبثية والحياد تجاه الظلم الاجتماعي وإنكار أي معنى أو غاية.
ويحلو للمسيري في حواراته القول أنه كان "ماركسيا بشَرطَة" ، أي ماركسيا استثنائيا، بسبب حفاظه على البعد الأخلاقي المتجاوز للقيم المادية. وبعد تجربة استعادته الإيمان ، يشير إلى بقاء تأثيرات الماركسية في تفكيره بالقول أنه أصبح "ماركسيا على سنة الله ورسوله".

حصل المسيري على الشهادة الثانوية عام 1955، والتحق بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية. وحمل خلفيته الماركسة معه فكان ناشطا في الجامعة، كما أنه كان أثناء الدراسة ينقد النصوص الأدبية بالأدوات الماركسية ومن منظور التحليل الطبقي، ويحفظ لأساتذته إنصافه رغم اختلافهم مع توجهه الفكري والسياسي.
بعد تجربة قصيرة، كانت نقلة كبيرة في حياة المسيري القادم من مجتمع دمنهور التقليدي إلى مجتمع الإسكندرية متعدد الثقافات الذي كانت الجاليات الأجنبية فيه ذلك الوقت تكاد تفوق سكانه المصريين، تخرج المسيري وتم ترشيحه للالتحاق ببعثة إلى جامعة كامبريدج في بريطانيا للحصول على الماجستير، إلا أنه اختلف مع الأستاذ الذي كان من المفترض أن يساعده في الالتحاق بالبعثة وانتقد منهجه، فلم يزكه الأستاذ. وغير مساره ليذهب إلى جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1963.



الجذور
يعتبر المسيري تجربة الدراسة في الولايات المتحدة بمثابة جذور رحلته الفكرية. فقد شهدت ما يصفه بـ"مواجهة فكرية أولى" بينه، هو الذي ذهب مؤمنا بالنزعة الإنسانية "الهيومانية" والحداثة وقيم التنوير، وبين مجتمع النخبة الأمريكية الذي وجده يسخر من كل ذلك ويتحدث عن ما بعد الحداثة والعبثية و العدمية والعنف والمخدرات ومركزية الجنس.
شكل ذلك صدمة أول مشاهد المواجهة، التي أعقبتها مشاهد ومواقف عديدة يرويها المسيري في سيرته، شكلت أساسا لنقده للفكر والحضارة الغربيين، ليصل إلى أن ما بعد الحداثة و افتقادها للمركز وسقوطها في النسبية والعدمية كانت كامنة في نموذج الحداثة و ليست انحرافا عنه أو تجاوزا له. لأن الحداثة وضعت الإنسان في مركز الكون وجعلت من المنفعة المادية أساسا وحيدا للقيمة، وأنكرت الإله أو المركز المتجاوز للكون والمادة. ومهدت الطريق لإنكار كل قداسة، بما فيها قداسة الإنسان نفسه التي وضعته في مركز الكون، فأصبح الإنسان كائنا ماديا وجزءا من الطبيعة، ومن جهة أصبحت لذة الفرد المطلقة هي المركز إن كان الأقوى كما أنها يمكن أن تتحول إلى وسيلة لأهداف الأقوى، وهو ما ينتج صراع الأفراد في العالم الخالي من أي غاية، أو كما يقول توماس هوبز"حرب الكل ضد الكل". بعد تمركز كل فرد حول لذته الخاصة وتهربه من أي مسئولية اجتماعية أو تبعات أخلاقية.
شكل ذلك بداية نقده للنموذج المعرفي الغربي، مستحضرا في الخلفية المجتمع التقليدي في دمنهور بقيمه الأخلاقية والعرفية. وأصبح التأمل في المجتمع الأمريكي وتجريد نموذجه المعرفي والإدراكي،من خلال وضعه في سياق الأدب والفكر الغربيين الهم الأول للمسيري وشاغله الفلسفي. وفي العام 1979 سيكتب المسيري كتابا خاصا عن ذلك هو "الفردوس الأرضي: تأملات وانطباعات في الحضارة الأمريكية" ولكن قبل ذلك، استدعى المسيري شاغله الفكري ليجعل رسالته للدكتوراة في جامعة رتجرز تتحول من مجرد دراسة فنية في الشعر الرومانتيكي إلى نقد للحضارة الغربية. ويعتبر المسيري هذه الرسالة التي أتمها عام 1967 أول أعماله الفكرية.

ثمرة أولى
كان من المفترض أن يضع المسيري رسالته في دراسة مواضع تأثير الشاعر الإنجليزي وردزوورث على الشاعر الأمريكي وولت ويتمان، إلا أنه جعل ذلك فقط الجزء الأول من الرسالة، بينما ضمن باقي الرسالة رؤية نقدية تطرح الانفصال بين الشاعرين وكان العنوان الفرعي للرسالة: دراسة في الوجدان التاريخي والوجدان المعادي للتاريخ. وقال أن الشاعر الأول الذي ينتمي للمجتمع الإنجليزي ذي التاريخ الكبير الذي تتجاوز فيه التقاليد مع الحداثة، يحتفي بالإنسان ولحظات حزنه وفرحه وتميزه عن الطبيعة التي يحن للعودة إليها للحظات مثل لحظات شطح الصوفي، فهو يقر بوجود الإنسان في التاريخ والمجتمع وأنه لن يتحد بالطبيعة أو بالمطلق. أما ويتمان الذي ينتمي للمجتمع الأمريكي وهو مجتمع استيطاني بلا تاريخ يسقط الإنسان في قصائده في الطبيعة ويتحد بلحظة اللذة، وغالبا ما تكون لحظة جنسية، ليفقد الحدود والمسافة بينه وبينها.
في هذه الرسالة طور المسيري مفهوم "المسافة" التي تفصل بين الإنسان والطبيعة باعتبار الإنسان كائن مركب، فيه عنصر مادي ولكن فيه عناصر أخرى تجعله متجاوزا للطبيعة وذا عقل توليدي مبدع وذا مسئولية أخلاقية وحدود اجتماعية وتاريخية. كما طور مفهوم "الحلولية" التي تذيب الفارق بين الإنسان والطبيعة فتجعلهما من أصل واحد هو المادة، لتصبح هي المطلق الذي يحتوى الإنسان والطبيعة معا. أو أن تكون الحلولية في وجهها الآخر بإسقاط المسافة بين الإنسان والإله بحلول الإنسان محل الإله أو اتحاده به ليكون مطلق التصرف فينتفي معنى الأخلاق والمسئولية.
في الجزء الثالث من الرسالة قال أن التشابه "المادي" بين نصوص الشاعرين لا يكفي للقول بتأثير الأول على الثاني، بينما يؤكد تحليل النموذج الفكري لكل منهما- بحسب المسيري- سطحية القول بالتأثير والتأثر. ولكن الأهم هو انطلاقه في الجزء الرابع لنقد الحضارة الغربية التي سقطت مع ويتمان في الحلولية والهروب من التاريخ عن طريق لحظة الجنس أو اللذة.
كما بدأ المسيري في هذه الرسالة التفكير في أدواته المنهجية مثل فكرة "النموذج التحليلي" الأكثر أو الأقل تفسيرية، ففي نهاية الجزء المعلوماتي الأول من رسالة الدكتوراة قال أن تأثير
وردزوورث على ويتمان ليس إلا مجرد معلومات لا تفضي إلى حكمة. ولكنه في الجزء الثاني طور أطروحته على أساس ما أثاره شعر وردزوورث وويتمان فيه حول همه الفلسفي والوجودي، وكانت فكرة النموذج التحليلي التفسيري هي الإجابة على سؤال: هل ما أثارته القصائد عند المسيري سببه ذاتي، أي بسبب اهتمام المسيري بهذه المشكلة، أم أنه تأثير موضوعي نابع من القصائد نفسها. وكانت إجابة المسيري المنهجية، أن عقل الإنسان ليس كآلة التصوير، ولكنه عقل توليدي تفكيكي تركيبي يرتب العناصر ويختار ويستبعد، لذا فإن كل جهد عقلي لا هو بالموضوعي ولا هو بالذاتي ولكن فيه منهما، ودور الباحث والناقد و المفكر هو إبداع أو صياغة نموذج نظري يكون قادرا على تفسير المعلومات والوقائع. وباختبار هذا النموذج الفكري وقدرته على الإحاطة بالظاهرة وشموله لتفاصيلها وتجاوزه للتفاصيل بتقديم معرفة شاملة ومحيطة بها، يتبين كونه أكثر تفسيرية أو أقل تفسيرية. استفاد المسيري في صياغة رؤيته المنهجية بأفكار العقلانيين في فلسفة العلم ونظرية المعرفة، التي واجهوا بها آراء المتطرفين من التجريبيين الذين كانوا يعتبرون العقل صفحة بيضاء تكتفي بتسجيل ما يرد إليها من الحواس. لكن المسيري ربط بين نقده للحضارة الغربية ولفكرته المنهجية عن النماذج التحليلية الأكثر تفسيرية وبين رحلته مرة أخرى باتجاه الإيمان.

الدين كنموذج أكثر تفسيرية للإنسان
عندما كان المسيري يصف نفسه بأنه "ماركسي بشَرطَة" أو ماركسي استثنائي ، كان يشير إلى تبنيه رؤية مادية للكون والمجتمع، وفي الوقت نفسه تمسكه برؤى أخلاقية وجمالية لا يفسرها التحليل المادي.
هذه الازدواجية ظلت همه الفكري، وبعد أن طور مفهوم النموذج التفسيري، أحس أن النموذج المادي قاصر عن تفسير التفرد الإنساني، وأنه لا يفسر إلا جانبا وحيدا من الإنسان، وتبينه يؤدي إلى السقوط في "الواحدية"، أي رد كل العالم إلى عنصر واحد، وهو ما يعني "الحلولية".
وعلى عكس الاتجاهات المعاصرة التي تحتفي بالتصوف، خاصة فيما يتعلق بمذهب وحدة الوجود، والحلول والاتحاد. يذهب المسيري إلى اعتبار الحلولية التي ترد العالم إلى المادة هي نفسها الحلولية التي تؤله كل العالم باعتبار أن الله حل فيه. وهو يطلق عليها الحلولية الصوفية المادية، ويرى أن الحلولية التي تنكر الأخلاق هي وجه آخر لإنكار التكليف في المصطلح الصوفي بعد بلوغ الغاية والاتحاد بالإله.
في مقابل ذلك، رأى المسيري أن النموذج الأكثر تفسيرية للإنسان ولتفرده ونزوعه الأخلاقي والجمالي، هو النموذج التوحيدي الذي يحتوى على ما يسميه "ثنائية فضفاضة". وفي النموذج التوحيدي يظل الله خارج الكون مفارقا له، وهو الذي خلق كل المخلوقات ووضع الإنسان في مركز الكون وحمله الأمانة الأخلاقية. وبذلك يمكن تفسير المسافة بين الإنسان والطبيعة، عن طريق ثنائية الخالق والمخلوق من جهة، وثنائية الإنسان والطبيعة من جهة. فالإنسان الرباني (أو الإنسان/ الإنسان كما يسميه المسيري أيضا) هو الإنسان المتجاوز للطبيعة، ولكنه ليس سيدها المطلق أو هو مركز الكون، بل تم وضعه في مركز الكون وهو مستخلف فيه، يتصرف فيه مسئولا. يعيش الإنسان بين نزعتين: ربانيته وطبيعيته. "قدمه في الطين ونظره شاخص إلى السماء" بتعبير المسيري. فلا هو يستسلم للنزعة "الجنينية" أي العودة إلى الطبيعة ليكون جزء منها، ليتحد بلحظة لذة متحررة من المسئولية، ولا هو يطمح أيضا إلى الاتحاد بالمطلق، ولكن يظل المطلق (الله) هو نقطة ارتكازه التي تضمن افتراقه عن الطبيعة وامتيازه عنها.
الله إذن هو ضامن وجود الإنسان/ الإنسان أو الإنسان الرباني وبدلا منه تنحصر الرؤية في الإنسان/ الطبيعي الذي يمكن تفسيره فقط من خلال العوامل المادية والمعادلات الكمية الرياضية.
الدين إذن، وتحديدا الدين التوحيدي، الذي يضع المسافة بين الخالق وخلقه، وبين الإنسان والطبيعة، هو النموذج الأكثر تفسيرية للإنسان عند المسيري.
وكما روي المسيري كيف كان لقصيدة للشاعر كامل الشناوي تتساءل عن معنى وجود الإنسان والغاية منه، كان قرأها شابا في مجلة الرسالة الجديدة، كيف كان لها أثرا كبيرا في تفكيره الديني آنذاك، فإنه يفرد مساحة كبيرة ليشارك قراء سيرته تأملاته الدينية حول الله والإنسان من خلال قراءة وتأمل شعر كوليردج وكيتس وردزورث وويتمان وأندرو مارفيل. ويؤكد على أن دراسته للأدب التي جعلته يتأمل الإنسان في تركيبه وخصوصيته وتفرده كان لها أبلغ الأثر في عودة إيمانه بالإنسان والله.
يروي المسيري ذلك في فصل "من بساطة المادية إلى رحابة الإنسانية والإيمان" ويقول أنه بالإضافة لدراسته للأدب وهمه الفلسفي، فإن تأملاته في الإيمان كانت بشكل أساسي من خلال التأمل في الإنسان وحياته، في عمومه وخصوصه، من خلال تجربته في دمنهور ثم في الولايات المتحدة، وعبر العديد من المواقف والمشاهد التي لم يتركها المسيري تمر إلا وحاول أن يتأمل من خلالها الإنسان ويتساءل إن كان يمكن للنموذج المادي أن يفسر سلوكه فيها.
ويقول أن كل ذلك جعل عودته للإيمان بالله تمر أولا عبر عودة إيمانه بتفرد الإنسان أو بمصطلح المسيري "إنسانية الإنسان" التي تظهر في الاجتماع والحس الديني والجمالي والأخلاقي، وهي المظاهر التي يعجز النموذج المادي عن تفسيرها والإحاطة بتجلياتها.
فالنموذج المادي ينتهي إلى ما يسميه المسيري "الإنسانية الواحدية" التي تجعل الإنسان فردا نمطيا من نوع، تسري عليه كل قوانين عامة فيمكن تفسير سلوكه والتنبؤ به والتحكم به مثلما يفعل الإنسان نفسه مع الطبيعة التي تتشابه كل جزئياتها وتسري عليها قوانين مادية صارمة لا مجال فيها للفردية والتفرد. أما الإيمان بتجاوز الإنسان لعالم الطبيعة/ المادة فيؤدي إلى ما يسميه "الإنسانية المشتركة" التي تمثل الجانب المشترك بين الأفراد وهو ما يمكنهم من التواصل معا، ولكنه لا يغفل تفرد كل إنسان نتيجة لإرادته الحرة التي حباه الله إياها.
ويؤكد المسيري أيضا على أن النموذج المادي في فهم الإنسان رغم قصوره عن الإحاطة بجوانبه إلا أنه دائما ما يظهر وكأنه منقسم على نفسه، فمن جانب يود الوصول إلى يقين مطلق في فهم ظاهرة الإنسان، وهو ما يظهر في الإيمان بقدرة العلم والتقدم على تحقيق السعادة المنشودة وإقامة الفردوس الأرضي كما في طموحات مرحلة الحداثة، ومن جانب يؤكد هذا النموذج على النسبية الشاملة التي تنكر إمكان أي معرفة حقيقية، كما في يأس مرحلة ما بعد الحداثة. أما النموذح الإيماني، وتحديدا الإسلامي، فيرى المسيري أنه في مجال المعرفة يطرح مفهوم "النسبية الإسلامية" التي تجعل للإنسان حيزا من المعرفة يمكنه من خلالها السعي في الأرض ولكنه يقف دون بلوغ اليقين المطلق. وفي فترة لاحقة سيظل المسيري يضيف في خاتمة مقالاته عبارة "الله أعلم" تأكيدا على رؤيته في النسبية الإسلامية. النسبية التي تعني الاجتهاد وفق الحيز المتاح دون تصور الإحاطة الكاملة. وهذا سيتدخل أيضا في تطوير المسيري لمفهوم "التحيز" الذي يجمع فيه بين أداة "النموذج الإدراكي" ومفهوم "النسبية الإسلامية" مؤكدا أن على أن كل إنسان، وكل ثقافة، ترى العالم من خلال نموذج إدراكي يحدد هذه الرؤية، فلا وجود للموضوعية الكاملة ولا الذاتية الكاملة، ولكن في النموذج الإدراكي يرى الإنسان أو أفراد مجتمع منتمين لثقافة معينة العالم من منظور ما. ويرى المسيري أن هذا النموذج الإدراكي يحتوى على تحيزات ما لا يمكن التخلي عنها، ولكن يمكن تجاوزه عبر إدراكه بهدف إدراك حدود معرفة الإنسان وتطوير هذه الحدود.
وفكرة التحيز سيطورها المسيري باتجاهين، الأول إدراك التحيزات الكامنة في المنظور الغربي للعالم منكرا أنها الرؤية الإنسانية الوحيدة الممكنة ولو سادت، وهو ما عبر عنه في كتابه " العالم من منظور غربي" الذي نشره عام 2001، أما الاتجاه الثاني فهو إدراك التحيزات التي يتضمنها منظور عربي إسلامي يمكنه رؤية العالم بشكل مختلف. والمسيري في هذا يتابع مرة أخرى جهود بعض فلاسفة العلم الذين يؤكدون أنه لا نظريات العلوم الاجتماعية ولا حتى نظريات العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء تخلو من التحيزات الفلسفية والتصورات النظرية المسبقة التي يأتي بها العالم من خلفيته الثقافية والاجتماعية. وفي عام 1993 اشترك المسيري مع مجموعة من الباحثين في إنجاز موسوعة تتناول إشكالية التحيز في العلوم ومجالات المعرفة المختلفة وصدرت تحت عنوان "إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد" وكان المسيري محررها الرئيسي، كما كتب مقدمة الموسوعة التي صدرت بعد ذلك في كتاب مستقل حمل اسم "فقه التحيز".

دراسة الصهيونية والموسوعة
في جامعة روتجرز بالولايات المتحدة التي حصل منها على الدكتوراة أسس المسيري مع زميل له أول ناد للفكر الماركسي هناك ، وكانت أول أنشطته محاضرة ألقاها عن الصراع العربي الإسرائيلي من منظور طالب عربي تقدمي. الاهتمام بدراسة الصهيونية لم يكن بعيدا عن ذهن المسيري دارس الأدب، بل كانت دراستها برؤية نقدية وفي إطار تحليلي معرفي جديد هي طريق المسيري في تعبيره عن انحيازه واجتهاده في القضايا التي يشعر نحوها بالالتزام والمسئولية.
ودفعته حماسته للقضية الفلسطينية مع تصاعد الخطر الصهيوني في الستينات إلى طلب تحويل بعثته من دراسة الأدب الرومانتيكي إلى التخصص في الصهيونية، إلا أن الرد من المسئولين جاءه بـ" أن يكف عن الجنون" ورفضوا رفضا قاطعا بسبب التعقيدات البيروقراطية لتحويل مسار بعثة دراسية. إلا أن المسيري استمر في اهتمامه بجهد شخصي بالتوازي مع دراسته، وربما كان ذلك من حسن الحظ، فهو يروي في سيرته كيف كانت دراسته للأدب سببا في تطوير منهجه في دراسة الظواهر الإنسانية وتحليل الخطاب السياسي والكشف عن جذوره المعرفية.
وبالتوازي مع تحولاته الفكرية والفلسفية تطورت دراسته للصهيونية، فبدأ بإصدار كتيب بالإنجليزية صدر عام 1969 في الولايات المتحدة بعنوان "إسرائيل قاعدة للاستعمار الغربي" ولم يتعامل الكتيب مع إسرائيل والصهيونية إلا على المستوى السياسي من منظور يساري.
وبعد انتهائه من الدكتوراة التي طور فيها توظيفه لمفاهيم "نهاية التاريخ" و"الحلولية"، كتب دراسة أكثر معرفية عن الفكر الصهيوني نشرت عام 1972 بعنوان "نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني". وكانت الفكرة المركزية هي أن التصور اليهودي للإله لا ينزهه عن البشر والمادة، كما أنه يظل إله بني إسرائيل على وجه الخصوص، وهو ما يؤدي إلى حلول الإله في الشعب ليصبح القومي هو المقدس والمقدس هو القومي، ويصبح الهدف القومي بالعودة لأرض الميعاد هو نفسه الهدف المقدس الذي يشهد نهاية التاريخ.
وأثناء كتابة المسيري لـ"نهاية التاريخ" كان يضع هوامش لأسماء المصطلحات والأعلام والأماكن والفرق والمذاهب ذات الصلة باليهودية أو الصهيونية، وبدأت هذه الهوامش في التضخم، فقرر أن يضمها معا في ملحق للكتاب، إلا أن الملحق تطور إلى كتاب ثم إلى مشروع موسوعة صغيرة من جزء واحد صدرت عام 1975 بعنوان "موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية". وفي أثناء عمل المسيري في الكتاب ثم الموسوعة الصغيرة لاحظ أن المصطلحات المتعقلة بموضوعه ليست مصطلحات موضوعية بل وراءها نموذج إدراكي وتحيزات كامنة مثل مصطلح "الشعب اليهودي" الذي يضم كل يهود العالم في شعب واحد، بينما رأي المسيري ان التعبير الأدق هو "جماعات يهودية" لأن كل منها كان له سياق مختلف داخل مجتم مختلف ولم يكن الاشتراك في الديانة يعني كونهم شعبا واحدا. وبذلك بدأ المسيري "تفكيك" وتحليل الظاهرة والكشف عن تحيزات خطابها، لتتبعد موسوعته عن أن تكون عملا معلوماتيا رصديا.
كان المسيري قد بدأ العمل باحثا في مركز الدراسات السياسية و الاستراتيجية في الأهرام، وهو الذي نشر كتابه "نهاية التاريخ" عام 1972 قبل انتصار أكتوبر 1973، ولكن الأمر تغير بعده بعد اتجاه الدولة المصرية لعقد اتفاقية السلام مع إسرائيل، فلم تلق موسوعة 1975- كما يسميها المسيري تمييزا لها عن الموسوعة الشهيرة- اهتماما من مسئولي المركز، بل وجد منهم مماطلة في نشرها، ولم يقم المركز بعد طبعها بأي دعاية لها، بل تم طبعها ووضعها في المخازن. وبعد رحلة أخرى للولايات المتحدة عاد المسيري منها عام 1979 حاول المسيري أن يجد دعما لتطوير موسوعة 1957 وتحديثها، ولما لم يجد بدأ العمل في ذلك على نفقته الخاصة، وتفرغ لها تماما وأقام وقتها بين القاهرة والرياض، وعين مجموعة من الباحثين للعمل معه فيها.
في مشروع الموسوعة الموسعة، تجاوز المسيري طابع التفكيك في موسوعة 1975 التي كشفت عن النماذج الكامنة خلف الظاهرة الصهيونية وخطابها، واتجه إلى التركيب عبر نماذج تفسيرية تضع الظاهرة في إطار شامل يفسرها. فنظر المسيري للخلفية الدينية للظاهرة في الدين اليهودي ومذاهبه، واستخدم رؤيته لدور الدين كإطار تفسيري مركب للإنسان، وخاصة النظرة للإله والمطلق والتاريخ في الأدبيات اليهودية. كما وضع الظاهرة الصهونية في إطار الحضاري باعتبارها جزءا من الظاهرة الغربية، ووضع التأييد الغربي والتقبل لمقولات الصهيونية الغربية في إطار "العلمانية الشاملة" في الغرب- وهو المصطلح الذي سيطوره في مقابل العلمانية الجزئية الإنسانية – وفي إطار النموذج المادي المنفصل عن القيمة، إلا قيمة القوة. كما نظر لظواهر مثل العنصرية والنازية التي عانى منها اليهود باعتبارها ظواهر لها جذورها في الفكر الغربي، الذي يفتقد للمركز الأخلاقي فيمجد القوة و الترشيد المادي وينمط الإنسان، لذا فهي ليست نشازا عن هذا الفكر مجمله كما يرى المسيري وليست انحرافا عنه. وبالتالي نظر للصهيونية التي تم دعمها بوعد بلفور وبالقوة الاستعمارية قديما وحديثا، باعتبارها حلا من نفس نوع المشكلة لأنه تابع لنفس النموذج الفكري .
كما استخدم المسيري مفاهيم جديدة في التعامل مع الظاهرة مثل "الجماعات اليهودية" بدلا من الشعب اليهودي الواحد، كما استخدم نموذج "الجماعة الوظيفية" وهو المفهوم الذي طوره المسيري ليصف الجماعات التي تعيش على هامش مجتمع ما لتؤدي وظائف إما مميزة مثل المهام العسكرية بالنسبة للمماليك أو محتقرة مثل الربا بالنسبة لليهود في المجتمعات العربية والإسلامية. ثم استخدمه لتفسير أحوال هذه الجماعات وتفسير تعرضها للعنصرية الفجة ثم تلقيها للتعاطف الكبير والدعم فيما بعد نقلها وتوطينها في فلسطين.
انتهى عمل المسيري في موسوعة " اليهود واليهودية والصهيونية" عام 1998،لتصدر عام 1999 بعد أكثر من 33 عاما من أول بحث كتبه عن الصهيونية. ورغم قلقه المتكرر من التهام الموسوعة ودراسة الصهيونية لحياته وهو الذي يريد إنجاز العديد من المشروعات الفكرية الأخرى، إلا أنه مع تقدم العمل في الموسوعة بدأت روافد فكره كلها تتضافر في الموسوعة، لتخرج إلى النور متضمنة جانبها الموسوعي المعلوماتي ولكن في إطار نظري تحليلي وتفسيري صاغه مفكر لم يقنع بموضوعية التلقي عن الواقع، ولكنه تبني "الاجتهاد" كمنهج يطمح لرؤية الواقع وتفسيره في كليته، بل واعتبر الاجتهاد أحد جوانب إنسانية الإنسان وخاصة عقله التوليدي الذي يمكنه تجاوز الظواهر إلى التفسير من خلال إبداع النماذج والأفكار.

لم يسترح المحارب
.الأصداء الواسعة للموسوعة التي كفلت للمسيري مكانة بارزة في الفكر العربي، وخروجها إلى النور بشكل يرضى طموح المسيري الفكري والفلسفي، لم يقنعاه بالتخلي عن طموح بلورة رؤيته الفكرية وإبراز جوانبها الأخرى عبر مشروعات أخرى منفصلة ، بعد أن طبقها بشكل ما وتناول من خلالها موضوعات الموسوعة.
كتب المسيري مجموعة من الكتب في هذا السياق، منها "اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود" عام 2002 ثم حاول التدخل كعادته بالتفكيك والتركيب في إشكالية لا يزال يدور الفكر العربي حولها ويرددها اجترارا وهي إشكالية العلمانية،ليكتب في العام نفسه " العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية" ليفرق بين الأولى التي تتبني النموذج المادي في الحياة العامة والخاصة وتمثل رؤية نهائية للمجتمع، وبين الثانية التي يسميها أيضا العلمانية الإنسانية أو العلمانية الأخلاقية التي تفصل الدين عن الدولة فحسب، ولكن يظل الدين والأخلاق وقيمهما حاكمين للرؤية العامة للمجتمع ولغاياته وقيمه.
وقبلهما اهتم المسيري بتسجيل سيرته الذانية والفكرية التي صدرت طبعتها الأولى عام 2000.
لم ينس المسيري الشعر، هواه الأثير دراسة، فكتب ديوانا واحدا بعنوان " أغاني الخبرة والبراءة" نشر عام 2003، كما نشر عددا من قصص الأطفال، لم يتخل فيها عن رؤيته الاجتهادية، فأعاد كتابة قصص نمطية مثل سندريللا وذات الرداء الأحمر وغيرها في إطار جديد بحيث تدور في العصر الحديث دون أن تفقد أسطوريتها، وتدخل لتفكيك ما رآه تحيزات غربية ومادية في قصص الأطفال النمطية، لتنتهي قصة سندريللا مثلا بطلب الأمير الزواج منها ليس لأن الحذاء ناسب قدمها أو لأنها رائعة الجمال، ولكن لأنه رآها مثقفة واسعة الخيال!
كما واصل المسيري حتى أواخر أيامه كتابة مقالات تشتبك مع قضايا الرأي العام أو تتناول ظواهر معاصرة بالتحليل فكتب عن التيشيرت والفيديو كليب والحجاب المعاصر وحتى الجدل الذي صاحب انتقال عصام الحضري حارس مرمى النادي الأهلي إلى نادي سيون السويسري!
وعلى الصعيد العملي، لم يقنع المسيري بدور المثقف الموسوعي والمفكر الكبير الذي ينظر للمجتمع من عل، بل انخرط كعادته في الشأن العام، رغم ضيق وقته وتتالي طموحاته ومشاريعه البحثية والفكرية ورغم إصابته بسرطان الدم. فكان من مجموعة مؤسسي حزب الوسط ذي الاتجاه الإسلامي، الذي لم يرخص له حتى الآن، كما كان من مؤسسي الحركة المصرية من أجل التغيير"كفاية" التي حركت المياه الراكة للسياسة المصرية عام 2004، ثم أصبح منسقها العام في 2007.
وقبل أشهر من رحيله عن عالمنا في يوليو 2008، لم يكن غريبا بالنسبة لمن يعرفون المسيري أن يروه، وهو الذي يناهز السبعين وقد اشتد عليه مرضه، واقفا بجانب الشباب في مظاهرة أو وقفة احتجاجية رمزية، فقد كان يرى أن الرمز والمجاز ليسا فقط مجال تجاوز الإنسان للحدود الضيقة وسطوة الواقع، بل وطريقة في التعبير عن إيمانه بما هو أفضل.


كتبت هذا المقال كمشاركة في ملف كانت تعده مجلة "القافلة" السعودية عن المسيري بعد وفاته مباشرة، ولم ينشر بسبب سوء تفاهم حول الاتفاق على المساحة المخصصة.

المزيد

الجمعة، ٢٦ يونيو ٢٠٠٩

"كأننا نعطيك أجرك وكأنك تؤدي عملك"

شباب الأطباء في الامتياز والتكليف والنيابة


متاعب بداية الطريق قد تجمع الأطباء وربما تدفع بعضهم لرفع أصواتهم احتجاجا، لكن سرعان ما ينشغل كل منهم بطريقه الفردي للتواؤم و الخروج من مرحلة عنق الزجاجة، لتظل نفس المتاعب في طريق الآتين بعدهم ويعاني منها النظام الصحي والمجتمع كله.

محمود خليفة الآن أمام خيار صعب. هو طبيب شاب حديث التخرج أتم لتوه سنة الامتياز التي رتب فيها أموره بشكل ما ليتوفر له الوقت ليعمل في شركة لإنتاج الأفلام الوثائقية. ولكن بعد سنة الامتياز جاءه خطاب التكليف، وعليه أن يتفرغ تماما للعمل في وحدة صحية بإحدى المحافظات مقابل أجر زهيد لا يمكن مقارنته بأجره في شركة الإنتاج. ولكن لأنه أقدم على الخطوبة وعليه سداد أقساط شقة ومسئوليات مالية، فهو يؤجل ذهابه إلى التكليف ويفكر أي الطريقين يسلك.
في الطريق الأول عليه أن يقبل التكليف لمدة سنتين مقابل مرتب 200 جنيها شهريا، ثم يعين بعدها طبيبا نائبا في مستشفى حكومي لمدة 3 أو 4 سنوات بمرتب لا يزيد كثيرا عن مرتب التكليف، ويحاول أن يعد الماجستير لينتقل من ممارس عام إلى أخصائي لتتحسن أحواله قليلا، ولكن عليه أن ينسى تماما الاعتماد على نفسه في أمر الزواج قبل ست سنوات على الأقل.
أما في الطريق الثاني فيرفض التكليف - مما يعني استقالته من وزارة الصحة – و يظل في مهنته المؤقتة المربحة ويترك الطب.
الفرصة التي أتيحت لمحمود لكي يعمل بأجر مناسب بعد تخرجه ويبدأ في الادخار لبداية حياته المستقلة، ليست متاحة لكل شباب الأطباء. ولكنها حالة دالة: شاب أتم الدراسة التي تسابق عليها معظم الطلبة المصريين وحلموا بمستقبلها الباهر، يفكر في تحويل مساره لأن هذا المستقبل سيتأخر كثيرا مع الطب. أما بالنسبة لشباب الأطباء ممن لا تتوفر لهم خيارات أخرى، فعلى أسرهم مساندتهم لست سنوات أخرى على الأقل حتى يمروا من مرحلة عنق الزجاجة، ليأتي الدور على دفعات أخرى من الأطباء لتعيش نفس المرحلة.
لم تعد شكوى الأطباء غريبة منذ أن رفع بعضهم أصواته مع حركة "أطباء بلا حقوق" التي تطالب بإصلاح النظام الطبي وتعديل أجور الأطباء في وزارة الصحة إلى الحد الأدنى المقبول. وحتى بعد هذه الاحتجاجات، يعتقد الكثير من الناس أن العمل بالقطاع الخاص في الطب خيار متاح ومربح في نفس الوقت. ولكن ذلك يتجاهل الجانب الآخر من متاعب هذه المرحلة.
يوضح محمود: "قد يبدو خيار ترك الوزارة والعمل في القطاع الخاص سهلا في نظر الناس، ولكن فعليا شباب الأطباء في المرحلة الأولى من عملهم يحتاجون للتعيين في وزارة الصحة، لا من أجل مرتباتها ولكن من أجل أن تعلم الطب حقا، فهم ليسوا مؤهلين للعمل فعليا في القطاع الخاص بعد ست سنوات من الدراسة و 12 شهرا من التدريب في سنة الامتياز وحتى بعد سنتي التكليف".

"لا تطلب مني شيئا ولن أطلب منك شيئا "
هذه الصيغة من الاتفاق بين طبيب الامتياز ومن يقومون بتدريبه هي جزء من السبب حسب تجربة الطبيب أحمد حسان الذي يضيف "المسئول عن تدريب أطباء الامتياز هم الأطباء النواب، الذي لا يكبرونهم كثيرا، ويمرون بمرحلة صعبة مرهقة ويقيمون غالبا في المستشفيات التعليمية ويكونون في موقع المسئولية 24 ساعة مقابل أجور زهيدة". يقول أحمد حسان أن هذا الوضع يجعل معظم النواب المحملين بالأعباء غير قادرين على تحمل عبء الانتباه كثيرا لتدريب أطباء الامتياز، وفي المقابل يود طبيب الامتياز أن يتهرب من مناوباته ليحاول أن يعمل ويكسب شيئا يجعله قادرا فقط على تغطية تكلفة نفقاته الشخصية بدلا من أن يظل يطلب المصروف من والديه.
المهن التي يعمل بها أطباء الامتياز تتنوع بين العمل في مناوبات بمستشفيات أو في صيدليات أو العمل كمندوبي مبيعات في شركات الأدوية. وفي كل هذه الأعمال قد يتقاضي طبيب الامتياز مقابل مناوبة 24 ساعة خمسين جنيها وإن زادت قليلا تظل أقل من أجر الخريج الحديث من كلية الصيدلة نظرا لأن طبيب الامتياز يعمل مؤقتا، كما أنه مؤهل أكثر من خريجي الكليات النظرية للعمل كمندوب لمبيعات الأدوية. ولإتمام هذا الاتفاق يحدث عادة أن يتفق أطباء الامتياز والأطباء النواب مع رؤساء الأقسام أو الإدرايين على استيفاء الأوراق وتوقيعات الحضور.
ولكن إن لم يكن طبيب الامتياز راغبا في عقد هذا الاتفاق وأصر على حقه في التعلم، فربما يواجه تجربة الطبيب على هاشم، الذي يقول أنه أتم مناوباته كاملة في الامتياز. ولكنه في النهاية وجد نفسه يقوم بأعمال السعاة والعمال- ليس حتى أعمال التمريض- فعليه في فترة تدريبه أن ينقل أكياس الدم أو يعد أرشيفا لأوراق قسم ما أو يقوم بنفسه بإنهاء استيفاء أوراق وإجراءات إدارية، والحجة دائما أن هناك نقص في العمالة. يقول علي:"كل طبيب امتياز يعرف أنه إذا أراد أن يتعلم فعليه أن يقضي وقت تدريبه في الأعمال غير المفيدة، ويمكنه أن يأتي ليشاهد العمليات ويسأل النواب في غير هذه الأوقات".

وفي النهاية على هاشم ليس راضيا عما تعلمه في الامتياز، وأحس بذلك عندما ذهب ليقضي فترة التكليف في وحدة صحية بقرية في الفيوم ووجد نفسه مسئولا عنها بشكل كامل ومسئولا عن صحة أعداد كبيرة من الفقراء يأتون للوحدة يوميا. يقول علي :"ما يحدث أيضا أن عدد كبير من الأطباء يتحايل على التكليف ليتمكن من العمل في مناوبات في المستشفيات الخاصة مقابل أجور قليلة ولكنها ضرورية لأن مرتب التكليف ربما لا يكفي المواصلات من وإلى الوحدة". والحل الآخر كما يراه الطبيب أحمد حسان هو التكيف مع الأمر الواقع وعقد اتفاق آخر.

"كأننا نعطيك أجرك وكأنك تؤدي عملك "
هكذا يلخص أحمد حسان صيغة الاتفاق الجديد، الذي يراه خطيرا جدا. فمعظم أطباء التكليف يواجهون المرضى وحدهم بدون أن يشعروا أنهم تلقوا التعليم الكافي، وفي نفس الوقت يحسون بأنهم لا يتلقون التقدير الكافي لكي يبذلوا قصارى جهدهم لخدمة المرضى في ظل نقص في الإمكانيات والعمالة وأوضاع معيشية سيئة تسبب أوضاعا صحية متردية.
يضيف أحمد :"هذه الصفقة تستمر أيضا عند تعيين الطبيب نائبا في مستشفيات وزارة الصحة، بل تستقر أكثر لأن النائب خلال سنواته الثلاثة الأولى يقيم فعليا في المستشفى، بل ويكون عليه أن ينهى دراسة الماجستير ليكون أخصائيا، ولا يكون متاحا له أن يعمل في مكان آخر ليزيد دخله الذي لا يتجاوز في أحسن الأحوال الألف جنيه في مقابل تفرغ كامل ومجهود كبير".
في الواقع أن هذه الاتفاقات أزعجت أحمد حسان إلى الحد الذي جعلته يبتعد عنها ولكن بشكل ما أصبحت دراسة المشكلات وراء هذه الاتفاقات هي تخصصه، فهو اختار في مرحلة النيابة تخصص دراسة السياسات والنظم الطبية في قسم الصحة العامة، وهو قسم يدرس العلاقة بين الطب والمجتمع ولا يقوم أطباؤه بالتعامل مع المرضى.
يعتقد أحمد حسان أن هناك مشاكل كثيرة تسببها هذه الفترة من حياة الأطباء. فبعد هذه من المتاعب الكبيرة والحياة المؤجلة والمسئوليات جسيمة في مقابل التقدير المادي الضعيف، يخرج الأطباء إلى المجتمع بوضع متميز وإمكانيات تؤهل لهم مكسب كبير وتقدير أكبر. ولكنهم في رأيه يخرجون من هذه المرحلة منفصلين اجتماعيا، لديهم ميل للأنانية والإحساس بمسافة بينهم وبين المجتمع. فقد عاشوا الظلم وعدم التقدير لفترة طويلة والآن حان وقت أن يلتفت كل منهم لنفسه.
المشكلة الأخرى كما يراها أحمد حسان هي أن أطباء المرحلة الأولى هم من يواجهون الأعداد الكبيرة من فقراء المرضى في الوحدات الصحية والمستشفيات الحكومية والتعليمية، في حين أن الأساتذة والأطباء الكبار كثيرا ما يكونون مشغولين بعياداتهم ومستشفياتهم الخاصة، التي لا تحظى إلا الطبقة الوسطى وما فوقها فقط برفاهية العلاج فيها بتكاليف أكبر.
المشكلة الثالثة وهي التواؤم والاتفاقات المستمرة مع الأوضاع غير المرضية، سواء لمواجهة نقص الخبرة والإمكانيات أو بسبب رغبة الطبيب في زيادة دخله في هذه المرحلة، وهو ما يجعل بعض الأطباء يحاولون إنجاز عملهم وحسب- في حدود اتفاقات الأمر الواقع- وليس إنجازه بشكل مرض أو مناسب.
في مواجهة هذه الأوضاع، أحمد حسان متضامن تماما مع مطالب "أطباء بلا حقوق" ويراها حدا أدنى. ولكن بسبب هذه الأوضاع نفسها يرى أنه من المستبعد أن تنجح حركة اجتماعية بين أوساط الأطباء. فبرغم أن مطالب الحركة تمس مشكلة شباب الأطباء تحديدا، إلا إن كل واحد منهم يناضل نضاله الخاص، ووقته مزدحم ومضغوط، كما أنه اعتاد على التكيف مع الأمر الواقع مؤقتا وقبول هذه المتاعب لكي يجني المكاسب والحياة الرغدة فيما بعد.

"ليس مبررا"
من زاوية أخرى، تنظر جاين لوميل، الطالبة بالسنة النهائية بكلية الطب بإحدى الجامعات الخاص. فترى أن مطالب "أطباء بلا حقوق" مشروعة ولكن حتى نيلها فالأوضاع الحالية ليست مبررا للاتفاقات السابق ذكرها وتعتقد أن الأطباء يتحملون جزءا من المسئولية عن تردي النظام الصحي :"حتى ينالوا حقوقهم لا يجب أن يدفع المجتمع الثمن، فهنا نحن أمام صحة إنسان. كما أن وضع الطبيب حديث التخرج لا يختلف عن وضع مهنيين آخرين، بل هو يتحمل بضع سنوات قبل أن تتحسن أحواله كثيرا. والكل يتحمل مرتبات وزارة الصحة لكي يضع على عيادته لافتة بها اسم المستشفى الحكومي المشهور المعين به. لماذا لا يضحي قليلا حتى ذلك الوقت".
بعد فترات تدريب قضتها في المستشفيات، انتهت جاين إلى نفس ما يقوله أحمد حسان الأطباء يتحولون إلى مجتمع مغلق على ذاته ومنفصل عن المجتمع: "هناك ما يقال بين أوساط الأطباء وما يقال خارجه، ورأيت بنفسي ممارسات في المستشفيات لا تختلف عما أسمعه عن أقسام الشرطة: الإهانة والتهديد وإساءة المعاملة. ودائما يبررون ذلك بضيق الوقت وقلة الإمكانيات وعدم وعي الناس، بينما في الحقيقة كثير من الأطباء لا يعرفون شيئا عن الأوضاع المعيشية لغالبية المصريين. فتجد طبيبا يعنف سيدة تسكن في "الكيلو 4.5" لأنها لا تحمم أطفالها يوميا ولا تهتم بنظافتهم لأنه لا يعرف أنهم يعانون من نقص المياه النظيفة أصلا". تضيف جاين أن هناك مشكلة في التعليم الطبي الذي لا يمنح الطبيب نظرة واسعة على الحياة، حتى في أشياء يحتاجها مثل الإدارة، فبعد سنوات يشترك فعليا في إدارة وحدة صحية أو مستشفى.
جاين تتفق مع زملائها أن دراسة الطب حتى التكليف غير كافية لتعطي الخبرة اللازمة، ولكنها تستنكر أن الأطباء لا يتذمرون عادة من ذلك بل يشكون من تكليفهم في مناطق بعيدة ونائية وتقدم الطبيبات شكاوى يقلن أن تكليفهن بين أحضان جبال التيه! رغم أن واجب الأطباء، ذكورا وإناث، تقديم الخدمة الطبية لأهل هذه المناطق.
زملاء جاين من خريجي جامعتها الخاصة لا يفضلون أيضا الذهاب بعيدا ولكنهم لا يغامرون أيضا بترك فرصة التعيين في وزارة الصحة، فهي تقول أن معظمهم يقوم بعمل اتفاق ودي لتجنب قضاء فترة الامتياز في المستشفيات الحكومية. وبموجب الاتفاق يتم ترتيب الأوراق وتوقيعات الحضور بشكل ما لكي يقضي الطبيب فترة الامتياز في جامعته الخاصة لكي يحظى ببعض التعليم وفي نفس الوقت يحافظ على فرصته في التعيين في وزارة الصحة.
جاين قررت أنها ستستقيل من الوزارة لتتجنب مثل هذه الأوضاع ولأنها لا تعتقد أنها تلقت تعليما وخبرة كافية لإدارة وحدة صحية وحدها في التكليف. ولكنها ستحاول إكمال تدريبها ولو انتظرت فترة قبل تحقيق دخل جيد. ولكن يساعدها في ذلك الخيار أنها تعمل في مجال الترجمة. محمود خليفة لا زال يفاضل بين الطريقين، وأحمد حسان يعتبر نفسه الآن باحثا وليس طبيبا منتظرا فرصة أفضل لكي يعود إلى المجال الإكلينكي، بينما على هاشم الذي لم يتخذ طرقا أخرى فينتظر قضاء فترة التجنيد لكي يسافر إلى أي دولة خليجية لكي يختصر المسافة بينه وبين أول خطوة في حياته المستقلة التي بدأها أقرانه منذ سنوات.


------------------------------------------

أطباء بلا حقوق

في عام 2006 أسس مجموعة من الأطباء حركة "أطباء بلا حقوق" وقالوا في بيانها التأسيسي : " منذ سنوات عديدة ترتفع شكاوي الأطباء من أجورهم المتدنية، كما ترتفع شكاوي المرضى من الإهمال في المستشفيات الحكومية، والاستغلال في المستشفيات الخاصة، وفي كلتا الحالتين يفقد المريض الرعاية الصحية المناسبة ويفقد الطبيب الحق في الحياة الكريمة".
وحدد البيان مطالب الحركة بخصوص بتعديل أجور الأطباء في وزارة الصحة كالآتي:
- إقرار كادر خاص للأطباء بموجبه يصبح أول راتب للطبيب حديث التخرج 500 جنيها، وبدل طبيعة عمل 100% للأطباء من غير ذوي العيادات الخاصة ليصبح الراتب 1000 جنيه.
- زيادة بدل العدوى من 20 جنيها إلى 300 جنيه.
- زيادة بدل النوبتجية من 10 جنيهات إلى 50 جنيها للطبيب المقيم، ومن 14 جنيها إلى 75 جنيها لمساعد الأخصائي ومن 18 جنيها إلى 100 جنيه للأخصائي والاستشاري.
- تخفيض رسوم الدراسات العليا على أن تتحملها جهة عمل الطبيب.
-زيادة ميزانية الصحة من 3-4% من الإنفاق الحكومي إلى ما لا يقل عن 5-10% منه بحسب توصيات منظمة الصحة العالمية.

-------------------------------------------------

ساعة عدل واحدة !

"هناك بعض الأساتذة لم تتمتع أقسام المستشفى بطلعتهم البهية لأسابيع متوالية قد تمتد إلى شهر أو أكثر، ويلقى العبء كله بالطبع على المساعدين من النواب والأطباء الصغار. غالبا لا يتم العمل بشكل مرض، وبهذا لا يعاني فقط المرضى والطلبة، بل أيضا الأطباء المناوبون الذين هم في أشد الحاجة لتلقي المشورة والنصح الذي يؤثر على مستقبل حياتهم. يضاف إلى ذلك، أن الأطباء الصغار لا يجدون أمامهم سوى المُثل السيئة التي تشجعهم على إهمال واجباتهم.
الطلبة يدركون كيف تساء معاملتهم، ولكن كل احتجاجاتهم تذهب أدراج الرياح، هم يعلمون حجم المخاطرة إذا أبدوا أي مظهر للانتقاد أو الاعتراض لأن مستقبلهم معلق على خيط رفيع يسهل قطعه بإشارة إصبع".
هذا ما قاله الطبيب الإنجليزي سيسيل ألبورت، الذي عمل أستاذا للطب بالقصر العيني في الفترة بين 1937 و حتى 1943. ، في كتابه "ساعة عدل واحدة. الكتاب الأسود للمستشفيات المصرية" والذي نشر عام 1946. الطبيب الشاب على هاشم قال وهو يمد يده إليّ بالطبعة الحديثة من ترجمة الكتاب التي قام بها سمير محفوظ بشير ونشرتها دار الهلال فبراير الماضي: "تصورت أني سأجد في هذا الكتاب شيئا مختلفا، ولكن لو كتبت أنا يومياتي كطبيب شاب فلن يختلف الأمر أبدا".


نسخة PDF
نشر في الشروق 21 يونيو 2009

المزيد

الخميس، ١١ يونيو ٢٠٠٩

وقفة للضحك


روني خليل في أحد نوادي الكوميديا في ولاية ميامي

"هو فن الإشارة إلى الجوانب الغبية في حياتنا التي اعتدناها، فنتوقف وننتبه ونضحك". هكذا يرى روني خليل الكوميديان الأمريكي من أصل مصري، فن الـ"ستاند اب كوميدي"Stand up Comedy، الذي سيقدمه الليلة في ساقية الصاوي مع مجموعة من الشباب المصريين الذين بدأوا مؤخرا ممارسة هذا الفن ويرونه أعقد من سرد النكت أو التمثيل الكوميدي لنص مسبق. فهو تعبير عن موقف شخصي وزاوية نظر مميزة ترى الهزلي في الذات والآخرين والأفكار وأسلوب الحياة.

في نوفمبر الماضي، طلب مصطفى هاشم - الشاب الذي يقترب من الثلاثين ويعمل في مجال التسويق- من صديقه صاحب مطعم "لا بيسترو" في وسط البلد أن يقدم فقرة "ستاند أب كوميدي"في المطعم. ويبدو أن صاحبه يثق به وبقدراته بشكل عام لأنه وافق فورا وهو يقول له "بجد يا مصطفى! طبعا موافق" قبل أن يسأله "بس إيه هو الـ" ستاند أب كوميدي" ده، هاتعمل إيه يعني؟"
يضحك مصطفى هاشم:"في الحقيقة أنا أصلا عرفت أن هناك فن بهذا الاسم قبل شهر واحد من هذا الموقف. عندما قالت لي صديقة أمريكية أنني يجب أن أتقدم لاختبارات ينظمها فنانون كوميديون أمريكيين عرب لاختيار شباب مصريين لمشاركتهم حفل كوميدي كبير في قاعة المؤتمرات تحت عنوان "Arabs gone wild". وما أعرفه عن نفسي طوال عمري أنني شخص خفيف الدم. لذلك تقدمت، ولكنهم لم يقبلوني !". لم يوقف ذلك مصطفى، بل أخذ الأمر بجدية أكثر وبدأ يشاهد فقرات نجوم هذا الفن في أمريكا، ويجتهد في كتابة وتنظيم فقرات خاصة به ويجرب أدائها. والآن له فقرة خاصة باسمه "موزافا شو" Mozava show مرة كل شهر في مطعمي "لابيسترو" و"أفتر إيت" وفي أماكن أخرى بين الحين والآخر".
ما يفعله مصطفى في فقرته هو أنه يمسك بالميكروفون لفترة ما بين عشر دقائق إلى ربع الساعة وباختصار: يتكلم ويضحك الناس. قد يبدو ذلك سهلا أو شبيها بأشياء أخرى، ولكنه ليس كذلك. فهو لا يروى نكاتا بشكل سريع أو يغني أغاني فكاهية مع موسيقى مثل "المونولوجست" أو يقوم بتمثيل مشهد كوميدي مكتوب أو مرتجل. هو لا يملك إلا صوته المنفرد ولغة جسده يتحدث إلى الجمهور بشكل طبيعي في موضوع واحد أو موضوعات متعددة لكن مترابطة أو ينتقل ما بينها مع تداعي الكلام. يحضّر لفقرته تسلسلا مخططا Routine لكي يستحوذ على انتباه الجمهور بكلام تتصاعد طرافته و يمهد لـ"القفشة" أو Punch line التي يلقيها فيفجر المفارقة وينتزع الضحكات والتصفيق. وعليه أن يكون مستعدا للارتجال وتغيير التسلسل المعد إن حدث موقف ما في المكان أو قاطعه أحد المشاهدين معلقا أو مادحا أو مهاجما، يجب أن يكون الأسرع في تحويل الموقف إلى مزحة يوافق فيها المعلق ويستجيب له أو يدخل معه في سجال فيسخر منه أو يحول اتجاه السخرية إلى شخص أو قكرة أخرى.
مصطفى واحد من مجموعة قليلة من الشباب المصريين الذين بدأوا الاهتمام بهذا الفن. منهم جورج عزمي الفنان التشكيلي والمصمم الذي يقول عنه مصطفى هاشم أنه أول من عرفه يؤدي ستاند أب كوميدي بالعربية في مصر، معتز عطا الله خريج الجامعة الأمريكية الذي يعمل في المجتمع المدني المهتم بتطوير التعليم وبشكل حر في مشروعات ثقافية وفنية وعلا رشدي الممثلة الكوميدية التي شاركت في مسلسل "تامر وشوقية"، وشريف زاهر. وهم تحديدا من يؤدون باللغة العربية وبشكل منتظم. أفراد هذه المجموعة اشتركوا في تقديم أكثر من عرض في الساقية نظمتهم مجلة "live" كان آخرهم Live Night 6 قبل شهرين. وبالإضافة لمصطفى فإن جورج ومعتز بدأوا أيضا في تقديم فقرات في مطاعم ونواد مقابل أجر، في الغالب بسيط ورمزي ولكنهم يحرصون عليه لكي يؤكدوا أن فنهم ليس بلا قيمة أو مقابل.

سخرية مختلفة

أعمار أفراد هذه المجموعة بين أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات، وتعرفوا على هذا الفن في شكله الذي تبلور مع نجومه في الولايات المتحدة تحديدا، وطبيعة أدائهم تختلف جذريا عن أسلوب "المونولوجست"، الذي يحاول البعض أن يرجع أصول الـ"ستاند اب كوميدي" إليه. فهم مختلفون عن أولئك الفنانين المحترفين الذين الذي اشتهروا بتقديم فقراتهم في مسارح المنوعات أو في حفلات أضواء المدينة و ليالي التليفزيون، وطبيعة سخريتهم وموضوعاتهم أقرب لحياتهم وحياة جمهورهم في مطاعم الطبقة الوسطى العليا ودوائر المثقفين أو الجمهور الشاب في الساقية. فهي بعيدة عن التيمات المكررة عند "المونولوجست" التقليدي مثل سرد النكات على طريقة "مرة واحد صعيدي" أو تقليد الشخصيات أو الفكاهات الكثيرة حول الزواج ونكد الزوجات والصراع مع الحماة.
في فقراتهم حضور لحياة مختلفة فيها العلاقات بين الجنسين قبل الزواج وتعقيداتها، تفاصيل لها علاقة بالجنس وطريقة التفكير فيه، مثلما يربط مصطفى في فقرة بين التحرش الجنسي وبعض سيناريوهات أفلام البورنو التي استحوذت على خيال بعض هذا الجيل. العلاقة مع الآباء وسوء التفاهم مع الأجيال الأكبر، مثلما يشكو معتز في سخرية من عدم تفهم أمه لقراره بالتوقف عن العمل لستة أشهر من أجل كتابة رواية، وضيقها بفكرة عمله كـ"فري لانسر" ونفاد صبرها منه مطالبة إياه بأن يجد "شغلانة عدلة". السخرية من أحوال البلد من منظور الطبقة التي تخايلها دائما احتمالات الهجرة أو العمل في أوروبا أو أمريكا، كما في سخرية جورج من أننا البلد الوحيد الذي تنهال فيه التهاني على من نجح في الحصول على الفيزا لأنه "خارج بره" كأن الباقين "مزنوقين جوه"، كما يسخر من تعبيرنا عن القادم إلى مصر بأنه "نازل مصر" ويقول :"كده يبقى إحنا جوه وتحت. دي حفرة !".
في فقراتهم تظهر أيضا خلفياتهم المختلفة، جورج كفنان تشكيلي له أسلوب مميز يظهر فيه حسه الكاريكاتيري البصري، فهو يقول في إحدى فقراته أن المصريين سيتطورون بيولوجيا بسبب ما يمر بهم، وسيولد المصري في المستقبل بجيب شفاف في جبهته يضع فيه بطاقته الشخصية لكي لا يضيع وقت الضابط في اللجنة! كما أنه سيولد بكرات لاصقة في أصابع يديه وعجلات في أصابع قدميه، الأولى لكي نستغل المساحة الشاغرة على السطح الخارجي للأوتوبيس ويمكن ساعتها للمواطن أن يتشبث بأي مكان بلصق يديه، ثم تفيده عجلات رجليه في التزلج بالقصور الذاتي عند القفز من الأتوبيس فجأة عند المكان الذي يريده. ويتوقف هنا ليستدرك أن الإصبع الأكبر للقدم سيكون بلا عجلات لأنه الفرامل!
معتز عطا الله يسخر من عمله عندما يقول أنه كان طالبا كسلانا ولم يكن هناك مفر أن يقنع نفسه أن نظام التعليم هو كل المشكلة ولذلك عمل في مجال تطوير التعليم. وفي فقرة أخرى يصارح الجمهور بأنه اسكندراني ويرد على السخرية من النطق السكندريين للأفعال بفتحة في أولها مثل "طلع" بفتح الطاء ويقول: "هل يغني القاهريون في المدرسة : ذهب الليل وطِلع (بكسر الطاء) الفجر؟. ويرفع إصبعه محذرا:"كمان أحب أقول حاجة. اللي هايروح منطقة "بحري"، ويهزر ويقول :"من بحري وبنحبوه".. هاينضرب!"
مصطفى هاشم، الذي يسوّق نظما إلكترونية، يحاول تجاوز حالة القلق وسط جيله بعد انتشار قضايا التحرش، ويقول في فقرة له أنه من الواجب ابتكار جهاز "الشقطاميتر" لقياس "القابلية للشقط عند البنات"، يستخدمه الشاب ويقربه من الفتاة التي يرغب في التعرف عليها فإن زادت "قابليتها" عن 5 من 10 يمكن له أن يتقدم بلا قلق، ولو كانت أقل فإنه معرض لفضيحة بجلاجل وربما الحبس.
علا رشدي تشكو في سخرية من همها اليومي كفتاة تتعامل مع سائقي التاكسي الذين تمعن في تقليد طريقة كلامهم ومحاولة بعضهم التدخل في خصوصياتها. وفي الواقع فإن شخصية سائق التاكسي الممتزجة بالكوميديا اليومية لزحام الشارع والسيارات تحتل مساحة كبيرة في معظم فقرات هذه المجموعة.
هذا أيضا ما لاحظه روني خليل الكوميديان الأمريكي مصري الأصل، في فقرات شباب مصريين آخرين يرغبون في أداء هذا الفن. فخلال الأيام الماضية كان روني المحترف والمتخصص في مجال الـ "ستاند اب كوميدي" يحضر للحفل الخاص به والذي يقام الليلة في الساقية، بمشاركة مصطفى وجورج وعلا. وكان يختبر شبابا آخرين تقدموا ليظهروا معه. يقول روني: "طبيعي أن الأمر أكثر إلحاحا في الحياة اليومية ينعكس في الكوميديا، هذا مصدر فقراتي أيضا. فأنا أحتفظ بمسجل صوتي لأسجل كل ما ألاقيه في يومي من ملاحظات وأشياء أراها مصدرا للكوميديا، وربما كانت أصلا أحداث حزينة أو مؤسفة. وكل صباح أخصص ساعتين للكتابة وأحاول أن أرتب هذه الملاحظات والنكت وأن أضعها في سياق، وأن أستخدم المبالغة لتكون مضحكة أكثر".

خفة ظل وثرثرة
روني لاحظ أيضا أن عدم انتشار هذا الفن في مصر جعل معظم من يعرفونه هم الأشخاص الأقرب للثقافة الغربية، لذا فإن النسبة الأكبر ممن تقدموا يريدون أن يؤدوا باللغة الإنجليزية لا بالعربية، ولذلك سيضم الحفل فقرات باللغتين. ولكنه يقول أن علاقة المصريين القوية بالمزاح جعلت معظم المتقدمين أجرأ وأكثر وألفة على المسرح عكس ما يراه في الولايات المتحدة، ولكن ما يحتاجون فيه لملاحظاته كمحترف في هذا الفن هو أنهم ميالون للثرثرة، وهو يحاول مساعدتهم على تركيز كلامهم فيما يخدم ويمهد للقفشة واختصار ما لا لزوم له.
روني يتحدث العربية مع بعض الصعوبة، ويقدم عروضه باللغة الإنجليزية فقط، ورغم أن كل حياته قضاها في الولايات المتحدة فإن ملاحظاته على المجتمع المصري أو العربي أو أقلياتهما في الغرب لها حضور في كثير من فقراته، فهو يستخدمها لتفجير الكوميديا في عروضه، ففي فقرة يشكو من أن الميل للتطويل والثرثرة يجعل من الزيارة في مصر حدثا ممتدا، ويجعل إنهاء الزيارة أمرا شاقا يتطلب قياما وقعودا لأكثر من مرة لأن تذكر خبر جديد أو قصة مشوقة يعيد الزوار إلى كراسيهم، ولو انتهت الزيارة فإن المصريين عادة ما يكملونها بالكلام في التليفون لساعات أخرى لاستدراك ما فاتهم ! كما أنه يسخر من "الزواج التقليدي" بين العرب الذي يركز على فكرة مصاهرة "العائلة المحترمة" وهو ينتقد تفسير "الاحترام" هنا ويقلد أبيه وهو يقول له معاتبا على مواعدته لفتيات بدلا من الزواج مبكرا:" يا ابني المظهر ليس أهم ما في الفتاة، الأهم هو (ويشير إلى قلبه في تأثر ويضيق عينيه) ... الفلوس!"
هذه الانتقادت التي تقال بالإنجليزية على "شو تايم" يراها بعض المصريين إهانة لهم، وهناك تعليقات عنيفة على فيديوهات روني على "يوتيوب" بهذا الخصوص. لكن روني يعتبر هذا متوقعا: "الكوميديا دائما تغضب طرفا ما. وبشكل خاص فن الـ"ستاند اب كوميدي" يلمس مباشرة مناطق الغباء والهزلية في الحياة الروتينية المعتادة التي لم تعد تلفت انتباهنا، وعندما أسخر من شيء يخصك وتنتبه له فإما تغضب أو تتقبل ذلك وتوافقني وتضحك ".
يقول روني خليل أنه يحاول بعض الشيء تجنب الحساسيات الشديدة في عروضه في الدول العربية، ولذلك سيبتعد عرض الليلة عن السخرية اللاذعة في المجالات الحساسة: السياسة والدين والجنس، ولكنه يضيف :" ولأنه لا يمكنني أن أنفصل تماما عما يجري ويهم الناس. فأنا بالتأكيد سأقول شيئا عن الخطاب الأخير لأوباما". ولن يكون ذلك حساسا لأن روني يعرف جيدا أن مواطنه ورئيسه أوباما لن يغضب.



"ستاند اب كوميدي" من أمريكا إلى مصر

بدأ فن الـ"ستاند أب كوميدي" يتبلور بشكل مستقل في الولايات المتحدة، بعد أن كان مجرد أسلوب موجود في السينما أو المسرح خاصة الحديث منهم. عندما يتوقف الممثلون عن إيهام الجمهور بأدوراهم ويتحدثون إليهم مباشرة، سواء كان ارتجالا أو مخططا في النص، وهو ما يعرف بإزالة الحائط الرابع بين الممثلين والمشاهدين، ويقدمون نوعا من الكوميديا المباشرة دون الاستعانة بالدراما. كما أنه أسلوب موجود في برامج التوك شو الغربية التي يقدمها مذيعون متميزون بخفة الظل، مثل late Night show الذي يقدمه حاليا ديفيد ليترمان.
شكله المستقل الأول ظهر مع عشرينات القرن الماضي في الولايات المتحدة مع عروض الرجل الواحد على المسارح وأمام الستار قبل بدء حفل موسيقى ما، ثم تطور في الخمسينات والستينات إلى فقرات خاصة انتقلت إلى النوادي الليلية والمطاعم، وفي الثمانينات كانت ذورة انتشار هذا الفن مع انتشار "نوادي كوميديا" Comedy clubs في كافة الولايات وبشكل كثيف في نيويورك، ومنها بدأت شهرة نجوم وكتاب ومخرجي كوميديا معاصرين مثل روبن ويليامز ووودي آلان وجيري ساينفيلد. ففنان الـ"ستاند أب كوميدي" فنان شامل يكتب ويخرج ويمثل ويرتجل.
ومن هذه النوادي بدأت أيضا رحلة شهرة روني خليل الكوميديان الشاب. هو بالأساس ابن لأسرة مصرية انتقلت إلى الولايات المتحدة حيث ولد في ميامي، ودرس إدارة الأعمال والتسويق وحصل على الماجستير. ولكنه انجذب لفن الستاند اب كوميدي منذ 8 سنوات، فحاول كهاو أن يقدم عروضا في نوادي الكوميديا في ميامي ثم انتقل إلى نيويورك ليقدم عروضا أكثر ويتدرب حتى بدأ يجني بعض الشهرة قبل عامين وظهر على قناتي "كوميدي سنترال" و"شو تايم" في عروض كبيرة تركزت حول كوميديا الأقليات العرقية في الولايات المتحدة مثل عرض "حكم الأقليات" Minorities rule أو السخرية من سياسات بوش في النظام العالمي الجديد "New world order" و محور الشر "Axis of evil"، ثم انتقل للحياة في هوليوود ليصبح كوميديانا محترفا.
ليست المرة الأولى التي يقدم فيها روني عرضا في مصر، ولكنه نظّم حفل الساقية بجهده الذاتي بدون رعاة لكي يصل بهذا الفن إلى الجمهور العادي من الشباب المصري ويشجعهم على ممارسته، بدلا من العروض ذات التذاكر الباهضة التي قدمها مؤخرا أمريكيون من أصل عربي باللغة الإنجليزية، أو تلك العروض المحدودة في مطاعم ونوادي يرتادها عدد قليل من جهور وسط البلد.
--
نشر في الشروق 11يونيو 2009
PDF

المزيد